أثرياء الولايات المتحدة يشترون الزخارف الفاخرة

رومانو يحاول إيجاد مكان مناسب لوضع كرسي ريجنسي (نيويورك تايمز)
رومانو يحاول إيجاد مكان مناسب لوضع كرسي ريجنسي (نيويورك تايمز)
TT

أثرياء الولايات المتحدة يشترون الزخارف الفاخرة

رومانو يحاول إيجاد مكان مناسب لوضع كرسي ريجنسي (نيويورك تايمز)
رومانو يحاول إيجاد مكان مناسب لوضع كرسي ريجنسي (نيويورك تايمز)

منذ مارس (آذار) من العام الماضي، عندما خيمت حالة الإغلاق العامة على بلدان العالم وصار من الواضح، كما قال روب ساتران، أن الناس لن ينفقوا أموالهم القابلة على الأغراض الاعتيادية، انطلق سباق التجارة في الأجهزة واللوازم الراقية.
يعد ساتران المالك الجزئي لشركة «رويال غرين أبلاينس»، وهي عبارة عن متجر صغير وفاخر لمبيعات التجزئة في مدينة نيويورك، يمثل بالنسبة للأجهزة المنزلية نفس ما تمثله سيارات رولزرويس الفارهة في عالم السيارات. ولقد قال ذات مرة: «لقد نجح فيروس كورونا في تدجين الناس على نحو فوري، وصاروا ينظرون حولهم ويفكرون بدواعي الاستثمار في منازلهم».
فإذا كانت الأجهزة القديمة مثل الصداقات القديمة، أي أنها بالكاد تعمل، ولكن يصعب كثيرا التخلص منها، فلقد كان العام «الوبائي» الماضي، نفس العام الذي شرع أصحاب المنازل في إلقاء نظرة جديدة على الثلاجات المستعملة، وغسالات الصحون المنهكة.
وفي العام نفسه، قرر البعض ممن يتقاضون مداخيل سنوية مرتفعة، أنه لا يوجد ما يدعو لاقتناء وعاء الثلج العادي، أو حتى مكعبات الثلج التي تنتجها بعض الأجهزة المنزلية العادية، في حين يمكنهم اقتناء الماكينات التجارية القادرة على إنتاج الكرات الشفافة أو الصحون الرائقة أو القبعات الثلجية التي نراها تغطي الكؤوس في الحانات الراقية. لماذا لا تشتري هوشيزاكي؟
يقول ساتران: «من الناحية التقليدية، ترتبط الأعمال في مجال الأجهزة المتطورة بسوق الأوراق المالية»، ويتابع، «بحلول الربع الفصلي الثالث من العام الماضي، بات واضحاً أن الأسواق المالية أبعد ما تكون عن الانهيار المتوقع، ارتفع الطلب على مواقد «وولف»، وثلاجات «ساب زيرو»، وماكينات إنتاج الثلج التي تباع بحوالي 4 آلاف دولار للقطعة الواحدة. وأعقب ذلك مزيجا من الطلب المرتفع مع اختناقات في سلاسل التوريد التي أسفرت عن حال من التراكم التي شعر بها القطاع التجاري بأسره وبصورة أكثر قوة وحدة من قبل مجموعة واحدة من المهنيين المحترفين، ألا وهم مهندسو التصميمات الداخلية».
ورغم عواقبه الوخيمة على البشرية بأسرها، كان لوباء كورونا تأثيره الواضح على تجارة التصاميم الداخلية، إثر الفورة المحمومة التي شهدها ذلك القطاع، في تطور ربما يعد الأكثر إثارة للدهشة مع التفكير في حقيقة أن كل مواطن هو بالأساس خبير في صناعة الأشياء بنفسه في المنزل بفضل شبكة الإنترنت، ولا سيما أعمال الزخرفة والديكورات المنزلية. يقول ديفيد نيتو، مصمم ديكورات داخلية من مدينة لوس أنجليس: «إنه عالم مجنون»، مشيرا إلى الطفرة التي شهدتها الأعمال عبر المقابلات الشخصية التي أجريت مع أكثر من 10 من مهندسي ومصممي الديكورات المنزلية الداخلية.
وإذا كان نيتو قد افترض مع بداية الإغلاق العام اتخاذ وضعية الدعم والإسناد متوقعا حدوث انهيار وظيفي وشيك، إلا أنه يجد نفسه الآن في خضم وتيرة متسارعة وغير معتادة، سيما مع عروض العمل التي فاقت كل التوقعات وبأكثر مما يمكن لشركته تحمله والتعامل معه في الظروف الاعتيادية. وأضاف قائلا: «إنني أعمل في متجر صغير، ولم يكن لدينا أكثر من 4 مهام للعمل في أي وقت مضى. أما الآن، فلدينا 12 مهمة عمل واجبة التنفيذ دفعة واحدة».
أما بالنسبة إلى براد دانينغ، المصمم في حي ويست هوليوود - الذي خرج من رحم فرق موسيقى الروك الصاخبة في المدينة متحولا إلى تأسيس شركة لأعمال صيانة وتجديد المنازل من الطراز الأول، متلقيا دروسه من أبطال الحداثة في ذلك المجال من شاكلة جون لوتنر، وريتشارد نيوترا – فإن أكثر ما يخشاه أن ينتهي الأمر بالاقتصاد العالمي المنكمش إلى حافة الهاوية وأن يعصف ذلك بشركته.
وقال دانينغ عن الأوضاع الراهنة: «لم أكن منشغلا بمثل هذه الطريقة أبدا من قبل».
بالنسبة للمواطن الأميركي تمثل الإعانة الحكومية المالية التي يتقاضاها، شريان حياته المالية، لكن الأمور تختلف كثيراً لدى طبقة الأثرياء، وهي الطبقة التي يواصل كبار مصممي الديكورات استهدافها والعمل معها. فقد أسفرت أوضاع العام الماضي المزرية عن موجة جديدة من الرغبة في تحسينات المنازل، فانتقل الناس من مكامن الأمان المالية في العمل والحياة الخاصة ذات الطبقات اللازمة من وسائل الراحة المتعددة بصورة ضرورية إلى أصحاب الطبقة الفارهة الذين يعتبرون وجود أقبية النبيذ ذات أنظمة التخزين الحاسوبية في منازلهم من وسائل المعيشة الأساسية. ولم يقتصر الأمر على إعادة الأثرياء الطلاء، والتنجيد، وتجديد ستائر منازلهم الفاخرة، كما أفاد بعض الخبراء، وإنما كانوا يقتنصون الفرص في تجديد المنازل بنفس الأسلوب الذي يسعى به المواطن العادي في تأمين احتياجات الحياة الضرورية.
يقول دانينغ: «إنها فورة مجنونة. طوال فترة عملي في هذا المجال، أي منذ أكثر من 25 سنة، لم أكن مشغولا كما اليوم».
عندما غادر تود رومانو، مصمم ديكور، (كانت أعماله وتصاميمه تنشر في المجلات)، مدينة نيويورك في عام 2016، راجعا إلى مسقط رأسه في مدينة سان أنطونيو، كان الغرض من ذلك هو التخفيف من متطلبات الممارسة المهنية التي كانت تلزمه في بعض الأحيان السفر من مانهاتن إلى باريس، في رحلات التسوق الشهرية، وللعمل على التوفيق بين قوائم العملاء في مختلف أنحاء البلاد.
يقول رومانو، الذي كان يواصل العمل بثبات واضح قبل بدء انتشار الوباء: «رغبت في حياة ذات مستوى منخفض نسبيا وبصورة عاجلة»، وأضاف «أملك قائمة من مشاريع التصاميم الداخلية التي تجعلني منشغلا للغاية حتى نهاية عام 2022». وتابع، «لا يتعلق الأمر بالأثرياء فقط، بل أيضا بالمتاجر الكبيرة التي نفدت منها إمدادات ولوازم البناء جراء الفورة المحمومة الراهنة».
في حين أن العامة من السكان يشترون الأرضيات ويثبتونها بأنفسهم، وغيرها من الأشياء التي أدت إلى ارتفاع هائل في مبيعات تحسينات المنازل، إلا أن عملاء رومانو يتهافتون على تجديد المنازل الفاخرة في أماكن راقية مثل مونتيسيتو، وبالم بيتش، وتيلورايد. وعن ذلك قال: «إننا نخدم نصف النصف من نسبة الواحدة في المائة الثرية في الولايات المتحدة». وأردف يقول: «بالتأكيد، كثيرا ما أتوقف مع نفسي أثناء العمل وأقول: يا لكل هذه الأموال»، مشيراً إلى أثاث من شاكلة أريكة جانبية تبلغ قيمتها 31 ألف دولار نقلت من ورشة العمل في لونغ آيلاند سيتي لتستقر داخل منزل بمزرعة في غرب تكساس، أو زوج من الكراسي الفاخرة بلغ سعره 8200 دولار مكسي يدويا بالكتان من دار «بريل» للمنسوجات الفرنسية الفاخرة بقيمة 396 دولارا للياردة الواحدة».
عندما عادت مصممة الديكور إيلين غريفين، التي حازت على خبرة عملية واسعة من العمل لدى شركات مثل المهندي المعماري بيتر مارينو في مانهاتن، إلى مسقط رأسها في مدينة سي آيلاند بولاية جورجيا قبل الوباء، لتأسس شركة إيلين غريفين للديكورات الداخلية، اندرجت تطلعاتها ضمن مجموعة متواضعة من التوقعات بشأن مستقبل الشركة الجديدة.
تقول غريفين: «قبل الوباء، وأثناء مقابلات العملاء، كنت تواقة للغاية لأن يقبل العميل عروض العمل من شركتي، أما الآن، فإنني أقول لنفسي، لدينا الكثير من سكان نيويورك الرائعين الذين ينتقلون إلى هنا، فإن لم يرق لي العمل معك، فسوف أترك الأمر عند هذا الحد وأنتقل إلى عميل آخر».
وقالت غريفين: «دائما ما نقابل تلك الشخصيات التي تكافح من أجل تحقيق مبيعات بقيمة مليون دولار فقط خلال العام الواحد في مدينة نيويورك. لكن إلى الجنوب من خط ماسون ديكسون (ما بين ولايتي ماريلاند وبنسلفانيا) فإن الأموال تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير».
وأشارت غريفين، إلى أن غرفة المعيشة التي صممتها في عام 2021، اشتملت على أريكة جانبية بلغت قيمتها 21 ألف دولار، مع سجادة بـ12 ألف دولار، وطاولة للقهوة بـ6 آلاف دولار، مع كرسيين بذراعين بـ14 ألف دولار تقريبا، وأضافت: «أستمتع بالعمل كثيرا في جورجيا، وعملي هناك مصممة للديكورات الداخلية، يمنحني القدرة على تلبية احتياجات العملاء من نيويورك، نظرا لأن الكثيرين منهم ينتقلون بالفعل إلى مدينة سي آيلاند في الولاية».
ولا يتعلق الأمر بولاية جورجيا وحدها. إذ يقول لي روبنسون صاحب شركة للديكورات الداخلية في لويزفيل بولاية كنتاكي: «هناك الكثير من الأشخاص الذين يأتون إلى هنا لشراء مزارع الخيول، في تلك المنازل التي كانت تعيش فيها أرقى عائلات كنتاكي من الأثرياء، ويتعين على الكثير من الملاك القدامى البيع لأغراض شتى، ويمثل جيل الملاك الجدد طبقة جديدة من الثراء نظرا لوجود مسافة أكثر اتساعا بين من يملكون ومن لا يملكون في البلاد الآن».

- خدمة {نيويورك تايمز}



في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»