اندفاعة «العملاق» الصيني تؤرّق أميركا

مستقبل النظام الدولي تحدده شروط «التسوية» بين واشنطن وبكين

اندفاعة «العملاق» الصيني تؤرّق أميركا
TT

اندفاعة «العملاق» الصيني تؤرّق أميركا

اندفاعة «العملاق» الصيني تؤرّق أميركا

في الوقت الذي تشير فيه كل التقديرات إلى أن مستقبل العلاقات الدولية الجديدة سيكون مرهوناً بـ«التسوية» التي يمكن أن يتوصل إليها الجباران؛ الأميركي والصيني، لإعادة صياغة علاقاتهما المشتركة، يقفز على الفور تساؤل عن ماهية تلك التسوية التي ستقيم التوازن بين نظرتين مختلفتين لطبيعة النظام الدولي الجديد الذي سيحكم العالم. وبينما يريد الرئيس الأميركي جو بايدن أن يعيد تشكيل «تحالف الديمقراطيات»، تريد الصين أن تضع نفسها في موقع التحدي الرئيسي لنظام دولي تقوده الولايات المتحدة، والتأكيد على أن لديها تحالفاتها الخاصة التي تدعو إلى «ضرورة التوقف عن ربط الأجندة السياسية بمبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والالتزام بسيادة القانون، واستخدام هذه الأجندة ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى»، بحسب البيان المشترك الأخير عن لقاء وزيري خارجية الصين وروسيا.
صعود الصين إلى مرتبة «المنافس الاستراتيجي» للولايات المتحدة، فرض نقاشاً أميركياً محموماً، وإجراءات غير مسبوقة من البلدين، تدرّجت من فرض العقوبات المتبادلة، وصولاً إلى حد الدخول في حرب تجارية شاملة. إلا أن أصواتاً أميركية وازنة، يُعتقد أنها تجد آذاناً صاغية من قبل إدارة بايدن، تدعو إلى إعادة نظر عقلانية بطبيعة العلاقة التي يجب أن تصيغها واشنطن مع بكين، وذلك عبر تحديد نقاط القوة والضعف وكيفية استثمارها، إذا ما أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها الريادي.
يقول الدكتور هنري كيسنجر أحد كبار صانعي السياسة الخارجية الأميركية: «إن على الولايات المتحدة والغرب عموماً، التوصل إلى تفاهم مع الصين حول نظام عالمي جديد لضمان الاستقرار، وإلا سيواجه العالم فترة خطيرة، كالتي سبقت الحرب العالمية الأولى». ويضيف: «على الغرب أن يؤمن بنفسه، فالقوة الاقتصادية للصين لا تعني أنها ستتفوق تلقائياً في كل المجالات التكنولوجية خلال هذا القرن».
- الصعود الصيني لافت
قد لا يكون مطلوباً العودة إلى «سردية تاريخية» للعلاقات الأميركية الصينية، بقدر ما هو مطلوب تحديد عناصر التمايز بين القوتين، اللتين تهيمنان الآن على ما يقرب من نصف الإنتاج العالمي. غير أن معظم المحللين والباحثين، وكذلك الساسة الأميركيون، يدركون أن الصين تصعد في شتى المجالات، وحقاً تحولت إلى أكبر محرك للنمو الاقتصادي العالمي، سواء بالنسبة للتبادل التجاري أو في استقطاب وتوظيف الاستثمارات الأجنبية. وهي اليوم تستخدم «مبادرة الحزام والطريق» لتوسيع نفوذها في مختلف أرجاء العالم، وكان آخرها توقيع الاتفاق الاستراتيجي مع إيران؛ حيث تحاول ترجمة ثقلها الاقتصادي إلى قوة سياسية وعسكرية، للتأثير على محيطها الإقليمي، ومن ضمنه حلفاء الولايات المتحدة التاريخيين في المنطقة. ثم لأنها تسعى إلى تقديم نفسها كنموذج بديل، عبر المزج بين أقصى الانفتاح الاقتصادي، الذي يوصف بـ«الرأسمالية الاستبدادية المفترسة»، وأقصى الانغلاق السياسي «التوتاليتاري» الذي يركز السلطة وفق نمط «لينيني» لا يزال يؤمن لها الاستقرار السياسي. كما في ممارساتها القمعية تاريخ طويل، من قمع انتفاضة التيبت عام 1959 إلى قمع انتفاضة الطلاب في ساحة تيان آن من عام 1989. وإلى القمع الأخير للحركة الديمقراطية في هونغ كونغ، واضطهاد الأويغور المسلمين في سنكيانغ، ناهيك من تهديداتها لتايوان.
في هذه الأثناء أيضاً، يشيد الصينيون بنموذجهم هذا، ويحتفلون بأنهم استطاعوا هزيمة فيروس «كوفيد 19»، وإعادة فتح البلاد، بينما الولايات المتحدة ودول الغرب تكافح من أجل وقف تمدد الفيروس. وأعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني في الخريف الماضي، أن «الوقت والزخم في صالحنا»، فيما أعلن تشين ييشين أحد كبار المسؤولين الصينيين الأمنيين، في مؤتمر آخر للحزب، في يناير (كانون الثاني)، أن «صعود الشرق وانحدار الغرب غدا اتجاهاً يستحيل وقفه».
لكن هل صعود الصين يشكل خطراً داهماً على الولايات المتحدة؟ وهل «هلع» بعض صناع القرار الأميركيين له ما يبرره، أم أن سوء التقدير قد يقود إلى قرارات خاطئة قد تضاعف من الخسارة، بل تعرّض السلم العالمي لأخطار، يمكن تفاديها بعقلانية متنورة؟
- نقاط القوة والضعف
الأنظمة الاستبدادية تتفوق عادة في عرض قوتها وإخفاء نقاط ضعفها، وينبغي على صانعي السياسة في واشنطن أن يتمتعوا بالقدرة على تمييزها. لكن على الرغم من «العيوب» التي تتبدى في أمثلة كثيرة من المشكلات التي يعانيها «النموذج الأميركي»، ثمة من يعتقد أن الولايات المتحدة لا تزال هي القوة الكبرى في ميزان العلاقات مع الصين، وأن العيوب الصينية أكبر بكثير. فالتركيز على نقاط القوة لدى الصين من دون احتساب نقاط ضعفها قد يؤدي إلى حسابات خاطئة؛ خصوصاً في الميدان الأمني، وإلى المبالغة في ردود الفعل عبر قرارات سيئة قد تقوّض القدرة التنافسية للولايات المتحدة، ولا سيما إذا ترافقت مع ممارسات داخلية مثيرة للكراهية، على غرار ما شهدته أميركا من تحريض ضد «الفيروس الصيني»، ساهم في الهجمات العنصرية ضد الأميركيين الآسيويين.
ومن نافلة القول إن حساسية الصين تجاه النموذج الليبرالي «بنيوية» منذ ماو تسي تونغ. وعبّرت عن معارضتها لهذا النموذج في محطات عدة، منذ انشقاق تايوان، ووصولاً إلى أول انتخابات ديمقراطية تجريها سلطات تايبيه عام 1996، اعتبرتها بكين تهديداً آيديولوجياً وجودياً لنظامها. وكتب أخيراً يوان بينغ، رئيس المعاهد الصينية للعلاقات الدولية المعاصرة، وهي مؤسسة فكرية حكومية: «على واشنطن أن تخفض من نبرة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن تتكلم أكثر عن التعاون في الشؤون العالمية». ومن هذا المنظور، يمكن تفسير الهجمة الدبلوماسية الصينية الأخيرة، التي قادت وزير خارجيتها لعقد لقاءات محمومة مع كل من مسؤولي روسيا وتركيا وتوقيع اتفاق شراكة استراتيجية مع إيران.
ثم إنها سعت منذ انتخاب جو بايدن إلى منع واشنطن من تشكيل جبهة موحدة ضدها، ودعت إدارته لاستئناف التعاون بعد المواجهات خلال عهد دونالد ترمب. وأبرمت اتفاقيات تجارية واستثمارية، بما في ذلك اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، على أمل استبعاد الولايات المتحدة. لكن خططها لزيادة العلاقات مع أوروبا تعطلت بعدما ألغى البرلمان الأوروبي اجتماعاً كان من المقرر أن يناقش الاستثمار الجديد؛ حيث تواجه عقوبات أميركية وأوروبية، بعد التطور الذي طرأ على ملفي هونغ كونغ وأقلية الأويغور في سنكيانغ والتهديدات ضد تايوان.
- طموحات الصين بين الواقع والممكن
عبّرت الصين أيضاً عن طموحاتها بشكل واضح، فهي تسعى إلى تعديل ميزان القوة في النظام الدولي، وتغيير طبيعته الليبرالية، والنظام الأمني في آسيا، ودور المؤسسات الدولية وصلاحياتها، وفرض رقابة على التدفق الحر للمعلومات. وتريد أيضاً الاعتراف بنموذجها السياسي والاقتصادي الذي تقوده الدولة بقيادة الحزب الشيوعي، وترفض أي تحديات لإدارتها الداخلية. وتعتبر أن هدفها الوطني يتمثل في أن تصبح قوة رائدة في عدد متزايد من التقنيات المتقدمة، من الذكاء الاصطناعي إلى السيارات الكهربائية واستعمار الفضاء. ولكن، مع ذلك، فإن تزايد تصلب النظام السياسي، وتزايد تركز السلطة في بكين، ضيّق حيّز السياسات المحلية. وهو ما يترجم بتوجيه القرارات من أعلى الهرم إلى أسفله، الأمر الذي جعل من الصعب على المسؤولين مراجعة السياسات أو الإبلاغ عن الأخطاء. وهذا ما يعتقد أنه قد يكون وراء الاستجابة المبكرة السيئة وإخفاء المعلومات داخلياً وعن الخارج بعد تفشي «كوفيد - 19» في مدينة ووهان، وهذا إذا أردنا استبعاد أي فرضيات أخرى. كذلك، رغم نجاح النظام في تخفيف حدة الفقر، وترقي مزيد من الفئات الاجتماعية، فإن الميل الطبيعي عند تلك الفئات للمشاركة في السلطة بات يشكل قلقاً كبيراً للقادة الصينيين. في المقابل، تتمتع الولايات المتحدة بنظام قانوني شفاف وواضح، ونظام سياسي يسمح بالتصحيح الذاتي، وخير دليل للشفافية والتصحيح أحداث العنف العنصري التي اندلعت العام الماضي واقتحام مبنى الكابيتول والتحقيقات الجارية فيه.
عليه، كيف يمكن للصين تحقيق أهدافها، في ظل مجموعة ضخمة من التحديات ونقاط الضعف البنيوية، التي ستفرض عليها آجلاً أم عاجلاً، تقنين حدود مواجهتها مع الولايات المتحدة؟
بحسب مقالة جادة في مجلة «فورين أفيرز»، الصين معرضة لخطر التقدم في السن على أسس اقتصادية متدهورة تعيق النمو قبل أن تصبح غنية، وعدد سكانها في سن العمل آخذ في الانكماش بالفعل. وبحلول عام 2050، سيكون هناك عاملان لكل متقاعد، بدلاً من 8 عمال لكل متقاعد الآن.
كذلك تفتقر الصين إلى أماكن منتجة للاستثمار في البنية التحتية، وسيزيد ارتفاع مستويات الديون من تعقيد مسار نموها. ووفق دراسات متخصصة، تضاعفت في العقد الماضي وحده ديون الصين، من 141 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2008 إلى أكثر من 300 في المائة في 2019. وستعقّد الديون المتضخمة على الصين شقّ طريقها صعوداً من التصنيع المنخفض إلى القيمة العالية، والإنتاج المضاف، كما فعلت كوريا الجنوبية وتايوان بمستويات تنمية مماثلة.
ثم إن الصين معرضة للخطر في مجالي أمن الغذاء والطاقة. فهي تفتقر إلى ما يكفي من الأراضي الصالحة للزراعة لإطعام سكانها، وتستورد نصف نفطها تقريباً من الشرق الأوسط. وفي حال اندلاع أي نزاع، فإن البحرية الصينية لن تكون قادرة على منع قطع الإمدادات الحيوية عنها. ورغم عمل بكين على معالجة هذه المشكلة الأمنية، لا توجد في الأفق حلول سريعة أو سهلة لها.
أيضاً، تواجه الصين عقبات كبيرة لتحقيق طموحاتها الخارجية، في ظل تقديرات استراتيجية تشير إلى أن الجيش الصيني سيبقى مقيداً نسبياً في المدى المنظور في توسيع قدرته خارج محيط الصين المباشر. ويُرجح أن تواجه قيوداً متزايدة في الميزانية على مبادراتها الخارجية الضخمة خلال السنوات المقبلة، بينما تكافح مع اقتصاد يبرد، ومطالب متزايدة من مجتمع يشيخ.
في المقابل، تتمتع الولايات المتحدة باستقلالية تامة في توفير الطاقة والأمن الغذائي، مع تركيبة سكانية صحية نسبياً، ونظام تعليمي عالٍ هو الأفضل في العالم، وامتلاكها العملة الاحتياطية الأولى في العالم. ورغم محاولة الصين وروسيا العمل معاً على الحد من الاعتماد على الدولار الأميركي، وزيادة استخدام عملتيهما، الروبل واليوان، فمن المستحيل تغطية كل التجارة بين البلدين، وهما لن يتمكنا أبداً من إخراج الدولار من مكانته الأولى داخل شبكة الدفع العالمية، بحسب تشن يي جون عضو الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية. ويضيف تشن أن الاستقلال التام مستحيل، وبناء نظام تسوية دولية «سويفت» بديل هو عملية طويلة.
وبجانب ما سبق، الصين مطالبة بالمواءمة بين استخدام القوة والتأثير السياسي والاقتصادي على نطاق عالمي، وهي شروط تعريف «القوة العظمى»، هذا بينما تواجه محيطاً جغرافياً صعباً، ومزاجاً دولياً تصاعدت حدته بعد كارثة الجائحة. ووفقاً لاستطلاع أجراه مركز «بيو» في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وصلت وجهات النظر السلبية في الصين إلى مستويات تاريخية، ضمن مجموعة متنوعة من البلدان. ومقابل استفادة الولايات المتحدة من محيط جغرافي وحدود سلمية ملائمة، تحيط بالصين 14 دولة، 4 منها مسلحة نووياً، هي الهند وروسيا وباكستان وكوريا الشمالية. كما أن 5 دول «جارة» لديها نزاعات إقليمية لم تحل معها، هي الهند، واليابان، وروسيا، وكوريا الجنوبية، وفيتنام. ولدى غالبية هذه الدول طموحات سياسية وقومية وهويات وطنية لا تستسيغ التبعية لبكين أو لمصالحها. ثم إن للولايات المتحدة وجوداً عسكرياً دائم الانتشار في المنطقة، مدعوماً باتفاقيات وقواعد عسكرية تمكنها من الوصول إلى البلدان الواقعة على أطراف الصين. وتعتز الولايات المتحدة باقتصاد يخصص رأس المال بكفاءة، ويعمل تقليدياً على استقطاب الكفاءات العلمية في العالم. وتخطط إدارة بايدن لتخصيص ما يقارب 100 مليار دولار لدعم وتطوير وتشجيع الابتكارات العلمية، في سعي للعودة إلى تخصيص ما يعادل 2 في المائة من ميزانيتها للاستثمار في الثورة التكنولوجية الجديدة، كما كانت خلال مواجهتها للاتحاد السوفياتي، الأمر الذي مكّنها من الانتصار في «حربها الباردة» معه.
- نظرة تاريخية... إلى العلاقات بين العملاقين
> منذ نشأة الصين الحديثة بعد نجاح الثورة التي قادها زعيم الحزب الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ عام 1949، ساد القلق خياراتها السياسية والاقتصادية وعلاقاتها الخارجية. إذ اصطفت إلى جانب الاتحاد السوفياتي في الحرب الكورية ضد الولايات المتحدة عام 1950، لتدخل عام 1954 في أول توتر مباشر مع واشنطن ضد تايوان التي نزح إليها «الوطنيون» الصينيون بزعامة تشان كاي شيك مع جيشه. وحين قام الأخير باحتلال جزيرتي كيموي وماتسو، ردّت الصين بقصفهما، لتوقع واشنطن معاهدة دفاعية مشتركة مع تايوان عام 1955 ويهدد الرئيس الأميركي (آنذاك) دوايت أيزنهاور بكين باستخدام السلاح النووي ضدها.
ومع تنامي التوتر بين الصين والولايات المتحدة على خلفية حرب فيتنام، التي انحازت فيها الصين إلى جانب روسيا السوفياتية أيضاً، فجّرت بكين قنبلتها النووية الأولى عام 1964، ناشرة جنودها على طول الخط الحدودي مع فيتنام. لكن مع تعطش الصين للتنمية واختلافاتها في هذا المجال مع السوفيات، فيما عرف باسم «القفزة العظيمة للأمام»، فضلاً عن خلافاتهما الآيديولوجية والأمنية، سحب الاتحاد السوفياتي مستشاريه عام 1960. وبلغت الخلافات بين العملاقين الشيوعيين ذروتها في مناوشات حدودية في مارس (آذار) 1969. لتحل موسكو محل واشنطن كأكبر تهديد للصين، ويساهم الانقسام الصيني السوفياتي في تقارب بكين مع واشنطن. وتوّج هذا التقارب بزيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون لبكين عام 1972 بعد جهود قادها وزير الخارجية المخضرم هنري كيسنجر، وتتسلم الصين مقعدها الدائم في مجلس الأمن، ويسحب الاعتراف بتايوان.
ورغم إقامة الرئيس جيمي كارتر علاقات دبلوماسية كاملة مع «صين واحدة» عام 1979، حافظت واشنطن على علاقات خاصة ومميزة مع تايوان، جرى حمايتها بقوانين من الكونغرس، ومن بعدها بقانون خاص تحت إدارة رونالد ريغان. ووقّع ريغان عام 1982 على بيان مشترك ثالث مع بكين لتطبيع العلاقات، وقام عام 1984 بزيارة للعاصمة الصينية في ذروة مخاوف واشنطن من التوسع السوفياتي، وسمح للصين بشراء معدات عسكرية أميركية.
ورغم ذلك، شهدت العلاقات الأميركية الصينية مطبات عدة، على خلفية قمع انتفاضة الطلاب الذين طالبوا بإصلاحات ديمقراطية وإنهاء الفساد في ساحة تيان آن مين عام 1989. وقمع واعتقال عدد من المنشقين الصينيين، الذين رُحِّل عدد منهم إلى الولايات المتحدة. لكن الإدارات الأميركية حافظت على ما سماه بيل كلينتون سياسة «المشاركة البناءة» مع الصين. وهو نهج كان مدفوعاً جزئياً برهانات على إمكانية حدوث تحولات سياسية - تبين خطؤها لاحقاً - وبالاستثمارات الأميركية والغربية الضخمة التي وظفت في الصين، ما حوّلها تدريجاً إلى «مصنع العالم»، على ما يطلق عليها اليوم.
كلينتون وقّع على قانون العلاقات الأميركية الصينية عام 2000، ومنح بكين علاقات تجارية طبيعية دائمة مع الولايات المتحدة، ومهد الطريق أمام الصين للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001. وبين عامي 1980 و2004، ارتفع حجم التجارة الأميركية الصينية من 5 إلى 231 مليار دولار. وعام 2006 أزاحت الصين المكسيك كثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة بعد كندا. وعام 2008 تفوقت الصين على اليابان لتصبح أكبر حائز لسندات الخزانة الأميركية، بنحو 600 مليار دولار. وأصبح الاعتماد المتبادل المتزايد بين الاقتصادين الأميركي والصيني واضحاً، وهددت الأزمة المالية ذلك العام، الاقتصاد العالمي برمته، ما زاد من المخاوف بشأن الاختلالات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين. وعام 2010 حلّت الصين مكان اليابان، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بعدما بلغت قيمة اقتصادها 1.33 تريليون دولار، مقابل 1.28 تريليون دولار لليابان. واليوم تشير بعض التقديرات إلى أن الصين في طريقها لتجاوز الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، بحلول عام 2027. وفقاً لكبير الاقتصاديين في «غولدمان ساكس» جيم أونيل. وفي بداية عام 2011 قالت الصين إن إجمالي الناتج المحلي الإجمالي بلغ 5.88 تريليون دولار لعام 2010، مقابل 5.47 تريليون دولار لليابان. ورغم ذلك يمكن للولايات المتحدة أن تثق بقدرتها على التنافس مع الصين. فالاقتصاد الأميركي لا يزال أكبر بمقدار 7 تريليونات دولار من الاقتصاد الصيني.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.