كتاب عن ناديا كومانتشي... البطلة الأولمبية والضحية

كتاب عن ناديا كومانتشي... البطلة الأولمبية والضحية

النجمة «الكاملة» التي عانت من التعذيب في حقبة النظام الشيوعي
الأربعاء - 9 شهر رمضان 1442 هـ - 21 أبريل 2021 مـ رقم العدد [ 15485]

صدر حديثاً كتاب عن ناديا كومانتشي؛ البطلة العالمية الأولمبية والتي صنعت التاريخ في أولمبياد مونتريال عام 1976 عندما باتت عن 14 عاماً أول لاعبة تحقق نتيجة «10 الكاملة» على الإطلاق لأدائها على العارضتين المتوازيتين. ولكن خلف البريق والنجاح هناك جانب آخر غير براق؛ إذ تعرضت كومانتشي لكثير من الإساءات من قبل «الشرطة السرية الرومانية (سيكوريتات)»، خلال الحقبة الشيوعية، في سبعينات القرن الماضي.

وحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، فالكتاب الذي يحمل عنوان: «ناديا سي سيكوريتات (ناديا والسيكوريتات)» وكتبه المؤرخ ستياريل أولارو، في وقت سابق من هذا الشهر، هو ثمرة تعمّقه وغوصه في آلاف الصفحات من تقارير الشرطة السرية الرومانية التي رُفعت عنها السرية.

في تلك الصفحات، يكشف المخبرون والمكالمات الهاتفية التي جرى التنصت عليها تفاصيل ما يسمّيه أولارو «العلاقة التعسفية» بين كومانتشي (59 عاماً الآن) التي عرفت بالاسم الرمزي «كورينا»، ومدرّبها بيلا كارولي.

وحسب الكتاب؛ فقد راقبت الشرطة السرية في إحدى دول أوروبا الشرقية الأكثر قمعاً؛ تحركاتها خطوة بخطوة.

قامت الشرطة بذلك من خلال جهاز مراقبة لا يشمل فقط عملاء سريين، ولكن أيضاً شبكة محدثّة باستمرار من المخبرين، يقول أولارو إنها تشمل مدربين وأطباء ومسؤولين في اتحاد الجمباز، وحتى مصمم رقصات الفريق وعازف البيانو.

وتتحدث التقارير التي كتبوها عن «الترهيب والوحشية» اللذين مارسهما كارولي تجاه كومانتشي، إضافة إلى اتهامات أخرى. وكتب أحد المخبرين في عام 1974: «تعرّضت الفتيات للضرب حتى نزفت أنوفهن، وعوقبن من خلال التدريبات البدنية لدرجة الإرهاق». وفقاً للتقارير، اعتاد كارولي على نعت لاعبات الجمباز بـ«الأبقار السمينة» و«الخنازير»، بينما كان يأخذ أيضاً جزءاً من الجوائز المالية التي يفزن بها في المسابقات الدولية.

رد المدرب على الانتقادات بالقول: «أنا بطبيعتي شخص لا أرضى بشيء... أريد دائماً المزيد... لاعبو الجمباز الذين أشرف عليهم هم الأفضل في العالم، ويحققون البطولات... هذا كل ما يهم».

سافر كارولي إلى الولايات المتحدة مع زوجته مارتا في عام 1981. وبينما تحدث أبطال أميركيون أشرف الزوجان عليهم سابقاً عن ممارسات مسيئة، ظلت كومانتشي دائماً متحفظة نسبياً بشأن هذه المسألة.

في حين لم تجرِ الرومانية المتوجة بتسع ميداليات أولمبية، بينها 5 ذهبيات، أي مقابلة بشأن هذا الكتاب، فإنها أكدت لوكالة الصحافة الفرنسية أنها كانت على اتصال مع أولارو وأجابت عن بعض من أسئلته.

نفى كارولي وزوجته كل المزاعم بحقهما بشأن سوء معاملة الرياضيين في المنشآت التدريبية الأميركية التي أنشأوها بعد مغادرة رومانيا. تحدثا في مقابلة مع قناة «إن بي سي» عن علاقتهما بلاري نصار؛ الطبيب السابق للفريق الأميركي للجمباز والذي عمل في المركز التدريبي الخاص بهما وحُكم عليه لاحقاً بالسجن بتهمة الاعتداء الجنسي على مئات الرياضيات.

ينقل الكتاب تصريحات خاصة لكومانتشي أدلت بها في مقابلة عام 1977 مع صحافيين، لم يتم نشرها مطلقاً، ولكن انتهى بها الأمر في ملفات الـ«سيكوريتات» بسبب التنصت على منزلها في مدينة أونيستي.

أكّدت خلال هذه المقابلة أنها تعرّضت «للإهانة» والضرب بشكل متكرر، كما أنها حُرمت من الطعام على مدى 3 أيام، والتوبيخ بسبب زيادة وزنها 300 غرام.

وتقول عن كارولي في التسجيلات: «أشياء كثيرة حدثت (...). لم يعد بإمكاني النظر إليه».

بعد 6 أشهر من إنجازها التاريخي في مونتريال حيث حققت 5 ميداليات (3 ذهبيات، وفضية وبرونزية)، رفضت أن تواصل التدرّب بإشراف كارولي.

شكت والدة كومانتشي من سوء المعاملة الذي تعرضت له ابنتها إلى الاتحاد المحلي للجمباز؛ حتى طلبت التحدث مباشرة مع نيكولاي تشاوشيسكو رئيس رومانيا والأمين العام للحزب الشيوعي الروماني في تلك الحقبة.

جرى ترتيب لقاء مع الديكتاتور، ولكنه أُلغي في اللحظة الأخيرة من دون تفسير.

يَذكر أولارو أن تشاوشيسكو «استخدم (كومانتشي) لأغراض دعائية» وأطلق عليها لقب «بطلة حزب العمل الاشتراكي»، مستطرداً: «لكنها مع ذلك، عانت من التعذيب والترهيب والإذلال»، حتى لو تعرضت للضرب أقل من زملائها وزميلاتها.

كان كارولي نفسه أيضاً تحت المراقبة من قبل المخبرين، الذين صوّروه على أنه شخص «لا يأبه بالمعاناة الإنسانية». كان عضواً في الأقلية المجرية بالبلاد والتي غالباً ما كانت تنظر إليها السلطات الشيوعية بعين الريبة.

لماذا لم تتدخل إذن السلطات حينها للحد من تصرفاته؟

يعزو أولارو ذلك إلى «اعتبارات سياسية بحتة»، ويسأل: «كيف يمكن أن يتفاخروا بالمستوى العالي لبرنامج الجمباز وفي الوقت نفسه يفتحون تحقيقاً بحق كارولي؟».

يقول أولارو إن ناديا أصبحت «سجينة في بلدها» بعد اعتزالها عام 1984 ومُنعت من السفر إلى الخارج، باستثناء بعض الدول الاشتراكية.

مع ذلك، تمكنت من الهروب إلى المجر في عام 1989، ومن هناك توجهت أولاً إلى النمسا، ثم إلى الولايات المتحدة حيث طلبت اللجوء.

يروي أولارو أن قرارها «حيّر النظام» الذي وصفته وسائل الإعلام الأجنبية بأنه أصبح «لا يطاق حتى لذوي الامتياز».

يعود آخر تقرير خاص بكومانتشي في ملفات الـ«سيكوريتات» إلى 20 ديسمبر (كانون الأول) 1989، قبل أيام من سقوط تشاوشيسكو.

ويتابع أولارو: «بعيداً عن الصورة التي قُدمت عنها في ذاك الوقت على أنها (صاحبة امتياز)، كانت ناديا ضحية للنظام»، مضيفاً أنه يراها «ثائرة ومحاربة تمكنت من التعافي من المحن التي مرّت بها». ويردف: «فعلت ما كان عليها فعله من أجل تحقيق طموحاتها».


كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة