دعم دولي لإنقاذ الهند من «عاصفة كورونا»

الإصابات ارتفعت 8 أضعاف خلال شهر

نقل جثث ضحايا «كوفيد - 19» في الهند أمس (أ.ب)
نقل جثث ضحايا «كوفيد - 19» في الهند أمس (أ.ب)
TT

دعم دولي لإنقاذ الهند من «عاصفة كورونا»

نقل جثث ضحايا «كوفيد - 19» في الهند أمس (أ.ب)
نقل جثث ضحايا «كوفيد - 19» في الهند أمس (أ.ب)

سجلت الهند رقماً قياسياً عالمياً جديداً في عدد الإصابات اليومية بـ«كوفيد - 19». وحث رئيس الوزراء ناريندرا مودي المواطنين، أمس (الأحد)، على التطعيم وتوخي الحذر، قائلاً إن «عاصفة» الإصابات هزت البلاد. وقالت الولايات المتحدة إنها تشعر بقلق شديد إزاء القفزة الهائلة في عدد الإصابات بفيروس كورونا في الهند، وإنها تسابق الزمن لتقديم مساعدات لنيودلهي. وبلغ عدد الإصابات في الأربع والعشرين ساعة الأخيرة 349691، مواصلاً تحطيم الأرقام القياسية لليوم الرابع على التوالي. وبدأت المستشفيات في دلهي ومختلف أنحاء البلاد رفض استقبال المرضى، بعد أن نفد ما لديها من الأكسجين الطبي والأسرة.
وقال مودي، في كلمة بثتها الإذاعة: «كنا واثقين، وكانت معنوياتنا مرتفعة بعد أن واجهنا بنجاح الموجة الأولى، لكن هذه العاصفة هزت البلاد». وواجهت حكومة مودي انتقادات لأنها تراخت، وسمحت بتجمعات دينية وسياسية، عندما انخفض عدد الإصابات اليومي دون 10 آلاف حالة، ولم تخطط لتعزيز نظام الرعاية الصحية. وقال مصورون من «رويترز» إن الناس يرصون محفات وأسطوانات أكسجين خارج المستشفيات، في الوقت الذي يتوسلون فيه للسلطات أن تقبل دخول المرضى.
ومدد رئيس وزراء دلهي أرفيند كيجريوال عزلاً عاماً في العاصمة، كان مقرراً أن ينتهي اليوم (الاثنين)، لمدة أسبوع، في محاولة لكبح الفيروس الذي يقتل شخصاً كل أربع دقائق، وقال: «العزل العام كان آخر سلاح بأيدينا لمواجهة فيروس كورونا، لكن مع ارتفاع الحالات بهذه السرعة، اضطررنا لاستعمال هذا السلاح». وخلال الشهر الأخير وحده، ارتفعت الإصابات اليومية لـ8 أمثالها، وزادت الوفيات لـ10 أمثالها. ويقول خبراء الصحة إن عدد المتوفين أعلى بكثير على الأرجح.
وهذا الشهر، حث معهد سيروم الهندي للمصل واللقاح، وهو أكبر مصنع للقاحات في العالم، الرئيس الأميركي جو بايدن على رفع الحظر الذي يضر بإنتاج لقاح «أسترازينيكا». وعبرت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن عن «قلق بالغ» من التزايد «المروع» في عدد المصابين والوفيات بسبب تفشي فيروس «كورونا» في الهند، واعدة بإرسال مساعدات عاجلة لدعم جهود السلطات هناك في التصدي للجائحة. وجاء هذا الموقف بعدما تعرض المسؤولون الأميركيون لضغوط متزايدة من أجل رفع القيود المفروضة على صادرات يؤكد صانعو اللقاحات في الهند أنهم يحتاجون إليها لزيادة إنتاج اللقاحات، وسط طفرة مدمرة في عدد الوفيات بين الهنود هناك، وتراجع الطلب على اللقاحات في الولايات المتحدة. وبدأت القيود على التصدير عندما فعل الرئيس السابق دونالد ترمب قانون الإنتاج الدفاعي في الأيام الأولى للجائحة، وأبقاه الرئيس بايدن لزيادة إنتاج اللقاحات في الولايات المتحدة.
وعبر وزير الخارجية أنطوني بلينكن عن تعاطف الأميركيين مع الشعب الهندي «في خضم التفشي المروع لـ(كوفيد -19)»، قائلاً: «نحن نعمل من كثب مع شركائنا في الحكومة الهندية». وأضاف أن الولايات المتحدة «سترسل دعماً إضافياً سريعاً لشعب الهند وأبطال الرعاية الصحية في الهند». وقال مستشار الأمن القومي جايك سوليفان إن بلاده «تشعر بقلق عميق من تفشي فيروس كورونا في الهند»، مضيفاً: «نحن نعمل على مدار الساعة لنشر مزيد من الإمدادات والدعم لأصدقائنا وشركائنا في الهند وهم يكافحون بشجاعة هذا الوباء». ووعد بمزيد من الدعم «قريباً جداً».
وأعلنت الناطقة باسم البيت الأبيض جين ساكي أن المسؤولين الأميركيين «يعملون من قرب مع المسؤولين الهنود، على مستوى كل من السياسيين والخبراء، لتحديد طرق للمساعدة في معالجة الأزمة»، موضحة أن «التعاون في مجال اللقاحات أولوية كبيرة، بما في ذلك مع شركائنا في الرباعي الذي يضم، بالإضافة إلى الولايات المتحدة والهند، كلاً من أستراليا واليابان. وقالت إنه منذ المراحل الأولى للوباء «زودنا الهند بإمدادات الإغاثة في حالات الطوارئ والمواد الاستهلاكية الطبية، والتدريب على مكافحة الوباء لمسؤولي الصحة في الهند، وأجهزة التنفس التي كانت جزءاً من جهودنا على مدار الوقت، بما في ذلك 1.4 مليار دولا من المساعدات الصحية لمساعدتهم على الاستعداد للأوبئة في المستقبل، والتعامل مع الأوبئة الحالية التي نواجهها».
وكان الناطق باسم وزارة الخارجية نيد برايس قد قال سابقاً إن «الولايات المتحدة أولاً وقبل كل شيء منخرطة في جهود طموحة فعالة ناجحة حتى الآن لتطعيم الشعب الأميركي». وأضاف: «ليس من مصلحتنا فقط أن نرى الأميركيين يتلقون التطعيم»، معتبراً أنه «من مصلحة بقية العالم أن يرى الأميركيين يتلقون الطعوم». ومع تراجع الطلب على اللقاحات في بعض الولايات الأميركية، بدأت السلطات الصحية في إغلاق بعض مواقع التطعيم الجماعية. وانخفض متوسط التطعيم في الولايات المتحدة لمدة 7 أيام إلى حد ما في الأيام الأخيرة، ليصل إلى 2.86 مليون جرعة يومياً، بعدما كانت قد بلغت 3.38 مليون الأسبوع الماضي. وأفاد منسق الاستجابة لفيروس «كوفيد - 19» في البيت الأبيض جيفري دي زينتس بأن وتيرة التطعيم على الصعيد الوطني ستنخفض.
ومن جانبها، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأحد، على «تويتر»، أن الاتحاد الأوروبي يستعد لتقديم «المساعدة» للهند لمكافحة تسارع انتشار وباء «كوفيد - 19»، بعد تسجيل البلاد حصيلة قياسية، من خلال تفعيل الآلية الأوروبية للحماية المدنية. وتم إنشاء هذه الآلية عام 2001، وهي تسمح لدول الاتحاد الأوروبي بالمشاركة في تنسيق مساعداتها ونشر الموارد في كل أنحاء العالم، في حال حدوث حالة طوارئ واسعة النطاق لا يمكن لبلد محدد معالجتها بمفرده. وكتبت فون دير لاين: «الاتحاد الأوروبي يجمع موارده للاستجابة بسرعة لطلب الهند الحصول على المساعدة من خلال الآلية الأوروبية للحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي»، معبرة عن «قلقها من الوضع الوبائي» في هذا البلد.
وغرد المفوض الأوروبي لإدارة الأزمات يانيز ليناركيتش، على الشبكة الاجتماعية نفسها، موضحاً أن مركز تنسيق الاستجابة لحالات الطوارئ الذي يقع في صلب هذه الآلية كان ينسق مع «الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حول استعدادها لتوفير الأكسجين والعلاجات في حالات الطوارئ». وأعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الأحد، أن حكومتها تستعد لتقديم مساعدة عاجلة للهند. وقالت: «إلى الشعب الهندي، أريد أن أعبر عن تعاطفي الكامل وسط هذه المعاناة الرهيبة التي يسببها (كوفيد - 19) من جديد للسكان». كما أعلنت الحكومة البريطانية، في بيان، أنها أرسلت أكثر من 600 من أجهزة الطوارئ الطبية إلى الهند التي تواجه أزمة وبائية خطيرة، مع بلوغ الإصابات والوفيات بـ«كوفيد - 19» أرقاماً قياسية.
وقال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إن «معدات طبية حيوية، بينها مئات من قوارير الأكسجين وأجهزة التنفس في طريقها الآن من المملكة المتحدة إلى الهند»، بهدف «دعم الجهود الرامية إلى تجنب الخسارة المأسوية للأرواح جراء هذا الفيروس الرهيب».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended