«موسى»... دراما صعيدية تستعيد زمن الحرب والكوليرا والهجرة

«موسى»... دراما صعيدية تستعيد زمن الحرب والكوليرا والهجرة

مؤلف المسلسل يعتبره «مشروع حياته»
الأحد - 6 شهر رمضان 1442 هـ - 18 أبريل 2021 مـ رقم العدد [ 15482]
أفيش مسلسل «موسى» للفنان محمد رمضان

في براح حميمية العائلة، وبساطة الحياة بُقرب النيل، حيث يتحلّق الجد والأم والإخوة الثلاثة حول فُرن البيت الزهيد، يتلقفون الخبز الساخن في نشوة غامرة وفيض من الرضا، عاش «موسى» ريعان أيامه، قبل أن تتكالب الظروف والأقدار لتنزح به من دفء العائلة، إلى برودة الجبل، وظلام المجهول.

في قرية «مصاخة» بسوهاج، صعيد مصر، تبدأ بواكير «ملحمة موسى» مع عام 1942 وصولاً لعام 1952. عشر سنوات هي النطاق الزمني للمسلسل الذي يقوم ببطولته الفنان المصري محمد رمضان، وهو من تأليف الكاتب المصري ناصر عبد الرحمن، وإخراج محمد سلامة، وإنتاج شركة «سينرجي»، ويُذاع على أكثر من قناة فضائية منها قناتا dmc، وMBC، ويضم عدداً كبيراً من النجوم منهم سمية الخشاب، ورياض الخولي، وسيد رجب، وصبري فواز، وهبة مجدي، وعبير صبري وفريدة سيف النصر وحمدي الوزير.

تبدو الملامح الدرامية للمسلسل، مُتشبعة بالأجواء الصعيدية الخشنة التي أجاد القائمون على العمل تطويعها لصالح السياق الدرامي، سواء في إتقان اللهجة الصعيدية، أو في الملابس والإكسسوارات، إلا أن الصعيد الذي ظهر في المسلسل مصحوب ببعد زمني حافل بالتغيرات السياسية والاجتماعية التي واكبت مطلع أربعينيات القرن الماضي، تلك الفترة التي يصفها الكاتب والسيناريست المصري ناصر عبد الرحمن بأنها «فترة شديدة التعقيد، حيث شهدت أحداثاً عالمية كبيرة مثل الحرب العالمية الثانية، التي تسببت في تغييرات إقليمية وعالمية حاسمة».

تُلطخ الحرب العالمية الثانية وجه قرية «موسى» الفقيرة، فتُزيدها بؤساً وشقاءً، بعد أن يُقرر الإنجليز، المُحتلون لمصر في هذا الوقت، تجنيد شباب من القرية للحرب في صفهم ضد الألمان، ويكون شقيق موسى الأكبر «رويعي» أحد هؤلاء المطلوبين لتلك الحرب، ليستميت موسى في محاولة الذهاب بدلاً من شقيقه الذي يعاني من ظروف صحية خاصة، ولكن يفشل في ذلك، ويُفجع هو وأسرته بعد أن يأتيهم خبر موت أخيه في الحرب، ليشعر أنه أمام ثأر شخصي مع الإنجليز وحربهم العالمية من جهة، وثأر آخر موازٍ مع عمدة قريته وابنه لتسببهما في حرمانه من الزواج من حبيبته «نجاة»، تقوم بدورها الفنانة تارا عماد، وكذلك تورطهما في إصابة أمه بالشلل الكامل، قامت بدورها الفنانة عارفة عبد الرسول.

هذا التشابك بين الخاص والعام يُعلّق عليه المؤلف ناصر عبد الرحمن في حديثه مع «الشرق الأوسط» بأنه تعبير عن «رحلة موسى من الجنوب إلى الشمال على مدار عشر سنوات، وتلك الرحلة التي تمر بالعديد من التغيّرات العالمية والإقليمية التي تترك آثارها على شخصيته، كما يترك هو أثراً في كل مرحلة من تلك التغييرات».

حسب ناصر عبد الرحمن فإن تعبير «الملحمة» الذي يسبق اسم «موسى» في عنوان المسلسل، مقصود للتعبير عن سلسلة الأحداث والتحوّلات الدرامية، التي ستشهدها فترة السنوات العشر التي تدور فيها أحداث المسلسل، مروراً بأحداث مفصلية مثل الحرب العالمية الثانية وتوابعها، ووباء الكوليرا، والفيضان، وغيرها من الأحداث يقول: «كأن موسى هو القبطان الذي يُبحر في تلك السفينة الملحمية في رحلة من الجنوب إلى الشمال وسط سيل تلك الأحداث».

وتشغل فكرة الهجرة من الجنوب (الصعيد) إلى الشمال (القاهرة)، الكاتب ناصر عبد الرحمن على مدار مشروعه الفني، وتسرّبت تلك الثيمة في أكثر من عمل تلفزيوني وسينمائي سابق له مثل «جبل الحلال» و«كف القمر» و«دكان شحاتة»، فيما يعتبر عبد الرحمن أن «ملحمة موسى» هو «مشروع حياته» المتكامل الذي حاول فيه رصد تفاصيل وملامح تلك الهجرة، وهو المشروع الذي يحاول تنفيذه منذ عام 1998، ولكن لم يتمكن بسبب ضخامة إنتاج هذا المشروع، الذي اكتمل بعرضه هذا العام على الشاشة، مُشيداً بشركة الإنتاج التي تحمست للعمل، والمخرج محمد أسامة، والفنان محمد رمضان الذي يقول إنه «ما من أحد كان يستطيع أداء دور موسى سواه، على حد تعبيره.

وسبق للفنان محمد رمضان أن جسّد أدواراً في الدراما الصعيدية، إلا أن ميراثه من الظهور المُتكرر في حُلّة المُنتقم المغوار، شديد البأس، والمُنتصر دائماً، جعل هناك استباق للحكم على «موسى» بأنه تكرار للثيمة التي يحرص رمضان على الظهور بها كل عام، وذلك بمجرد ظهوره في الحلقات الأولى وهو يُبارز ابن «عمدة» البلد الذي قام بخطبة حبيبته وانتقامه الشديد منه، أو لمشاهده التي ظهر فيها وهو يأكل الثعابين ويُلاطف التماسيح، في مشاهد أثارت الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.

إلا أن ناصر عبد الرحمن يرى أن تلك الأحكام لا علاقة لها بالوجه الجديد الذي يقدمه محمد رمضان في «موسى» على حد تعبيره، وأنها جميعها تفاصيل درامية في سياق أكبر للشخصية وانعكاسات الظرف العالمي والاقتصادي عليها، بما في ذلك مشهد تناوله للثعابين في الجبل يقول: «اضطر موسى لذلك في سياق زمني يعاني فيه الصعيد من فقر حاد، وفي فترة حرب طاحنة، وجد فيه نفسه طريداً في الجبل، ومطلوباً للإعدام، وفريسة للجوع، فهذا المشهد مكتوب في زمن الأربعينيات وليس في القرن الحادي والعشرين».

وتظهر ملامح الأربعينيات في كادرات المسلسل بما في ذلك البيوت الطينية، والأواني الفخارية، مروراً بوسائل التنقل التقليدية من حمير وجمال، وساحة «الكُتّاب» حيث كان يتعلم أطفال القرية القرآن الكريم، وفيها يبرز ظهور خاص للفنان محمد ريحان، الذي يقوم بدور الشيخ «صالحين» جد «موسى» مُعلّم القرآن، الذي لم يسلم هو الآخر رغم كبره، وعِلمه، وحكمته، من القهر الذي يملأ فضاء القرية بالعويل، وتُسمع له تنويعات جديدة مع تقدم رحلة «موسى» خلال الحلقات المقبلة.


مصر دراما رمضانيات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة