التكلفة الباهظة لخلود المبدعين والالتفاف المؤقت على نسيانهم

يتحدثون عن الديمومة كما لو أنها المكافأة الطبيعية للمشتغلين بالأدب والفن

نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - أمل دنقل - يوسف الخال
نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - أمل دنقل - يوسف الخال
TT

التكلفة الباهظة لخلود المبدعين والالتفاف المؤقت على نسيانهم

نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - أمل دنقل - يوسف الخال
نزار قباني - محمد مهدي الجواهري - أمل دنقل - يوسف الخال

لطالما كان البحث عن الخلود والإفلات من الهلاك هو هاجس الإنسان منذ خسارته للفردوس وهبوطه إلى الأرض، وحتى يومنا هذا. ولم تكن محاولة الملك السومري كَلكَامش للبحث عن العشبة التي تعصم من الموت، سوى واحدة من المحاولات المتكررة، التي لم يكتب لها النجاح، لتأبيد الإقامة على الأرض بدلاً من التحلل السريع في جوفها المظلم. ولعل حرص الفراعنة على تحنيط الأجساد ومنعها من التحلل النهائي بعد الموت، هو التعبير الأبلغ عن اعتقادهم بعودة الروح المحتملة إلى الأجساد التي فارقتها. وليس أمراً بلا دلالة أن تعطي الأديان السماوية للحياة الثانية طابع الديمومة، وأن يتحول الخلود إلى مكافأة قيمة لأولئك الذين استحقوا بالإيمان والعمل الصالح نعمة الفردوس، فيما يتخذ طابع اللعنة الكابوسية بالنسبة لمرتكبي المعاصي والكفرة الآثمين.
ليس الفن من جهته سوى محاولة رمزية موازية لقهر الموت أو مراوغته وتضليله. فإذا كان يتعذر على المسمى، بحكم تكوينه الجسدي الهش، أن يرد غائلة الموت، فإن الاسم هو المنوط بفعل ذلك، عن طريق إنجازاته الفنية والأدبية التي تتيح له الرسوخ الدائم في ذاكرة الأجيال والعصور اللاحقة. ولعل هذا المعنى بالذات هو ما قصده محمود درويش بقوله «هزمتك يا موت الفنون جميعها\ هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين\ مسلة المصري\ مقبرة الفراعنة\ النقوش على حجارة معبدٍ هزمتك وانتصرتْ\ وأفْلتَ من كمائنك الخلودُ\ وأنا أريد، أريد أن أحيا». وإذا كان درويش قد أفصح بشكل جلي عن رغبته في الخلود، وعن خوفه العميق من الزوال التام، فإن ما قاله صاحب «ذاكرة للنسيان» لا يعبر عن أناه الفردية فحسب، بل هو لسان حال جميع البشر، خصوصاً الكتاب والفنانين، سواء عبروا عن هذه الرغبة بشكل مضمر، أو بشكل سافر الوضوح، كما فعل صاحب «الجدارية». كما أن هذا الهاجس لا يقتصر على الشعراء وحدهم، بل يتعداهم إلى سائر المشتغلين بالأدب والفن، حيث لفتني على نحو خاص تصدير الكاتب الأردني جلال برجس روايته الأخيرة «دفاتر الوراق» بعبارة «إلى قرائي الذين أفسحوا لكلمتي مكاناً في قلوبهم، فربحتُ الخلود». وفي هذا السياق أيضاً يمكن لنا أن نفهم السبب الذي دفع الفرنسيين إلى إطلاق صفة «الخالدين» على أعضاء الأكاديمية الفرنسية، التي انتقلت عدواها فيما بعد إلى مؤسسات عربية مماثلة تعنى بحماية اللغة الأم وتطويرها، فأُطلقت على مجمع اللغة العربية في القاهرة تسمية موازية هي «مجمع الخالدين».
على أن الخلود الدنيوي هو أمر نسبي ومتعدد الدلالات، بما يمنحه بُعداً رمزياً واصطلاحياً، ليعني فيما يعنيه البقاء لأطول مدة ممكنة. وكذلك هو الحال مع كلمة «إلى الأبد» التي يكثر استخدامها في مجال الحب، وفي عهود الوفاء التي يقطعها العشاق على أنفسهم. فحين يأمر فلورينتينو أريثا بطل «الحب في زمن الكوليرا» الذي استعاد حبيبته فيرمينا داثا بعد خمسين عاماً من الفراق، قبطان سفينته المبحرة في أحد أنهار كولومبيا، بعدم النزول إلى اليابسة، يسأله هذا الأخير «إلى متى؟»، فيجيب العجوز العاشق «إلى الأبد». ولعل العبارة التي أطلقها ماركيز على لسان العجوز لا تعني أبدية الجسد الفاني، بقدر ما هي تعبير مضمر عن خلود البطل في النص لا في الحياة، تماماً كما هو حال المؤلف في الوقت ذاته.
ومع ذلك فإن العلاقة بين الكتابة والخلود ليست من النوع السهل. وهي بأي حال ليست علاقة تلازم تلقائي، ولو كان الأمر كذلك، لوجب على التاريخ أن يحفظ لنا أسماء عشرات الآلاف من الكتاب والمؤلفين والفنانين، فيما أن نسبة الناجين من «تايتنيك» الكتابة الغارقة هي بكل المعايير ضئيلة جداً، كما هي ضئيلة أيضاً تلك الأعمال العظيمة التي أمكن لأصحابها أن يتخذوا منها زوارق حقيقية توصلهم إلى بر النجاة من التلاشي. يكفي أن يخطر لأحدنا الآن أن يتصفح أي مرجع مهم من مراجع النقد العربي القديم، ليكتشف أن من ظلوا صامدين في وجه الزمن من بين مئات الأسماء التي عرض لها ابن سلام الجمحي في «طبقات الشعراء»، أو ابن عبد ربه في «العقد الفريد»، أو أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني»، لم يتبق لنا في الذاكرة سوى ثلة قليلة من الكبار، الذين لم يمنعهم اختلاف أساليبهم ومناخاتهم ورؤيتهم إلى العالم من حفر أسمائهم ونصوصهم عميقاً في الذاكرة الجمعية، كما هو حال امرئ القيس وطرفة وأبي تمام وأبي نواس والمتنبي وابن الرومي والمعري، وآخرين غيرهم.
ولم يختلف الأمر كثيراً في عصرنا الراهن. لا بل إن الأمور بدت أكثر تعقيداً من ذي قبل، حيث لم يظل من بين آلاف الأسماء التي لبست لبوس الحداثة واستظلت بشعاراتها البراقة سوى حفنة من المبدعين الذين ربحوا إلى حد بعيد معركتهم مع البقاء. وإذا أتيح لأي منا أن يجد الوقت الكافي لإلقاء نظرة سريعة على فهارس الدوريات الثقافية العربية في القرن الفائت، بدءاً من «الرسالة» و«الأديب»، و«الآداب» و«شعر» و«حوار»، ووصولاً إلى «الطريق» و«مواقف» و«الأقلام» وغيرها، لاستبدت به الدهشة العارمة إزاء المآلات الغامضة لمعظم الشعراء الذين ظهرت نصوصهم بكثرة على صفحات تلك المجلات، قبل أن تخرج فيما بعد من التداول. فإلى جانب قصائد يوسف الخال وأدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وبدر شاكر السياب وسركون بولص وغيرهم، ممن اخترقت أسماؤهم سقوف المراحل اللاحقة، نشرت «شعر» نصوصاً شعرية موازية لأسماء أخرى لم تصمد في حساب الحضور الشعري، من أمثال إدفيك شيبوب وإبراهيم شكرالله ورياض الريس وهنري القيم وهاني أبي صالح ومجاهد مجاهد ولور غريب وإلياس مسوح ولؤي الأسعد وفالح عبد الرحمن وميشال كمال وفؤاد العتر وسامية توتنجي وجمال أبو حمدان وآخرين، ممن آلت أسماؤهم إلى الضمور، أو انصرفوا عن الشعر إلى سواه من الخيارات. وإلى جانب التجارب العالية التي ظهرت في «الآداب» من وزن نزار قباني وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي وسعدي يوسف ومحمود درويش وأمل دنقل، ظهرت وجوه كثيرة لم نعد نعثر على أسمائها في خارطة الشعر، من مثل كمال عمار وأحمد عزالدين ومحمد خالدي ونزار نجار وخليل الموسى ووصفي صادق وكمال الجزولي وكامل أيوب وموسى النقدي وحسين جليل وبشرى البستاني وسعد دعبيس، وكثر مثلهم.
على أن لإشكالية الخلود والنسيان جانباً أكثر غموضاً وإثارة للتساؤل، لا يقتصر على ذوي التجارب العادية والهامشية من الكتاب والشعراء فحسب، بل يتعدى ذلك ليطال نسبة غير قليلة من أصحاب التجارب المؤثرة، والمواهب التي لا ترقى الشكوك إلى تميزها. وأكثر ما يستوقفنا في هذا المجال هو الغياب، أو التغييب، السريع لمعظم الأسماء التي استطاعت خلال حضورها المباشر على مسرح الحياة أن تحظى بقدر غير قليل من الشهرة والاهتمام الإعلامي والمتابعة النقدية. وبصرف النظر عن حفلات التأبين الإعلامي والمراثي الصاخبة التي تعقب الرحيل الجسدي للكثير من الكتاب العرب المعاصرين، عبر مواقع التواصل وما تبقى من الصحف والدوريات، فإن ما ينجم عن الغياب من ترددات، هو أشبه بالفقاعات التي ترسلها أنفاس الغرقى إلى سطح المياه قبل أن تخمد بشكل نهائي. وإذا استثنينا أسماء قليلة ما زالت قادرة على أن تهز من وراء القبر، وبالنصوص المجردة، شجرة الوجدان العربي الجمعي، من أمثال نزار قباني ومحمود درويش، ومن ثم الجواهري والبردوني ومحمد الماغوط وأنسي الحاج، بنِسَب متفاوتة، فإن معظم الشعراء والكتاب المرموقين الذين رحلوا عن هذا العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، قد آلت شهرتهم وأسماؤهم إلى التراجع والانكفاء، حتى لو كان هؤلاء من وزن عبد الوهاب البياتي ومحمد الفيتوري وسميح القاسم ومحمد القيسي وممدوح عدوان وفاروق شوشة وجوزف حرب وحلمي سالم وأنور سلمان وفوزي كريم وكثير غيرهم.
سيكون من الصعب أخيراً أن نعثر على إجابات قاطعة بشأن خلود المبدعين أو سقوطهم من الذاكرة الجمعية، قبل مرور عقود عديدة على رحيلهم. وإذا كان ت. س. إليوت قد جعل من الخلود بطاقة سفر باهظة الثمن يقتصر استخدامها على الصفوة النادرة من المغامرين الرؤيويين، والآخذين بناصية لغاتهم الأم نحو منعطفات جديدة، الذين لا تحظى بهم الأمم في العادة إلا مرة أو اثنتين كل قرن من الزمن، فإن رهان الآلاف المؤلفة من المشتغلين بالكتابة على نجاتهم من النسيان، هو رهان صعب ونادر التحقق. وقد يجترح البعض وسائل مبتكرة، بهدف حماية رموزه الوطنية أو الآيديولوجية أو العائلية من النسيان المحقق، كأن تُدرج أعمال هذا الكاتب في المناهج الدراسية، أو يسمى باسم ذاك زقاق أو شارع فرعي، أو تنشأ باسم آخرين جوائز أدبية لتخليد أسمائهم، بما يجعل من هذه الوسائل أشبه بطرق ذكية للالتفاف على النسيان. ومع ذلك فليست الأمور المتعلقة بالخلود محسومة تماماً. إذ لربما أتيح لبعض الذين تم تهميشهم، بداعي الإهمال المقصود أو العقاب التعسفي، أو لسوء تفاهمٍ ما بينهم وبين أزمنتهم، أن يعودوا فجأة، وبفضل «منقبين» طليعيين، إلى واجهة العصور اللاحقة. وإذا كان محمد بن عبد الجبار النفري الذي اجتهد أدونيس في الكشف عن إبداعه الفريد هو أحد الذين استحقوا العودة إلى دائرة الضوء بعد ألف عام من الإقامة في الظل، فهو ليس الوحيد بالقطع، بل ثمة آخرون غيره ينتظرون بدورهم من يحررهم من غياهب العتمة والتجاهل المجحف.



قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)
تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)
TT

قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)
تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)

أشاد الملك البريطاني ‌تشارلز بوالدته الراحلة الملكة إليزابيث، الثلاثاء، في اليوم الذي كان سيوافق عيد ميلادها المائة، قائلاً إنّ «أمي الحبيبة» ستظلّ «إلى الأبد في قلوبنا وصلواتنا».

وولدت الملكة إليزابيث، التي تُعدّ أطول ملوك وملكات بريطانيا عمراً وصاحبة أطول مدّة حكم بينهم، في 21 أبريل (نيسان) 1926، وأمضت 70 عاماً على العرش قبل وفاتها في سبتمبر (أيلول) 2022 عن 96 عاماً.

ونقلت وكالة «رويترز» عن الملك تشارلز قوله في بيان بثَّه التلفزيون، إنّ والدته شكَّلت العالم من حولها وأثَّرت في حياة عدد لا يُحصى من الناس. وتابع: «اليوم، ونحن نحتفل بما كان سيصبح عيد ميلاد والدتي الحبيبة المائة، نتوقّف أنا وعائلتي للتفكير في حياة وفقْدان ملكة كانت تعني كثيراً لنا جميعاً، وللاحتفاء من جديد بعدد من النِّعم التي تركتها ذكراها». وأضاف: «سيتذكرها الملايين بسبب لحظات ذات أهمية وطنية؛ وسيتذكرها كثيرون غيرهم بسبب لقاء عابر أو ابتسامة أو كلمة لطيفة رفعت المعنويات، أو بسبب ذلك البريق الرائع في عينيها عندما كانت تتقاسم شطيرة مربّى مع الدب بادينغتون في الأشهر الأخيرة من حياتها».

واحتفالاً بالذكرى المئوية لميلادها، تُنظم العائلة المالكة عدداً من الفعاليات هذا الأسبوع. فقد زار الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا، الاثنين، معرضاً جديداً مخصَّصاً لأزيائها.

والثلاثاء، يزور الملك وأفراد آخرون من العائلة المالكة المتحف البريطاني للاطلاع على التصاميم النهائية لنصب تذكاري وطني مخصَّص للملكة إليزابيث في حديقة سانت جيمس بلندن، يضمّ تمثالَيْن للملكة وزوجها الراحل الأمير فيليب. وقال رئيس الوزراء كير ستارمر، في بيان: «ستحيي الأمة ذكرى عهدها الرائع بنصب تذكاري يُقدم مكاناً للتأمُّل للأجيال القادمة».

وستفتتح الأميرة آن، شقيقة الملك تشارلز، رسمياً حديقة الملكة إليزابيث الثانية في متنزه ريجنت بلندن، وسيستضيف الملك حفلاً في قصر باكينغهام في المساء. وقال الملك تشارلز: «أعتقد أنّ كثيراً من الأمور المتعلّقة بالعصر الذي نعيش فيه الآن ربما كانت ستُزعجها بشدة، لكنني أستمدُّ القوة من يقينها بأنّ الخير سيسود دائماً، وأنّ فجراً أكثر إشراقاً ليس بعيداً أبداً عن الأفق».


رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.