مبادرة لـ«صفقة شاملة» تعيد دمشق إلى «العمق العربي»

تضمنت خطوات لمواجهة «توغل» تركيا و«تغلغل» إيران في سوريا

بائع حلويات قرب العلم السوري في دمشق أول من أمس (رويترز)
بائع حلويات قرب العلم السوري في دمشق أول من أمس (رويترز)
TT

مبادرة لـ«صفقة شاملة» تعيد دمشق إلى «العمق العربي»

بائع حلويات قرب العلم السوري في دمشق أول من أمس (رويترز)
بائع حلويات قرب العلم السوري في دمشق أول من أمس (رويترز)

ستكون القمة الثلاثية بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في بغداد، بعد أيام، محطة رئيسية لاستكشاف نتائج الحراك الدبلوماسي الروسي لإعادة دمشق إلى جامعة الدول العربية، ونتائج مبادرة سورية سلمت إلى العاصمة العراقية، تضمنت خطوات لعودة دمشق إلى «العمق العربي»، ومواجهة «تغلغل» إيران في سوريا، و«توغل» تركيا شمالها.
الحراك الروسي شمل زيارة وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى القاهرة أمس، بعد جولته الخليجية قبل شهر، ولقاء ألكسندر لافرينييف مبعوث الرئيسي الروسي فلاديمير بوتين في دمشق الرئيس السوري بشار الأسد قبل يومين، بعد زيارة غير علنية قام بها لافرينييف إلى دول عربية.
- موقف روسيا
حثت موسكو دولاً عربية على إلغاء قرار تجميد عضوية دمشق في الجامعة العربية منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، وعلى بلورة موقف عربي يعلن في القمة العربية في الجزائر. وبحث لافروف، خلال زياراته إلى السعودية والإمارات وقطر الشهر الماضي، هذا الملف، على أمل «بلورة موقف جماعي». وتعتقد موسكو أن الانتخابات الرئاسية السورية التي ستبدأ إجراءات إطلاقها لدى عودة مجلس الشعب (البرلمان) إلى الانعقاد بعد «عيد الجلاء» في الـ17 من الشهر الجاري، ستكون «نقطة مفصلية» في مسار الأزمة السورية بعد 10 سنوات. كما تشير إلى أن العملية السياسية «تتقدم» عبر حوارات اللجنة الدستورية في جنيف، والبناء على وقف النار وثبات خطوط التماس منذ مارس (آذار) 2020.
ويتحدث مسؤولون روس، في جلسات مغلقة، عن أن «إضعاف إيران في سوريا يتطلب عودة العرب سياسياً واقتصادياً إلى دمشق»، وعن ضرورة «عدم انهيار الدولة السورية» بسبب العقوبات الأميركية والأوروبية التي «تخنق الشعب السوري»، ليحثوا دولاً عربية على تقديم مساعدات مالية إلى الحكومة السورية. وعليه، سعت موسكو إلى تحرير مليار دولار أميركي تعود للحكومة السورية «مجمدة» في مصارف عربية، بحيث تستخدمها في تمويل القمح ومشتقات النفط إلى سوريا. كما تعهدت موسكو بتقديم 500 مليون دولار أميركي قرضاً ميسراً إلى دمشق، ضمن إجراءات معالجة تدهور سعر صرف الليرة.
ويدرك الجانب الروسي، ودول عربية، أن هناك «حدوداً لما يمكن تقديمه» إلى دمشق، بسبب «القيود القانونية» التي يفرضها «قانون قيصر»، والشروط الأوروبية - الأميركية على المساهمة في الإعمار، ما فتح الباب أمام إمكانية «الالتفاف» على ذلك عبر تقديم المساعدات الإنسانية، خصوصاً بعد إعلان أميركا «توضيحات» عن أن «قانون قيصر» لا يمنع تقديم مساعدات دوائية وإنسانية إلى دمشق، في «بادرة حسن نية» من واشنطن التي اتصل بها أكثر من طرف عربي يحثها على «غض الطرف» عن التواصل مع دمشق.
- الموقف العربي
هناك انقسام عربي إزاء إعادة دمشق إلى الجامعة العربية، و«التطبيع الثنائي» مع الحكومة السورية. فثمة دول متمسكة بضرورة تنفيذ «بيان جنيف»، والقرار 2254، و«إخراج الميلشيات الطائفية والأجنبية من سوريا»، وأن تبدأ المسيرة بخطوات من دمشق. وبعض الدول أعاد تشغيل السفارة في دمشق، دون تعيين سفير، لـ«اختبار الموقف السوري»، وبعضها الآخر أعاد السفير، كما حصل أول من أمس مع موريتانيا، وكما هو الحال مع عُمان التي حافظت على علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، وتبادل وزيرا الخارجية الزيارات عبر السنوات. لكن الأمر الواضح هو تنامي قلق بعض الدول العربية من «توغل» تركيا شمال سوريا، و«التغلغل» الإيراني في سوريا، وسط «غياب عربي كامل».
الاتجاه العربي هو أن عودة دمشق إلى الجامعة العربية «تتطلب موقفاً جماعياً» من الدول العربية الرئيسية، و«مبادرات من الجانب السوري»، وسط رغبة الجزائر في أن «تقطف ثمار الإنجاز» في قمتها. ومن الناحية التقنية، يتطلب هذا تقديم دمشق طلباً إلى الجامعة العربية للعودة إليها. ومن الناحية السياسية، تتوقع الدول العربية «إقدام دمشق على سلسلة من الخطوات السياسية لتنفيذ القرار 2254، والتعاطي الإيجابي الملموس في اجتماعات اللجنة الدستورية برعاية الأمم المتحدة»، إضافة إلى «توفير ظروف عودة اللاجئين، وأن يتخذ السوريون قراراتهم فيما يتعلق بالعملية السياسية، والحفاظ على استقرار سوريا ووحدتها».
ومن الناحية الجيوسياسية، فإن دولاً عربياً تتوقع «خطوات ملموسة» من دمشق إزاء تخفيف النفوذ الإيراني في البلاد و«خروج الميليشيات الطائفية»، ومن موسكو «إجراءات» لمنع «التوغلات» التركية في الشمال ودفع العملية السياسية و«الوفاء بتفاهمات سابقة تخص لجم نفوذ إيران وإطلاق العملية السياسية».
- مبادرة العمق العربي
وضمن هذا السياق، تقدمت شخصيات سورية بارزة بـ«مبادرة العمق العربي» إلى دول عربية، بينها مصر والأردن والعراق، لتعزيز مساهمتها في «إيجاد الحل الأنسب الذي يؤمل أن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار السوري الداخلي، وأن يعزز الدور العربي»، باعتبار أن عدداً من الدول العربية «تتشارك في حرصها على عودة الاستقرار إلى سوريا، وعلى وحدة أراضيها، وفي خشيتها من توسع التطرف الديني والإرهاب في المنطقة، ومن تمدد النفوذ التركي والإيراني في بلاد الشام، في ظل غياب وجود عربي فاعل».
وفي حال انطلقت مبادرة «العمق العربي» التي قدمت إلى بغداد قبل استضافة القمة الثلاثية، ستشكل منصة موازية لـ«ضامني آستانة» التي تضم روسيا وتركيا وإيران، إلى جانب «منصة جديدة» تضم روسيا وتركيا وقطر، بحيث تقدم على خطوات ملموسة، بينها «دعم الحوار مع الحكومة السورية لبحث إجراءات بناء الثقة، ومنها: إطلاق المعتقلين، والتشجيع على إعادة النازحين بدعم عربي، وفصل السلطات لضمان استقلالية القضاء، والتشجيع على إقامة منصة سورية جديدة تحظى برعاية الجامعة العربية أو رعاية مبادرة العمق العربي»، إضافة إلى «الحوار مع الأميركيين والروس، وتزويدهم بالأسباب الموجبة للمواقف والمشاريع التي تراها المبادرة مناسبة للتطبيق في الداخل السوري».
وتتضمن «مبادرة العمق العربي» التي نوقشت في دول عربية خطوات محددة، بينها العمل على «إقناع دمشق بالتعاون مع المبادرة للتوصل إلى صياغة مشروع متطور للإدارة المحلية، ينتج عنه نظام لامركزي إداري واقتصادي، ثم دراسة مشاريع الحوكمة التي يمكن تطبيقها في سوريا، بدءاً بالأطراف، مثل شمال شرقي سوريا وفي الجنوب» في السويداء ودرعا، وإقناع «الإدارة الذاتية» شرق الفرات بـ«بناء إدارة جديدة قائمة على مبدأ تقاسم سلطة حقيقي مع الأحزاب الكردية الأخرى والعشائر العربية» في تلك المنطقة.
- موقف دمشق
دمشق التي تعتقد بإمكانية إحداث «اختراق» في الجدار العربي، على عكس الباب الموصد من أميركا، والموارب أوروبياً، تلقت بعض هذه الأفكار، سواء خلال زيارة وزير الخارجية فيصل المقداد إلى مسقط أو لقاء الأسد مع لافرينييف أو خلال اتصالات أمنية بين مسؤولين سوريين ونظرائهم من دول عربية. وبداية، هناك تباين في المقاربة في العاصمة السورية إزاء سرعة وعمق «الشروط» المطلوبة و«الحوافز» المتوقعة. ومن الناحية الفنية، رفضت دمشق قبل سنتين تقديم طلب إلى الجامعة للعودة إليها، قائلة إن «العرب يجب أن يقدموا طلباً للعودة إلى سوريا التي هي عضو مؤسس بالجامعة».
وسياسياً، إلى الآن، تعطي دمشق الأولوية للانتخابات الرئاسية منتصف الشهر المقبل، وبدء الأسد ولاية جديدة في 17 يوليو (تموز). ولمح بعض المسؤولين إلى أن «الإصلاح السياسي سيأتي بعد الانتخابات»، وأن التعاطي سيكون «إيجابياً» مع اللجنة الدستورية لإجراء إصلاح دستوري بعد إجراء الانتخابات بموجب دستور 2012 مع بعض «الإصلاحات». كما تعطي دمشق أولوية لمواجهة العقوبات الغربية، وتحسين الظروف المعيشية، عبر العمل على تسلم شحنات نفط من إيران، ومواد غذائية وحبوب من روسيا، وعقد «صفقات» مع «قوات سوريا الديمقراطية» لتسلم مشتقات نفطية وحبوب من شمال شرقي سوريا.
وتكتيكياً، لا تزال دمشق «تلعب على الحبلين» بين موسكو وطهران، بحيث إنها تسبح في ضفة عندما يفيض الضغط على الضفة الأخرى. ولا يزال هذا «اللعب» ناجحاً، إذ إن لافروف أبلغ محاورين قبل فترة أن «ضغطنا الزائد على دمشق يدفعها أكثر في الحضن الإيراني». كما توافق دمشق على طلبات موسكو لإبراز «حسن النية» مع تل أبيب.
وجيوسياسياً، تراهن دمشق أيضاً على أن «تعاظم توغل» تركيا، و«تعمق تغلغل» إيران، و«توسيع نفوذ» روسيا في سوريا والمنطقة، ستدفع دولاً عربية إلى التعاون معها، بحيث تأتي «المبادرات» و«الحوافز» من العواصم العربية وليس من دمشق، ليمارس العرب ضغوطاً على واشنطن للحصول على استثناءات من العقوبات الأميركية، ما دام أن إلغاء «قانون قيصر» يقتضي تحولات استراتيجية من دمشق تكون كافية لإقناع الكونغرس بالتصويت لإلغائه، وهذه الشروط غير متوفرة في الأفق حالياً.



سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الجماعة الحوثية حكراً على خصومها؛ إذ بدأت خلال السنوات الماضية أصوات من داخل بيئتها الموالية توجه انتقادات لاذعة إلى طريقة إدارتها لمناطق سيطرتها، متهمةً قياداتها بالجباية، والفساد، والاستحواذ على مؤسسات الدولة، وتغليب مصالح الجماعة وأجنحتها على مصالح المواطنين.

وفي أحدث هذه المواقف، هاجم محمد المقالح -القيادي السابق فيما كانت تُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا» التي أدارت انقلاب الجماعة- جماعة الحوثي واصفاً إياها بأنها «سلطة طاردة للحياة»، وقال إنها دفعت برؤوس الأموال والمثقفين والفنانين والسياسيين والنشطاء والإعلاميين إلى مغادرة البلاد.

وقال المقالح، في تغريدة على منصة «إكس»، إن صنعاء شهدت خلال سنوات سيطرة الحوثيين نزيفاً وهجرة جماعية لرؤوس الأموال، وشرائح واسعة من النخب، إلى جانب مغادرة قنوات، ومراسلين إعلاميين، فيما يعيش من تبقى، وفق وصفه، حالة من الانكفاء على الذات، ومعاناة يومية تعكس تدهور الأوضاع المعيشية.

مقر أمني حوثي تابع لما يُسمى جهاز «الأمن الوقائي» في صنعاء (الشرق الأوسط)

ولم يكتفِ المقالح بتوصيف التداعيات الاقتصادية، والاجتماعية، بل ربط الانقسامات داخل سلطة الحوثيين بما وصفه بقضية «الولاية»، معتبراً أنها استنزفت الجماعة، وأصبحت سبباً رئيساً في انقسامها.

وقال إن سلطة الحوثيين باتت «منقسمة على نفسها»، معتبراً أن السبب الجذري لذلك هو قضية الولاية التي قال إنها «تستهلكها، وستُهلكها حتماً».

وتحمل تصريحات المقالح دلالة سياسية لافتة، خصوصاً أنها صادرة عن شخصية عرفت المشهد الحوثي من الداخل، وسبق أن كانت جزءاً من بنيته السياسية، ما يمنح الانتقادات وزناً أكبر من تلك التي تصدر عن خصوم الجماعة التقليديين.

انشقاق من أمني

في مؤشر آخر على اتساع دائرة السخط، أعلن قبل أيام ضابط في جهاز الأمن المركزي التابع للحوثيين انشقاقه عن الجماعة، بعد أن حظي باهتمام واسع إثر ظهوره في تسجيل مصور اشتكى فيه من الجوع، وتدهور الظروف المعيشية التي يعاني منها أفراد الأمن.

واشتهر النقيب أبو مرتاح الصيادي بعد ظهوره في تسجيل مصور قال فيه إنه «جائع»، قبل أن تتحول العبارة إلى مادة للتداول الواسع، باعتبارها تعبيراً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مناطق سيطرة الحوثيين.

وفي تسجيل مصور جديد، قال الصيادي: «الحمد لله الذي أخرجني من بين الظالمين، والمجرمين. لقد نجوت بمعجزة».

مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضح أنه خدم لسنوات في قوات الأمن المركزي، وأقر بدوره السابق في دعم الحوثيين، قائلاً إنه حشد الناس لفعاليات الجماعة، وشارك في عمليات أمنية، وجمع أموالاً من المدنيين، بينهم مالكو سيارات، لدعم أنشطتها، معرباً عن أسفه لذلك.

وقال إن انخراطه في التجنيد وتعبئة الناس كان من أكبر أخطائه، وزعم أن مسؤولين حوثيين أجبروه على الاعتذار بعد انتشار مقطع «أنا جائع».

وأضاف أن انتشار التسجيل أثار قلقاً لدى قيادات الجماعة، التي أمرت قوات الأمن في صنعاء بالبقاء في حالة تأهب خشية اندلاع احتجاجات شعبية.

كما اتهم الصيادي مسؤولين ومشرفين حوثيين بالاستيلاء على منازل وممتلكات مواطنين، وانتقد أوضاع السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة، قائلاً إن بعض المحتجزين يقبعون فيها منذ أشهر بسبب خلافات بسيطة.

ويأتي ظهور الصيادي وانشقاقه في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً عسكرية متزايدة على جبهات القتال، وبالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية للأوضاع الاقتصادية، والمعيشية في مناطق سيطرتها، بما يضيف بُعداً أمنياً إلى حالة السخط التي بدأت تظهر من داخل بيئتها.

اتهامات بالظلم والتمييز

في مسار موازٍ، صعّد الأكاديمي في جامعة عمران، والموالي سابقاً لجماعة الحوثيين، عبد السلام الكبسي، انتقاداته لسلطة الجماعة، وحكومتها، متهماً إياها بتحميل أبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

وقال الكبسي، في منشور على «فيسبوك»، إن «الظلم الأعظم» يتمثل في إلقاء اللائمة على شخص مع معرفة أنه غير مسؤول عما حدث، وتحميله مسؤولية أمر «لم يعمله، أو يعلمه».

ولا تأتي هذه الانتقادات بمعزل عن مواقف سابقة للكبسي؛ إذ سبق له أن هاجم الأوضاع الاقتصادية والإدارية في مناطق سيطرة الحوثيين، وانتقد ما وصفه بـ«دولة الجبايات»، محذراً من الأعباء المالية المتزايدة التي يتحملها المواطنون في ظل انقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات، وتفاقم الأوضاع المعيشية.

يمنيون في صنعاء يتناولون وجبة «السلتة» الشعبية في أحد المطاعم (رويترز)

كما انتقد الخطاب السياسي للجماعة، ورفض اختزال اليمن في مشروعها السياسي، أو تقديمها باعتبارها الممثل الوحيد للبلاد.

وامتدت خلافاته مع سلطة الحوثيين إلى ملفات أخرى، بينها قضايا الأراضي، والممتلكات، حيث وجه انتقادات لما اعتبره استغلالاً للنفوذ، ومحاولات للاستحواذ على ممتلكات المواطنين.

أما القيادي الحوثي عبد السلام جحاف، الذي يشغل منصب عضو مجلس شورى الجماعة، فقد اتخذ انتقاده منحى أكثر مباشرة، بعد ظهوره في تسجيل مرئي تحدث فيه بنبرة غاضبة عن ممارسات قال إنه تعرض لها من داخل المنظومة الحوثية التي ينتمي إليها.

ووجه جحاف انتقادات حادة إلى قيادات نافذة في الجماعة، متهماً إياها بشن حملات تشويه وتحريض ضده، والتضييق عليه، وتهديده، في تصعيد علني ينقل الخلافات من الغرف المغلقة إلى المجال العام.

عناصر حوثيون خلال فعالية تعبوية في صنعاء دعا لها زعيمهم (رويترز)

وقال جحاف إنه لن يصمت أمام ما يتعرض له، حتى لو كلفه ذلك حياته، في موقف يعكس مستوى الاحتقان داخل الجماعة، خصوصاً أن الرجل عُرف خلال السنوات الماضية كأحد المدافعين عنها، والمهاجمين لخصومها.

ولا يُعد هذا أول خلاف لجحاف مع قيادات حوثية؛ إذ سبق أن انتقد قيادات من محافظة صعدة، معقل الجماعة، واتهمها بتهميش أبناء محافظة ريمة، والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من «الدرجة الخامسة».


الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)

بدأت وزارة النقل اليمنية إجراء تقييم شامل لأداء المطارات في المناطق المحررة، في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد الاحتياجات والمشكلات واقتراح الحلول، ضمن توجه لتحسين أدائها ورفع كفاءتها، في وقت لا يزال فيه مركز المراقبة الجوية الرئيسي تحت سيطرة الجماعة الحوثية.

وخُصص الاجتماع التقييمي الأول لقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، الذي عُقد في مدينة عدن العاصمة المؤقتة للبلاد، لمناقشة قطاع المطارات وسلامة الطيران، ومستوى الأداء والاحتياجات، وأبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل الجوي، وفي مقدمتها المطارات ومركز المراقبة الجوية.

ووفق المصادر الحكومية، وجَّه وزير النقل محسن العمري قيادة قطاعي المطارات وسلامة الطيران في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، ومديري المطارات في المناطق المحررة، برفع تقارير شاملة وشفافة تتضمن تقييماً دقيقاً لأوضاع المطارات في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد أبرز الإشكالات والاحتياجات والمقترحات والحلول، إلى جانب وضع آلية واضحة للتعامل مع الجهات المنتدبة والعاملة داخل المطارات.

مطار عدن الدولي أحد أبرز المطارات الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

كما وجَّه الوزير برفع مستوى التنسيق وإخضاع جميع الجهات العاملة داخل المطارات للإشراف المباشر من إداراتها، وفقاً للقانون والنظام، مع رفع أي مخالفات إلى قيادة الوزارة لاتخاذ الإجراءات المناسبة حيالها.

تطوير ورفع كفاءة الكوادر

تأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتقييم مختلف قطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، لا سيما قطاع المطارات، والوقوف على مستوى أدائها واحتياجاتها، بما يعزز كفاءة منظومة النقل الجوي ويرفع مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين.

ونبَّه الوزير العمري إلى أن وزارته تقف أمام مسؤولية وطنية كبيرة في تنظيم قطاعات النقل الجوي والبري والبحري، مشدداً على ضرورة الالتزام بالقوانين واللوائح والنظم النافذة، ومعالجة الاختلالات الإدارية والفنية، وترسيخ الثقافة القانونية في مختلف مرافق الوزارة والهيئات التابعة لها.

مساعٍ يمنية لرفع كفاءة المطارات وتحسين جودة الخدمات للمسافرين (إعلام حكومي)

وطالب الوزير اليمني القائمين على قطاع الطيران المدني بالارتقاء بمستوى المطارات، وتوفير الحد الأدنى من الأجهزة والمعدات الملاحية والفنية اللازمة، والعمل على تطوير البنية التحتية للمطارات بما يتوافق مع معايير منظمة الطيران المدني الدولي والأنظمة والمعايير الدولية.

كما وجَّه بوضع خطة متكاملة للتدريب والتأهيل للعام الحالي، وإدراج الاحتياجات ضمن الموازنة العامة، لضمان رفع كفاءة الكوادر العاملة في قطاعات الهيئة والمطارات.

واطلع المشاركون في الاجتماع على حصيلة النقاشات التي أُجريت مع القيادة السياسية بشأن عدد من القضايا المتعلقة بقطاعات النقل، أبرزها مكافحة التهريب، وتنظيم عمل الجهات المنتدبة، وضمان تطبيق القوانين واللوائح والنظم المنظمة للعمل في المنافذ والمرافق التابعة لوزارة النقل.

وأكد الوزير مجدداً ضرورة الالتزام بالاختصاصات والصلاحيات المحددة بموجب قانون الطيران المدني واللوائح ذات الصلة، والعمل وفق الأطر القانونية والمؤسسية.

إعادة ضبط الإيرادات

بشأن إيرادات الهيئة العامة للطيران المدني، نبَّه الوزير العمري إلى أنها إيرادات عامة للدولة ينبغي الحفاظ عليها وعدم استنزافها أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية.

وقال إن مسؤولية تطوير وتحسين أداء المطارات والقطاعات التابعة للهيئة مسؤولية مشتركة، وتتطلب العمل ضمن فريق واحد والتنسيق المستمر، وتجاوز الممارسات والاختلالات التي نشأت خلال سنوات الحرب، وتصحيحها بما يتوافق مع القوانين والأنظمة النافذة.

كما ناقش المجتمعون القضايا المتعلقة بقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني واحتياجاتها الفنية والتدريبية والتجهيزية، إضافة إلى أنشطة بعض القطاعات التابعة للهيئة، ومنها مركز المراقبة الجوية، ومستوى تنفيذ التوجيهات الصادرة من وزارة النقل، بما يخدم تنظيم العمل وتحسين الأداء والوصول إلى أفضل مستوى من الكفاءة والانضباط.

ويعاني قطاع الطيران المدني في اليمن من تداعيات الحرب والانقسام المؤسسي الذي طال مختلف قطاعات الدولة؛ ما أدى إلى تعقيدات في إدارة حركة الطيران والمجال الجوي.

وتدير الحكومة المعترف بها دولياً المطارات الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفي مقدمها مطار عدن الدولي، ومطارا الريان وسيئون في محافظة حضرموت، ومطار المخا الدولي على ساحل البحر الأحمر، ومطار سقطرى الدولي، ومطار المهرة، في حين يدير الحوثيون مطار صنعاء، ويتحكمون بمركز المراقبة الجوية الرئيسي.

وتأتي مراجعة وزارة النقل لأداء المطارات ووضعها في وقت تسعى فيه الحكومة إلى إعادة تنظيم مؤسسات النقل والمنافذ، وتعزيز الرقابة على الموارد والإجراءات التشغيلية، مع التركيز على رفع جاهزية المطارات وتحسين مستوى السلامة والخدمات ومكافحة التهريب.


انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
TT

انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)

في بلد أنهكته أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، لم يعد تراجع التمويل الخارجي للقطاع الصحي مجرد أزمة مالية تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بل بات تهديداً مباشراً لاستمرار خدمات يعتمد عليها ملايين السكان، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الصحية وتتقلص الموارد بسبب استمرار الحوثيين في منع تصدير النفط والغاز.

وحذّر وزير الصحة اليمني، قاسم بحيبح، من التداعيات المتفاقمة للانحسار الحاد في الدعم الخارجي، داعياً إلى خطة انتقالية تقلل الاعتماد على المساعدات الدولية وتحمي الخدمات الصحية الأساسية من صدمة التمويل.

وقال بحيبح، خلال اجتماع موسع في العاصمة المؤقتة عدن، إن القطاع الصحي يمر بمرحلة «دقيقة»، وإن انخفاض التمويل الخارجي يفرض إعادة النظر في طريقة إدارة الموارد وتحديد الأولويات، والعمل على بناء نموذج أكثر قدرة على الاستمرار.

ويأتي تحذير الوزير في وقت تناقش فيه السلطات الصحية مشروعاً جديداً يموله البنك الدولي في مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، في محاولة لتعزيز الخدمات في المناطق المستهدفة والحفاظ على قدرة المرافق الصحية على العمل.

لكنه شدد على أن استمرار الدعم الدولي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء قدرة محلية على تمويل الخدمات الصحية.

فجوة التمويل

تعني أي فجوة جديدة في تمويل القطاع الصحي، واقعياً، مزيداً من الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية والكوادر الطبية، وقد تعني بالنسبة لكثير من الأسر اليمنية رحلة أطول بحثاً عن العلاج، أو دفع تكاليف لا تستطيع تحملها، أو ببساطة تأجيل العلاج حتى تتفاقم الحالة.

وقال بحيبح إن المطلوب هو التعامل مع حجم التحدي «كما هو»، والعمل وفق الموارد المتاحة، من دون أن يعني ذلك الاستسلام للظروف أو التراجع عن مسؤولية الدولة تجاه المواطنين.

وزارة الصحة اليمنية تبحث الحد من الاعتماد على التمويل الخارجي (إعلام حكومي)

ورأى أن الانخفاض الكبير في التمويل الخارجي يفرض على الوزارة والسلطات الصحية إعادة ترتيب الأولويات ووضع خطة لـ«الخروج السلس» من الاعتماد الكبير على التمويل الدولي، بما يمنع حدوث صدمة مفاجئة في الخدمات.

ويدق هذا التوجه ناقوس الخطر من تقليص الخدمات الصحية، في بلد لا تزال 40 في المائة من منشآته الصحية خارج الخدمة بسبب الحرب التي أشعلها الحوثيون، مع تدهور كبير في الوضع الاقتصادي واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية.

الاعتماد على الذات

الاجتماع، وفق المصادر الرسمية، ناقش مكونات مشروع البنك الدولي الجديد وأولوياته، إلى جانب مراجعة تجربة المشروع السابق الممول من البنك ضمن مشروع رأس المال البشري، وما قدمه من دعم وتدخلات للقطاع الصحي.

ويهدف المشروع الجديد إلى دعم مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، وتعزيز قدرة المرافق الصحية المستهدفة على مواصلة تقديم خدماتها.

تراجع الدعم الدولي يضع القطاع الصحي اليمني أمام ضغوط متزايدة (إعلام حكومي)

غير أن حجم التحدي يتجاوز مشروعاً واحداً، إذ تسعى السلطات الصحية إلى التعامل مع مشكلة أكثر عمقاً تتمثل في كيفية الحفاظ على الخدمات عندما تتراجع المساعدات الخارجية التي ساعدت طوال سنوات الحرب في سد جزء من الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المحلية.

وقال بحيبح إن المرحلة المقبلة تتطلب حماية الخدمات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وتوجيه الموارد المحدودة إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من تشتيتها على تدخلات لا تملك الجهات الصحية القدرة على تمويلها بصورة مستدامة.

ودعا الوزير اليمني إلى تعزيز كفاءة الإنفاق والحوكمة والإدارة، وتطوير الشراكات، وتشجيع المبادرات المحلية والمجتمعية، مع الحفاظ على الشراكات القائمة مع المنظمات والمانحين وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية.

وقال إن «الاعتماد على الذات أصبح ضرورة وليس خياراً»، داعياً مسؤولي الصحة إلى عدم انتظار الحلول من الخارج والعمل على إيجاد بدائل محلية قابلة للتنفيذ.

الدعم الدولي أوصل الخدمات الصحية إلى مناطق نائية في اليمن (إعلام حكومي)

كما طرح تعزيز المساهمة المجتمعية كأحد البدائل الممكنة، لكنه شدد على أن مشاركة المجتمع يجب ألا تتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة، وإنما إلى رافد منظم وشفاف للخدمات الصحية.

وخلص اجتماع وزارة الصحة إلى وضع توجهات لتعزيز تنفيذ مشروع البنك الدولي ورفع جاهزية المرافق الصحية، بالتوازي مع البحث عن حلول طويلة الأمد لأزمة التمويل.

لكن التحدي الأكبر، وفق توجهات الوزارة، لم يعد فقط كيف يحصل القطاع الصحي على تمويل جديد، بل كيف يمنع انهيار الخدمات عندما ينحسر التمويل الخارجي؛ وهي معادلة سيكون المواطن اليمني، في نهاية المطاف، أول من يدفع ثمنها.