ألمانيا ستُعيد «برونزيات بنين» إلى نيجيريا

في محاولة لنفض غبار التاريخ الاستعماري عن كاهلها

عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
TT

ألمانيا ستُعيد «برونزيات بنين» إلى نيجيريا

عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)

أعلنت وزارة الثقافة الألمانية، مساء الخميس الماضي، أن الحكومة الألمانية تعتزم البدء في إعادة عدد كبير من القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن، المعروفة باسم «برونزيات بنين»، من مختلف المتاحف الألمانية إلى نيجيريا بدءاً من العام المقبل.
وتتناثر القطع الأثرية المذكورة التي كان الجيش البريطاني قد نهبها في غارة عسكرية شُنت على مدينة بنين، فيما بات يُعرف اليوم بدولة نيجيريا، في عام 1897، بين عدد من المتاحف والمجموعات الخاصة في مختلف أرجاء العالم. ويأتي الإعلان الألماني الأخير، وهو الأول من نوعه من قبل الحكومة الوطنية، متبوعاً بجدول زمني محدد للتسليم، في الآونة التي يتزايد فيها الزخم على جانبي الأطلسي بشأن أحقية إعادة القطع الأثرية المنهوبة إلى مواطنها الأصلية.
وقد توصل المسؤولون الحكوميون مع المشرعين الإقليميين، رفقة مديري المتاحف في ألمانيا، إلى اتفاق ينص على التزام المؤسسات الألمانية التي تستحوذ على المئات من القطع الأثرية البرونزية المذكورة بالشروع في التواصل مع الجهات النيجيرية المعنية، مع بلوغ الحد في السعي والجهد لإنجاز مهمة إعادة الدفعة الأولى من تلك القطع إلى موطنها الأصلي بدءاً من العام المقبل.
وصرحت مونيكا غروترز، وزيرة الثقافة الألمانية، في بيان صحافي صادر عنها: «نحمل على كاهلنا مسؤولية تاريخية وأخلاقية ثقيلة تقتضي منا تسليط الأضواء على ماضي البلاد الاستعماري، ولزوم التصالح معه، والبدء بتناول مسألة برونزيات بنين هي أول اختباراتنا الحقيقية في ذلك الصدد».
ومن شأن القطع البرونزية الأثرية (التي على الرغم مما يشير إليه اسمها هي من العناصر المتعددة المصنوعة من مواد العاج والنحاس والخشب) أن يستقر بها المقام في متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا في مدينة بنين، ذلك الذي يعكف المهندس المعماري ديفيد أدجاي على تصميمه وبنائه، بالإنابة عن مؤسسة «ليجاسي ريستوريشن ترست» الثقافية، وهي المؤسسة التي تمثل الحكومة النيجيرية، والسلطات الإقليمية، بالإضافة إلى الديوان الملكي في بنين.
ويأمل الصندوق الثقافي سالف الذكر في افتتاح المتحف في عام 2025، على الرغم من تكرار إرجاء الجدول الزمني للانتهاء من أعمال البناء عدة مرات في السابق.
وقد رحب السيد فيكتور إيخامينور، كبير أمناء الصندوق الثقافي النيجيري، بالإعلان الصادر عن الحكومة الألمانية، وأفاد في مقابلة أجريت معه عبر الهاتف مؤخراً بأنه «إن قُدر لهذه الخطوة النجاح، فلسوف تكون بمثابة خريطة طريق ثقافية لجهات وأناس آخرين».
ومن شأن وزارة الثقافة الألمانية نشر قائمة تشتمل على مقتنيات مجموعة «برونزيات بنين» كافة الموزعة عبر مختلف المتاحف الألمانية بحلول الثلاثاء الموافق 15 يونيو (حزيران) المقبل، وذلك بموجب الإعلان الرسمي الموقع عليه في اجتماع يوم الخميس الماضي. وستُطرح تفاصيل تتعلق بأصول ومصادر القطع الأثرية بحلول نهاية العام الحالي، بما في ذلك ما إذا كانت قد وصلت إلى البلاد بطريقة مشروعة أو نُهبت من موطنها الأصلي خلافاً لذلك. ولقد أكد الإعلان المشار إليه أن الحكومة الألمانية تأمل في الاحتفاظ بعدد من القطع البرونزية لعرضها في متاحف البلاد.
ومن جانبه، نفى السيد إيخامينور اعتراضه على بقاء بعض العناصر لعرضها في ألمانيا، لا سيما مع إتمام إجراءات نقل الملكية القانونية إلى متحف مدينة بنين، وأضاف معلقاً: «نهتم كثيراً بالتواصل الثقافي العالمي مع مختلف البلدان، ما دام أنه يجري ضمن إطار متبادل من الاحترام والإنصاف، إذ لم نعد نتحمل أن نكون مجرد جزء من بنية استعمارية خارجية قميئة».
وكثيراً ما حاول الشعب الألماني أن ينفض عن كاهله غبار التاريخ النازي البغيض، غير أن مجال النقاش العام قد تحول خلال السنوات الأخيرة إلى فحص الدور الاستعماري الألماني في قاراتي أفريقيا وآسيا، وفي المحيط الهادئ. وفي عام 2019، وقعت الأقاليم الألمانية الستة عشر، وهي المتحملة لمسؤولية الشؤون الثقافية، على اتفاقية تقضي بالتزامها بالعمل على إعادة القطع الأثرية المنهوبة من المستعمرات الألمانية السابقة في الخارج.
وبدأت في المملكة المتحدة التي شن جيشها الاستعماري الغارة سالفة الذكر على بنين في عام 1897 الخطوات الرامية إلى إعادة القطع الأثرية البرونزية التي تستحوذ عليها المؤسسات، وليس الحكومة البريطانية. وفي مارس (آذار) الماضي، نشر متحف «هورنيمان» في العاصمة لندن الذي يضم بين جنباته 49 قطعة أثرية من مجموعة «برونزيات بنين» وثيقة رسمية، أعلن بمقتضاها النظر في إمكانية إعادة أي قطعة من القطع الأثرية ضمن المجموعة التي استحوذ عليها بالقوة أو بالنهب. وبعد ذلك بأيام قليلة، أعلنت جامعة أبردين في اسكوتلندا عن اعتزامها إعادة «منحوتة أوبا» أو «الحاكم» المملوكة بالأساس لمملكة بنين، وهي التي كانت قد نُهبت في غارة للجيش البريطاني عام 1897.
وعلى الرغم من ذلك، فهناك عدد من أكبر المتاحف في المملكة المتحدة -مثل المتحف البريطاني الذي يضم أكثر من 900 قطعة من أفضل القطع الأثرية في مجموعة «برونزيات بنين»- يخضع في نظامه الأساسي للوائح صادرة عن البرلمان البريطاني، ولا يملك حق إعادة أي قطعة من مقتنيات المتحف بصفة دائمة من دون إجراء تعديل تشريعي سابق بهذا الخصوص. ولم تصدر استجابة من قبل وزارة الثقافة البريطانية على طلب التعليق، أول من أمس (الجمعة).
ويعد المتحف البريطاني عضواً ضمن «مجموعة بنين الحوارية»، وهي شبكة من المتاحف الأوروبية نظمت لقاءات مع ممثلين من نيجيريا منذ أكثر من 10 سنوات بغرض ما يمكن القيام به بشأن مجموعة «برونزيات بنين». وتساعد «مجموعة بنين الحوارية» كذلك في أعمال تطوير متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا، كما تساهم في تمويل وتوفير القدرات البشرية المعنية بالأعمال الأثرية في موقع المتحف التي من المقرر أن تبدأ في خريف العام الحالي.
ووصف إيخامينور موقف المتحف البريطاني من محادثات استعادة القطع الأثرية المنهوبة بأنه مثل طاهي أحد المطاعم الشهيرة الذي يرفض إعداد أطباق الطعام! وأضاف: «إن وجود تلك القطع بحوزة المتحف البريطاني لم يسفر أبداً عن نوع المناقشات التي بلغت مسامعنا عن متاحف أخرى مماثلة في أوروبا. وإن كانت ألمانيا تحاول البحث عن وسيلة لإجراء هذه المناقشات، فأعتقد أنه حري بالجانب البريطاني الشروع في ممارسة مماثلة»، وتابع أنه يأمل في أن يغير الإعلان الثقافي الألماني الرسمي من مستجدات الأمور.
ومن ناحيتها، أقرت الناطقة الرسمية باسم المتحف البريطاني، في بيان لها، بأن الاستحواذ الأول على القطع الأثرية البرونزية جرى في ظل ظروف من النهب والدمار، وأضافت أن الأمر قد شُرح ووُضح في بيانات القطع المعروضة بالمتحف، فضلاً عن الموقع الإلكتروني الرسمي للمتحف أيضاً.
وفي حين دخلت المتاحف الأوروبية في حوارات مفتوحة مع نيجيريا منذ سنوات بذلك الشأن، شرعت المؤسسات الأميركية المناظرة في الآونة الأخيرة فقط في اتخاذ بعض الخطوات بشأن القطع البرونزية المحفوظة لدى متاحفها. وتواصلت إدارة متحف «فاولر»، التابع لجامعة كاليفورنيا، مع المسؤولين في نيجيريا بشأن مستقبل 18 قطعة من مجموعة «برونزيات بنين» الأثرية التي يحتفظ بها المتحف ضمن مقتنياته، حسبما أفادت به مارلا سي. بيرنز مديرة المتحف.
وصرحت كريستين كريمر، نائب مدير المتحف الوطني للفنون الأفريقية، بأن مؤسسة «سميثسونيان» الأميركية قد شكلت مجموعة عمل معنية بتطوير سياسات جديدة إزاء فنون الحقبة الاستعمارية، والقطع الأثرية المنهوبة ضمن مجموعاتها الفنية. وأضافت أن هناك 42 قطعة من مجموعة «برونزيات بنين» في متحفها، على الرغم من عدم الاستحواذ عليها بالنهب في المقام الأول، كما توجد بعض القطع أيضاً لدى متاحف أخرى تابعة لمؤسسة «سميثسونيان»، مثل المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي. وأشارت إلى أن الاجتماع الأول لمجموعة العمل المذكورة سيكون خلال الأسبوع المقبل.
واستطردت كريمر تقول: «اتخذت المتاحف الأميركية خطوات بطيئة بعض الشيء في المضي قدماً في هذا المسار. ولقد حان الوقت الآن لتصحيح الأوضاع»، في إشارة منها إلى عدم ضلوع الولايات المتحدة في المساعي الاستعمارية الأوروبية القديمة.
ولم يصدر أي إعلان أو بيان رسمي من جانب متحف «متروبوليتان» الأميركي بشأن جهود إعادة القطع الأثرية إلى مواطنها، وهو الذي يضم بين مقتنياته 150 قطعة أثرية من مدينة بنين، بما في ذلك قناع شهير من العاج. وقال المتحدث باسم المتحف في تصريح يوم الخميس: «وصلت هذه القطع والأعمال الفنية إلى المتحف في الفترة بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي على أيدي أشخاص كانوا قد استحوذوا عليها من مختلف المعارض والأسواق الفنية»، وأضاف أن المتحف على دراية كاملة بخطة الإعادة الألمانية الجديدة.
وقال إيخامينور إن موقف متحف «متروبوليتان» يكتنفه التردد والغموض، تماماً مثل موقف المتحف البريطاني بشأن هذه القطع الأثرية، غير أنه أكد ضرورة التواصل مع المؤسسات الأميركية بهذا الشأن في الوقت المناسب.
وفي السياق، يقول فيليب إيناتشو، الممول الذي يقود حملة جمع التبرعات من أجل متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا، في مقابلة هاتفية، إن الاستعدادات الجديدة لدى عدد من الحكومات والمتاحف لإجراء الحوارات بشأن إعادة مجموعة «برونزيات بنين» الأثرية كانت بمثابة التغيير العاصف لقواعد العمل المعروفة، و«في ظل الزخم الراهن الذي يبدو كالقوة الدافعة وراء عدد من المناقشات الأخيرة، فإننا نشعر بقدر كبير من الثقة في أن التصلب والمجابهة لم يعودا مفيدين في إقناع الآخرين بإعادة ما فُقد منذ عقود، بل يكمن التحدي الجديد في كيفية بناء المؤسسة الثقافية الجديرة باقتناء واحترام والمحافظة على تلك المقتنيات ذات الأهمية».



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended