العمل عن بُعد جاء ليبقى

شركات أميركية تخلت عن مكاتبها وأخرى قررت السماح بالعمل في مقرها بالتناوب

TT

العمل عن بُعد جاء ليبقى

يشغل مقر شركة «سبوتيفاي» في الولايات المتحدة الأميركية 16 طابقاً من مبنى رقم 4 بمركز التجارة العالمي، وهو مبنى إداري مرتفع في منطقة لوار منهاتن. ومن المرجح أن تظل مكاتب الشركة شاغرة للأبد، حيث أبلغت موظفيها بأنهم يستطيعون العمل من أي مكان حتى لو كان ذلك في ولاية أخرى. كذلك تعتزم شركة «ميديا ماث»، التي مقرها في نفس المبنى وتعمل في مجال الإعلان والتكنولوجيا، التخلي عن مكاتبها، وهو قرار دعمته الترتيبات الجديدة الخاصة بالعمل عن بُعد التي بدأ العمل بها أثناء فترة انتشار الوباء.
أما في وسط منهاتن، فتعتزم شركة «سيلزفورس»، التي يزين اسمها مبنى ارتفاعه 630 قدماً يطل على متنزه «براينت بارك»، السماح بوجود موظفيها في المكتب لفترة تتراوح من يوم واحد إلى ثلاثة أيام فقط أسبوعياً. كذلك تنظر شركة محاماة قريبة هي «لوينستين ساندلر» فيما إذا كانت ستجدد عقد إيجار مكتبها في «أفينيو أوف ذا أميركاز»، حيث اعتاد محاموها البالغ عددهم 140 العمل لمدة خمسة أيام أسبوعياً. ويقول جوزيف باليرمو، رئيس التشغيل بالشركة: «قليلون، وأنا من بينهم، هم من يعتقدون أننا سنعود إلى سابق عهدنا». بعد مرور عام على تسبب فيروس «كورونا» في مغادرة العاملين بشكل استثنائي للمباني الإدارية، ما بدا أنه وضع استثنائي غير ملائم مؤقت، بات الآن جلياً أنه أصبح تحولاً دائماً بنيوياً في مكان العمل وكيفية القيام به. لقد استمتع أصحاب الأعمال والموظفون على حد سواء بمزايا العمل عن بُعد بما في ذلك انخفاض تكاليف العمل في المكاتب، وإتاحة قدر أكبر من المرونة للموظفين، خاصة ممن لديهم أسر.
على الجانب الآخر، لم تشهد بعض المدن الكبرى خارج نيويورك عودة ملحوظة للموظفين، حتى في المناطق التي كانت قرارات الإغلاق الحكومية بها أقل صرامة؛ وأعلنت بعض الشركات أنها لن تسمح بعودة الموظفين بالكامل للعمل طوال الوقت كما كان في السابق.
وقد صرحت شركات كبرى من بينها «فورد» في ولاية ميشيغان، و«تارغت» في ولاية مينيسوتا خلال الأسابيع القليلة الماضية بأنها ستتخلى عن جزء كبير من مساحتها الإدارية بسبب تغير الممارسات الخاصة بأماكن العمل، في حين صرحت شركة «سيلزفورس»، التي يشغل مقرها أطول مبنى في سان فرانسيسكو، بأن عدداً قليلاً جداً من موظفيها هم مَن سيعملون بدوام كامل في المكتب.
مع ذلك لا ينبغي أن تعول أي مدينة في الولايات المتحدة الأميركية، وربما في العالم أجمع، على هذا التحول أو تضعه في الاعتبار سوى نيويورك، وتحديداً منهاتن، وهي جزيرة استطاع اقتصادها الصمود بدرجة كبيرة، من بائع النقانق إلى مسارح برودواي، في ظل حركة ما يزيد على 1.6 مليون شخص يومياً.
لقد دخل أصحاب المباني التجارية في منهاتن عام 2020 وهم مفعمون بالتفاؤل في ظل وجود طلب ثابت مستمر على المساحات الإدارية، وارتفاع أسعار المعروض من المساحات في بعض الأحياء، وحدوث أكبر حركة ازدهار في البناء منذ الثمانينيات، لكن انهار كل ذلك بين عشية وضحاها، حيث وجد أصحاب العقارات أنفسهم فجأة يلاحقون المستأجرين لتقاضي الإيجارات المستحقة، والتفاوض مع المستأجرين على خطط لسداد المستحقات، ويعرضون تخفيضات كبيرة من أجل شغل المساحات الشاغرة.
ويطالب العمدة بيل دي بلازيو بعودة موظفي المجلس المحلي البالغ عددهم نحو 80 ألفاً في بداية مايو (أيار)، في إشارة إلى الموظفين الآخرين بأن العودة إلى مباني نيويورك أمر أساسي وضروري من أجل تعافي الاقتصاد. مع ذلك يعمل نحو 90 في المائة من الموظفين في مكاتب منهاتن عن بُعد، وهو معدل ظل ثابتاً لأشهر، بحسب مسح أجرته مؤسسة «بارتنرشيب فور نيويورك سيتي» مؤخراً عن أصحاب الأعمال البارزين، والتي تشير تقديراتها إلى عودة أقل من نصف العاملين إلى المكاتب بحلول سبتمبر (أيلول).
ومع تزايد عدد الشركات التي تؤجل موعد عودة الموظفين إلى المكاتب، وتجعل عمل بعض الموظفين على الأقل عن بُعد سياسة دائمة، قد تكون العواقب التي ستواجهها نيويورك واسعة النطاق، بحيث تتجاوز المطاعم والمقاهي وغيرها من الأعمال الصغيرة بها، لتشمل عائدات المجلس المحلي التي تعتمد كثيراً على العقارات التجارية.
تؤدي سارة باتيلوس، وهي واحدة من أعضاء فريق «سبوتيفاي» الموسيقي، عملها على منضدة عشاء في تروكي بكاليفورنيا، وهي بلدة جبلية تقع بالقرب من بحيرة تاهو، قضت بها أكثر أيام العام الماضي بعد سفرها إلى هناك في رحلة قصيرة خلال شهر مارس (آذار) 2020، حيث علقت هناك بسبب قرارات الإغلاق التي فرضتها الحكومة. وتقول سارة التي كانت تعيش في بروكلين: «أحب الوجود في المدينة، لكن المرء يفكر في حياته، والتجارب التي يرغب في معايشتها، أو المراحل المختلفة التي يريد المرور بها. الوضع مختلف كثيراً حالياً؛ إن هذا يُحدث تحولاً كبيراً في الحياة».
لطالما جعلت المباني الإدارية، التي تصطف في شوارع منهاتن، من نيويورك مركزاً عالمياً وعاصمة للعديد من الصناعات، من مجال الإعلانات إلى مجال المال والأعمال.
وقد أبلغت بعض الشركات الكبرى وأكثرها استقراراً وقوة، من بينها «جي بي مورغان تشيز أند كامبني»، التي يعمل بها ما يزيد على 20 ألف موظف في المدينة، موظفيها بأن العمل طوال أيام الأسبوع قد بات من الماضي. وينظر المصرف، الذي رفض التعليق من أجل هذا المقال، في تطبيق نموذج عمل عقلاني، مما يعني عمل الموظفين عن بُعد ومن داخل المكتب بالتناوب. وقال دانييل بينتو، أحد رؤساء «جيه بي مورغان» ورئيس التشغيل في مقابلة على «سي إن بي سي» خلال شهر فبراير (شباط): «أعتقد أنه لا يوجد أي احتمال لعودة الموظفين إلى المكاتب بالكامل بدوام كامل».
كذلك تسبب فقدان العاملين في انخفاض القيمة السوقية للعقارات التجارية، التي تشمل المباني الإدارية، بنسبة 16 في المائة تقريباً أثناء انتشار الوباء، ما أدى إلى انخفاض حاد في عائدات الضرائب التي تمول خدمات ضرورية بالمدينة من المدارس إلى الصرف الصحي.
وقد دفع الانخفاض الحاد العاملين في مجال التطوير العقاري إلى الاحتشاد وراء فكرة بدت بعيدة كل البعد عن الخاطر قبل ظهور الوباء، وهي تحويل المباني الإدارية البائسة في منهاتن إلى مساكن منخفضة الدخل. ويُعزى هذا المعدل الكبير لخلو المباني إلى اكتشاف عدد كبير من الشركات في جميع المجالات تقريباً من الإعلام إلى الأزياء مزايا العمل عن بُعد.
إلى جانب توفير التكاليف عند تشغيل مكتب على نطاق محدود، أو الاستغناء عنه تماماً، سمحت التكنولوجيا الحديثة والاتصالات للعاملين بالاتصال والتعاون عن بُعد، مع تحقيق قدر أكبر من الإنتاجية دون الاضطرار إلى الانتقال المضني إلى أماكن العمل في ظل مطالبة الآباء بالمزيد من المرونة للتمكن من رعاية أبنائهم. ويقول ألكسندر ويستردال، نائب رئيس الموارد البشرية في «سبوتيفاي» العملاقة في مجال الموسيقى ومقرها ستوكهولم ويعمل بها أكثر من 6.500 موظف في مختلف أنحاء العالم: «نعتقد أننا مقبلون على تغير جديد، وهو (العصر الموزع) حيث يستطيع الناس التمتع بقيمة أكبر في طريقة العمل التي لن يمثل فيها مكان قضاء الوقت أمراً مهماً».
لا تخطط «سبوتيفاي» حتى هذه اللحظة للحد من وجودها على الأرض في نيويورك، لكن الشركة أبلغت موظفيها في الولايات المتحدة الأميركية، الذين يعمل 2100 منهم في مكتب منهاتن، بأنه بداية من فبراير سوف يعملون من أي مكان يريدونه. وتحفز العولمة والتحول الرقمي حدوث هذا التغير، حيث يضيف ويستردال قائلاً: «باتت وسائلنا أفضل كثيراً في تحقيق إمكانية عمل الناس من أي مكان يريدونه».
خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
TT

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وحصد «معركة بعد أخرى» 6 جوائز، أهمها جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج لبول توماس أندرسن.

ودخلت السياسة بقوة على الخط نظراً لتزامن الحفل مع أصوات المعارك الضارية في المنطقة العربية.

وقال يواكيم تراير، مخرج «قيمة عاطفية» الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وهو يتسلم جائزته: «لدي ولدان، وعندما أشاهد ما يحدث لأطفال غزة وأوكرانيا والسودان أبكي أنا وزوجتي».

وقبله وقف الممثل الإسباني خافيير باردِم (الذي قدّم الجائزة لتراير) ليقول: «لا للحرب، وفلسطين حرّة». (تفاصيل ص 22)


«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)

بعد الإعلان عن جوائز «الأوسكار»، الأحد، وفوز الفيلم النرويجي الاجتماعي الكوميدي «قيمة عاطفية» بجائزة أفضل فيلم أجنبي، وخسارة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» المنافسة، بوصفه الفيلم العربي الوحيد الذي خاض تصفيات أشهر مسابقة عالمياً، ظهرت تساؤلات عن سبب خسارة الفيلم الذي يتناول واقعة حقيقية خلال «حرب غزة» تمثل مأساة إنسانية، ما بين من اعتبروا الجائزة قد تحمل أبعاداً سياسية، خصوصاً مع رفض مخرجة الفيلم تسلم جائزة سابقاً في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي، وبين من رأوا الجائزة تحتكم للمعايير الفنية.

ودعم هذه التساؤلات تعليقات «سوشيالية» حول عدم فوز الفيلم التونسي، خصوصاً مع إعلان كوثر بن هنية في لقاء متلفز خلال حفل «الأوسكار» أن بطل فيلمها الفلسطيني لم يتمكن من الحضور بسبب قرار الرئيس ترمب منع منح تأشيرات للفلسطينيين.

وتناول فيلم «صوت هند رجب» محاولة إنقاذ الطفلة الفلسطينية هند رجب التي تبلغ من العمر 6 سنوات، وظلت لفترة عالقة داخل سيارة بها جثث أهلها الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية، وقضت الطفلة خلال أحداث الحرب على غزة عام 2024. والفيلم يمزج بين الوثائقي والدرامي عبر التسجيلات الحقيقية لصوت هند رجب وهي تتحدث إلى مسؤولي الإسعاف الفلسطينيين الذين يحاولون إنقاذها. وشارك في بطولة الفيلم سجى كيلاني، ومعتز ملحيس، وعامر حليحل، وكلارا خوري. وشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، وحاز العديد من الجوائز والإشادات النقدية، بل رفضت مخرجته كوثر بن هنية جائزة «السينما من أجل السلام» في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي سابق صوّر الحرب على غزة باعتبارها دفاعاً عن النفس.

جانب من حفل جوائز «الأوسكار» (أ.ب)

واستبعد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن يكون عدم فوز «صوت هند رجب» بـ«الأوسكار» لأسباب سياسية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حفل (الأوسكار) نفسه شهد العديد من مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية، فهناك أكثر من فنان عبروا عن ذلك بشكل معلن، ولكن المعيار هنا فني بالدرجة الأولى».

وتابع الشناوي: «أرى أن (قيمة عاطفية) فيلم جدير بالجائزة، وهذا لا يعني الطعن أو التقليل من فيلم (صوت هند رجب)؛ فقد حصل هذا الفيلم على (الأسد الفضي) في (فينيسيا) في يوليو (تموز) الماضي، وقوبل بحفاوة كبيرة، وحصد جوائز عديدة من المهرجانات، ووصل إلى قائمة الأفلام الخمسة المرشحة لـ(أوسكار)، وكان من بين هذه الأفلام أيضاً الفيلم الإيراني (حادث بسيط)، ولو كان هناك تدخل للسياسة في الجائزة لكان من (الأبدى) حصول الفيلم الإيراني على الجائزة».

ووصف الشناوي الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» بأنه «يستحق الجائزة فنياً»، مستبعداً ربط القيمة الفنية بمفردات اللحظة الراهنة، وقال: «إذا اعتبرنا فيلم (صوت هند رجب)، أو أي فيلم آخر، خسر لأسباب سياسية، فهذا يضعنا في ورطة، وهي أنه يمكن الادعاء بفوز أي فيلم آخر لنا يكون لأسباب سياسية أيضاً، وهذا أمر أستبعده وأرفضه من حسابات صناعة السينما»، مؤكداً جدارة الفيلم النرويجي دون التقليل أبداً من قيمة الفيلم التونسي الذي حظي بحفاوة كبيرة يستحقها.

وكانت منافسات «الأوسكار» هذا العام في الدورة 98 شهدت حضور 4 أفلام عربية في القائمة الأولية هي أفلام: «اللي باقي منك» للمخرجة الأميركية - الأردنية من أصل فلسطيني شيرين دعيبس، و«فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، و«كعكة الرئيس» للمخرج العراقي حسن هادي،

وفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات.

وهي المرة الثالثة التي يشارك فيها عمل من إخراج كوثر بن هنية في منافسات الفيلم الأجنبي على «الأوسكار» بعد فيلمَي «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».


نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
TT

نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)

تشكل إطلالة الممثل نزيه يوسف بشخصية «عمر» في مسلسل «المحافظة 15» عودة لافتة إلى الساحة الفنية بعد فترة غياب. وقد أتاح له العمل مساحة درامية أوسع مما حظي به في أعماله السابقة. ومن خلال شخصية متعددة الاتجاهات، كما يصفها لـ«الشرق الأوسط»، نجح في إقناع المشاهد وأثبت قدرته على أداء الأدوار الجادة والملتزمة. ورغم اشتهاره بتقديم الأدوار الكوميدية ومشاركته في أعمال درامية ومسرحية عدة، فإن تلك التجارب لم تمنحه الفرص التي تبرز كامل قدراته.

يقدّم يوسف دوره بمرونة وعفوية، مستفيداً من حرفيته لإقناع المشاهد بوفائه المتفاني لمديرته النائبة «منية» (كارين رزق الله). وقد أثار هذا الارتباط تساؤلات كثيرة لدى الجمهور في طبيعة علاقته بها، خصوصاً مع تطور الأحداث واقتراب العمل من حلقاته الأخيرة، حيث يُتوقع أن تنكشف حقيقة الشخصية ويسقط القناع عن وجهها البريء.

عن مشاركته في «المحافظة 15»، يؤكد أنه وافق سريعاً على الدور فور تلقيه اتصالاً من المخرج مكرم الريس. ويقول: «عندما تواصل معي مكتب المنتج مروان حداد وشرحوا لي تفاصيل العمل، لم أتردد لحظة. أعتقد أن هذا الاتفاق كان الأسرع في مسيرتي التمثيلية. فمجرد أن عرفت أن النص من كتابة كارين رزق الله والإخراج لسمير حبشي، أدركت أن العرض لا يمكن تفويته».

في كواليس تصوير «المحافظة 15» (نزيه يوسف)

ويشير إلى أنه عادةً ما يتأنى في دراسة العروض التي تُقدم له، فيدقق في تفاصيل الدور والأجر وطبيعة العمل قبل اتخاذ قراره. إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة، إذ لم يشغل نفسه بكل تلك التفاصيل، ويقول إن قراءته للنص جعلته يتعلق به سريعاً، مؤكداً أن حدسه في الموافقة السريعة كان في مكانه.

وعن عودة الثنائية بين بطلي العمل يورغو شلهوب وكارين رزق الله، يعلّق قائلاً: «قبل الحديث عن هذه الثنائية الناجحة، لا بد من الإشادة بأجواء العمل ككل. فقد كان الفريق متجانساً ويسعى إلى إنجاح المسلسل بكل ما يملك. كنا أشبه بعائلة صغيرة تجمعها غاية واحدة، وهو ما انعكس إيجاباً على العمل».

ويضيف: «أما ثنائية يورغو وكارين فهي حكاية بحد ذاتها. كان الجمهور ينتظر عودتهما بفارغ الصبر. يورغو يتمتع بسحر خاص في الأداء يجعل المشاهد أسيراً لجاذبيته، فيما تقدم كارين أداءً صادقاً ومحترفاً، ما يصنع بينهما تناغماً واضحاً يحفّز المشاهد على متابعتهما دون ملل».

وقد أتاحت شخصية «عمر» لنزيه يوسف إبراز جانب مهم من موهبته التمثيلية، إذ لا يزال يحتفظ بطاقة فنية وشغف واضحين، ويأمل أن تفتح له هذه المشاركة أبواباً جديدة لإظهار قدراته على نطاق أوسع.

نزيه يوسف خريج معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وشارك في أعمال تلفزيونية بارزة لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهد اللبناني، من بينها «مرتي وأنا»، و«عيلة ع فرد ميلة»، إضافة إلى «أماليا»، و«جوليا»، و«الكاتب». كما يمتلك تجربة سينمائية مهمة بعد مشاركته في عدد من الأفلام اللبنانية مثل «رصاصة طايشة»، و«مدام بامبينو»، و«حبّة لولو»، و«عطلة نهاية الأسبوع». أما على المسرح فقد شارك في أعمال يعتز بها، منها «آخر أيام سقراط»، و«أبو الطيب المتنبي» مع الرحابنة.

ويصف يوسف قصة العمل بأنها جديدة، عولجت بأسلوب ذكي رغم صعوبتها، إذ تتخللها محاذير حساسة.

وعن اعتباره الدور فرصة طال انتظارها، يقول: «لا شك أن مساحة الدور وطبيعته تختلفان عما قدمته سابقاً. فالشخصية تحتمل تأويلات متعددة وتفتح المجال أمام مفترقات درامية عدة، لأنها غنية بطبقاتها. والأهم أنها شخصية محورية في بناء العمل وحبكته».

مع كارين رزق الله وتربطه بها علاقة مهنية طويلة (نزيه يوسف)

ويضيف: «المسلسل يطرح أبعاداً اجتماعية ووطنية، ويسعى إلى إبراز العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني بالصورة التي طالما تمنيناها. كانت تجربة مميزة وتستحق الجهد الذي بذلناه كفريق عمل».

ولا يرى يوسف أن ما كتبته كارين رزق الله مجرد قصة جريئة، بل يراها معالجة دقيقة لموضوع حساس، ويوضح: «استوحت كارين الحكاية من حادثة حقيقية في عائلتها، إذ اختفى ابن خالتها قبل 28 عاماً أثناء رحلة غطس في البحر. ومن هذه الحادثة بنت المسلسل وأضافت إليها أبعاداً درامية أخرى».

ويتابع: «حرصت المؤلفة أيضاً على إدخال تفاصيل إنسانية صغيرة لكنها مؤثرة، تلامس مشاعر المشاهد. كما تطرقت إلى قضايا عدة، منها الأزمة الاقتصادية في لبنان، والحرب، وإسقاط النظام السوري، إضافة إلى موضوعات اجتماعية مثل الوحدة وأحلام الشباب وتأثير أخطاء الأهل في الأبناء، ما جعل الحبكة متماسكة وغنية».

وقد لاقت شخصية «عمر» ترحيباً لدى الجمهور، الذي تأثر بوفائه وصدقه تجاه شخصية «منية». وعن تحضيره للدور يقول: «شعرت في البداية بالخوف من حجم المسؤولية، فالشخصية تتولى منصباً سياسياً حساساً يتطلب دقة في الأداء. وبما أن الكوميديا طبعت جزءاً كبيراً من مسيرتي، كنت حريصاً على ألا ينعكس ذلك على الشخصية. حتى إن المخرج كان متخوفاً من هذا الأمر».

ويضيف: «لذلك حضّرت للدور بجدية كبيرة، وكنت ألتزم بالنصيحة التي كررها المخرج لي دائماً: تذكّر أنك تؤدي شخصية جدية. وكنت أكرر لنفسي دائماً: أنا عمر».

ويتوقع كثير من المشاهدين أن يحمل المسلسل نهاية تراجيدية، وفق مسار الأحداث وتطوراتها.

ويختم نزيه يوسف قائلاً: «لا أستطيع الكشف عما ستؤول إليه النهاية. لكن أحياناً تحمل الأحداث التراجيدية جوانب إيجابية. لذلك أدعو الجمهور إلى متابعة العمل حتى النهاية لاكتشاف المفاجأة المنتظرة».

Your Premium trial has ended