مبادرة لـ«صفقة شاملة» تعيد دمشق إلى «العمق العربي»

تضمنت خطوات لمواجهة «توغل» تركيا و«تغلغل» إيران في سوريا

بائع حلويات قرب العلم السوري في دمشق أول من أمس (رويترز)
بائع حلويات قرب العلم السوري في دمشق أول من أمس (رويترز)
TT

مبادرة لـ«صفقة شاملة» تعيد دمشق إلى «العمق العربي»

بائع حلويات قرب العلم السوري في دمشق أول من أمس (رويترز)
بائع حلويات قرب العلم السوري في دمشق أول من أمس (رويترز)

ستكون القمة الثلاثية بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في بغداد، بعد أيام، محطة رئيسية لاستكشاف نتائج الحراك الدبلوماسي الروسي لإعادة دمشق إلى جامعة الدول العربية، ونتائج مبادرة سورية سلمت إلى العاصمة العراقية، تضمنت خطوات لعودة دمشق إلى «العمق العربي»، ومواجهة «تغلغل» إيران في سوريا، و«توغل» تركيا شمالها.
الحراك الروسي شمل زيارة وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى القاهرة أمس، بعد جولته الخليجية قبل شهر، ولقاء ألكسندر لافرينييف مبعوث الرئيسي الروسي فلاديمير بوتين في دمشق الرئيس السوري بشار الأسد قبل يومين، بعد زيارة غير علنية قام بها لافرينييف إلى دول عربية.
- موقف روسيا
حثت موسكو دولاً عربية على إلغاء قرار تجميد عضوية دمشق في الجامعة العربية منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، وعلى بلورة موقف عربي يعلن في القمة العربية في الجزائر. وبحث لافروف، خلال زياراته إلى السعودية والإمارات وقطر الشهر الماضي، هذا الملف، على أمل «بلورة موقف جماعي». وتعتقد موسكو أن الانتخابات الرئاسية السورية التي ستبدأ إجراءات إطلاقها لدى عودة مجلس الشعب (البرلمان) إلى الانعقاد بعد «عيد الجلاء» في الـ17 من الشهر الجاري، ستكون «نقطة مفصلية» في مسار الأزمة السورية بعد 10 سنوات. كما تشير إلى أن العملية السياسية «تتقدم» عبر حوارات اللجنة الدستورية في جنيف، والبناء على وقف النار وثبات خطوط التماس منذ مارس (آذار) 2020.
ويتحدث مسؤولون روس، في جلسات مغلقة، عن أن «إضعاف إيران في سوريا يتطلب عودة العرب سياسياً واقتصادياً إلى دمشق»، وعن ضرورة «عدم انهيار الدولة السورية» بسبب العقوبات الأميركية والأوروبية التي «تخنق الشعب السوري»، ليحثوا دولاً عربية على تقديم مساعدات مالية إلى الحكومة السورية. وعليه، سعت موسكو إلى تحرير مليار دولار أميركي تعود للحكومة السورية «مجمدة» في مصارف عربية، بحيث تستخدمها في تمويل القمح ومشتقات النفط إلى سوريا. كما تعهدت موسكو بتقديم 500 مليون دولار أميركي قرضاً ميسراً إلى دمشق، ضمن إجراءات معالجة تدهور سعر صرف الليرة.
ويدرك الجانب الروسي، ودول عربية، أن هناك «حدوداً لما يمكن تقديمه» إلى دمشق، بسبب «القيود القانونية» التي يفرضها «قانون قيصر»، والشروط الأوروبية - الأميركية على المساهمة في الإعمار، ما فتح الباب أمام إمكانية «الالتفاف» على ذلك عبر تقديم المساعدات الإنسانية، خصوصاً بعد إعلان أميركا «توضيحات» عن أن «قانون قيصر» لا يمنع تقديم مساعدات دوائية وإنسانية إلى دمشق، في «بادرة حسن نية» من واشنطن التي اتصل بها أكثر من طرف عربي يحثها على «غض الطرف» عن التواصل مع دمشق.
- الموقف العربي
هناك انقسام عربي إزاء إعادة دمشق إلى الجامعة العربية، و«التطبيع الثنائي» مع الحكومة السورية. فثمة دول متمسكة بضرورة تنفيذ «بيان جنيف»، والقرار 2254، و«إخراج الميلشيات الطائفية والأجنبية من سوريا»، وأن تبدأ المسيرة بخطوات من دمشق. وبعض الدول أعاد تشغيل السفارة في دمشق، دون تعيين سفير، لـ«اختبار الموقف السوري»، وبعضها الآخر أعاد السفير، كما حصل أول من أمس مع موريتانيا، وكما هو الحال مع عُمان التي حافظت على علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، وتبادل وزيرا الخارجية الزيارات عبر السنوات. لكن الأمر الواضح هو تنامي قلق بعض الدول العربية من «توغل» تركيا شمال سوريا، و«التغلغل» الإيراني في سوريا، وسط «غياب عربي كامل».
الاتجاه العربي هو أن عودة دمشق إلى الجامعة العربية «تتطلب موقفاً جماعياً» من الدول العربية الرئيسية، و«مبادرات من الجانب السوري»، وسط رغبة الجزائر في أن «تقطف ثمار الإنجاز» في قمتها. ومن الناحية التقنية، يتطلب هذا تقديم دمشق طلباً إلى الجامعة العربية للعودة إليها. ومن الناحية السياسية، تتوقع الدول العربية «إقدام دمشق على سلسلة من الخطوات السياسية لتنفيذ القرار 2254، والتعاطي الإيجابي الملموس في اجتماعات اللجنة الدستورية برعاية الأمم المتحدة»، إضافة إلى «توفير ظروف عودة اللاجئين، وأن يتخذ السوريون قراراتهم فيما يتعلق بالعملية السياسية، والحفاظ على استقرار سوريا ووحدتها».
ومن الناحية الجيوسياسية، فإن دولاً عربياً تتوقع «خطوات ملموسة» من دمشق إزاء تخفيف النفوذ الإيراني في البلاد و«خروج الميليشيات الطائفية»، ومن موسكو «إجراءات» لمنع «التوغلات» التركية في الشمال ودفع العملية السياسية و«الوفاء بتفاهمات سابقة تخص لجم نفوذ إيران وإطلاق العملية السياسية».
- مبادرة العمق العربي
وضمن هذا السياق، تقدمت شخصيات سورية بارزة بـ«مبادرة العمق العربي» إلى دول عربية، بينها مصر والأردن والعراق، لتعزيز مساهمتها في «إيجاد الحل الأنسب الذي يؤمل أن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار السوري الداخلي، وأن يعزز الدور العربي»، باعتبار أن عدداً من الدول العربية «تتشارك في حرصها على عودة الاستقرار إلى سوريا، وعلى وحدة أراضيها، وفي خشيتها من توسع التطرف الديني والإرهاب في المنطقة، ومن تمدد النفوذ التركي والإيراني في بلاد الشام، في ظل غياب وجود عربي فاعل».
وفي حال انطلقت مبادرة «العمق العربي» التي قدمت إلى بغداد قبل استضافة القمة الثلاثية، ستشكل منصة موازية لـ«ضامني آستانة» التي تضم روسيا وتركيا وإيران، إلى جانب «منصة جديدة» تضم روسيا وتركيا وقطر، بحيث تقدم على خطوات ملموسة، بينها «دعم الحوار مع الحكومة السورية لبحث إجراءات بناء الثقة، ومنها: إطلاق المعتقلين، والتشجيع على إعادة النازحين بدعم عربي، وفصل السلطات لضمان استقلالية القضاء، والتشجيع على إقامة منصة سورية جديدة تحظى برعاية الجامعة العربية أو رعاية مبادرة العمق العربي»، إضافة إلى «الحوار مع الأميركيين والروس، وتزويدهم بالأسباب الموجبة للمواقف والمشاريع التي تراها المبادرة مناسبة للتطبيق في الداخل السوري».
وتتضمن «مبادرة العمق العربي» التي نوقشت في دول عربية خطوات محددة، بينها العمل على «إقناع دمشق بالتعاون مع المبادرة للتوصل إلى صياغة مشروع متطور للإدارة المحلية، ينتج عنه نظام لامركزي إداري واقتصادي، ثم دراسة مشاريع الحوكمة التي يمكن تطبيقها في سوريا، بدءاً بالأطراف، مثل شمال شرقي سوريا وفي الجنوب» في السويداء ودرعا، وإقناع «الإدارة الذاتية» شرق الفرات بـ«بناء إدارة جديدة قائمة على مبدأ تقاسم سلطة حقيقي مع الأحزاب الكردية الأخرى والعشائر العربية» في تلك المنطقة.
- موقف دمشق
دمشق التي تعتقد بإمكانية إحداث «اختراق» في الجدار العربي، على عكس الباب الموصد من أميركا، والموارب أوروبياً، تلقت بعض هذه الأفكار، سواء خلال زيارة وزير الخارجية فيصل المقداد إلى مسقط أو لقاء الأسد مع لافرينييف أو خلال اتصالات أمنية بين مسؤولين سوريين ونظرائهم من دول عربية. وبداية، هناك تباين في المقاربة في العاصمة السورية إزاء سرعة وعمق «الشروط» المطلوبة و«الحوافز» المتوقعة. ومن الناحية الفنية، رفضت دمشق قبل سنتين تقديم طلب إلى الجامعة للعودة إليها، قائلة إن «العرب يجب أن يقدموا طلباً للعودة إلى سوريا التي هي عضو مؤسس بالجامعة».
وسياسياً، إلى الآن، تعطي دمشق الأولوية للانتخابات الرئاسية منتصف الشهر المقبل، وبدء الأسد ولاية جديدة في 17 يوليو (تموز). ولمح بعض المسؤولين إلى أن «الإصلاح السياسي سيأتي بعد الانتخابات»، وأن التعاطي سيكون «إيجابياً» مع اللجنة الدستورية لإجراء إصلاح دستوري بعد إجراء الانتخابات بموجب دستور 2012 مع بعض «الإصلاحات». كما تعطي دمشق أولوية لمواجهة العقوبات الغربية، وتحسين الظروف المعيشية، عبر العمل على تسلم شحنات نفط من إيران، ومواد غذائية وحبوب من روسيا، وعقد «صفقات» مع «قوات سوريا الديمقراطية» لتسلم مشتقات نفطية وحبوب من شمال شرقي سوريا.
وتكتيكياً، لا تزال دمشق «تلعب على الحبلين» بين موسكو وطهران، بحيث إنها تسبح في ضفة عندما يفيض الضغط على الضفة الأخرى. ولا يزال هذا «اللعب» ناجحاً، إذ إن لافروف أبلغ محاورين قبل فترة أن «ضغطنا الزائد على دمشق يدفعها أكثر في الحضن الإيراني». كما توافق دمشق على طلبات موسكو لإبراز «حسن النية» مع تل أبيب.
وجيوسياسياً، تراهن دمشق أيضاً على أن «تعاظم توغل» تركيا، و«تعمق تغلغل» إيران، و«توسيع نفوذ» روسيا في سوريا والمنطقة، ستدفع دولاً عربية إلى التعاون معها، بحيث تأتي «المبادرات» و«الحوافز» من العواصم العربية وليس من دمشق، ليمارس العرب ضغوطاً على واشنطن للحصول على استثناءات من العقوبات الأميركية، ما دام أن إلغاء «قانون قيصر» يقتضي تحولات استراتيجية من دمشق تكون كافية لإقناع الكونغرس بالتصويت لإلغائه، وهذه الشروط غير متوفرة في الأفق حالياً.



السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في اتخاذ أي إجراءات قد تطلبها السعودية، مشدداً على أن مصر «ستنفذ أي إجراء للدفاع عن الأشقاء في الخليج».

وقرر مجلس النواب المصري عقد جلسة عامة الأحد، وذلك «في ضوء طلب الرئيس».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، لكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها الرئيس المصري تفويض البرلمان، ما عده مراقبون تأكيداً على استعداد القاهرة لدعم أشقائها في الخليج وأن جهودها تندرج في سياق الدفاع وليس الهجوم.

وأكد الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة، أن بلاده تقف بقوة لدعم حماية أراضي الأشقاء في الخليج، وقال: «نحن لا نبحث عن دور، لكن لا يمكن السماح بالمساس بأمن واستقرار الأراضي السعودية».

ودعا الرئيس المصري إلى وقف الحرب والتصعيد في المنطقة، مشيراً إلى أن «القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وفقاً لتوجيهات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان»، مشدداً على أن أمن المملكة واستقرارها لا يمكن أن يكونا موضع تساهل.

وأضاف أن «هذا الموضوع يتطلب تصديقاً من البرلمان» موجهاً «الدعوة للبرلمان لعقد جلسة طارئة للتفويض إذا طلب منا ذلك». وتابع: «هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط».

وشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة عدم نسيان ما قدمته دول الخليج لمصر من دعم منذ عام 2013، موجهاً الشكر إلى دول الخليج على الدعم».

وسبق أن أكد الرئيس المصري، مراراً، أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي إن تصريحات السيسي بشأن الاستعداد لاتخاذ إجراءات لحماية الأشقاء في دول الخليج، إذا طُلب ذلك، «تحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة، مفادها أن مصر تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري والعربي، وأن التضامن العربي لا يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، وإنما يمتد إلى الاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تتعرض الدول العربية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها».

وأوضح حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «حديث الرئيس ينطوي على دلالة تتمثل في تأكيده أن أي تحرك مصري محتمل سيكون في إطار الدفاع والحماية، وبناءً على طلب من الأشقاء، وليس بهدف الاعتداء على أي طرف أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة».

وعدَّ ذلك «يعكس الفارق بين امتلاك القدرة على حماية المصالح العربية، والرغبة في التصعيد»، وقال: «حديث الرئيس يؤكد أن القوة هنا أداة للردع والحماية، وليست هدفاً للحرب والتصعيد، وفي إطار التزام مصر العروبي الأصيل مع الحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات دول المنطقة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الشرطة الخميس (الرئاسة المصرية)

وشهدت الشهور الماضية اتصالات وجهوداً مصرية لوقف التصعيد في المنطقة، وإدانة للاعتداءات على دول الخليج.

وقال عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، مصطفى بكري، إن حديث الرئيس السيسي عن استعداد مصر لدعم السعودية، حال طلبها ذلك، هو تطبيق لمبدأ «مسافة السكة» الذي سبق أن طرحه الرئيس وتأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري».

وأوضح بكري لـ«الشرق الأوسط» أن دعوة البرلمان للانعقاد «تأتي احتراماً للدستور، الذي يشترط موافقة البرلمان على إرسال قوات خارج الحدود».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء»، وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إشارة الرئيس إلى ضرورة انعقاد البرلمان المصري ومنح التفويض اللازم تكشف عن «أهمية الالتزام بالأطر الدستورية والمؤسسية في القرارات المرتبطة بالأمن القومي واستخدام القوة العسكرية»، موضحاً أن «المسألة ليست مجرد إعلان موقف سياسي، وإنما تتعلق بإجراءات ذات طبيعة سيادية مهمة واستراتيجية تستلزم استيفاء المتطلبات الدستورية والقانونية ذات الصلة».

وعلى المستوى الاستراتيجي أكد حجازي أن «مصر تدرك أن أي تهديد لأمن دول الخليج لا تنعكس تداعياته على الدول المعنية وحدها، بل تمتد آثاره إلى أمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الأمن القومي العربي، ومن ثم، فإن حفظ أمن الخليج تمثل مسؤولية جماعية وواجب ومصلحة عربية مشتركة وليست مسؤولية دولة بعينها».


هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)

لم يعد استهداف الحوثيين لمطار عدن الدولي مجرد اعتداء على منشأة حيوية، بل بات يثير مخاوف أوسع بشأن سلامة الطيران المدني في اليمن، مع تكرار الهجمات على المطار الذي يمثل أحد المنافذ الرئيسية المتاحة أمام اليمنيين للسفر إلى الخارج، في وقت تزداد فيه المخاطر المحيطة بالبنية التحتية المدنية في البلاد.

ويضع استهداف المطار بصاروخين باليستيين، للمرة الثانية خلال أيام، حركة الطيران أمام تهديد مباشر، خصوصاً أن الهجوم الأخير تزامن مع استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى العاصمة المصرية القاهرة، ووجود طائرة أخرى تابعة لشركة «فلاي عدن» في الأجواء قادمة من المدينة نفسها، في واقعة كشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الرحلات التجارية في أثناء استخدام المجال الجوي والمرافق المدنية.

وقالت وزارة النقل اليمنية إن الصاروخين سقطا في محيط المطار، أحدهما عند البوابة الغربية باتجاه المدرج، والآخر شمال غربي المطار. وأُخليت الطائرة اليمنية التي كانت تستعد لتشغيل رحلة إلى القاهرة، فيما كانت الرحلة التابعة لـ«فلاي عدن» في طريقها من العاصمة المصرية.

إحدى طائرات الخطوط الجوية اليمنية في مطار عدن (إعلام حكومي)

وتتجاوز خطورة هذه الهجمات الأضرار المادية المباشرة، إذ إن تكرار استهداف المطارات يضع سلامة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين أمام مخاطر متجددة، كما يهدد انتظام الرحلات التي يعتمد عليها اليمنيون في السفر للعلاج والعمل والتنقل بين البلاد والخارج.

تهديد يتجاوز محيط المطار

تقول وزارة النقل إن استهداف مطار عدن يمثل انتهاكاً للحماية المقررة للمنشآت المدنية والطيران التجاري بموجب القوانين والمواثيق الدولية، محذرةً من أن استمرار الاعتداءات قد ينعكس على حركة النقل الجوي والاقتصاد الوطني، ويضاعف معاناة المواطنين الذين يعتمدون على المطارات في تنقلاتهم، بما في ذلك الحالات المرضية والإنسانية.

ودعت الوزارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالطيران المدني، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، إلى إدانة الهجمات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكدةً أن المطار منشأة مدنية مخصصة لخدمة المواطنين ولا يجوز تعريضها لأعمال عسكرية تهدد سلامة مرتاديها.

الحوثيون استهدفوا مطار عدن الدولي للمرة الثانية خلال أسبوع (إعلام حكومي)

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية منافذ السفر المتاحة أمام اليمنيين، إذ إن تعطيل مطار رئيسي أو تعريض الرحلات العاملة فيه للخطر لا يقتصر أثره على شركة طيران أو وجهة بعينها، وإنما يمتد إلى قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الطبية والفرص الاقتصادية والروابط الأسرية خارج البلاد.

اختبار لصمود عدن

في مواجهة تداعيات الهجوم الحوثي، تفقَّد وزير النقل محسن العُمري، ووزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، السبت، المطار، واطلعا على الأضرار واطمأنّا على سلامة المسافرين وأطقم الطائرات. كما وجّها الجهات المختصة بتوفير أماكن إقامة مناسبة لركاب الرحلة المتجهة إلى القاهرة، وتقديم التسهيلات اللازمة ومتابعة أوضاعهم.

وأكد المحافظ أن الاعتداءات لن تثني السلطة المحلية ومؤسسات الدولة عن مواصلة عملها، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية في عدن مستقرة، وأن المحافظة قادرة على تجاوز التحديات ومحاولات استهداف أمنها واستقرارها.

ودعا شيخ إلى تعزيز اليقظة والتكاتف لحماية المنشآت الحيوية والحفاظ على السكينة العامة ومصالح المواطنين.

ويعيد تكرار الهجمات على مطار عدن طرح مسألة حماية البنية التحتية المدنية في اليمن، ومدى قدرة الجهات الدولية المعنية على التعامل مع المخاطر التي تهدد الطيران التجاري.

وبينما تؤكد السلطات اليمنية استمرار المطار في أداء مهماته، تبقى سلامة الرحلات والمسافرين التحدي الأبرز أمام منشأة يعتمد عليها ملايين اليمنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تأمين احتياجاتهم من السفر والتنقل.


القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
TT

القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)

تجدّد النزوح في محافظة لحج، جنوب اليمن، مع استهداف الحوثيين قرى سكنية في منطقة الصبيحة بقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، في تصعيد يطال مناطق يساند فيها مسلحون قبليون القوات الحكومية، وبالتزامن مع استمرار عزل محافظة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية والطبية فيها.

وأطلقت السلطة المحلية في لحج نداءً عاجلاً لتوفير المأوى للأسر الفارة من القصف في منطقة الصبيحة، وسط محدودية الإمكانات المتاحة لاستقبال النازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من صعوبة إيصال المساعدات إلى السكان المتضررين من التصعيد، والقيود المفروضة على التنقل.

ودعا مكتب الإعلام في المحافظة أبناء المديريات إلى مساندة الأسر النازحة، خصوصاً كبار السن، والأمهات، والأطفال، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان، مشيراً إلى ما يواجهونه من ظروف إنسانية صعبة بعد فقدان المأوى، والاستقرار.

أوضاع إنسانية صعبة يعيشها الفارون من القصف الحوثي في لحج (إعلام محلي)

وناشد المكتب ملاك المنازل والشقق والعقارات فتح أبوابهم أمام الأسر الفارة، وتأجير المساكن بأسعار رمزية، وميسرة، تراعي أوضاعها الاستثنائية، مؤكداً أن مساعدة النازحين تتطلب تكاتف الجهود المجتمعية للتخفيف من معاناتهم.

وأفادت مصادر حكومية يمنية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحوثيين استهدفوا تجمعات سكنية في أطراف مديريتي رأس العارة، والمضاربة، في غرب لحج، بهدف الضغط على المسلحين القبليين الذين يساندون القوات الحكومية في التصدي لمحاولات التقدم نحو عمق المديرية.

وبحسب المصادر، تسعى الجماعة، من خلال هذه التحركات، إلى تنفيذ التفاف على القوات الحكومية المتمركزة في مرتفعات كهبوب، وتلك الموجودة في منطقة باب المندب، ومديرية ذباب، فيما أدى قصف القرى بقذائف الهاون والطائرات المسيّرة إلى موجة نزوح جديدة بين السكان.

آلاف النازحين في تعز يواجهون نقص الماء والغذاء والوقود (رويترز)

وتواجه السلطات المحلية صعوبات في استيعاب الأعداد المتزايدة من الفارين، في ظل محدودية قدراتها، وضعف الاستجابة الإنسانية المتاحة لتوفير المأوى، والغذاء، والرعاية الصحية، وفق المصادر ذاتها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات أممية إلى ارتفاع عدد النازحين جراء التصعيد إلى 233 ألفاً و77 شخصاً، بينهم 121 ألفاً و530 شخصاً في محافظة تعز وحدها، وسط مخاطر متزايدة تهدد النساء، والأطفال، والفئات الأكثر ضعفاً، الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان.

تعز تحت الحصار

في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين تتفاقم المخاوف الإنسانية مع استمرار إغلاق الطرق الرئيسة التي تربط المحافظة بالمناطق الأخرى، بما فيها عدن، الأمر الذي يعرقل وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى السكان، ويزيد الضغوط على المؤسسات الصحية في المدينة.

وقال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إن المنظمة تواجه تحديات في الوصول إلى الأطفال المحتاجين في المحافظة بسبب استمرار التصعيد، والقيود المفروضة على الحركة.

وأوضح أن نحو 110 آلاف طفل هم من بين النازحين الجدد منذ بداية سبتمبر (أيلول)، مشيراً إلى أن المنظمة تحققت من مقتل 30 طفلاً، وإصابة 28 آخرين جراء التصعيد الأخير.

وأضاف أن موجة العنف تقوّض ما تبقى لدى الأطفال من مظاهر الاستقرار، بعد سنوات من المعاناة المرتبطة بالجوع، والنزوح، وتعطل التعليم.

استمرار عزل الحوثيين مدينة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (رويترز)

من جهته، حذّر طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، من تدهور الوضع الصحي في تعز، مشيراً إلى أن المدينة أصبحت معزولة، وأن المستشفيات تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، مع امتداد القتال إلى مناطقها الحضرية.

وذكر أن 12 مستشفى في المدينة لا تملك سوى مخزون من الوقود يكفي لأربعة أيام، بالتزامن مع نقص الأكسجين، والأدوية، ونفاد المستلزمات الجراحية، وهي احتياجات تمثل تهديداً مباشراً لاستمرار تقديم الخدمات الطبية.

ولفت إلى الحاجة الملحة لتوفير الوقود، والأكسجين، خصوصاً للمرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى، والمرضى في أقسام العناية المركزة، معرباً عن قلقه من تزايد حالات الإصابة بالكوليرا.

وشددت الأمم المتحدة على ضرورة ضمان وصول آمن ومستدام للمساعدات الإنسانية إلى تعز، وسائر المناطق اليمنية المتضررة، في ظل اتساع الاحتياجات، وتراجع قدرة الخدمات الأساسية على الاستجابة.

الكوليرا خارج الحدود

على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، تواجه جيبوتي بدورها تحدياً صحياً مع تفشي الكوليرا في مخيم اللاجئين المركزي، حيث سُجلت نحو 31 إصابة بين آلاف الفارين اليمنيين من الهجمات الحوثية، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم المفوضية، إن 20 مصاباً تعافوا، بينما لا يزال عشرة أشخاص يتلقون الرعاية الطبية، مع تسجيل وفاة واحدة.

دعوات أممية من أجل تمكين الوكالات الإنسانية من تقديم المساعدات لسكان تعز المحاصرة (رويترز)

وأضاف أن أكثر من أربعة آلاف شخص وصلوا من اليمن إلى شرق أفريقيا، بينهم نحو 3800 لاجئ وصلوا إلى جيبوتي، ونحو 200 آخرين إلى الصومال.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالأزمة اليمنية، من موجات النزوح في لحج، وتعز، إلى تحديات الرعاية الصحية، ومخاطر الأمراض في مناطق اللجوء، في وقت تؤكد فيه المنظمات الأممية ضرورة تأمين الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية للمتضررين.