بالنسبة للمخرج مايكل شيمينو، فإن كل جوائز الأوسكار هذه السنة عليها أن تذهب إلى فيلم واحد هو «قنّـاص أميركي». أكثر من ذلك، يدعم ترشيح كلينت إيستوود لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية.
شيمينو يقول عن ثقة: «كل جوائز الأوسكار هذا العام عليها أن تكون من نصيب (قناص أميركي). هذا أفضل فيلم أنجزه إيستوود. لا أعتقد أن مخرجين آخرين، بمن فيهم أنا، كنا سنستطيع تحقيق الفيلم بالنتائج ذاتها. إيستوود رجل فوق العادة. خال من الادعاء».
شيمينو وإيستوود يلتقيان في أكثر من ناحية ليس آخرها أن المخرج المتوقّـف عن الإخراج منذ العام 1996 عندما قدّم فيلمه الأخير (للآن) «مطارد الشمس»، سبق أن نال الأوسكار عن فيلم حربي الشأن، كحال فيلم «قنّـاص أميركي» هو «صائد الغزلان» سنة 1978.
في الواقع ذلك الفيلم نال خمس جوائز أوسكار هي أوسكار أفضل فيلم وأفضل مخرج لجانب أفضل ممثل مساند (كريستوفر وولكن) وأفضل صوت وأفضل توليف. لكن الأهم هو أن «صائد الغزلان» يشابه «قنّـاص أميركي». فقط موقع الحرب يختلف. في ذلك الفيلم فيتنام. في الفيلم الجديد: العراق. لكن المنحى اليميني هو ذاته متمثلا في مفهوم «أولادنا الذين يدافعون عن القيم الديمقراطية وعن الحرية»، هذا قبل أن يستدير إلى اليسار قليلا ليوعز بأن عنف الحروب متأصل في عنف واقع داخل المجتمع الأميركي نفسه.
* شخصيات حقيقية
بعيدًا عن شيمينو وآرائه، هناك ستّـون في المائة من المشاهدين الأميركيين الذين استجابوا إلى إحصاء إحدى المؤسسات يفضّـلون فوز «قنّـاص أميركي» على سواه. لكن بين المحترفين والنقاد فإن أسهم «بيردمان» الذي يتناول أزمة ممثل يحاول التمسّـك بأهداب النجاح والعودة إلى عناوين الصحف هو الفيلم المفضّـل أكثر من سواه يتبعه «بويهود». حسب مقال نشرته قبل أيام صحيفة «نيويورك تايمز» يقف «بيردمان» في مقدّمة الاحتمالات بنسبة 66 في المائة يتبعه «بويهود» بنسبة 32 في المائة ما يعني أن فيلم إيستوود يأتي في الخلفية.
لكن هناك مسألة خافية إلى حد قد تقلب هذه التوقّـعات: ليس من بين الأفلام المرشّـحة جميعًا فيلم يتحدّث عن أحوال اليوم السياسية سوى فيلم واحد هو «قناص أميركي»: «ويبلاش» عن معلّم فاشي: «نظرية كل شيء» عن أحداث تقع في عقود. «سلما» عن أحداث عنصرية في الستينات. «ذا غراند بودابست هوتيل» فيلم خيالي عن بلد غير موجود وتاريخ غير محدد، «لعبة المحاكاة» عن أحداث تنتقل من الثلاثينات إلى الأربعينات وما بعد، «بويهود» اجتماعي خاص و«بيردمان» آني لكنه يدور حول ذاتية الممثل.
في وقت بات فيه الأميركي أقل ثقة من حاضره وأكثر عدائية للتطرّف الآتي من بلاد المسلمين، فإنه غير مثير للعجب أن يحظى الفيلم بإيراد يقترب من الـ400 مليون دولار عالميًا بينها 309 ملايين دولار في الولايات المتحدة ذاتها. كذلك ليس من دواعي الاستغراب أن يفوز، إذا ما فاز، بأصوات العدد المطلوب من أعضاء الأكاديمية التي تمنح الأوسكار (نحو ستة آلاف عضو) فهؤلاء أيضًا من الناس الناظرين إلى حال الدنيا والذين قد يجدون في فيلم إيستوود ملاذًا.
كل من «قناص أميركي» و«لعبة المحاكاة» و«سلما» و«نظرية كل شيء» يدور عن شخصيات حقيقية.
فيلم إيستوود عن المجنّـد كريس كايل (كما يؤديه برادلي كوبر) المفتخر بأنه قتل أكثر من 150 عراقيًا، أو «متوحشًا» كما كتب في مذكراته التي تم اقتباس الفيلم عنها.
«سلما» يدور في فلك منتصف الستينات حول كيف واجه مارتن لوثر كينغ (كما يؤديه البريطاني ديفيد أويلوو) الرئيس الأميركي ليندون جونسون (يؤديه عندما تلكأ الأخير في التدخل ضد قرارات حاكم ولاية ألاباما جورج والاس (تيم روث) العنصرية.
«نظرية كل شيء» عن حياة العالم الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ ومن ضمنها علاقته العاطفية وزواجه من المرأة التي أحبّـته (فيليسيتي جونز).
أما «لعبة المحاكاة» فهو عن عبقري الحسابات ألان تورينغ (بندكت كمبرباتش) الذي فك الشيفرة الخاصّـة بالجيش النازي وأنقذ بذلك حياة جنود البحرية البريطانية الذين كانوا هدفًا لضربات ذلك الجيش.
* موضوع مكرر
لكن «قناص أميركي» يطلع من يمين السياسة بينما «سلما» يأتي من يسارها. «قناص أميركي» بالنسبة للكثيرين لسان حال أميركا المحافظة (كشأن المخرج والمنتج إيستوود) ولو أن تحليله بوعي ومن دون إسقاطات جاهزة يؤمّـها الكثيرون، خصوصًا من النقاد العرب، يكشف عن نقد هذا اليمين لذاته في أكثر من مشهد دال. أما «سلما» فهو امتداد للأعمال الليبرالية التي تنتقد الوضع العنصري في أميركا. موضوع انتقده إيستوود بنفسه في «غران تورينو» الذي أخرجه وقام ببطولته سنة 2008 موعزًا بشخصية رجل محافظ ينظر بضيق لتمدد الجنس الآسيوي والأسود إلى حي المدينة الذي كان، سابقًا، مؤلّـفًا من جاليات بيضاء.
ليس أن «سلما» لا يتعامل مع الحاضر، فالأحداث العنصرية التي يجد فيها الأفرو - أميركيون أنفسهم واقعين تحت حقد أبيض، تقع على نحو شبه مستمر، لكن الرأي العام الأميركي أكثر تداولا للوضع السياسي الخارجي وخطر غزو التطرّف الإسلامي من أي موضوع آخر. والحادثة الأخيرة التي ذهب ضحيّـتها شاب وفتاتان مسلمون ما هي إلا انعكاس آخر قام به، لو ثبت الأمر، حاقد على المسلمين يريد أن يقول، بطريقته المدانة والوحشية، كفى! في المقابل، فإن «سلما» يبدو قد صُـنع أساسًا وعينه على الأوسكار. لقد نالها في العام الماضي «12 سنة عبدًا» لستيف ماكوين. ما فات صناع «سلما» أن أعضاء الأكاديمية لا يمنحون أوسكار أفضل فيلم لموضوع مكرر في سنتين على التوالي. يكاد كل ذلك أن يلتقي كما الزجاجة بغطائها: هناك اليوم عدد مرتفع من المرشّـحين غير الأميركيين في الكثير من المسابقات الرئيسية. في الإخراج مورتن تيلدوم عن «لعبة المحاكاة» وهو نرويجي، وأليخاندرو غونزاليز إيناريتو عن «بيردمان» وهو مكسيكي.
في التمثيل الرجالي بريطانيان: بندكت كمبرباتش (لعبة المحاكاة) وإيدي ردماين (نظرية كل شيء). في التمثيل النسائي ثلاثة: الفرنسية ماريون كوتيار (يومان، ليلة واحدة) والبريطانيتان فيسيليتي جونز (نظرية كل شيء) وروزاموند بايك (فتاة مختفية).
قبل عشر سنوات خلت هذه المسابقات من أي فوز لغير أميركي. ففي العام 2005 فاز إيستوود بأوسكار عن «مليون دولار بايبي» التي فازت عنه الأميركية هيلاري سوانك بأوسكار أفضل ممثلة وفاز إيستوود بأوسكار أفضل مخرج (عن ذلك الفيلم) ثلاثة أميركيين (مارتن سكورسيزي، تايلور هاكفورد وألكسندر باين) وبريطاني واحد (مايك لي). في حين أن أوسكار التمثيل الرجالي ذهب للممثل الأسود جايمي فوكس عن دوره في «راي» (عن حياة راي تشارلز) وكان كل المرشّحين المتنافسين لهذه الجائزة أميركيين (ليوناردو ديكابريو، جوني دب، دون شيدل وكلينت إيستوود).
* العنصر الأجنبي
الغزو، هي الكلمة السهلة لوصف تكاثر الأسماء غير الأميركية في حفل هوليوود يحبّـه الملايين على أساس أنه جامع لما هو أفضل ما تطلقه هوليوود. وما يبدو في بال المشرفين على هذه الجائزة هو تعويمها عالميًا لأجل إبقائها الجائزة الدولية الأولى بين كل الجوائز الأخرى التي تتوارد نتائج معظمها في الشهرين الأخيرين من كل سنة.
أمر بلغ مداه عندما خرجت نتائج العام 2009 على نحو خلط الأمور على نحو ملحوظ:
الفيلم الفائز بالأوسكار حينها كان «مليونير الأكواخ» للإنجليزي داني بويل الذي خطف أيضًا أوسكار أفضل ممثل.
الممثلة الفائزة بأوسكار أفضل تمثيل نسائي أول ذهب للبريطانية كايت ونسلت عن دورها في «ذا ريدر».
والممثلة الإسبانية بينيلوبي كروز نالت أوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند عن دورها في «فيكي كريستي برشلونة» لوودي ألن (الذي موّل فيلمه من شركات أوروبية).
في العام 2011 كان الفيلم الفائز بالأوسكار بريطاني أيضًا وهو «خطاب الملك» الذي فاز ممثله البريطاني (كذلك) كولين فيرث بأوسكار أفضل تمثيل رجالي كذلك فاز مخرجه توم هوبر (بريطاني أيضًا وأيضًا) بأوسكار أفضل إخراج. نتائج العام التالي، 2012. لم تكن بعيدة عن هذا التزايد وإظهار حسن الاستقبال للسينمات الوافدة: في العام التالي خطف الأوسكار: «الفنان» الفرنسي نال أوسكار أفضل فيلم. ممثله الفرنسي جان دوجاردان تبوأ أوسكار أفضل ممثل، ومخرجه ميشيل هازانافيشوس (فرنسي من أصل ليتواني) خرج بأوسكار أفضل مخرج.
لكن الأكاديمية بهذا التوسع في النتائج لا تخرج عن قوانينها: كل فيلم مذكور باستثناء الأخير: «الفنان»، كان إنجليزي اللغة (أحد شروط التسابق) أما «الفنان» فكان صامتًا ما أراحه من عناء الانتماء إلى مسابقة أفضل فيلم أجنبي الذي عليه أن يكون ناطقًا بلغة غير إنجليزية وبنسبة الثلثين إلى الثلث إذا ما كان لا بد له أن يتحدّث الإنجليزية قليلا.

