مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران

أوروبا تتوسط للعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني

مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران
TT

مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران

مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران

لم تتأخر إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في «الوفاء» بوعدها الانتخابي حول الانخراط في مفاوضات مع إيران، وإن كانت غير مباشرة، وذلك بهدف العودة إلى لاتفاق النووي الذي خرج منه سلفه الرئيس السابق دونالد ترمب وعاد ليفرض العقوبات على طهران ويضيف إليها حتى.
«الدبلوماسية» التي يقول بايدن إنها الطريق الوحيد لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، تُرجمت دورتين من مفاوضات غير مباشرة مع طهران، استضافتها منذ مطلع أبريل (نيسان) الجاري العاصمة النمساوية فيينا، التي هي مكان ولادة الاتفاق الأصلي. وهذه المرة لعبت الدول الأوروبية دور الوسيط، إذ كان مسؤولوها ينتقلون بين الفندق الذي يستضيف المفاوضات مع الإيرانيين والفندق الآخر مقابله حيث يقيم الأميركيون، حاملين الرسائل بين الجانبين. ويُذكر أنه رغم تفضيل الولايات المتحدة الحوار المباشر، رفضت إيران العرض منذ البداية، وهي ما زالت ترفض الكلام حتى عن مفاوضات غير مباشرة. وهي تقول إن المطلوب واضح: إعادة العمل بالاتفاق الأصلي الذي توصلت إليه مع الدول الـ5 زائد 1، من دون زيادة أو نقصان.
وبالفعل، يبدو أن واشنطن توصلت إلى قناعة بأن هذه هي المقاربة الأفضل، على الأقل، حتى الآن. وتخلّت، وإنْ مؤقتاً، عن وعود بايدن الانتخابية بتوسيع نطاق الاتفاق ليشمل تدخّلات إيران في منطقة الشرق الأوسط وبرنامجها للصواريخ الباليستية. ولتاريخه، يمكن القول إنه إن تحقق شيء من التقدم في جولتين من التفاوض، ستُستكملان بجولة ثالثة الأسبوع المقبل. ولكن ما الذي تحقق فعلاً؟ وما حظوظ التوصل إلى اتفاق خلال شهر... كما يأمل بعض المشاركين في هذه المفاوضات؟

مدى التفاؤل أو التشاؤم حيال مآل المفاوضات النووية الأميركية الإيرانية يعتمد على مَن تسأل من المشاركين. بيد أن الجميع يتفق على الأقل على أنها تسير على الطريق الصحيح. ففي اليوم الأول من المفاوضات التي انطلقت في 6 أبريل الماضي، أمكن الاتفاق على تشكيل لجنتي خبراء: الأولى تدرس رفع العقوبات الأميركية، والثانية تركّز على عودة إيران لالتزاماتها ضمن «خطة العمل المشتركة»، وهو الاسم الرسمي للاتفاق النووي الموقّع عام 2015.
اختتمت الجولة الأولى أعمالها بعد 5 أيام، عادت الوفود بنهايتها إلى دولها للتشاور. الوفد الإيراني يترأسه عباس عراقجي، نائب وزير الخارجية الإيراني، والوفد الأميركي يترأسه روبرت مالي المبعوث الأميركي الخاص إلى إيران. الرجلان يعرف أحدهما الآخر معرفة جيدة، وسبق لهما أن خاضا المفاوضات الرئيسة معاً ضمن كبار المفاوضين، كلٌّ عن دولته، في الاتفاق الأصلي عام 2015.
إلا أنه لم تمضِ أيام قليلة حتى عادت الوفود مرة جديدة إلى فيينا للجولة الثانية من المفاوضات، بتأخر يوم واحد، تبيّن لاحقاً أنه لأسباب لوجيستية تتعلق بتأخر وصول أحد الوفود الأوروبية على أثر إصابة فرد منه بفيروس «كوفيد - 19» ولكنّ هذا التأخر كان مصحوباً بتوترات ومخاوف في أعقاب تعرّض مفاعل «نطنز» النووي -بوسط إيران- لما وصفته إيران بـ«عملية تخريب إرهابية» دمّرت أجزاء كبيرة منه، ودفعت إيران إلى التصعيد وإعلان رفع تخصيبها اليورانيوم بنسبة 60% من 20%، ما يقرّبها أكثر من درجة النقاوة المطلوبة لتطوير سلاح نووي والتي تصل إلى 90%.
لقد كان واضحاً أن إيران اختارت الخروج بهذا الإعلان من فيينا نفسها. ولكن رغم المخاوف من أن يعرقل هذا التصعيد الذي تبعه بيان أوروبي شديد اللهجة يُدين فيه قرار طهران رفع مستوى تخصيبها اليورانيوم، استمرت المفاوضات. وبينما رأى بايدن نفسه أن هذا الإعلان «لا يساعد» في المفاوضات، فإنه مع ذلك قال إنه لن يدع هكذا إعلان يعرقل المفاوضات.

- جولة ثانية متوترة
وهكذا انطلقت الجولة الثانية، وإنْ بتأخير يوم وبجلسة متوترة، انتقد فيها عراقجي امتناع الدول الأوروبية عن إدانة استهداف مفاعل «نطنز»، الذي اتهمت طهرانُ إسرائيل بتدبيره. ومن ثم، مكثت الوفود أسبوعاً تقريباً بدأت خلاله عملية صياغة الاتفاق على الأمور التي لم تعد محل خلاف، واتفقت في ختامه على تشكيل لجنة ثالثة مهمتها درس «تسلسل الخطوات» التي ستُتخذ في سياق العودة للاتفاق كاملاً. وبذا تكون هذه اللجنة انخرطت في معالجة واحدة من نقاط الخلاف الأساسية في هذه المفاوضات، وهي: مَن سيخطو الخطوة الأولى؟
طهران ما زالت متمسكة بأن ترفع واشنطن كامل العقوبات أولاً، ثم تعود إيران لالتزاماتها بعد أن تتأكد من أن العقوبات رُفعت فعلاً. ولقد كرّر الرئيس الإيراني حسن روحاني هذا التسلسل في الخطوات بعد اختتام الجولة الثانية قبل أيام. أما واشنطن فتقول إنها لن ترفع العقوبات قبل أن تعود طهران لكامل التزاماتها. وهنا، يسعى الوسطاء خلال العملية التفاوضية إلى إيجاد حل مقبول لاتخاذ خطوات متوازية من الجانبين.
غير أن المشكلات التي تهدد التفاوض لا تقتصر فقط على تسلسل الخطوات. إذ إن ميخائيل أوليانوف، السفير الروسي للمنظمات الدولية الذي يمثل بلاده في هذه المفاوضات، يتحدث عن «العشرات والعشرات» من النقاط التي ما زالت محل خلاف. ويضيف أن نقطة الخلاف الرئيسة تتمثل في تحديد العقوبات التي يمكن رفعها.
وفي حين تطالب إيران برفع كل العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب، ويصل عددها إلى 1600 عقوبة، تقول واشنطن إنها مستعدة لرفع العقوبات المتعلقة بالاتفاق النووي فقط. ومعلومٌ أن ترمب كان قد فرض عقوبات مرتبطة أيضاً ببرنامج إيران للصواريخ الباليستية، ودورها المزعزع للاستقرار في المنطقة، وكذلك عقوبات تتعلق بحقوق الإنسان. وراهناً، يخضع البنك المركزي وقطاع النفط في إيران لعقوبات مختلفة مرتبطة بالاتفاق النووي وغيرها. ومقابل ذلك، تطالب طهران برفع كامل للعقوبات المرتبطة بالقطاعين النفطي والمالي ما يسمح لها بأن تبيع نفطها من دون قيود وتُجري معاملات مالية مع الخارج.

- تكتيكات التفاوض الإيراني
وعند هذه النقطة، يرى البعض أن تمسّك إيران بالخطاب نفسه حول رفع الولايات المتحدة كامل العقوبات قبل أن تعود إلى التزاماتها، ليس إلا أداة من أدوات التفاوض. وتقول سنام وكيل، الباحثة في الشؤون الإيرانية في معهد «تشاتام هاوس» بالعاصمة البريطانية لندن، إن هذا الخطاب الإيراني هو «جزء من تكتيكات التفاوض، وهو مهمّ بالنسبة إلى الداخل الإيراني». وهي ترى أن المفاوضات حتى الآن «مثمرة، ولكن الأطراف حذرة لأنه ما زال هناك كثير من العمل المطلوب إنجازه خصوصاً حول تسلسل الخطوات».
مع ذلك لا ترى وكيل، خلال حوار لها مع «الشرق الأوسط» أن هذه الخلافات كبيرة لدرجة أن تعرقل المفاوضات، وتوضح: «واقع أن المفاوضات مستمرة... وأن الجانبين حذران، أمر إيجابي»، مضيفةً أن «هدف الجانبين ما زال نفسه»، وهو إعادة العمل بالاتفاق النووي.
وحقاً، في هذه الأثناء، يسود داخل المفاوضات شعور مشابه بأن الطلبات الإيرانية العلنية محاولة لانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب. ويقول أحد المشاركين في المفاوضات لـ«الشرق الأوسط» إن الإيرانيين «قدموا ورقتين للتفاوض، واحدة توضح توقعاتهم وأخرى تتضمن رؤيتهم... إنها عملية سائرة قدماً، لكنني لا أذكر أي مفاوضات جرى فيها تبني ورقة قدمها أحد الأطراف كما هي».
في أي حال، رغم هذه الخلافات، فإن التزام الطرفين على الأقل يبدو واضحاً. البعض يرى أن مجرد عودة الوفد الإيراني إلى فيينا يشكّل إشارة إيجابية رغم اللهجة التصعيدية العلنية. وواشنطن بعد فوز بايدن في الانتخابات الأخيرة أكّدت مراراً التزامها بإعادة الاتفاق واستعدادها لتقديم تنازلات، رغم الصعوبات. وقد كرّر مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان، ذلك بعد الجولة الثانية، في حديث للإعلامية الأميركية المعروفة كريستيان أمانبور –وهي إيرانية الأصل- فقال: «حققنا بعض التقدم، غير أنه ما زالت هناك مسافة يجب قطعها، ولكن في النهاية الولايات المتحدة ملتزمة بالعودة للاتفاق على أساس الامتثال المتوازي». وحسب سوليفان، فإن واشنطن تواجه تحدّيين في هذه المفاوضات: الأول تحديد العقوبات التي يمكن رفعها مقابل الالتزامات التي ستعود إليها إيران. والآخر قضية التسلسل. الأولوية بالنسبة إلى واشنطن الآن تتعلق بـ«المحتوى»، حسب مستشار الأمن القومي، وهو بالفعل عمل اللجنتين اللتين شُكّلتا خلال الجولة الأولى من المفاوضات.
على صعيد متصل، في حين لا تتوافر تفاصيل كثيرة عن الالتزامات التي أبدت إيران جهوزيتها للعودة إليها ضمن أي اتفاق محتمل، فإن معلومات أكثر رشحت عن العقوبات التي يمكن للولايات المتحدة أن ترفعها. وقد نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول في الخارجية الأميركية قوله إن واشنطن قدّمت لطهران أمثلة عن 3 فئات من العقوبات: فئة أولى تتضمن العقوبات التي يمكن رفعها وفئة ثانية لن ترفعها، وفئة ثالثة مصنّفة «حالات صعبة» ما زالت الإدارة الأميركية تدرس إمكانية رفعها.
ووفق المسؤول الأميركي فإن العقدة الأساسية هي العقوبات المصنّفة في الفئة الثالثة، لأن «إدارة دونالد ترمب -حسب زعمه- فرضت عن عمد عقوبات تحت تسمية الإرهاب، على الرغم من أنها فُرضت فقط بهدف إعاقة أو منع عودة الولايات المتحدة للاتفاق». وقالت الصحيفة إن المسؤول رفض تحديد عدد أو نوع العقوبات المصنفة ضمن كل فئة. وهذا، بينما تحدث البعض عن استعداد واشنطن لرفع عقوبات تتعلق بالبنك المركزي المصنّفة تحت تمويل الإرهاب، مع الإبقاء على العقوبات المرتبطة بالحرس الثوري.

- نشاطات إيران الإقليمية
وحول موضوع العقوبات أيضاً، صرّح متحدث باسم الخارجية الأميركية بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات، بأن رفع بعض العقوبات عن إيران «لا يعني أننا لن نواصل مواجهة تصرفات إيران المزعزعة (للاستقرار) في المنطقة وهي تصبّ ضمن مصالحنا وصد مصالح شركائنا في المنطقة». ويرى آخرون أن واشنطن لن ترفع كامل العقوبات التي فرضها ترمب وذلك من أجل استخدامها لاحقاً لإجبار طهران على العودة للتفاوض حول أمور أخرى. وحسب سنام وكيل، فإن «إدارة بايدن تريد الإبقاء على بعض العقوبات بهدف إعادة الإيرانيين للتفاوض حول توسيع الاتفاق لتضمينه دور طهران مثلاً في المنطقة وأموراً أخرى». وترى وكيل أن ثمة «حاجة إلى العودة والتفاوض حول القضايا الأخرى، المتعلقة بدور إيران في المنطقة وبرنامجها للصواريخ الباليستية، لمواجهة (مخاوف إسرائيل ودول المنطقة)، ولتفادي المزيد من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط». وتشير إلى أن هذا سيكون أيضاً في مصلحة إيران الباحثة عن انفتاح اقتصادي يريحها من تدهور الوضع.

- مخاوف أميركية من تكرار خطأ تقديرات أوباما
ترفض الولايات المتحدة تحديد سقف زمني لمفاوضات فيينا، وتشدد على أنها ما زالت في بداية الطريق. وبهذا الشأن، قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن ما تبقى من طريق المفاوضات «أطول مما مرّ»، وهذا، رغم زعم الرئيس الإيراني أن ما بين 60% و70% من الاتفاق أُنجز بالفعل، ويمكن تحقيق اتفاق كامل «إذا استمر الأميركيون بالتفاوض بصدق».
ومع استمرار هذه المفاوضات، تتزايد الضغوط الداخلية والخارجية على إدارة الرئيس جو بايدن لتحاشي «المغامرة» بإعادة العمل باتفاق من دون كثير من الضمانات. وبينما يكثف الإسرائيليون مشاوراتهم مع الأميركيين لمعرفة تفاصيل ما تقدمه الإدارة من إعفاءات لإيران، يتحرك الجمهوريون في واشنطن بقيادة وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، في الكونغرس، للدفع باتجاه فرض مزيد من العقوبات على إيران وتعقيد العودة للاتفاق. كذلك، يحذّر شركاء واشنطن في الشرق الأوسط من مخاطر العودة لاتفاق قد يؤدي إلى سباق تسلح في المنطقة ويزيد من تدخلات إيران في دولهم في حال بدأت تجني مكاسب مالية من الاتفاق.
وحول هذا الجانب، قال فريديريك هوف في ورقة أعدها لمعهد «أتلانتيك إنستيتيوت» إن إدارة باراك أوباما كانت تأمل عند توقيعها الاتفاق مع إيران عام 2015، أن يسهم ذلك في خفض عدائية إيران وتدخلاتها في المنطقة، ولكن هذا لم يحصل.
ويذكّر هوف بتقرير الاستخبارات الأميركي السرّي عن إيران الذي كشف عنه أخيراً، والذي يقدّر أن إيران ستستمر «بتشكيل تهديد للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة على المدى المنظور».
ومن ثم، تساءل هوف عما إذا كانت الاستخبارات الأميركية تقدّر اليوم أن إعادة العمل بالاتفاق النووي ستردع إيران عن تدخلاتها في المنطقة «كما ظن أوباما ذات يوم». وأضاف أنه «يأمل ألا تؤدي دبلوماسية بايدن النووية إلى دفع طهران عن غير قصد لتطوير سلاح ترى أنه في مصلحتها، وبأمل أن تجديد الاتفاق النووي معها لن يمكّنها من فعل أسوأ ما يمكّنها فعله في الشرق الأوسط، لأن عواقب ذلك سيكون قاتلاً بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الإقليمية وللمدنيين الأبرياء الذين يكافحون يومياً في الدول التي تعاني من الوجود الخبيث لإيران وأدواتها».


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.