هجوم جديد يستهدف منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم... وطهران تلوّح بالرد

متحدث إيراني نفى وقوع إصابات أو تلوث... ونائب رجح «التخريب» و«التغلغل»

لمحة من عمليات توسع في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم رصدها قمر «ماكسار لتكنولوجيا الفضاء» في يناير الماضي (أ.ف.ب)
لمحة من عمليات توسع في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم رصدها قمر «ماكسار لتكنولوجيا الفضاء» في يناير الماضي (أ.ف.ب)
TT

هجوم جديد يستهدف منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم... وطهران تلوّح بالرد

لمحة من عمليات توسع في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم رصدها قمر «ماكسار لتكنولوجيا الفضاء» في يناير الماضي (أ.ف.ب)
لمحة من عمليات توسع في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم رصدها قمر «ماكسار لتكنولوجيا الفضاء» في يناير الماضي (أ.ف.ب)

بعد ساعات من الغموض، أكدت إيران تعرض منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، فجر أمس، لهجوم جديد وصفته بـ«الإرهاب النووي»، وذلك بعد ساعات من تأكيدها قطع التيار الكهربائي في المنشأة جراء «حادث»، معلنة أنها تحتفظ «بحق الرد»، من دون اتهام أي الطرف، في وقت عدت فيه مصادر غربية وإسرائيلية أن نطنز تعرضت لـ«هجوم إلكتروني» وراءه «الموساد».
ونقل التلفزيون الرسمي عن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، علي أكبر صالحي، قوله إن الحادث الذي تعرضت له منشأة نطنز النووية، اليوم (الأحد)، كان نتيجة عمل «إرهابي»، مضيفاً في بيان أن «على المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية التعامل مع ما وصفه بالإرهاب النووي»، مؤكداً أن «إيران تحتفظ بحقها في الرد على مرتكبي هذا العمل»، حسب «رويترز».
وقال صالحي إن ما حدث في مفاعل نطنز «يظهر فشل معارضي التقدم الصناعي والسياسي في البلاد في منع التطور الكبير للصناعة النووية من جهة، والمفاوضات الناجحة لرفع الحظر الجائر من جهة أخرى»، مشيراً إلى المفاوضات الجارية حالياً في فيينا، الرامية إلى إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق الدولي حول النووي الإيراني. وأكد أنه «من أجل إفشال أهداف هذه الحركة الإرهابية، ستواصل الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكل جدي توسيع التكنولوجيا النووية من جهة، والعمل لرفع الحظر الجائر من جهة أخرى».
ولم يتهم صالحي أي جماعة أو دولة بتنفيذ الاعتداء، كما أنه لم يعطِ أي تفاصيل حول وضع المنشآت المستهدفة.
ومن شأن الحادث أن يلقي بظلاله على مستقبل مباحثات فيينا التي بدأت الثلاثاء وانتهت الجمعة من الأسبوع الماضي، على أن تعود الوفود المفاوضة لأطراف الاتفاق النووي الأربعاء إلى فيينا. وأصرت إيران بعد حادث يوليو (تموز) الماضي، واغتيال محسن فخري زاده نائب وزير الدفاع العقل المدبر للأبعاد العسكرية في البرنامج النووي الإيراني، على انتزاع «تنديد دولي» من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمات دولية أخرى.
وفي إسرائيل، أفادت «القناة 13» الإسرائيلية، عن مصادر استخباراتية غربية لم تذكر جنسيتها، بأن «الموساد يقف وراء الهجوم على منشأة نطنز النووية»، وأن «الهجوم تسبب في أضرار جسيمة لقلب مشروع التخصيب في إيران».
وبدورها، كشفت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن الحادث الذي وقع في نطنز لم يكن «حادثاً»، وأن «الضرر كان أكبر بكثير مما كانت إيران تعرضه للجمهور في البداية». وأفات عن «مصادر غربية» بأن «المنشأة تعرضت لهجوم إلكتروني».
وكانت وكالة «فارس»، «رأس الحربة» في إعلام «الحرس الثوري»، أول من أذاع الخبر أمس، نقلاً عن المتحدث باسم المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، بهروز كمالوندي، الذي أبلغ الوكالة بـ«انقطاع في التيار الكهربائي» بالمنشأة المحصنة في محافظة أصفهان (وسط إيران).
وفي وقت لاحق، قال كمالوندي، في مقابلة عبر الهاتف مع التلفزيون الحكومي، إن منشأة نطنز «تعرضت لحادث فجر الأحد، في جزء من الدائرة الكهربائية لمحطة التخصيب»، دون أن يكشف عن طبيعته. لكنه أضاف: «هناك انقطاع في التيار الكهربائي (...) لكننا لا نعرف السبب»، مما يشير إلى أن التيار الكهربائي ما زال مقطوعاً حتى ظهر الأحد، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
ولم يحدد كمالوندي ما إذا كانت الكهرباء مقطوعة فقط في معمل التخصيب، أو في منشآت أخرى من منشأة نطنز. وقال «لحسن الحظ، لم يسفر ذلك عن وفيات أو إصابات أو تلوث. لا توجد مشكلات معينة، ويجري التحقيق في الحادث»، موضحاً أنه «لا مزيد من المعلومات في الوقت الحالي».
وجاء الحادث غداة تدشين إيران صالة جديدة لتجميع أجهزة طرد مركزي متقدمة يحظرها الاتفاق النووي لعام 2015، عوضاً عن صالة نشب فيها حريق في يوليو (تموز) الماضي، قالت إيران إنه كان محاولة لتخريب برنامجها النووي، دون أن تقدم حتى الآن أي تفاصيل عن نتائج التحقيق.
ومن جانبه، قال النائب المتحدث باسم اللجنة البرلمانية للطاقة، مالك شريعتي نياسر، في تغريدة على «تويتر»: «هذا الحادث الذي وقع في (غداة) اليوم الوطني للتكنولوجيا النووية، بينما تحاول إيران إجبار الغرب على رفع العقوبات، مشكوك جداً في أنه تخريب أو تغلغل»، مضيفاً أن البرلمان «يتابع أبعاد وتفاصيل» الحادث.
و«التغلغل» عادة إشارة ضمنية يستخدمها المسؤولون الإيرانيون للإشارة إلى احتمال دور عناصر داخلية، وهو الأمر الذي حدث بالفعل بعد تعرض نطنز لحادث غامض في يوليو (تموز) الماضي.
وأول من أمس، وضعت إيران في الخدمة أجهزة طرد مركزي تتيح تخصيب اليورانيوم بسرعة أكبر، ودشن الرئيس الإيراني، حسن روحاني، رسمياً سلسلة من 164 جهازاً للطرد المركزي من نوع «آي آر - 6» في نطنز. كما أطلق تغذية بغاز اليورانيوم لسلسلتين أخريين: تتضمن الأولى 30 جهازاً من نوع «آي آر - 5»، والثانية 30 جهازاً من نوع «آي آر - 6»، لاختبارها. وأطلق اختبارات للتحقق من «الاستقرار الميكانيكي» للجيل الأخير من أجهزة الطرد المركزي الإيرانية «آي آر - 9».
ويقول مهندسو منظمة الطاقة الذرية الإيرانية إن الأجهزة «آي آر - 6» و«آي آر - 9» أقوى بعشر مرات وخمسين مرة، على التوالي، من طراز «آي آر - 1» التي يسمح الاتفاق النووي بتشغيل 5060 جهاز طرد مركزي منها، مثبتة في 30 سلسلة متتالية.
ومنذ بدئها بانتهاك الاتفاق النووي في مايو (أيار) 2019، رداً على الانسحاب الأميركي، تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران تشغل 696 جهاز طرد مركزي من طراز «آي آر - 2 إم) مثبتة في 4 مجموعات متتالية، و174 جهاز طرد مركزي من طراز «آي آر - 4» مثبتة في سلسلة واحدة لتخصيب سادس فلوريد اليورانيوم الطبيعي.
ورفعت إيران نسبة تخصيب اليورانيوم من 3.67 في المائة التي يسمح بها الاتفاق النووي، إلى 4.5 في المائة، قبل أن يقفز مستوى التخصيب إلى نسبة 20 في المائة منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، وأنتجت منه 55 كيلوغراماً حتى الأسبوع الماضي.
وقال كبير المفاوضين الإيرانيين، عباس عراقجي، إن الأنشطة الحالية «لن توقف ولن تنخفض» ما لم ترفع العقوبات الأميركية التي فرضتها الإدارة السابقة مرة واحدة.
وفي عام 2010، تم اكتشاف فيروس الكومبيوتر «ستاكسنت» الذي يُعتقد على نطاق واسع أن الولايات المتحدة وإسرائيل طورتاه، وذلك بعد استخدامه لمهاجمة نطنز. وهذا الحادث الثاني في أقل من عام الذي تبلغ عنه السلطات الإيرانية. وفي يوليو (تموز) الماضي، هز انفجار غامض صالة فوق الأرض لتجميع أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز، وأعلن المجلس الأعلى للأمن القومي في الأيام الأولى أن السبب في الحريق تحدد، لكن سيُعلن في وقت مناسب لدواعٍ أمنية.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أظهرت صور الأقمار الصناعية أن إيران بدأت بتوسع جديد تحت جبال منشأة نطنز، قدر الخبراء أن يكون موقع التجميع الجديد لأجهزة الطرد المركزي.
وقال بعض المسؤولين الإيرانيين إن الحادث قد يكون بسبب عمل تخريبي إلكتروني، فيما حذر أحدهم من أن طهران ستنتقم من أي دولة تشن مثل هذه الهجمات ضدها. وتناول مقال نشرته وكالة «إرنا» الرسمية، في يوليو (تموز)، ما وصفه بالتخريب المحتمل من أعداء مثل إسرائيل والولايات المتحدة، على الرغم من أنه لم يصل إلى حد توجيه اتهام مباشر لأي منهما.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد نقلت، الاثنين، عن «مسؤول شرق أوسطي»، أن إسرائيل مسؤولة عن زرع قنبلة قوية أدت إلى انفجار في نطنز. ونقلت الصحيفة، عن مسؤول في «الحرس الثوري» أيضاً، أن الحادثة جرت باستخدام مواد متفجرة، لكنه أشار أيضاً إلى تحقيق في فرضيتي إصابة المنشأة بصاروخ «كروز» أو «طائرة من دون طيار».
ونقلت «رويترز» حينذاك عن 3 مسؤولين إيرانيين أنهم يعتقدون أن الحريق نجم عن هجوم إلكتروني، لكنها لم تقدم دليلاً على ذلك.
وفي نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، رشق مسلحون، في الضاحية الشرقية لطهران العاصمة، سيارة محسن فخري زاده بوابل من الرصاص، وذلك وسط حراسة مشددة. ولم تعلن السلطات الإيرانية بعد نتائج التحقيق حول اغتياله، وسط تضارب الروايات بين وزارة الاستخبارات الإيرانية والقوات الموازية لها، جهاز استخبارات «الحرس الثوري».
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال المتحدث باسم الحكومة، علي ربيعي، إن الأجهزة الأمنية الإيرانية تدرس «فرضية قوية» حول دور عناصر داخلية في الحادث. وشدد على أن «العمليات التخريبية مؤكدة»، مشيراً إلى وجود «فرضيات عدة»، في ظل «تعقيدات في العمل التخريبي»، مؤكداً أن «أجهزة أمنية عدة في الأقسام المختلفة تدرس القضية».
وفي مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قال وزير الاستخبارات، محمود علوي، إن عنصراً من القوات المسلحة الإيرانية ضالع في عملية الاغتيال. وقال في مقابلة مع التلفزيون الرسمي: «الشخص الذي قام بالتحضيرات الأولوية للاغتيال كان عنصراً من القوات المسلحة، ولم نكن قادرين على القيام بعمل استخباري في مجال القوات المسلحة»، لافتاً إلى أن الوزارة علمت بمكان الاغتيال قبل أيام، لكنها لم تحدد توقيته.
ولم تعلق إسرائيل رسمياً على اتهامها من قبل إيران بالوقوف خلف الاغتيال،
لكن صحيفة «جيويش كرونيكل»، اليهودية البريطانية، كشفت في تقرير نشرته في فبراير (شباط) الماضي تفاصيل جديدة عن خطة اغتيال فخري زاده، مؤكدة مسؤولية الاستخبارات الإسرائيلية. ونقلت عن مصادر أن جواسيس «الموساد» هربوا السلاح المتطور الذي يزن طناً، واستخدم في الاغتيال، قطعة قطعة إلى داخل إيران على مدى الأشهر الثمانية التي سبقت موعد تنفيذ العملية، مشيرة إلى مشاركة 20 جاسوساً.
ونقلت الصحيفة عن مصدر إسرائيلي: «إذا أصبح الموقف حرجاً (فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني)، فلن نطلب إذناً من أحد»، في إشارة إلى الولايات المتحدة. وأضاف: «سنقتل القنبلة».



إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.


تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».