(1 -3): القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب مجاهد البوسيفي عن العقيد الليبي وخلفيات علاقته الشائكة بالغربيين

القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
TT

(1 -3): القذافي و«دِين الغرب»... حاجة الثورة لعدو يمنحها شرعية البقاء

القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)
القذافي في مقره بباب العزيزية في طرابلس بعد الغارات الأميركية عام 1986 (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط» بدءاً من اليوم، فصولاً من كتاب «دول الخيمة» الذي يصدر قريباً للكاتب الليبي مجاهد البوسيفي عن ليبيا في ظل حكم العقيد الراحل معمر القذافي. تتناول هذه الحلقة الفصل المتعلق بالعلاقة الشائكة بين القذافي والغرب، وكيف كان العقيد الليبي يعتبر أن «دين» الغرب الحقيقي هو المال فتعامل معه على هذا الأساس، مضيفاً أنه من مرور الأيام «صار وجود الغرب كعدو أمراً مهماً أيضاً لاستمرار شرعيته وبقائه في الحكم بأقل التكاليف».
ويتناول هذا الفصل أيضاً كيف أوكل العقيد «السبق» في ملف التعامل مع الغرب إلى ابنه سيف الإسلام، وكيف اكتشفت المخابرات الليبية عام 2009 شبكة تنصُّت على المسؤولين الليبيين، بمن فيهم من كانوا على اتصال مباشر مع العقيد الراحل، تُدار من تونس منذ عشر سنوات.
الكتاب من منشورات «ضفاف» في بيروت وسيصدر خلال معرض القاهرة للكتاب. عدم محبة الغرب ليست أمراً جديداً على العقيد، فهي نظرة تتسم بالصدق والانسجام مع الذات، لم تتغير بمرور الزمن. ويروي هو نفسه عن أيامه التي قضاها عندما كان في دورة عسكرية قرب لندن، عام 1966، أنه كان يناقش مواطناً إنجليزياً، جلس معه في القطار، حول الشعوب والقِيَم. وعندما حضر المشروب، اكتفى الإنجليزي بدفع حسابه فقط، ليقطع العقيد (وقتها كان ملازماً) الحديث معه فوراً، احتجاجاً على هذا التصرف الذي يخلو من الشهامة والكرم. فقد اعتبر ذلك إشارة صريحة إلى مستوى ثقافة ذلك الشعب، الذي لا يستضيفك ولا يتركك تستضيفه على كوب شاي، وهو أمر لا يمكن القبول به وفق القِيَم البدوية التي تربى عليها.
وفي حوار لاحق أجرته معه «بي بي سي»، عندما أصبح في الحكم، نعرف أن هناك ما هو أكثر من كوب الشاي. يقول العقيد إنه وزملاءه تعرضوا للإزعاج والإهانة من قبل الضباط الإنجليز المكلَّفين بالدورة، وأضاف للصحافي الإنجليزي أنه متأكد من «أنهم يكرهوننا».

لم ينسَ العقيد، ولم يتمكن من فهم الغرب على حقيقته أبداً، لا كعدو ولا كصديق. ظلت فكرته عن ذلك التجمع البشري الجبار، الذي يتحرك على الضفة المقابلة من البحر، بسيطة وخاضعة لقِيَمه هو، وليس لقِيَم وتجربة وتاريخ الغرب. وعيه تشكّل في زمن عبد الناصر، ومسيرات المدارس، وثورة الجزائر، واستمر يتطور باتجاه واحد طوال الوقت، لم تؤثر فيه التجارب ولا القراءات، ولا مسؤولية الحكم.
كان العقيد حريصاً على نقل كرهه للغرب إلى الجميع، وصنع حالة عداء معه، صنعت بدورها نجوميته. ومع الأيام، صار وجود الغرب كعدو أمراً مهماً أيضاً لاستمرار شرعيته وبقائه في الحكم بأقل التكاليف. توتر العلاقات مع الغرب، والاعتداءات المتبادلة بين الطرفين، وفّرت فرصة لتأمين حاجة الثورة الدائمة لعدو، يمنحها شرعية البقاء.
وأقام العقيد جزءاً أساسياً من دعايته على جدار الدين والتاريخ، على أساس أن ما يحدث الآن هو عدوان للحملة الصليبية العاشرة، التي تستهدف ليبيا من ضمن حملتها على الشرق المسلم، استئنافاً للحروب القديمة. وكان متحمساً في تلك العداوة، حتى إنه طلب في إحدى المرات، وفي خطاب مباشر على التلفزيون، أن يخرج إليه «كارتر» للمبارزة علناً أمام الناس، المبارزة بالسلاح، كحل لإنهاء هذه الحرب. وفي حالات أخرى من الضيق، أخذ يردد في خُطبه ومحاضراته نظرية جديدة، إضافة إلى نظرية داروين الخاصة بأصل الأنواع، مفادها أن الغربيين هم الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان. ولم يتردد لحظة في أن يطلب من الباحثين والمثقفين العمل على تأصيل ما قال علمياً للجماهير.
عدم إتقانه للغة أجنبية، واعتزازه الشديد بنفسه، وميله الدائم للأخذ بالمُسَلَّمات، كانت حائلاً بينه وبين معرفة موضوع معقدٍ سياسياً واجتماعياً وصناعياً، مثل الحياة في الغرب، وبالتالي تقدير خطورته. لذا، بقيَ نحو عقدين يصول في تلك الأصقاع المُدِرّة للشهرة، مخلفاً وراءه الخوف أينما حل. اشتُهِر اسمه وصار معروفاً هناك، وقام بتنفيذ أو دعم عمليات إرهابية في أغلب المدن الأوروبية، ثم أرسل فرقه، محترفة القتل، التي وصلت إلى الولايات المتحدة نفسها، لاغتيال المعارضين في قلب العدو الأكبر. واستمر في نشر حالة من العداء ضد الدول الغربية في المنطقة، شوّشت كثيراً من الأجواء.
وفي أبريل (نيسان) 1986، قرر الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وضع قاعدة جديدة في التعامل معه، فأرسل سرب طائرات قصفت بيته الخاص وبضعة أهداف أخرى، أخطأت في اثنين منها على الأقل، وتسببت في مجزرة استفاد منها العقيد بذكاء. لكن الرسالة الأساسية كانت قد وصلت وأدت غرضها لعدة سنوات. لقد فهم العقيد، هذه المرة، أن عليه أن يلتزم الهدوء. وعندما تم الانتهاء من ترتيب وضع صدام حسين بعد حرب الكويت، أُعلِن دون مقدمات كبيرة، وبالتزامن، في بريطانيا والولايات المتحدة، عن توجيه اتهام رسمي للنظام الليبي بتفجير طائرة أميركية مدنية، وسمّى الاتهام رجلين ليبيين بالاسم كمطلوبين للمحاكمة.
ودخلت ليبيا، مع العراق في الوقت نفسه، تحت حصار استمر سبع سنوات، قبل أن تنجح وساطة سعودية - جنوب أفريقية في إقناع القذافي بتسليم المُتَّهمين لمحكمة محايدة، حيث دخل في ماراثون قانوني لسنوات أخرى، قبل أن يُقرّ أخيراً ويتحمل الذنب.
كلّفت قضية لوكربي القذافي وليبيا جهوداً وخسائر كبيرة على كل الجبهات. لكنه خرج من تلك المعمعة بنظرية جديدة، اكتشفها أثناء معالجته لتلك المشكلة التي شكلت خطراً حقيقياً عليه، وهي نظرية جديدة للتعامل مع الغرب، صاغها في خمس كلمات: الدِّين الوحيد للغرب هو المال.
وأخذ العقيد يتصرف في حقبته الجديدة، بعد النجاة من «لوكربي»، على هذا الأساس، حيث بإمكانه أن يمنح العقود للشركات الغربية، وتتولى هي التعامل مع حكوماتها بالشكل الذي تفهمه. وإذا لم يكْفِ ذلك، فهناك دائماً نقاط ضعف في مكان ما في شبكة ديمقراطية الغرب.
على سبيل المثال، تمكّن العقيد من دعم أحزاب وجماعات ضغط، وحتى حملات انتخاب للحكم في قلب حواضر الغرب. ولم تُخيّب نظريته الجديدة أمله أبداً، وحقق عبرها «إنجازات» مهمة، فتحت له ما رغب من طرق. لقد كانت تلك الشركات العابرة للقارات قادرة، في مرحلة لاحقة، على جلب عدوه السابق رئيس وزراء بريطانيا العظمى توني بلير، شخصياً، إلى باب خيمته، فأجلسه أمامه داخلها، رافعاً، غير بعيد من وجهه، حذاء ملوثاً بالروث، قبل أن يمنحه بركته لتوقيع العقد الذي جاء من أجله.
لقد جمّدته معضلة «لوكربي» سنوات، أصابه فيها الترهل، ودفعت شعبه إلى بدايات تعبير علني عن الضجر. لذا، كانت انطلاقته بعدها سريعة، لتعويض ما مضى، بقوة دفع «النظرية» الجديدة المعتمِدة على المال. لكن قبضته ستتراخى تدريجياً في الداخل، الذي سيتركه للأولاد والمقربين كلما تقدم الوقت، ويمضي في الطريق الجديدة التي انفتحت أمامه بعد انفراج شدة «لوكربي»، وحصارها الذي جعل وضعه في مقام المنبوذ.
وبالمال، الذي يملك منه الكثير، وفيما عدا لندن التي احتفظ لها بكره دائم، قام بزيارة أغلب عواصم الغرب، حاملاً معه خيمته وناقته في بعض الأحيان، فجاء إلى باريس، حيث جلس على كرسي لويس الرابع عشر، الذي سبق أن حكم أكثر من سبعين سنة، وذلك أثناء جولته في المتحف الذي خُصّصت زيارته في ذلك اليوم للقذافي فقط، وذلك بعد أن استقبله الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي رسمياً في قصر الإليزيه، دون أن يخطر على بال أحد أنه كان قد موّل حملة ساركوزي الانتخابية. وسيصل العقيد بعد ذلك إلى قِبلة السياسة، نيويورك نفسها، ويقوم باستعراض أممي مشهود.
لقد مر وقت ازدهرت فيه حقاً نظرية القذافي حول دِين الغرب، في أوساط الغرب العليا، حتى إنه صدق بالنجاة.
لكن كل هذه الأسفار والفُرَص لم تكن لتغيّر تفكيره إلى فهم أعمق.
انشغل العقيد كثيراً بالغرب، إلى درجة أنه لم يجد وقتاً ليتعرف عليه حقاً، ويدرك كيف يعيش الغرب، وكيف يفكر ويعمل ويصنع قراراته، ولماذا هو مختلف على هذا النحو؟
لم تكن في الجماهيرية مراكز أبحاث ودراسات، ولا مجموعات عمل منظمة، ولا خلايا تفكير، ولا بنية تحتية لتعليم جيد قادر على التعبير عن نفسه بالكوادر والأفكار. كانت هناك مصلحة للثورة في أن يبقى الأمر بسيطاً. فالغرب مفيد للثورة أكثر كعدو غامض وشرس، وهو مشروع استثمرت في عداوته الكثير، وجنت أرباحاً «شعبية» كبيرة منه، والأفضل أن يبقى الأمر على ما هو عليه. هذه هي الخدمة التي يقدمها الغرب للعقيد، وهي الخدمة المُرحَّب بها في جماهيريته. وفي كل الأحوال، فقد أصبح عنده ما يكفي من عيّنات غربية يريها لشعبه عندما يريد، وهو جالس في الخيمة يتابع سير توقيع تلك الاتفاقيات.
لكن المشاكل الحقيقية مع الغرب كانت لم تبدأ بعد. فهي ستبدأ عندما سيظهر أسامة بن لادن على المسرح، ويضرب في قلب أميركا دون رحمة، في عملية هوليوودية الهوى، بالكاد أفلت منها البيت الأبيض نفسه في ربع الساعة الأخير.
بعد ذلك بأقل من عامين، سيسقط صدام حسين في عملية أخرى، كأنها لعبة حرب إلكترونية، مع فارق الدماء. في ذلك اليوم الذي سقط فيه تمثال صدام، حضرت وحدات أمنية خاصة إلى قلب طرابلس ليلاً، وأزالت صور القائد الكبيرة المعلقة على الجدران، مخافة أن تكون مستفزة أكثر من اللازم بهيمنتها على المكان في تلك الأوقات. وقضى العقيد طوال الأيام التالية بين الحذر والترقب، متوقعاً كل شيء، بما في ذلك أن تظهر طائرات أميركا في الجو من جديد. استمرت تلك المرحلة أشهراً، وبعد أن تم القبض على صدام بأسبوع، أدرك القذافي أخيراً أن اللعبة انتهت، وأعلن بنفسه تخليه عن أي برامج لإنتاج الأسلحة «الكيماوية والبيولوجية والنووية»، ثم فكّك معامله في هذا المجال، وشحنها مع ما يلزم من الأجهزة المطلوبة، إلى الولايات المتحدة، ليتفقدها الرئيس بوش الابن مزهواً، ثم تُعرَض على الإعلام، الذي أعطاها مساحات كبيرة، ما أحرج كرامة العقيد، فاتصل الليبيون مجدداً بالدكتور محمد البرادعي، رئيس «الهيئة الدولية للطاقة»، الذي كان على وشك اللقاء ببوش، وطلبوا منه المساعدة في الموضوع. وفعلاً، طرح البرادعي الأمر أمام الرئيس، وشرح له أنه ما من فائدة في إحراج القذافي بصورة من «خان أمته»، بالتركيز الإعلامي على تسليمه لبرنامجه. واقتنع بوش الابن بكلام البرادعي، وجرى بقية الأمر في جو أكثر هدوءاً.
كان العقيد في ذلك الوقت قد أعطى بعض إشارات بترك مساحة لابنه سيف الإسلام، يتحرك فيها في الداخل، ثم منحه سبق البدء بالاتصال سراً بالغرب، بهدف حل معضلة «لوكربي» ودياً، مانحاً إياه ورقة قوية توفر له دخولاً كبيراً إلى المسرح، وهو ما حدث.
في تلك المرحلة من صراعه مع أميركا، سيعود العقيد إلى التاريخ مجدداً، ويتقمص شخصية «يوسف باشا القره مانللي»، في حالتي القوة والضعف، ولكن بترتيب ونتيجة مختلفَين.
بدأ معركته قوياً متحمساً، وأحياناً بذيئاً، لسنوات طويلة بدأت منذ الثلث الأول من السبعينات، وامتدت حتى منتصف الثمانينات، وهي مرحلة رواج كبير للعداء لأميركا، ما جعل المنافسة حادة بين القوميين لإبراز أفضل الطرق لمقاومة ذلك العدو المكين. ومن بين كثير من القادة الذين يتقدمون لهذا الشرف، كان للعقيد مكان متقدم في هذا الشأن. لقد كان واثقاً من الانتصار، حتى إنه في إحدى خطبه أمام الجماهير، طلب منها، متهكماً، البحث عما إذا كان هناك «أميركا أخرى» لم نعرفها بعد، مبشراً الحضور بأننا «بلعنا» أميركا الحالية وانتهى أمرها تماماً، وإن المطلوب الآن «تمشيط» العالم، والتأكد من أنه ما من أميركا أخرى فيه.
استمرت هذه الفترة إلى نهاية الثمانينات تقريباً، ثم بدأ الانتقال تدريجياً إلى المرحلة التي بدأ منها يوسف باشا من قبل، في النسخة الحقيقية من التاريخ، وأخذ يدبج الرسائل ويعطي التصريحات التي تبدو في مضمونها ونغمتها مستعارة مما قاله الباشا من قبل، عندما كان يرسل إلى الرئيس الأميركي، في البداية، طالباً معاملته مثل جيرانه من حكام تونس والجزائر والمغرب، وأن يحفظ كرامته، وكذا، بدأ العقيد في نغمة جديدة مشحونة بالشكوى من الظلم الذي لحق به، مستغرباً، كيف أن أميركا غفرت لمن تسمّيهم إرهابيين مثل مانديلا وعرفات، وفرشت لهم البساط الأحمر، بينما تعامله هو معاملة الإرهابيين الخارجين عن القانون. وواقعياً، كان ذلك يعني أنه انتهى في المكان الذي بدأ منه سلفه الباشا في الأصل. فقد كان يوسف باشا يتحدث عن الضرائب المستحقة لمرور السفن من بحره في زمن حاضر، بينما يطلب القذافي الأمان والصفح عن زمن مضى. وهكذا حصل، بعد جهد مُنهِك، على جوائز أقل من الباشا في نهاية الأمر. فالباشا استرد حقه في مال الضرائب مع نهاية حرب السنوات الأربع، ما أكسبه صيتاً كبيراً في المنطقة، وهو مكسب لم ينله العقيد، الذي أصاب ذلك الصراع الطويل هيبته بخسائر كبيرة، أجبرته على طلب الغفران.
وعندما تم قبوله أخيراً في العائلة الدولية، بعد ذاك الرجاء الطويل، توسع العقيد أكثر في نشر نظريته الجديدة حول دِين الغرب في التجمعات الغربية، كلما أمكنه ذلك، وكسب أنصاراً جُدداً في مواقع مختلفة، خصوصاً من السياسيين السابقين الذين اتجهوا للعمل كواجهة للشركات والبنوك الكبرى، بينما بقيَ الإعلام ومراكز البحث على حذر.
وكانت أميركا الرسمية تلوِّح بالعصا كلما رأت أن الأمر يتطلب ذلك. ففي مارس (آذار) 2004، زار الجماهيرية وفد يرأسه جوزيف بايدن، كبير الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، نائب أوباما، ثم رئيس الولايات المتحدة فيما بعد. وبعد لقائه القذافي قرب سرت، ألقى بايدن في اليوم التالي كلمة أمام مؤتمر الشعب العام المنعقد في مقره بالمدينة، والذي صار مقراً رسمياً منذ بعض الوقت، قال فيها إن الشعب الليبي لديه الإمكانات والفُرَص، لكنه يعاني من مشكلة كبيرة هي «آيديولوجيا مُضلِّلة» تتحكم به. وبالطبع، تم قطع البث التلفزيوني المباشر للكلمة فوراً عند هذا الحد، وسعى العشرات من الدبلوماسيين والساسة في الأروقة كثيراً لتخفيف حدة تلك الكلمات التي قيلت في قلب العرين، بعد عشر سنوات من تسليم القذافي أسلحته وما ظنه غفراناً. لكن بايدن لم يَبْدُ عليه الاهتمام، وظل مُصراً على رأيه في العقيد، الذي وصفه بعد عودته إلى واشنطن بأنه «ليست فيه عظْمة واحدة تؤمن بالديمقراطية».
وتعددت الوفود الغربية الباحثة عن فرص للاستثمار، وذهب أغلبها بهدف المال والسياسة، ولكن كان هناك آخرون يجمعون نوعاً مختلفاً من المعلومات.
فبعد زيارة جوزيف بايدن بسنتين، جاء وفد من المعهد القومي للديمقراطية في واشنطن، الذي كان تلك الفترة تحت رئاسة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة، يضم أربعة متخصصين في المنطقة، ومراقبين لسير التغيير في ليبيا. وقضى الوفد تسعة أيام يتجول في البلاد، وخرج منها بتقرير، يصف أوضاعاً كئيبة بعد سبعة وثلاثين عاماً من وصول القائد إلى السلطة.
ويلفت التقرير في ديباجته النظر إلى أنه أثناء تكوينه صورة عن الوضع، تحدث مع أشخاص مختلفين، وكانوا يقدمون معلومات متناقضة، والأسئلة المحددة المباشرة التي كانت تُطرح عليهم، كانت تقابَل بإجابات غامضة وردود تحمل «عدم اليقين». وفي إشارة سريعة، تضيف ديباجة التقرير أن ذلك «يجري حتى على أعلى مستويات الحكومة».
ثم يصف التقرير أن نظام سلطة الشعب والمؤتمرات الشعبية «بالغ التعقيد دون داعٍ»، وأنه عملية تؤدي إلى «إعطاء سلطة لمجموعة صغيرة من النخب، التي تتلاعب بقرارات المؤتمرات الشعبية، بحجة تطويعها واستخلاص القرار المتفق عليه». وتصف النظام الليبي بأنه «صيغ بصلابة لا تسمح بالتأثير فيه، أو التلاعب به على كل مستويات الحكومة».
وبعد أن يصف التقرير اللجان الثورية بأنها «الطرف الثالث غير الواضح في هيكلية السلطة، ولكنها هي من تحسم القرارات»، يشير بنباهة إلى وسيلة التحكم المهمة التي في يد النظام، إذ إن التصويت العلني على القرارات غير مأمون، و«يكون المصوتون عُرضة للتخويف والإرهاب بسهولة، من وجود قوات الأمن واللجان الثورية وغيرهم، ما يدعم وجهات نظر النظام»، وإن المؤتمر الشعبي الأساسي هو «عبارة عن ختم مطاط يستخدم للتصديق والاعتماد لكل سياسات القذافي ودائرته الداخلية من المستشارين».
ثم يذهب التقرير مباشرة إلى المكان الذي تصب فيه كل الأودية بالقول: «من الواضح جداً أن السلطة التنفيذية هي واقعياً في يد العقيد القذافي... الذي خلق نظاماً يحمل آلية لاتخاذ القرار في غاية العتمة وعدم الوضوح».
ويمضي التقرير في شرح بقية الصورة لواقع الحال، فيما بعد منتصف العقد الثالث من حكم العقيد، حيث «لا توجد في ليبيا منظمات مجتمع مستقلة»، وهناك عقوبات قانونية على حرية التعبير والتجمع، حتى إن تحركات واتصالات الوفد نفسه «كانت تحت الرقابة اللصيقة طوال المهمة». ويعطي فكرة عن تفكك الإدارة وحيرة المسؤولين و«الشللية والتشقق الحادث الآن في النظام».
بطبيعة الحال، كانت هناك أيضاً «وفود» من نوع آخر تفضّل العمل في السر، تجمع نوعاً أخطرَ من المعلومات لحساب وكالاتها. وكان عندها من المعرفة أكثر مما عند الباحثين والاقتصاديين. وفي إحدى المرات، اكتشفت المخابرات الليبية، عام 2009، شبكة تنصُّت على المسؤولين الليبيين، تُدار من تونس منذ عشر سنوات، وشمل التقرير الذي أرسله عنصر مخابرات ليبي في تونس، مكان محطات التنصُّت وتاريخ إنشائها، والأهم أسماء المُتنصَّت عليهم طوال تلك السنوات. وقد شملت القائمة الجميع، من رئيس المخابرات لعقد ونصف العقد، موسى كوسى، إلى عديل القذافي والرجل الثاني عملياً في البلاد عبد الله السنوسي، ومدير مكتب معلومات القذافي بشير صالح، وأيضاً مسؤول المكتب الخاص للعقيد أحمد رمضان. ولم توفر المراقبة أيضاً بعضاً من أولاده.
وهكذا، كان كل من يمكن أن يتحدث معهم العقيد تحت المراقبة، التي شملت الهاتف والفاكس والبريد الإلكتروني والاتصالات اللاسلكية التي تدور بين «وحدات الشعب المسلح»، كما أكد التقرير. وبهذا، كان تقريباً كل ما يُقال أو يُكتب داخل دائرة العقيد يصل إلى دوائر الغرب من فم مصدره مباشرة، وفي التو، ما يفسر لنا كيف كانت تسير الأمور، وكيف وصل العقيد إلى مستوى بث الشكوى في العلن. فقد كان كل شيء عنه معلوماً.
وفود كثيرة جاءت وذهبت، وظل العقيد في مركز الدائرة الذي يرسم النهج الجديد بحذر، دون بنية تحتية صالحة، ولا كوادر مؤهلة، إلا فيما ندر، للاستخدام في العالم الخارجي. وظل العقيد في سعي محموم في البحث عن «شرعية دولية»، يتوّج بها حياته كمرجع عالمي. وفي فترة ما، أصبح قريباً فعلاً من ذلك الاستحقاق، فقد كان على وشك أن يظفر بفرصة العمر.
فبعد حل مشكلة «لوكربي» بسنتين، استطاع العقيد الخروج بتوقيع الإعلان المبدئي للاتحاد الأفريقي، الذي اختار له العقيد تاريخاً مُنسَّقاً كما يحب هو 9 - 9 - 1999. وكان العقيد قد اتجه إلى العمل في أفريقيا مجدداً في التسعينات، بعد انغلاق الأفق بخضوعه للحصار، إضافة إلى الحذر الكبير الذي ساد في السوق القومية بعد هزيمة صدام في الكويت. واتسم ذلك العقد باشتعال الحروب الأهلية في تلك القارة المترامية، إذ أسهم العقيد بجهده في أوغندا وسيراليون وليبيريا وأفريقيا الوسطى، وأينما استطاع، بالمال والجنود والدعم السياسي، في تعميق ذلك الجرح، حتى استطاع أخيراً أن يفرض نفسه، ويُخضِع كثيرين لتقبله.
وبالكاد استطاع قادة أفريقيا إبعاده عن رئاسة ذلك الاتحاد عشر سنوات، قبل أن يفوز بها أخيراً في الوقت الذي يريده تماماً. إذ ما إن تسلّم الرئاسة الأفريقية عام 2010، حتى تسلم أيضاً الرئاسة العربية في قمة سرت بعدها بأسابيع. وكان بين هاتين الرئاستين، قد وصل أخيراً إلى نيويورك للمرة الأولى والأخيرة في حياته، حيث سيأخذه الاحتفال باللحظة، ويثير بتحركاته كثيراً من الجلبة الطفولية في ذلك الوسط الرصين. وتوج ذلك الأداء بخطبته من على منبر العالم، التي كانت عرضاً لمونولوغ ركيك الصياغة والأداء. وكانت لحظة تراجيدية تُبَث مباشرة من أشهر مسارح العصر، خرق فيها «القائد» كل البروتوكولات والقوانين، واستمر أكثر من ساعتين يخلط موضوعاً بموضوع، مقدماً أسوأ عروضه عبر تاريخه الطويل على الإطلاق، مرتكباً ذلك في المكان الذي قدّم كل ما يلزم للصعود على منبره لقول كلمته.
كان هناك بالطبع كثير ممن سيدبّجون الإشادات بتلك الكلمة، خصوصاً في الداخل، لتبيان تاريخيتها وما منحته للعالم من حكمة وحلول. لكن هذه الكلمة، في الواقع الدولي، كانت وبالاً تاماً عليه، أظهرت خفته وميله للاستعراض، وطرح أفكاره الساذجة عن السياسة ومسؤولية الحكم، وزرع انطباعاً عاماً بين الحاضرين بأن أَخْذَ كلامه بشكل جِدّي أمر غير حكيم، وزال الحرج عن آخرين كان يمكن أن يساعدوه، بعد أن تأكدت الصورة الرائجة عن خطورة الثقة به.
رحلة نيويورك كانت إقفالاً للدائرة. وعندما وصل ذلك الفتى البدوي أخيراً إلى تفاحة العالم وقلبه المالي، ليخاطب العالم ويلقي بشارته، أفسد الفرصة الثمينة.
أما الغرب، فقد جلس ينتظر، بعد أن نفض يديه من إعادة التأهيل، حتى جاءت الفرصة وحان الوقت. عندئذ، أنكر علناً أي علاقة به، نازعاً عنه الغطاء أولاً، ثم ليتدخل مباشرة لحسم أمر إزالته.

(2 -3) : سنوات البراءة: «القوميون» تسابقوا لاستقطاب العقيد... ففاز عبد الناصر
(3 -3): القذافي هدد برشاشه رفاقه في مجلس قيادة الثورة



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.