أحزاب لبنانية تبدأ استعداداتها للسباق النيابي قبل عام على موعده

صعوبة تعتري صياغة مشاريعها الانتخابية

TT

أحزاب لبنانية تبدأ استعداداتها للسباق النيابي قبل عام على موعده

قبل نحو عام على موعد الانتخابات النيابية، بدأت معظم الأحزاب السياسية، كما مجموعات المجتمع المدني، الاستعداد للاستحقاق الذي يفترض أن يحصل قبل مايو (أيار) 2022، والذي يشكل تحدياً كبيراً، خصوصاً لقوى السلطة، بعد انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، والانهيار المالي والاقتصادي المتواصل. وفي الوقت الذي تتعامل فيه بعض الأحزاب مع العمل الانتخابي بصفته عملاً متواصلاً منذ لحظة انتهاء الانتخابات وصدور النتائج، تعمل أحزاب أخرى على تأهيل ماكيناتها قبل عام واحد أو أشهر من موعد الاستحقاق.
وباستثناء «الحزب التقدمي الاشتراكي»، تؤكد كل الأحزاب الرئيسية أنها بدأت العمل الحزبي على أساس أن الاستحقاق حاصل في موعده، على الرغم من كل ما يشاع عن توجه لتأجيل للانتخابات النيابية، كما تلك الرئاسية عام 2022.
ويقر النائب في «الحزب التقدمي الاشتراكي»، بلال عبد الله، بأن حزبه لم يبدأ بالتحضير للانتخابات، لافتاً إلى أن الحزبيين وأجهزة الحزب مستنفرة لمساعدة الناس، ودعم صمودهم بوجه «كورونا»، كما بوجه الأوضاع الصعبة اقتصادياً واجتماعياً.
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حتى الساعة، لا إشارة باتجاه التحضير للانتخابات، وأعتقد أن من يعمل على الانتخابات يعيش في عالم آخر، في ضوء أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه فلن يبقى هناك بلد، ولن ينفع وزير أو نائب، بالزائد أو الناقص».
وفي المقابل، يؤكد النائب في «التيار الوطني الحر»، أسعد درغام، أن العمل الحزبي بدأ على أساس أن الانتخابات حاصلة في موعدها «ونحن نستعد لها على هذا الأساس، على أن تكون المرحلة الأولى هي للانتخابات التمهيدية الداخلية التي تفرز المرشحين الحزبيين، علماً بأننا نعمل على تحديث آلية هذه الانتخابات التي قد لا تتأخر كثيراً».
أما التحضيرات العملانية للانتخابات فلم تبدأ بعد على مستوى «التيار الوطني الحر»، والتحضير لها، بحسب ما يقوله درغام لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً: «أعتقد أنه من المبكر الحديث عن العناوين التي سنخوض على أساسها الاستحقاق، من منطلق أنها تُحسم تبعاً للظروف القائمة قبل أشهر من موعد الاستحقاق. فبعد ما مر به لبنان من أزمات اقتصادية ومالية، وبعد احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) في 2019، يجب على كل الأحزاب أن تعيد صياغة خطابها ومشروعها».
وعلى مستوى الأحزاب المسيحية أيضاً، يشير رئيس جهاز الإعلام في «القوات اللبنانية»، شارل جبور، إلى أن حزبه دائماً في حالة استنفار للتحضير لهذا الاستحقاق، من منطلق أن «الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة للتغيير في زمن السلم»، موضحاً أنه «مع انتهاء انتخابات 2018، وضعنا خطة التحضير للانتخابات المقبلة، وانطلقنا فوراً بإعادة النظر بكل تركيبتها لرؤيتنا أن ذلك ضروري طبيعي، وقد انصرفنا لتحديد الثغرات التي واجهتنا في الانتخابات الماضية، وتمت معالجتها». ويضيف جبور لـ«الشرق الأوسط»: «عندما ندعو لانتخابات نيابية مبكرة، لا شك أن لدينا كامل الجهوزية لخوضها. أما العنوان الانتخابي والتحالفات فهي أمور من المبكر حسمها، وإن كان محسوماً أن تحالفاتنا ستكون كما كانت دائماً متجانسة، كوننا لا نعتمد التحالفات الانتخابية، إنما التحالفات السياسية».
وتشبه إلى حد كبير مقاربة «القوات» للملف الانتخابي مقاربة تيار «المستقبل»، حيث يؤكد منسق عام الانتخابات في التيار، فادي سعد، أنهم لا يتوقفون يوماً عن الاستعداد للانتخابات النيابية، موضحاً أنه «عمل دائم، ولذلك نحن جاهزون للانتخابات، ونحضر لها على أساس القانون الانتخابي الذي جرت على أساسه الانتخابات الماضية، وإن كنا لا نزال نتمنى حصول انتخابات مبكرة، نحن جاهزون لخوضها أيضاً».
ويشير سعد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هناك بعض القوى تتمنى -وتعمل على- ألا تحصل الانتخابات، خوفاً من تراجع شعبيتها. أما نحن فنتمسك بها أياً كانت النتائج التي تظهرها الاستطلاعات لأن الاستحقاق النيابي مدخل أساسي لإعادة إنتاج السلطة، وحق للناس لكي يحاسبوا من انتخبوهم»، مضيفاً: «أما مشروعنا الانتخابي فواضح، لجهة الدفاع عن الدولة ومؤسساتها وتقويتها، كذلك فإن خطتنا الاقتصادية موجودة، تماماً كما المشاريع الإصلاحية، على أن تتضح كل معالمها بعد تشكيل الحكومة».
وعلى ضفة «الثنائي الشيعي»، المتمثل في «حزب الله» وحركة «أمل»، فقد انطلق، بحسب مصادر «الثنائي»، منذ شهر تقريباً العمل الداخلي الحزبي في حركة «أمل» «وتمت تسمية شخصية مركزية لكل منطقة، تقوم في مرحلة مقبلة بتشكيل فريق عمل، استعداداً لإطلاق التحرك الفعلي على الأرض». ويُدرك «الثنائي»، بحسب مصادره، أنه لن يحقق ما يطمح له لجهة قانون انتخاب نسبي على أساس لبنان دائرة واحدة، لذلك يستعد للانتخابات على أساس القانون الحالي. ويرجح المصدر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» حصول الانتخابات النيابية في موعدها «مع توجه لتأجيل الانتخابات البلدية، لعدم القدرة، سواء مالياً أو لوجيستياً، على إجراء الاستحقاقين اللذين لا يفصل بينهما إلا أسابيع».
ويشير المصدر إلى أن «الاتفاق على موضوع الانتخابات بين (أمل) و(حزب الله) قائم مستمر، وأنه يتم إطلاق عمليات التنسيق على الأرض قبل نحو 6 أشهر من موعد الاستحقاق الذي ندرك أنه سيشكل تحدياً لكل الأحزاب التي لم تتمكن حتى الساعة، ونحن منها، من حسم الخطاب الذي ستطل به على الناس».
ويضيف المصدر: «الانتخابات المقبلة ستكون فريدة من نوعها، وستشكل تحدياً حقيقياً حتى بالنسبة إلينا (الثنائي الشيعي)، في ظل التحركات الكبيرة لمجموعات المجتمع المدني والـNGOS. ففي نهاية المطاف، هناك جمهور ملتزم حزبياً لا يتأثر بكل ما يجري، لكن القسم الأكبر غير ملتزم، وبالتالي هنا يقع التحدي الأساسي، بدفع هؤلاء للتصويت لصالحنا».
وإذا كانت أحزاب السلطة تجد صعوبة في صياغة برنامجها الانتخابي، وتتعاطى مع الاستحقاق المقبل بصفته أحد أصعب الاستحقاقات التي خاضتها منذ سنوات، فإن أحزاب المعارضة ومجموعات المجتمع المدني تبدو متحمسة مرتاحة لما قد تكون عليه نتائج الانتخابات.
وفي هذا المجال، يكشف أمين عام حزب «الكتائب»، سيرج داغر، أنه «منذ مطلع شهر مارس (آذار)، أطلق الحزب ورشات انتخابية على الصعد كافة: ورشة لاختيار المندوبين وتدريبهم، وورشة للعمل على البرنامج الانتخابي، وورشة للتنظيم والعمل اللوجيستي، وورشة لدراسة التحالفات الانتخابية. ويترافق كل ذلك مع استطلاعات رأي لتحديد أولويات الناس، لأخذها بعين الاعتبار في برنامجنا الانتخابي، علماً بأننا فتحنا النقاش مع كل قوى التغيير، ونطمح إلى أكبر تحالف عابر للمناطق والطوائف».
ويقول داغر لـ«الشرق الأوسط»: «نتعاطى مع حصول الانتخابات في موعدها على اعتباره مسألة حياة أو موت، على أن نواجه أي محاولة للتأجيل بكل الوسائل، فإذا كانت الانتخابات المبكرة مطلباً بالنسبة لنا، فالانتخابات النيابية حق مكتسب للناس، وأي قفز فوقه يعني حرمان الشعب من التعبير عن رأيه».



رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
TT

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الجمعة، عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وذلك في زيارة هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

تأتي الزيارة إلى لاسعانود، العاصمة الإدارية لمحافظة صول، في خِضم توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، على خلفية اعتراف إسرائيل مؤخراً باستقلال جمهورية أرض الصومال المعلَنة من جانب واحد، وهو ما أثار حفيظة مقديشو.

وحضر محمود في لاسعانود مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته لاسعانود لحضور مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

كانت جمهورية أرض الصومال الانفصالية تسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواتها اضطرت للانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو، خلّفت عشرات القتلى.

وقالت الرئاسة الصومالية إن زيارة محمود ترمز إلى تعزيز الوحدة والجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لتكريس وحدة أراضي الدولة الصومالية وشعبها.

وسارعت جمهورية أرض الصومال للرد، إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي أرض الصومال، مشدّداً على وجود تصميم على حل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية.

وشدّد على أن الاعتراف بأرض الصومال أصبح، الآن، «واقعاً»، وعَدَّ أن «أحداً لا يمكنه تغيير ذلك».

Your Premium trial has ended


انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.