دراسة تُبرز جماليات الفنون التراثية الإسلامية في إقليم «الدكن» الهندي

تضمنت تحليل وتوثيق عشرات القطع النادرة

TT

دراسة تُبرز جماليات الفنون التراثية الإسلامية في إقليم «الدكن» الهندي

عبر تحليل المفردات الفنية، وتفكيك الرموز الزخرفية، أبرزت دراسة مصرية حديثة المكونات والعناصر الجمالية لفنون الحرف التراثية اليدوية في إقليم الدكن الهندي، وتأثرها بمفردات وزخارف الفن الإسلامي الذي ازدهر بالإقليم في الفترة من القرن العاشر حتى القرن الثالث عشر الهجري، حيث استخدم السلاطين المسلمون الحرف التراثية وفنونها لتثبيت أركان حكمهم بالإقليم، وتخليد إنجازاتهم عن طريق إنشاء ورش ملكية للفنون التراثية، وجلب الفنانين المهرة من دول إسلامية أخرى إلى جانب الفنانين الهنود، لتشكل التحف التي ما زالت باقية إرثاً حضارياً للبشرية، ومدرسة فنية قائمة بذاتها تطورت بمشاركة وتنافس الفنانين المسلمين والهندوس.
الدراسة أعدتها الدكتورة هبة عبد العزيز، مفتش الآثار بإدارة الوعي الأثري والتواصل المجتمعي بالقاهرة التاريخية تحت عنوان «المناظر التصويرية على الفنون التطبيقية الإسلامية في إقليم الدكن بالهند خلال الفترة من القرن العاشر إلى الثالث عشر الهجري... دراسة آثارية فنية مقارنة»، وهي الفترة من القرن السادس عشر حتى التاسع عشر الميلادي، وحصلت بموجبها على درجة الدكتوراه في الفنون والآثار الإسلامية مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الآثار جامعة القاهرة أخيراً، وتضمنت توثيقاً وتحليلاً وصفياً لجماليات مائة وثلاث وعشرين تحفة تراثية من إقليم الدكن الهندي، بينها 80 قطعة تُنشر صورها علمياً للمرة الأولى.
وركزت الدراسة على تحليل جماليات العناصر الزخرفية والتكوينات الفنية للصور والرسومات على التحف المختلفة، والتي تتنوع ما بين التحف الخزفية والمعادن والسجاد والأدوات المنزلية ومفارش المائدة ومنتجات العاج والتحف الخشبية، إذ تنوعت موضوعات الصور والنقوش التصويرية على التحف لتغطي جميع تفاصيل الحياة اليومية خلال تلك الفترة، سواء شكل الحياة داخل البلاط الملكي والاحتفالات والحفلات والموسيقى والصيد وموضوعات اجتماعية متنوعة.
وتُعد الورش الملكية تقليداً شائعاً في الدول الإسلامية، حيث كان يقوم بإنشائها الملوك والسلاطين لرعاية الحرف التراثية والفنانين، وفقاً للدكتورة هبة عبد العزيز، التي تقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الورش الملكية أو السلطانية كانت موجودة في معظم الدول الإسلامية بهدف رعاية الحرف والفنون التراثية، ويتولى الإشراف على كلٍّ منها فنان يسمى (الأستاذ) كي يتم توحيد الموضوعات الفنية التي يتم تناولها، خصوصاً المتعلقة بتخليد الحاكم».
وتمكنت المدرسة الدكنية من تثبيت شخصيتها الإسلامية المميزة في التصوير والرسم على التحف التطبيقية، وحسب الدراسة «أصبحت تضاهي أعظم مراكز التصوير والرسم على المنتجات التراثية في العالم الإسلامي، كما أنها من أكثر المدارس الفنية تعرضاً لجميع مناحي الحياة، حيث كانت محوراً لمعظم الأحداث المهمة، وتفاصيل الحياة اليومية، ووثقت الأشكال المختلفة لأنشطة البلاط الملكي في الاحتفالات والأعياد وتفاصيل الحياة الاجتماعية والدينية». بدوره، يقول الدكتور جمال عبد الرحيم، أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة، لـ«الشرق الأوسط» إن «الحكام والسلاطين المسلمين في إقليم الدكن الهندي استخدموا الفنون والحرف التراثية في تثبيت أركان حكمهم، من خلال رعاية الفنانين وإنشاء الورش الملكية التي تُنتج قطعاً فنية تتضمن موضوعات تخلّد فترات حكمهم وتُبرز إنجازاتهم، ومن أبرز سمات الفنون الإسلامية وزخارفها أنها تمتلك ما تسمى وحدة العناصر الزخرفية التي تربطها جميعاً في أي دولة، بينما تتميز كل منطقة أو دولة بشخصيتها المختلفة ومفرداتها الفنية الإبداعية داخل الإطار العام للفن الإسلامي». وأسهم قيام الورش الملكية بجلب الفنانين من دول إسلامية عديدة في تنوع الأساليب الفنية والرؤى الإبداعية، حيث أدى التنافس بين الفنانين من أقاليم إسلامية مختلفة ومدارس فنية لكل منها خصوصيتها في تطور المدرسة الفنية الدكنية، وصياغة شخصيتها المستقلة من خلال ابتكار تصميمات ومعالجات فنية جديدة، واستخدام عناصر فنية غير تقليدية، ما أدى إلى تنوع موضوعاتها الفنية وزخارفها التي استفادت من المدارس الفنية بدول إسلامية مختلفة.


مقالات ذات صلة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

كتب استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

يُعنى كتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الجمّال، بالمنامات وكتب تعبيرها…

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق مجموعة من نجوم الفن والرياضة الذين اعتنقوا الإسلام (أ.ف.ب/ نتفليكس/ إنستغرام/ إكس) p-circle 01:39

من محمد علي كلاي إلى جيانكارلو إسبوزيتو... مشاهير أجانب اعتنقوا الإسلام

أشهرَ الممثل الأميركي جيانكرلو إسبوزيتو إسلامه قبل أيام ونطق بالشهادتَين. سبقَه إلى ذلك نجوم كثُر من عالم الفن والرياضة.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا مسلمون يتجمّعون في المسجد الكبير بباريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أثار صدور بيانين مختلفين حول موعد بدء شهر رمضان في فرنسا حالة من الحيرة في أوساط المسلمين. والاختلاف هو إذا كان بداية رمضان يوم الأربعاء أم يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم رجل يصلي في مسجد خلال شهر رمضان (رويترز)

تراجع طفيف في عدد ساعات الصيام خلال رمضان 2026

يتهيأ المسلمون بمختلف أنحاء العالم لإحياء شهر رمضان لعام 2026 في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن عدد ساعات الصيام سيكون هذا العام أقل بقليل من 2025 

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا ميريما أفديتش تحمل العلم الصربي خلال المسيرة (رويترز)

مظاهرة جامعية تمنح الطلاب المسلمين في صربيا شعوراً بالانتماء

كان الانضمام إلى الآلاف في نوفي ساد لحظة مهمة بالنسبة إلى أفديتش؛ وهي طالبة تنتمي إلى أقلية البوشناق المسلمة الصغيرة في صربيا وترتدي ‌الحجاب.

«الشرق الأوسط» (نوفي بازار (صربيا))

دواء جديد يُظهر فاعلية ضد سرطان الرئة

سرطان الرئة هو نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الرئة (جامعة هيوستن)
سرطان الرئة هو نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الرئة (جامعة هيوستن)
TT

دواء جديد يُظهر فاعلية ضد سرطان الرئة

سرطان الرئة هو نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الرئة (جامعة هيوستن)
سرطان الرئة هو نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الرئة (جامعة هيوستن)

كشفت نتائج دراسة سريرية أن دواء «تارلاتاماب» (Tarlatamab) أظهر نشاطاً مضاداً للأورام وكان جيد التحمل عند إعطائه عن طريق الحقن تحت الجلد لمرضى مصابين بسرطان الرئة صغير الخلايا.

وأوضح الباحثون من مستشفى جامعة فال ديبرون في برشلونة أن النتائج تدعم مواصلة دراسة هذه الطريقة، التي قد توفر بديلاً أكثر سهولة عن إعطاء الدواء عن طريق الوريد، وعُرضت النتائج، السبت، خلال المؤتمر العالمي لسرطان الرئة لعام 2026، الذي تنظمه الجمعية الدولية لدراسة سرطان الرئة بالعاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وسرطان الرئة هو نمو غير منضبط لخلايا غير طبيعية في الرئة، وقد تنتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم. وينقسم أساساً إلى سرطان الرئة غير صغير الخلايا، وهو الأكثر شيوعاً، وسرطان الرئة صغير الخلايا، وهو أقل شيوعاً لكنه أسرع نمواً وانتشاراً. ويُعد التدخين عامل الخطر الرئيسي، إلى جانب التدخين السلبي وتلوث الهواء والتعرض لبعض المواد والغازات في بيئة العمل والعوامل الوراثية. وقد لا تظهر أعراض واضحة مبكراً، بينما تشمل الأعراض لاحقاً السعال المستمر وضيق التنفس وألم الصدر وخروج الدم مع السعال وفقدان الوزن. ويعتمد العلاج على نوع السرطان ومرحلته وحالة المريض، وقد يشمل الجراحة والعلاج الكيميائي والإشعاعي والمناعي والموجه.

ويُعد دواء «تارلاتاماب» علاجاً مناعياً يساعد جهاز المناعة على التعرف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد أظهر الدواء في دراسات سابقة نشاطاً سريرياً لدى مرضى سرطان الرئة صغير الخلايا، لكنه دُرس أساساً عند إعطائه عن طريق الوريد. وحسب الباحثين، تعد هذه الدراسة الأولى التي تبحث في إعطاء «تارلاتاماب» تحت الجلد. وقد تكون هذه الطريقة أكثر ملاءمة للمرضى مقارنة بالتسريب الوريدي، كما قد تؤدي إلى وصول الدواء إلى الدم بصورة أكثر تدريجاً وبلوغ مستويات قصوى أقل، وهو ما قد يؤثر في حدوث بعض الآثار الجانبية أو شدتها، ومنها متلازمة إطلاق السيتوكينات.

وشملت الدراسة مرضى كان سرطان الرئة صغير الخلايا لديهم قد تطور أو عاد بعد تلقي علاج واحد على الأقل. وفي الجزء الأول من الدراسة، اختبر الباحثون جرعتي 10 و15 ملليغراماً من «تارلاتاماب» تحت الجلد مرة كل أسبوعين. وأظهرت جرعة 15 ملليغراماً تعرضاً للدواء في الجسم مماثلاً تقريباً للجرعة الوريدية البالغة 10 ملليغرامات كل أسبوعين، ولذلك اختيرت باعتبارها الجرعة المستهدفة في الجزء الثاني من الدراسة.

وكان 40 مريضاً قد تلقوا جرعة 15 ملليغراماً، وظهرت آثار جانبية مرتبطة بالعلاج لدى 85 في المائة منهم، أبرزها تفاعلات موضع الحقن (50 في المائة)، وتغير حاسة التذوق (45 في المائة)، ومتلازمة إطلاق السيتوكينات (38 في المائة)، وانخفاض الشهية (20 في المائة). وكانت معظم حالات متلازمة إطلاق السيتوكينات منخفضة الدرجة، ولم تُسجل حالات شديدة منها أو آثار جانبية مرتبطة بالعلاج أدت إلى الوفاة. وبلغ معدل الاستجابة الموضوعية الأولي 30 في المائة، ما يعني أن أورام نحو 3 من كل 10 مرضى أظهرت استجابة للعلاج.

وقال الباحثون إن النتائج تشير إلى أن جرعة 15 ملليغراماً من «تارلاتاماب» تحت الجلد يمكن أن تحقق مستويات تعرض للدواء في الدم مماثلة لتلك التي تحققها الجرعة الوريدية البالغة 10 ملليغرامات كل أسبوعين، مع الحفاظ على ملف سلامة ملائم. وحسب الباحثين، تدعم نتائج السلامة والنشاط الأولي المضاد للأورام، إلى جانب سهولة إعطاء العلاج المحتملة، مواصلة دراسة «تارلاتاماب» تحت الجلد. ومع ذلك، تظل النتائج أولية، ولا تكفي هذه الدراسة وحدها لإثبات فاعلية الدواء بصورة نهائية أو مقارنته مباشرة بالعلاجات الأخرى.


هوايات خريفية تساعد في التغلب على الكآبة

يمكن للخبز أن يتحول إلى هواية ممتعة خلال فصل الخريف (مجلة ريل سمبل)
يمكن للخبز أن يتحول إلى هواية ممتعة خلال فصل الخريف (مجلة ريل سمبل)
TT

هوايات خريفية تساعد في التغلب على الكآبة

يمكن للخبز أن يتحول إلى هواية ممتعة خلال فصل الخريف (مجلة ريل سمبل)
يمكن للخبز أن يتحول إلى هواية ممتعة خلال فصل الخريف (مجلة ريل سمبل)

مع تراجع ساعات النهار وانخفاض التعرض لضوء الشمس، قد يعاني بعض الأشخاص انخفاضاً في المزاج وزيادة الشعور بالخمول خلال فصل الخريف، وهي أعراض قد ترتبط بما يُعرف بــ«الاضطرابات العاطفية الموسمية». ويمكن لممارسة هوايات وأنشطة هادفة أن تساعد على تحسين المزاج والحد من الميل إلى العزلة خلال هذه الفترة.

وقالت كوني ماكرينولدز، الاختصاصية النفسية في الولايات المتحدة، إن قلة التعرض لضوء الشمس مع قصر ساعات النهار قد تؤثر في المواد الكيميائية المرتبطة بالمزاج والنوم، إذ قد يتراجع مستوى السيروتونين، الذي يشارك في تنظيم المزاج، بينما يرتفع مستوى الميلاتونين المرتبط بالنعاس، ما قد يزيد الشعور بالتعب وانخفاض المزاج. كما أن قلة الخروج من المنزل تعني تعرضاً أقل لأشعة الشمس، وبالتالي الحصول على كمية أقل من فيتامين «د»، وهو ما قد يؤثر في الحالة المزاجية لدى بعض الأشخاص، وفق مجلة «Real Simple» الأميركية.

وحسب خبراء في الصحة النفسية، يمكن للهوايات أن توفر خلال الخريف روتيناً يومياً، وتشجع على التواصل الاجتماعي، وتمنح شعوراً بالإنجاز، ما يساعد على مواجهة بعض الآثار المرتبطة بتغير الموسم. وتعد ممارسة الرياضة من الأنشطة المفيدة، سواء من خلال المشي قبل حلول الظلام، أو تجربة حصة رياضية مع الأصدقاء، أو ممارسة التمارين في المنزل، أو التنزه قبل غروب الشمس. وقالت ماكرينولدز إن الرياضة تساعد على الحفاظ على مستويات الهرمونات المرتبطة بتحسن المزاج، مضيفة أن المشي السريع أو الجري مع الأصدقاء، يليه تناول القهوة والتحدث معهم، قد يرفع المعنويات بأكثر من طريقة. كما يمكن للطهي أن يتحول إلى هواية ممتعة، خصوصاً عند تجربة وصفات جديدة أو إعداد الطعام مع العائلة والأصدقاء.

وقالت إليزابيث بوديت دريسر، المعالجة النفسية في الولايات المتحدة، إن هذه الأنشطة تشغل عدة حواس، من اللمس والشم والتذوق إلى القياس والتركيز على ما يحدث في اللحظة نفسها، كما تتيح فرصاً للتواصل مع الآخرين من خلال إعداد الطعام أو مشاركته. وقد تساعد القراءة أيضاً على إبعاد الذهن مؤقتاً عن القلق والأفكار المتكررة، خصوصاً عند وضع الجوال جانباً والتركيز على الكتاب. وأضافت دريسر أن الانضمام إلى نادٍ للكتاب يمكن أن يضيف جانباً اجتماعياً إلى القراءة، ويقلل الشعور بالعزلة خلال فترة قد يصبح فيها الانسحاب من الآخرين أكثر سهولة.

ومن الخيارات الأخرى التطوع، الذي يجمع بين الخروج من المنزل ومساعدة الآخرين. وتشمل فرص التطوع رعاية الحيوانات، ومساعدة الأشخاص، والمشاركة في حملات جمع الملابس أو الطعام. وقالت سيارا بوغدانوفيتش، المعالجة النفسية في الولايات المتحدة، إن التطوع يوفر فرصاً للتواصل الاجتماعي وشعوراً بالهدف، كما يمنح الشخص قدراً من الالتزام والروتين، ما قد يساعد على مقاومة الميل إلى العزلة عندما ينخفض المزاج.

ويمكن كذلك إشغال اليدين بأنشطة مثل الحياكة والتطريز، وحل الألغاز وصناعة الفخار والبستنة والرسم وتركيب مجسمات «ليغو». وقالت ريبيكا ماكيلوب، المعالجة المتخصصة في الولايات المتحدة، إن الحركات اليدوية المتكررة في هذه الأنشطة يمكن أن تنشط الجهاز العصبي نظير الودي، الذي يساعد الجسم على الاسترخاء، مشيرة إلى أن طبيعتها المتكررة تجعلها شبيهة بالتأمل، كما أن إنجاز شيء ملموس يمنح شعوراً بالرضا، خصوصاً عندما تبدو جوانب أخرى من الحياة غير واضحة أو غير مستقرة.

وخلص الخبراء إلى أن الاستفادة من الأنشطة التي يتميز بها فصل الخريف قد تساعد أيضاً على تقبل هذا الوقت من العام بدلاً من التركيز على انتهاء الصيف. ويمكن أن تشمل هذه الأنشطة التنزه في الطبيعة، أو مشاهدة الأفلام في المنزل، أو إعداد المخبوزات الموسمية، أو تركيب أحجية كبيرة يمكن مواصلة العمل عليها طوال الموسم.


الطاهر عيسى: «لا موضة» صرخة ضد المباهاة التي فرضتها العولمة

المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)
المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)
TT

الطاهر عيسى: «لا موضة» صرخة ضد المباهاة التي فرضتها العولمة

المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)
المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)

قال المخرج التونسي الطاهر عيسى، مخرج العرض المسرحي «لا موضة- Show Off»، الفائز بجائزة «أفضل مخرج» في الدورة الثالثة والثلاثين من «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، إن اختياره عالم الموضة مدخلاً للعرض جاء بوصفها «تجلياً صارخاً لآليات النظام الرأسمالي المعاصر»، موضحاً أنها لم تعد مجرد أزياء أو صرعات عابرة، وإنما أصبحت بنية تفرض الذوق العام، وتوجه السلوك نحو الاستهلاك، وتعيد تشكيل هوية الإنسان وقيمته وفقاً لما يستهلكه.

وأضاف الطاهر في حوار مع «الشرق الأوسط» أن عنوان «لا موضة- Show Off» يعكس حالة التداخل الثقافي التي يعيشها الإنسان المعاصر، موضحاً أن عبارة «لا موضة» تحمل موقفاً نقدياً رافضاً للنمطية والاتباعية الاستهلاكية، كما تشير «Show Off» إلى ثقافة الاستعراض والمباهاة التي فرضتها العولمة، والجمع بين التعبيرين يجسد صراع الذات بين جذورها المحلية وشبكات الهيمنة الثقافية والتسويقية العابرة للحدود.

وتدور فكرة العمل حول الإنسان داخل عالم تحكمه الموضة والاستهلاك والاستعراض؛ حيث تتحول الصورة إلى جزء أساسي من الوجود اليومي، ويصبح الفرد مطالباً باستمرار بتقديم نسخة معينة من نفسه أمام الآخرين. ومن خلال الحركة والأداء الجسدي والرقص والسيرك والميديا الرقمية، يضع العرض الإنسان أمام منظومة تدفعه إلى التكرار والتشابه، وتطرح سؤالاً حول المساحة التي ما زالت متاحة له ليكون ذاته بعيداً عن ضغط السوق والصورة.

حصد العرض التونسي جائزة أفضل إخراج في المهرجان (إدارة المهرجان)

وأشار الطاهر عيسى إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي وسَّعت مفهوم الاستعراض ليصبح «شرطاً وجودياً يومياً»، فأصبح الإنسان المعاصر يوثق حياته لا ليعيشها، وإنما ليستعرضها أمام الآخرين، لافتاً إلى أن هذه الواقعية الافتراضية أثرت في رؤيته الإخراجية، ودفعت إلى تفكيك العلاقة بين «الإنسان والآلة»، بعدما أصبحت التكنولوجيا والشبكات جزءاً من منظومة تؤطر الإنسان وتحوله في الوقت نفسه إلى منتج ومستهلك.

وأكد أن هدفه لم يكن تقديم خطاب مباشر أو موعظة أخلاقية حول الاستهلاك، وإنما تفكيك آلياته من خلال الصورة والأداء، موضحاً أن العرض يطرح أسئلة متعددة الدلالات، ويكشف التناقضات على الخشبة، ثم يترك للمشاهد حرية القراءة واكتشاف موقفه بنفسه، عبر رهان على إشراك المتلقي في التجربة، بدلاً من فرض رؤية إخراجية محددة عليه أو تقديم إجابات جاهزة.

وأضاف أن الأداء الجسدي كان ضرورياً للتعبير عن حالة التشظي النفسي والضغط الذي تفرضه المنظومة الاستهلاكية، موضحاً أن الجسد في حالته الحرجة يستطيع التعبير عن القهر والتدجين والتكرار الآلي، بصورة يصعب على الكلمات الوصول إليها.

قُدِّم العرض للمرة الأولى في القاهرة ضمن فعاليات المهرجان (إدارة المهرجان)

وأشار إلى أن «العرض تعمَّد في البداية تقديم عالمه بوصفه فرجة غرائبية بعيدة عن المشاهد، قبل أن يكشف تدريجياً أن المتلقي نفسه جزء من هذه المنظومة»، مؤكداً أن الرهان كان على إحداث صورة فنية مباغتة، ينتقل خلالها الجمهور من موقع المشاهد المحايد إلى موقع الشريك الذي يكتشف أنه يمارس الآليات الاستهلاكية ذاتها في حياته اليومية، لتتحول الفُرجة إلى مساءلة للذات.

ويرى عيسى أن التجريب المسرحي لا ينبغي أن يتحول إلى استعراض شكلي؛ لأن التجريب الحقيقي هو بحث مستمر عن أشكال جديدة للتعبير، وربط الفن بالإنسان والتاريخ؛ مشيراً إلى أن التجريب يصبح غاية فارغة عندما يكتفي بالشكليات أو الاستخدام المجاني للتقنيات والوسائط، من دون ضرورة فنية أو فكرية.

وأكد أن المسرح التجريبي قادر على الوصول إلى جمهور واسع، إذا امتلك الصدق الجمالي والوضوح الدلالي، معتبراً أن الفصل بين المسرح التجريبي والمسرح الجماهيري ليس حتمياً؛ لأن التجريب الحقيقي يخاطب وعي الإنسان وحواسه مباشرة. ونجاح العرض في التواصل مع الجمهور يرتبط بقدرته على خلق حالة تفاعلية حية تلامس قضايا المتلقي، إلى جانب امتلاك أدوات مناسبة للتواصل معه.

المخرج التونسي أعرب عن سعادته بتتويجه بجائزة أفضل مخرج (إدارة المهرجان)

وقال إن هذا العمل -مقارنةً بأعماله السابقة- شهد مجازفة أكبر في كسر البناء الدرامي التقليدي، واختبار مسرح ما بعد الدراما، مع محاولة تحقيق توازن بين الصرامة الفنية والتواصل مع الجمهور، وهو ما جعله محطة مهمة في مساره الإبداعي.

وأضاف أن موضوع التسليع والاستهلاك يتجاوز الحدود الجغرافية؛ لأنه يمس الإنسان المعاصر في مجتمعات مختلفة، معتبراً أن استقبال الجمهور المصري أثبت قدرة العرض على الانتقال من خصوصيته التونسية إلى سؤال إنساني أوسع.

وأشار إلى أن المشاركة في «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» وفر للعرض فرصة الاحتكاك بتجارب مسرحية دولية من دول عدة، بينها سويسرا وإسبانيا وبيلاروسيا وفرنسا، موضحاً أن هذا التنوع أتاح له مقارنة أدواته الفنية بتجارب مختلفة، لافتاً إلى أن المهرجان لم يكن فقط مساحة للعرض، وإنما وفَّر أيضاً بيئة للتواصل الفني والمعرفي، وإعادة قراءة التجربة ضمن سياق مسرحي أوسع.

اعتمد العرض على تقديم رؤية تجريبية مبتكرة (إدارة المهرجان)

وأكد أن حصوله على جائزة أفضل مخرج يمثل تكريماً لمسار البحث الفني الذي خاضه مع العرض، ولكنه لا يغير جوهر التجربة التي اكتملت أساساً من خلال تفاعلها مع الجمهور، معتبراً أن الجائزة تضاعف مسؤوليته الإبداعية، وتمنحه دافعاً للاستمرار في البحث والتجديد، محذراً في الوقت نفسه من أن يتحول النجاح إلى نمطية تحد من المغامرة الفنية.

وأوضح أن خصوصية العرض التونسية ظهرت من خلال أجساد الممثلين وإيقاعهم، والذاكرة الأدائية المرتبطة ببيئتهم، بينما انفتح الطرح الفكري والوسائطي على قضايا إنسانية تتجاوز الحدود.

وقال إن الانطلاق من المحلية لم يكن عائقاً أمام الوصول إلى العالمية؛ بل كان وسيلة للوصول إليها؛ لأن التجريب الحقيقي -من وجهة نظره- لا يلغي الهوية، وإنما يستثمرها في طرح أسئلة تتعلق بالإنسان المعاصر.