مجلس الأمن الدولي يطلب تطبيق خطة «آسيان» في ميانمار

مسيرة لمناهضين للانقلاب العسكري في مدينة داوي بجنوب غربي ميانمار (أ.ف.ب)
مسيرة لمناهضين للانقلاب العسكري في مدينة داوي بجنوب غربي ميانمار (أ.ف.ب)
TT

مجلس الأمن الدولي يطلب تطبيق خطة «آسيان» في ميانمار

مسيرة لمناهضين للانقلاب العسكري في مدينة داوي بجنوب غربي ميانمار (أ.ف.ب)
مسيرة لمناهضين للانقلاب العسكري في مدينة داوي بجنوب غربي ميانمار (أ.ف.ب)

دعا مجلس الأمن الدولي بالإجماع في إعلان، أمس (الجمعة)، إلى تطبيق خطة رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) التي تتضمن خمس نقاط، خصوصاً «الوقف الفوري للعنف في ميانمار»، في نص تم تخفيف حدته بطلب من الصين وروسيا.
وتنص هذه الخطة أيضاً على تعيين مبعوث من الرابطة. وقال المجلس في بيان وُضع بمبادرة من بريطانيا، إنه يجب تنفيذ هذه الخطة «من دون تأخير»، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.
وبعد اجتماع مغلق، صباح الجمعة، تطلب التوصل إلى هذا النص تنازلات من الغربيين لبكين وموسكو اللتين طلبتا حذف عبارة وردت في مسودة النص الأولى. ويعبر مجلس الأمن في هذه المسودة الأولى عن «إدانته بشدة للعنف ضد المتظاهرين السلميين» ويطالب «الجيش بأكبر قدر من ضبط النفس».
وقال دبلوماسي طلب عدم الكشف عن هويته إن «ما يجب تجنبه هو خسارة وحدة المجلس إلى درجة شل حركته... هذا يندرج في إطار حساسية العمل وأمر تقدمي جداً»، معترفاً بذلك بضرورة الاستجابة لرغبات الصين الداعمة الأولى لميانمار لإبقائها في إطار التوافق الدولي.
وبذلك يكون مجلس الأمن الدولي قد تبنى أربعة بيانات منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في الأول من فبراير (شباط). وكل هذه البيانات تم تخفيف حدتها خلال مفاوضات مع الصين.
وعقد مجلس الأمن اجتماعه (الجمعة)، بدعوة من فيتنام لعرض نتائج قمة رابطة جنوب شرقي آسيا في إندونيسيا. ويشجع الإعلان المعتمد على زيارة مبعوثة الأمم المتحدة كريستين شرانر بورغنر إلى ميانمار «في أقرب وقت ممكن».
وقال دبلوماسيون إن بورغنر التي تقوم بجولة في المنطقة، كررت خلال اجتماع مجلس الأمن، دعوتها إلى موقف دولي جماعي على أمل التأثير في تطور الوضع.
وعرضت للمجلس ملخص لقاء طويل عقدته على هامش قمة آسيان مع رئيس المجلس العسكري في ميانمار الجنرال مين أونغ هلاينغ. وقال دبلوماسيون إنها واجهت خلال اللقاء رفضاً جديداً لتوجهها إلى ميانمار. وقد أبلغت مجلس الأمن الجمعة، أنها تقدمت الخميس، بطلب جديد للذهاب إلى البلاد.
وذكر دبلوماسي أن حكومة بروناي التي تتولى الرئاسة الدورية لرابطة دول جنوب شرقي آسيا حالياً، طرحت خلال الاجتماع فكرة زيارة مشتركة لمبعوثة الأمم المتحدة مع نظيرها المقبل في آسيان إلى ميانمار.
وقالت مبعوثة الأمم المتحدة: «تقديراتنا تفيد بأن نحو عشرين ألف شخص نزحوا ونحو عشرة آلاف فروا إلى الدول المجاورة منذ فبراير (شباط)»، مؤكدة أن «التداعيات الإقليمية» للوضع في ميانمار «تتطلب تحركاً عاجلاً»، حسب فقرات من خطابها حصلت عليها وكالة الصحافة الفرنسية.
وأضافت أن «الطموح المشترك للديمقراطية وحد بشكل غير مسبوق شعب ميانمار على الرغم من انقساماته الدينية والعرقية والطائفية». وتابعت أن هذه الوحدة القوية سببت صعوبات غير متوقعة للجيش في ترسيخ سلطته وتحقيق الاستقرار بعد الانقلاب.
وجاء هذا الاجتماع بعد أربعة أشهر تماماً على وقوع الانقلاب وفرض الإقامة الجبرية على الحاكمة المدنية الفعلية السابقة أونغ سان سو تشي.
وقُتل نحو 760 مدنياً برصاص الشرطة والجيش في الأشهر الثلاثة الماضية، حسب جمعية مساعدة السجناء السياسيين.
واعترف المجلس العسكري بمقتل 258 شخصاً فقط في 15 أبريل (نيسان)، ووصف المتظاهرين بـ«مثيري الشغب» المتورطين في «أعمال إرهابية».


مقالات ذات صلة

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

تتباين الآراء في ليبيا بشأن تأثير الأحداث التي شهدتها الزاوية وبنغازي، الأسبوع الماضي، على «المبادرة الأميركية» بشأن العمل على إنهاء الانقسام السياسي والعسكري.

جاكلين زاهر (القاهرة)
الخليج مجلس الأمن الدولي (الأمم المتحدة)

ترحيب عربي وإسلامي بإدانة مجلس الأمن هجمات الحوثيين

حظي بيان أعضاء مجلس الأمن الدولي الذي أدان الهجمات الحوثية ضد السعودية والسفن التجارية بترحيب واسع، مع تأكيد أهمية ما تضمنه من التشديد على احترام سيادة اليمن.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج بيان مجلس الأمن أكد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة (أرشيفية - الأمم المتحدة)

السعودية ترحّب بإدانة «مجلس الأمن» هجمات الحوثي الإرهابية

جدّدت السعودية مطالبتها المجتمع الدولي بالقيام بمسؤولياته تجاه تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، واتخاذ موقف حازم تجاه الانتهاكات التي تهدد أمن المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم مركبات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية قرب الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان 6 يوليو 2023 (رويترز)

بعد «يونيفيل»... كيف تعيد الأمم المتحدة صياغة قوات حفظ السلام؟

يسلّط اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل» في لبنان الضوء على مراجعة أممية لعمليات حفظ السلام، تستهدف تطوير نماذج أكثر مرونة لمواكبة النزاعات المعاصرة.

شادي عبد الساتر (بيروت)
العالم عقد مجلس الأمن عملية اقتراع غير رسمية تُمهّد لاختيار الأمين العام الجديد للأمم المتّحدة (الأمم المتحدة)

غرينسبان تتصدر المرشحين لخلافة غوتيريش في الأمم المتحدة

تقدمت الأمينة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ريبيكا غرينسبان على المرشحين الـ6 الآخرين لخلافة أنطونيو غوتيريش في أولى عمليات الاقتراع غير الرسمية.

علي بردى (واشنطن)

آلاف ممن أخلوا منازلهم جراء الزلزال ينتظرون المساعدات في إندونيسيا

عائلة إندونيسية هاربة إلى ملجأ مؤقت (رويترز)
عائلة إندونيسية هاربة إلى ملجأ مؤقت (رويترز)
TT

آلاف ممن أخلوا منازلهم جراء الزلزال ينتظرون المساعدات في إندونيسيا

عائلة إندونيسية هاربة إلى ملجأ مؤقت (رويترز)
عائلة إندونيسية هاربة إلى ملجأ مؤقت (رويترز)

بقي آلاف الأشخاص الذين أخلوا منازلهم ينتظرون المساعدات، غداة الزلزال القوي الذي ضرب جزيرة فلوريس في شرق إندونيسيا موقعا 53 قتيلاً وعشرات الجرحى وملحقاً أضراراً بمئات المباني.

وأخلى نحو 5 آلاف شخص منازلهم جراء الزلزال بقوة 7.7 درجة الذي هز الجزيرة، صباح السبت، وأعقبته 341 هزة ارتدادية، وفق ما أعلن الناطق باسم «الوكالة الوطنية لإدارة الكوارث» بيرتون سوار بيليتا بانجايتان.

وبقي سكان بعض المناطق من دون كهرباء أو وسائل للاتصال، بينما تبقى طريق واحدة على الأقل مخصصة للوصول الطارئ إلى المنطقة، غير سالكة. وقال عمري (55 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الأحد: «نحن بحاجة إلى طعام وماء ودواء وحفاضات للأطفال».

خيمة مؤقتة بعد انهيار المنزل بالزلزال في شرق إندونيسيا (رويترز)

وأوضح الرجل المتحدر من نانغاهالي على الساحل الشمالي لفلوريس، أنه انتظر 24 ساعة على المرتفعات بعد الكارثة، على التل نفسه الذي لجأت إليه نورهدايتي.

وقالت نورهدايتي البالغة 55 سنة: «ما زلتُ مذعورة، قلبي يخفق بشدة كلما تذكرتُ الهزة... ركضنا إلى هنا...أشعر بخوف شديد الآن، ما زلتُ أعاني من صدمة زلزال 1992. لا أجرؤ على العودة إلى المنزل». وأضافت: «آمل أن توزّع الحكومة قريباً المساعدات علينا».

كانت فلوريس قد تعرضت عام 1992 لزلزال بقوة 7.7 درجة، تسبب بتسونامي، وأودى بحياة نحو 2500 شخص. وأفادت أحدث حصيلة رسمية أعلنتها «الوكالة الوطنية للبحث والإنقاذ»، الأحد، بمقتل 51 شخصاً على الأقل، وإصابة 132 بجروح.

وأشار بيرتون إلى إصابة 101 شخص من سكان فلوريس على الأقل. وقال في بيان: «بالإضافة إلى الخسائر في الأرواح، تسبب الزلزال بأضرار مادية شلّت الحياة اليومية للسكان».

مبانٍ دمرها الزلزال (أ.ب)

وحُدّد مركز الزلزال شمال جزيرة فلوريس السياحية التي تتميز بمبانٍ منخفضة. وهُرع السكان إلى المناطق المرتفعة مع انحسار مياه البحر، وهو ما قد ينذر بحدوث تسونامي. ورُفع الإنذار سريعاً، لكن السلطات حضت السكان على عدم العودة إلى المباني المتضررة خوفاً من أن تنهار جراء الهزات الارتدادية.

وبحسب أجهزة الإنقاذ، أصيب 914 منزلاً بأضرار جسيمة، بينما لحقت أضرار طفيفة بمئات المنازل الأخرى، كما تضررت عشرات المباني الرسمية من بينها 93 منشأة تعليمية، و36 منشأة صحية، و38 مبنى حكومياً. وأعلن بيرتون أن حكومة نوسا تينغارا الشرقية، حيث تقع فلوريس، تُعدّ مرسوماً يعلن حالة الطوارئ في المنطقة لـ14 يوماً.

مبانٍ حكومية تضررت بشدة (أ.ب)

وأكد «الصليب الأحمر» و«الهلال الأحمر» أن الاستعدادات جارية لتقديم المساعدة لآلاف النازحين المقيمين في ملاجئ مؤقتة. وأرسلت الحكومة 50 ألف حزمة مساعدات، تُعادل 275 طناً من المساعدات الإنسانية. وعرض الاتحاد الأوروبي توفير أقمار «كوبرنيكوس» لمراقبة الأرض للمساعدة على عمليات الاستطلاع، وتحديد مواقع أي ضحايا.

وتشهد إندونيسيا، الواقعة على حزام النار في المحيط الهادئ، نشاطاً زلزالياً كبيراً. وشهدت عام 2004 واحداً من أعنف الزلازل في تاريخها بلغت قوته 9.1 درجة، وقع قبالة سواحل جزيرة سومطرة (غرب) وتسبب بموجة تسونامي هائلة أوقعت 170 ألف قتيل عبر الأرخبيل ونحو 50 ألف قتيل في الدول المجاورة.


«اشتراكية جيل Z»... عندما يصبح خفض الإيجار هو الآيديولوجيا

إيجاد وظيفة على رأس أولويات الشباب الجامعي (أرشيفية - رويترز)
إيجاد وظيفة على رأس أولويات الشباب الجامعي (أرشيفية - رويترز)
TT

«اشتراكية جيل Z»... عندما يصبح خفض الإيجار هو الآيديولوجيا

إيجاد وظيفة على رأس أولويات الشباب الجامعي (أرشيفية - رويترز)
إيجاد وظيفة على رأس أولويات الشباب الجامعي (أرشيفية - رويترز)

بعد التغيّرات في عدد من الدول، خصوصاً في أميركا اللاتينية، يمكن القول إن وجه اليسار العالمي يتغيّر؛ فبعد عقود ارتبطت فيها الاشتراكية بالأحزاب الجماهيرية، والنقابات الصناعية، والصراع الطبقي، تنتقل الحركة اليسارية تدريجياً نحو نموذج أكثر واقعية، يركز على تكاليف المعيشة، والسكن، وأمن الوظائف، والخدمات العامة، وأخطار الذكاء الاصطناعي. وبينما تراجعت قوة الأحزاب التقليدية القائمة على الطبقة العاملة، لم تختفِ الأفكار اليسارية؛ بل أعادت تقديم نفسها بلغة أكثر مباشرة وأقل آيديولوجية.

يبرز هذا التحول بوضوح في الولايات المتحدة، حيث أصبح زهران ممداني أحد أبرز وجوه اليسار الجديد، إلى جانب صعود شخصيات وحركات مشابهة في بريطانيا وكندا وألمانيا وفرنسا. وقد حققت موجة المرشحين الاشتراكيين الديمقراطيين مكاسب لافتة في المدن الأميركية، مستفيدة من خطاب يتناول القدرة على تحمل تكاليف الحياة بدلاً من الشعارات الآيديولوجية التقليدية.

السكن في باريس مكلف جداً (أ.ف.ب)

* محطات ومراحل

تعود جذور اليسار الحديث إلى الثورة الفرنسية، حين جلست الجماعات المؤيدة للإصلاح في الجانب الأيسر من البرلمان. وبعد الحرب العالمية الثانية، اكتسبت الاشتراكية الأوروبية قوتها من العاملين في قطاعات الصناعات الثقيلة وأعضاء النقابات المنظمة، وسعت إلى إدارة الرأسمالية وإعادة توزيع ثمارها بدلاً من إلغائها. لكن الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009 كشفت حدود هذا النموذج، وأطلقت نقاشاً جديداً حول علاقة اليسار بالعمال والاقتصاد والبيئة.

كان جيل الألفية من أوائل الأجيال التي حاولت إعادة تعريف الاشتراكية؛ فبدلاً من التركيز على تأميم الصناعات، ظهرت أفكار مثل إشراك العمال في إدارة الشركات، وتوسيع الملكية التعاونية، والاستثمار في التكنولوجيا الخضراء، وبناء اقتصاد أكثر استدامة. لكن هذا النموذج لم يحقق الاختراق الشعبي المنتظر؛ فقد خسر بيرني ساندرز، على سبيل المثال، سباقي ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية في 2016 و2020، وقاد جيريمي كوربين حزب «العمال» البريطاني إلى نتيجة سيئة في 2019، بينما فشل جان لوك ميلانشون في إزاحة إيمانويل ماكرون في فرنسا.

ورغم صعود اليسار الجديد في أكثر من بلد، لم يتحول هذا الصعود، في تلك المرحلة، إلى سيطرة مستدامة على السلطة التنفيذية.

زعيم اليسار الفرنسي جان لوك ميلانشون (رويترز)

ثم جاءت مرحلة ما بعد جائحة كورونا لتوفر بيئة سياسية جديدة؛ فالأرقام الاقتصادية بدت قوية في كثير من الدول الغنية: البطالة منخفضة، والمداخيل مرتفعة، وأسواق الأسهم حققت مكاسب كبيرة. لكن تجربة المواطنين اليومية بدت مختلفة؛ فالسكن أصبح أكثر تكلفة، وأسعار الغذاء والطاقة أثقلت الأسر، وصار العثور على وظيفة مستقرة أصعب بالنسبة إلى كثير من الشباب.

من هنا نشأت إحدى أهم أفكار اليسار الجديد: المشكلة ليست فقط في حجم الاقتصاد (الناتج الإجمالي)، بل في قدرة الناس على العيش في ظله.

تساعد هذه الفكرة في تفسير صعود ما يمكن تسميته «اشتراكية جيل زد» Z (مواليد ما بين 1997 و2012)؛ فأنصارها لا يقدمون بالضرورة مشروعاً متكاملاً لإلغاء الرأسمالية، بل مجموعة من المطالب الملموسة: خفض الإيجارات، وتوفير رعاية الأطفال، وجعل النقل العام أرخص أو مجانياً، وحماية الوظائف، وفرض ضرائب أكبر على أصحاب الثروات الضخمة.

* نماذج وأفكار

في نيويورك، ارتبط صعود زهران ممداني بوعود مثل تجميد الإيجارات في المساكن الخاضعة للرقابة، وإنشاء متاجر بقالة تملكها البلدية (بدأ تنفيذ ذلك)، وتوسيع خدمات رعاية الأطفال. وفي سياتل (ولاية واشنطن)، مثّل صعود كاتي ويلسون جزءاً من الاتجاه نفسه.

زهران ممداني رئيس بلدية نيويورك (إ.ب.أ)

وتظهر أفكار مماثلة في بريطانيا، حيث يدفع زاك بولانسكي وحزب «الخضر» باتجاه سياسات تتعلق بالإيجارات والنقل العام، وفي كندا مع زعيم الحزب الديمقراطي الجديد آفي لويس. وقد وصفت هذه الموجة بأنها يسار يهتم بـ«إنجاز الأشياء» أكثر من اهتمامه بالتصنيف الآيديولوجي.

* خطاب يتوجّه إلى الشباب

لا يمكن فصل هذا التحول عن القلق المتزايد بشأن الذكاء الاصطناعي؛ فبالنسبة إلى كثير من الشباب، لا تمثل هذه «الظاهرة» مجرد تقدم تقني، بل تمثل احتمالاً جديداً لاضطراب سوق العمل وزيادة تركّز الثروة والنفوذ في أيدي عدد محدود من الشركات والأفراد. وتشير استطلاعات حديثة إلى مستويات مرتفعة من القلق بين الشباب الأميركيين بشأن مستقبلهم المالي والوظيفي، بما في ذلك تأثير الذكاء الاصطناعي على فرص العمل.

وفي فرنسا، أظهر استطلاع للرأي أجرته حديثاً شركة «OpinionWay» أن 61 في المائة من الطلاب قلقون بشأن مستقبلهم المهني، و77 في المائة يتوقعون منافسة أكبر بكثير للحصول على وظيفتهم الأولى.

وهنا يختلف خطاب «جيل Z» عن اليسار السابق؛ فالاشتراكيون الجدد أقل اهتماماً بالبرامج الكبرى طويلة الأمد وأكثر ميلاً إلى الوعود ذات الأثر المباشر. «خفّضوا إيجاري»، و«خفّضوا فواتيري»، و«احموا وظيفتي»... هذه الرسائل، مهما بدت بسيطة، تمنح الناس إجابات مباشرة عن مشكلات يعيشونها يومياً.

وفي بعض الحملات الجديدة، تتراجع أولوية بعض القضايا الثقافية لصالح القضايا الاقتصادية المباشرة؛ فبعد سنوات ركز فيها اليسار على قضايا الهوية والتنوع والإنصاف والمساواة، باتت الأولوية الاقتصادية أكثر وضوحاً. ولا يعني ذلك اختفاء قضايا أساسية مثل المناخ أو العدالة الاجتماعية، بل إعادة ترتيبها داخل خطاب سياسي يريد التوجه إلى الفرد الذي يشعر بأن دخله لا يكفي، وأن السكن حلم بعيد المنال، وأن التكنولوجيا قد تهدد مستقبله المهني.

ومن أبرز التحولات أيضاً مسألة الضرائب؛ فقد كان اليسار التقليدي أكثر استعداداً لفرض زيادات ضريبية واسعة لتمويل دولة الرفاه. أما الخطاب الجديد فيميل إلى تحميل الجزء الأكبر من العبء للأثرياء الكبار والشركات الكبرى. وفي بريطانيا، مثلاً، يقترح بولانسكي فرض ضرائب على الثروات الكبيرة، بينما يرتبط بعض المقترحات الأميركية بزيادة الضرائب على أصحاب الدخول والثروات الأعلى.

كاتي ويلسون رئيسة بلدية سياتل (أ.ب)

* شكوك وتساؤلات

لكن هذا النموذج يواجه صعاباً اقتصادية جدية؛ فمنتقدو ضوابط الإيجارات يرون أنها قد تقلل حوافز بناء المساكن والاستثمار فيها، مما يؤدي على المدى الطويل إلى تقليص المعروض، وبالتالي ارتفاع الأسعار. كما أن فرض قيود واسعة على الذكاء الاصطناعي قد يدفع الاستثمارات والشركات إلى دول أخرى تتيح مساحة أكبر من الحرية في هذا المجال. أما الاعتماد الكبير على الضرائب المفروضة على الأثرياء، فيثير سؤالاً آخر: هل تستطيع قاعدة ضريبية صغيرة أن تمول مجموعة واسعة من الخدمات العامة؟

حتى فكرة جعل الحكومة أكثر كفاءة، التي أصبحت جزءاً من خطاب اليسار الجديد، ليست سهلة التنفيذ. وقد ظهرت بالفعل محاولات لتقديم نسخة يسارية من فكرة خفض الإنفاق الحكومي، بما في ذلك مقترحات لإنشاء هيئات شبيهة بوزارة كفاءة الأداء الحكومي في الولايات المتحدة (DOGE)، مع العلم بأن هذه هي ثمرة مبادرة يمينية بامتياز.

ومع ذلك، فإن أهمية هذه الموجة لا تتوقف على موقع الاشتراكيين في هذه الدولة أو تلك؛ فقد بدأت أفكار كانت توصف حتى وقت قريب بأنها يسارية متطرفة تدخل النقاش السياسي الأوسع؛ فحتى سياسيون أكثر اعتدالاً باتوا يناقشون سياسات تتعلق بالأسعار والسكن والضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة، بينما أصبحت المخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف قضية تعمّ المجتمعات وتتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار.

لهذا السبب، قد يكون من الخطأ النظر إلى يسارية «جيل Z» باعتبارها عودة بسيطة إلى اشتراكية القرن العشرين؛ بل هي أقرب إلى إعادة صياغة برغماتية لليسار حول سؤال مختلف: كيف يمكن جعل الحياة اليومية أقل تكلفة وأكثر استقراراً في اقتصاد يزداد ثراءً، بينما يشعر كثير من الناس بأنهم لا يستفيدون من هذا الثراء؟

من مشاهد الحياة اليومية في نيويورك (رويترز)

قد يفشل بعض السياسات التي يقترحها هذا التيار، وقد يصطدم بحدود القدرة المالية وظروف الاقتصاد العالمي وواقع الاستثمار. لكن الرسالة السياسية التي تقف خلفها تبدو أكثر رسوخاً: الشباب لا يبحثون بالضرورة عن آيديولوجيا جديدة بقدر ما يبحثون عن نظام اقتصادي يشعرون بأنه يعمل لمصلحتهم.

هذا التحول قد يكون أكثر من موجة عابرة؛ فاليسار الذي يتشكل اليوم لا يتحدث فقط عن تغيير النظام؛ بل يعد الناس بشيء أبسط وأكثر إلحاحاً: حياة يمكن تحمل تكاليفها، ووظيفة أكثر أماناً، وحكومة قادرة على تقديم نتائج ملموسة.

ختاماً، يجدر الذكر أن هذا المقال ركّز على الديناميكيات الجديدة لليسار، بينما يتطلب التحول الموازي في أفكار اليمين وقواعده الشابة قراءة أخرى.


كسوف نادر للشمس يُغرق مناطق بالعالم في ظلام دامس بوضح النهار (صور)

القمر يحجب الشمس أثناء كسوف الشمس فوق العاصمة الإسبانية مدريد (إ.ب.أ)
القمر يحجب الشمس أثناء كسوف الشمس فوق العاصمة الإسبانية مدريد (إ.ب.أ)
TT

كسوف نادر للشمس يُغرق مناطق بالعالم في ظلام دامس بوضح النهار (صور)

القمر يحجب الشمس أثناء كسوف الشمس فوق العاصمة الإسبانية مدريد (إ.ب.أ)
القمر يحجب الشمس أثناء كسوف الشمس فوق العاصمة الإسبانية مدريد (إ.ب.أ)

بدأ كسوف كلي نادر للشمس كان ينتظره ملايين الأوروبيين للمرة الأولى في القارة منذ العام 2006، في وقت متأخر من بعد ظهر الأربعاء، في روسيا وشمال إسبانيا وغرب آيسلندا.

وأعلنت وكالة الفضاء الروسية «روسكوزموس» أن هذه الظاهرة الفلكية النادرة بدأت نحو الساعة 17:00 بتوقيت غرينتش عند أقصى المناطق الشمالية من البر الرئيسي لروسيا.

واندفع الكسوف جنوباً عبر أجزاء من غرينلاند قبل أن يحل الظلام الدامس على كيفلافيك، على بعد نحو 50 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة الآيسلندية ريكيافيك، عند الساعة 17:47 بتوقيت غرينتش.

ولم تشهد ريكيافيك كسوفاً كلياً للشمس منذ عام 1433، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

القمر يغطي الشمس بالكامل أثناء الكسوف الكلي للشمس كما يُرى في إسبانيا (رويترز)

ووصل الكسوف الكلي إلى أقسام من إسبانيا، إذ كان متوقعاً أن يضرب البر الرئيسي لأوروبا، الذي لم يشهد هذه الظاهرة الطبيعية منذ 20 عاماً.

ولم تشهد إسبانيا كسوفاً كلياً للشمس منذ أكثر من قرن.

وفي حديث إلى «وكالة الصحافة الفرنسية» من بورغوس في شمال غربي إسبانيا، قالت ييني غيفارا (50 عاماً)، وهي بيروفية مقيمة في فرنسا: «إنها المرة الأولى والأخيرة، المرة الوحيدة التي سأشاهد فيها كسوفاً للشمس».

أما مرسيدس بوا، وهي مهندسة تبلغ 51 عاماً، فتنتظر الكسوف في متنزه في كولمينار فييخو، على بعد نحو 30 كيلومتراً شمال مدريد.

مراحل كسوف الشمس (رويترز)

وشهدت مبيعات النظارات المخصصة للكسوف ارتفاعاً كبيراً، مع استعداد ملايين الأشخاص في معظم أنحاء أوروبا وكندا وشمال الولايات المتحدة وشمال غربي أفريقيا لمتابعة هذه الظاهرة الفلكية.

وبدأ كسوف جزئي للشمس في أجزاء من شمال إسبانيا بعد الساعة 17:30 بتوقيت غرينتش بقليل، ما أثار دهشة الحشود التي كانت تتجمع في حقل ببلدة لودوسو قرب بورغوس.

وهتفت مجموعة من الشباب في كولمنار فييخو بمنطقة مدريد: «لقد بدأ! لقد بدأ! يا له من أمر رائع!».

امرأة ترتدي نظارات واقية لمشاهدة كسوف الشمس في برشلونة بإسبانيا (رويترز)

«تجربة مؤثرة للغاية»

وعبر التاريخ، أثارت ظاهرة الكسوف مشاعر الدهشة والخوف والإجلال، لما تحمله من تعطيل مؤقت للمسار المعتاد للطبيعة.

ويلقي اصطفاف الشمس والقمر ظلاً ينشئ حالة شبيهة بالشفق تنخفض خلالها درجات الحرارة وتتخذ الظلال زوايا غير مألوفة، فيما تلجأ بعض الحيوانات إلى النوم كأن الليل قد حلّ.

لكن هذه الظاهرة لا تستمر طويلاً إذ لن يتجاوز وقت الكسوف الكلّي في إسبانيا الدقيقتين قبيل غروب الشمس، لكنه سيستمر لوقت أطول قليلاً في بعض مناطق روسيا وغرينلاند.

أما الكسوف الجزئي الذي يحدث مع بدء القمر عبوره أمام الشمس وانتهاء هذا العبور، فسيستمرّ لنحو ساعة و45 دقيقة.

القمر يحجب الشمس خلال الكسوف الكلي للشمس كما يُرى من منطقة لاريوخا في شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

أما عالمة الفلك البريطانية لوسي غرين فكانت مستعدة للمشاهدة من على متن قارب قبالة جزيرة مايوركا الإسبانية. وقالت: «الناس يُصبحون مدمنين على هذا الحدث لأنه تجربة مؤثرة للغاية».

ومن شأن هذه الظاهرة أن توفّر للعلماء فرصة لدرس الغلاف الجوي للشمس وطبقتها الخارجية، في إطار جهودهم لفهم مزيد من الأسرار المتعلقة بالرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للشمس.

«حمّى الكسوف»

وتشير التوقعات الجوية إلى أن الأمطار قد تحجب المشهد في منطقة المضايق الغربية في شمال غربي آيسلندا.

وفي ريكيافيك، قال عالم الفلك سايفار هيلغي براغاسون إنه شعر «بالحماسة والحزن في آن» بسبب توقعات الطقس غير المواتية.

أشخاص يشاهدون كسوفاً جزئياً للشمس قرب لندن (أ.ب)

وعبّر عن أمله في أن تنقشع الغيوم لبعض الوقت، بما يكفي ليتمكن من مشاهدة الظاهرة من منزله.

وفي إسبانيا التي تعيش حالة من «حمّى الكسوف»، توقّعت وكالة الأرصاد الجوية صفاء الأجواء في معظم أنحاء البلاد، باستثناء بعض المناطق في الشمال والشرق.

وتعوّل البلاد على السياحة المرتبطة بالكسوف لتحقيق دفعة اقتصادية، لا سيما في المناطق الريفية الشمالية التي تعاني تراجع أعداد السكان.

ووفقاً لوزارة الاقتصاد الإسبانية، يُتوقع أن يحقّق الحدث مساهمة صافية في الاقتصاد تبلغ 347 مليون يورو (400 مليون دولار)، مع استقطاب أكثر من 446 ألف سائح إضافي إلى المناطق الرئيسية الواقعة على مسار الكسوف.

القمر يحجب الشمس خلال الكسوف الكلي كما يُرى من جزيرة مايوركا الإسبانية (أ.ف.ب)

وقال وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا إنه ستتم الاستعانة بـ25 ألف شرطي لضمان سير الحدث بسلاسة.

وقال عالم الفيزياء الفلكية البريطاني غراهام جونز، الثلاثاء، إنّ «مسار الكسوف الكلي ضيق للغاية، إذ لا يتجاوز عرضه بضع مئات من الكيلومترات».

وأضاف: «هذا ما يجعل إسبانيا مميزة جداً، إذ يمر مسار الكسوف الكلي عبر شبه الجزيرة الإسبانية مباشرة».

ومن المقرّر أن يعبر كسوف كلّي آخر جنوب إسبانيا وشمال أفريقيا في أغسطس (آب) 2027، فيما ستشهد شبه الجزيرة الأيبيرية عام 2028 كسوفاً حلقياً للشمس، وهي ظاهرة لا يحجب فيها القمر الشمس بالكامل، فتظهر على شكل «حلقة من النار».