نيودلهي حجر ثقل أساسي في استراتيجية واشنطن بوجه بكين

من المصالح الدفاعية والجيوسياسية... إلى الحسابات الاقتصادية والتعاون العلمي والتقني

نيودلهي حجر ثقل أساسي في استراتيجية واشنطن بوجه بكين
TT

نيودلهي حجر ثقل أساسي في استراتيجية واشنطن بوجه بكين

نيودلهي حجر ثقل أساسي في استراتيجية واشنطن بوجه بكين

أطلق الرئيس الأميركي جو بايدن العديد من النشاطات الدبلوماسية خلال مارس (آذار)، علماً بأنه بحلول الوقت الراهن، يكون قد مر شهران على توليه الرئاسة. وخلال الأسبوع الماضي، بعث بايدن بوزير دفاعه، لويد أوستن، في جولة عبر عدد من الدول الآسيوية من بينها الهند. وقبل ذلك، قرر عقد أول قمة دولية رفيعة المستوى للدول الأعضاء في «الحوار الأمني الرباعي»، المعروف اختصاراً باسم «كواد»، وذلك في أول فعالية كبرى له على صعيد السياسات الخارجية منذ توليه الرئاسة، وكان رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، مشاركاً في الحدث.
التساؤل هنا: هل تُولي الولايات المتحدة أهمية خاصة للهند؟ وهل تعبر زيارة أوستن للهند في قلب جائحة فيروس «كوفيد - 19» عن مدى قوة التزام واشنطن بروابطها مع نيو دلهي، مع ملاحظة أن الهند تعد الدولة الوحيدة التي يتفق بخصوصها الديمقراطيون والجمهوريون، بل يتنافس الحزبان على أيهما يظهر أنه شريكها الأفضل. ولا يخفى أن وراء اهتمام صانعي السياسات في واشنطن بإمكانية بناء شراكة استراتيجية مع الهند، تزايد التنافس الأميركي - الصيني، وقدرة الهند، بالتالي، على المساهمة في تعزيز الموقف الأميركي.
تعمّقت العلاقات بين الهند والولايات المتحدة على امتداد العقدين الماضيين لتتحول إلى شراكة استراتيجية قوية على ثلاثة أصعدة: الاقتصاد والدفاع/الصعيد العسكري والقيّم. ويعني التنافس بين الولايات المتحدة والصين، أن الولايات المتحدة تودّ أن يقف حلفاؤها وشركاؤها معها في وجه الصعود الصيني، وتحمل الهند على وجه التحديد أهمية حيوية على هذا الصعيد. وتتمثل الاستراتيجية الواضحة في تعزيز التحالفات والشراكات على جبهة الهند - المحيط الهادي. والمؤكد أن ما ستقرره الهند والولايات المتحدة سيترك تأثيرات على مجمل منطقة جنوب آسيا ومنطقة الحوضي المحيطين الهندي والهادي.
- الروابط الدفاعية المتنامية
تنامت التجارة الدفاعية بين الهند والولايات المتحدة من حيث الحجم خلال السنوات الـ12 الماضية؛ ذلك أنها انتقلت من مستوى الصفر تقريباً عام 2008 إلى 20 مليار دولار عام 2020. ويأتي هذا في إطار جهود الهند لتنويع مصادر مشترياتها الدفاعية. اليوم، تشتري الهند أسلحة من إسرائيل وفرنسا والولايات المتحدة بكميات ضخمة. وبجانب «الحوار الأمني الرباعي»، ترتبط نيودلهي وواشنطن بعدد من الترتيبات الدفاعية، بينها التشارك في المنشآت اللوجيستية التابعة للمؤسسة العسكرية لدى كل من الطرفين. وفي الوقت الذي لم تتقبل واشنطن صفقة شراء نيودلهي منظومة صواريخ «إس - 400» الروسية، يبقى من غير المحتمل أن تدفع هذه الصفقة القيادة الهندية إلى خانة الخصوم من وجهة نظر واشنطن في وقت تحتاج فيه الأخيرة إلى نيودلهي بشدة للوقف في وجه كل من الصين وروسيا، بجانب رغبة الأميركيين في تيسير تحول الهنود بعيداً عن الاعتماد بمجال الأسلحة على جهات التصنيع الروسية باتجاه نظيراتها الأميركية.
ونظراً لغياب الاتساق بين القدرات العسكرية الهندية - الصينية، يحمل التعاون الدفاعي الأميركي - الهندي أهمية محورية لنيودلهي، خاصة أن بمقدور واشنطن منح الهند دفعة كبيرة على صعيد تحديث قدراتها الدفاعية. ومع توقيع 4 اتفاقات دفاعية، جرى بذلك تمهيد الساحة أمام مزيد من التعاون الدفاعي مستقبلاً.
- التصدّي للصين
وفيما يخصّ وزارة الدفاع الأميركية، توفر الهند الاستقرار، أو على الأقل درجة من التوازن، داخل منطقة تحاصرها التوجهات العدوانية الصينية. وبهذا الشأن، قال أحد وزراء خارجية الهند السابقين، شيام ساران، إن بلاده تشكل جزءاً محورياً في استجابة الرئيس الأميركي بايدن للتحديات الصادرة عن بكين. وأضاف ساران، أن مواقف واشنطن ونيودلهي من المحتمل أن تتقابل وتقترب من بعضها أكثر فأكثر على مدار السنوات القليلة المقبلة إزاء قضية التعامل مع والاستجابة للتحديات الصادرة عن الصين. وعلى هذا الصعيد، يبدو أن إدارة بايدن تواصل، وإن بنحو أكثر دهاءً، سياسة الرئيس السابق دونالد ترمب تجاه الصين، عبر الاستعانة بعدد من الأنظمة الديمقراطية المنتقاة داخل منطقة الهندي - الهادي عبر إحياء منظمة «كواد».
من جانبه، كتب المعلق السياسي الهندي أسد ميرزا، أن «الهند تشكل الديمقراطية الأكبر على مستوى العالم في وقت تحتد المنافسات الآيديولوجية. وتبدو الهند ثقلاً موازناً للتمدد الصيني في جنوب آسيا والمحيط الهندي. وتمثل الهند الذراع الغربية لـ(كواد) (المؤلفة من أربعة نظم ديمقراطية هي: أستراليا واليابان والهند والولايات المتحدة). وتقع هذه الدول حول المحيط الاستراتيجي الصيني، وتبدي هذه الدول الأربع التزامها بمنع تحول منطقة الهندي - الهادي إلى ساحة للنفوذ الجيوسياسي الصيني». وبفضل القدرات الهندية على الابتكار، وكذلك السوق الهندية الضخمة، تبدو الهند عنصراً جوهرياً في أي «ائتلاف تكنولوجي» ديمقراطي يسعى لصياغة الوجه العام لشبكة الإنترنت والصناعات في المستقبل.
- أميركا والهند وروسيا
من ناحية أخرى، شهدت العلاقات الأميركية - الروسية تراجعاً حاداً منذ تولي جو بايدن منصبه، وتبدو الأوضاع اليوم في حالة تغير وتبدل، ويبدو أن العالم يعاين إحياءً للفترة التي شهدت ذروة الخصومة بين واشنطن وموسكو. ولكن، مع ذلك، ورغم الدفء المتزايد في العلاقات الهندية - الأميركية والمزايا الكثيرة التي تحملها العلاقات مع القوة العظمى الوحيدة في العالم، لا يبدو أن نيودلهي على وشك التخلي عن استقلاليتها الاستراتيجية. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه في وقت مضى كانت موسكو الصديق الوحيد القوي الذي كان باستطاعة نيودلهي الاعتماد عليه عندما أدارت واشنطن وحليفاتها الغربيات ظهرها عنها. وهنا يوضح الكاتب الهندي براكاش دوتا، أن «الهند تمثل خياراً صعباً أمام الولايات المتحدة. ومع انقلاب الرئيس الأميركي جو بايدن ضد بوتين، ثارت تكهنات بأن الهند ستكون الهدف التالي على قائمة العقوبات.
إلا أن القيادة الأميركية ليست في موقف يمكنها من فرض عقوبات ضد الهند، ومن المحتمل أن تجعل من الهند (استثناءً). أما الأسباب التي تقف وراء ذلك، فبسيطة؛ إذ إن فرض عقوبات ضد الهند سيخلق توتراً في العلاقات التجارية الدفاعية بين الهند والولايات المتحدة، وسيؤثر كذلك بالسلب على الجهود الأميركية لخلق توازن في مواجهة الصين داخل منطقة الهندي - الهادي، بجانب كون الهند الصديق الوحيد للولايات المتحدة الموثوق به في جنوب آسيا. الحقيقة أن الهند تحمل أهمية كبرى للولايات المتحدة بدرجة تجعل من المتعذر على الأخيرة المخاطرة بخسارتها بسبب صفقة مع بلد لطالما اعتمدت عليه الهند». وما يُذكر أنه رغم الضغوط الهائلة من جانب إدارة ترمب، مضت الهند قدماً في طلب شراء منظومة الدفاع الصاروخية «إس - 400» الروسية مقابل 5.5 مليار دولار أميركي عام 2018. وكان البيت الأبيض، تحت قيادة ترمب، قد فرض يومذاك عقوبات ضد تركيا لشراء نفس منظومة الدفاع الصاروخية من روسيا، ولكن لم بحصل المثل مع الهند.
على الجهة المقابلة، نجد أن العلاقات بين الهند والكرملين تعرضت لضعف واضح، ومن المتوقع بذل إدارة بايدن قصارى جهدها لوقف هذه الصفقة. وأفادت مصادر في وزارة الخارجية الهندية أن وزير الدفاع الأميركي أوستن أثار قضية الـ«إس - 400»، وشدد على وجوب تجنب الحلفاء والشركاء «أي نمط من الشراء يمكن أن يستثير عقوبات». ومع ذلك، ظلت حكومة مودي على موقفها وشرحت للجانب الأميركي بوضوح أن القوات المسلحة الهندية تحرص على تنويع مصادر التسليح الخاصة بها، ولا يمكن أن تقبل الحكومة الهندية بأن يصبح هذا الأمر محل نقاش مع أي دولة أخرى. وحول هذا الموضوع يرى الكاتب الهندي سي. راجا موهان، الخبير بمجال الشؤون الخارجية، أن «رئيس الوزراء مودي التزم أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشراء منظومة (إس - 400)، ومن غير المحتمل أن يتراجع عن هذا الأمر. وسيكون من المثير متابعة كيف سيتطور هذا الأمر. ورغم (كواد) والأوجه المتنوعة للروابط مع الأميركيين، لا يمكن للهند بسهولة التخلي عن استقلاليتها الاستراتيجية».
واستطراداً، قال الأدميرال الأميركي جون أكويلينو رداً على سؤال من السيناتورة جين شاهين حول قرار الهند شراء منظومة «إس - 400» الصاروخية من روسيا «على الولايات المتحدة فهم حقيقة أن للهند علاقة صداقة طويلة الأمد مع الروس بمجالي التعاون الأمني وشراء المعدات العسكرية». وبعد سؤال شاهين «هل ينبغي لنا فرض عقوبات ضد الهند لشرائها المنظومة؟»، رد أكويلينو «أعتقد من الأفضل ترك هذه المسألة لصانعي السياسات ليتخذوا القرار المناسب حيالها... أعتقد أنه بالتأكيد علينا فهم أننا نقف إلى جانب الهند وأعتقد أن طرح بدائل ربما يكون سبيلاً أفضل للتعامل مع الأمر». وأردف «الهند شريك رائع بالفعل، ومثلما رأينا خلال المناقشات الأخيرة في إطار (كواد)، أعتقد أن أهمية الهند وباقي الدول الأعضاء في (كواد) ستزداد الفترة المقبلة. نحن نسعى لإقرار توازن. ومع هذا، ترتبط الهند بعلاقات طويلة مع الروس بمجال التعاون الأمني وشراء المعدات العسكرية».
- البُعد الباكستاني
من ناحيته، ذكر المحلل السياسي الهندي كيه. سي. سينغ، أن «العلاقات الهندية - الروسية قد لا تكون على الدفء ذاته الذي كانت عليه أثناء (الحرب الباردة)، ومع هذا تدرك نيودلهي أن روسيا مهمة كي تتمكن الهند من الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة. ولا ترغب الهند في انتقال روسيا على نحو كامل باتجاه التحالف الصيني - الباكستاني؛ وذلك لأسباب متنوعة منها قدرة روسيا على إنتاج وبيع الأسلحة، والتي غالباً ما تتضمن نقل تكنولوجيا». وتابع «بجانب ذلك، لا يمكن للهند التحول من المزيج الحالي لمعداتها الدفاعية نحو الاعتماد على إمدادات تهيمن عليها الولايات المتحدة بين عشية وضحاها. أيضاً، تعتبر روسيا عاملاً مهماً في منطقة غرب آسيا وإيران. وقد نجحت في بناء نفوذ لها داخل أفغانستان، مثلما اتضح من استضافتها لعدد من الأطراف الأفغانية الفاعلة المختلفة حتى قبل انعقاد الحوار بين - الأفغاني الذي اقترحته الولايات المتحدة على الأراضي التركية. ومع التمدد الصيني بوسط آسيا، بالاعتماد على (مبادرة الحزام والطريق)، تلتقي المصالح الروسية والهندية في ضمان احتفاظ روسيا بنفوذ قوي لها في المناطق التي كانت خاضعة لها سابقاً».
- الجهود الدبلوماسية الأفغانية
وحقاً، في خضم الشراكة المتنامية بين روسيا والصين، أقصت خطة روسية مقترحة الهند من مجموعة الدول التي ترى موسكو أنه منوط بها الاتفاق حول خريطة طريق للسلام في أفغانستان، وهي روسيا والصين والولايات والمتحدة وباكستان وإيران. لكن، بفضل جهود دبلوماسية محمومة خلف الكواليس وبدعم من الولايات المتحدة، أصبحت الهند الآن جزءً من هذه المجموعة التي ربما تحدد ملامح مستقبل أفغانستان. ومن جانبه، بعث وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، خطاباً في مطلع مارس المنصرم إلى الرئيس الأفغاني أشرف غني ورئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية، عبد الله عبد الله. واقترح بلينكن في إطار الخطاب عقد مؤتمر إقليمي تحت رعاية الأمم المتحدة لوزراء خارجية الولايات المتحدة والهند وروسيا والصين وباكستان وإيران لمناقشة اتباع «توجّه موحّد» إزاء أفغانستان.
وعليه، يوحي قرار أوستن المفاجئ بالتوقف في العاصمة الأفغانية كابل والرسالة التي وجهها للجنود المتمركزين بالبلاد بإمكانية أن تبقى هذه القوات لفترة أطول. ويعني ذلك أن أمام نيودلهي فرصة لبناء جسور مع قوى أخرى تمكنها من الاضطلاع بدور مؤثر... ويبدو الرهان الأفضل أمامها هو في ترتيب أولوياتها على نحو يتوافق مع واشنطن.
من جهتها، لا يبدو أن إدارة بايدن تتحرك بسرعة وفي عجالة كما كان الحال مع إدارة ترمب، والموعد النهائي المحدد في الأول من مايو (أيار) ليس منقوشاً على الحجر، بمعنى أنه تظل هناك إمكانية لتعديله. إلا أنه بينما تترك الولايات المتحدة خلفها أفغانستان في حالة متوترة وقابلة للاشتعال في أي لحظة، فإن هذا الأمر يشكل أهمية لنيودلهي ويستلزم مشاركة نشطة من جانبها في القضية الأفغانية.
- أهمية مركز اللقاحات الهندي في المعركة ضد «كوفيد ـ 19»
> كحال باقي دول العالم، ترغب الولايات المتحدة في إبقاء الهند إلى جانبها لإدراكها كيف أن الهند تشكل عنصراً محورياً للحفاظ على خط إمدادات بلقاحات ضد فيروس «كوفيد - 19». وعلاوة على ذلك، قررت مجموعة «كواد» إطلاق مبادرة كبرى بمجال اللقاحات سيجري في إطارها إنتاج لقاحات ضد الفيروس داخل الهند لدول منطقة الهندي – الهادي؛ من أجل التصدي للنفوذ الصيني. وترمي المبادرة إلى ضمان تشارك الهند في إمدادات اللقاح المتاحة لديها مع العديد من الدول الأخرى، وفي الوقت ذاته، ضمان تلبية الاحتياجات الداخلية.
هذا، وكان الرئيس جو بايدن و«كواد» قد أعلنا خطة لتوسيع نطاق القدرة الإنتاجية لإنتاج لقاحات ضد «كوفيد - 19» داخل الهند. ووصف بايدن هذه الجهود بأنها «شراكة جديدة طموحة ترمي لتعزيز جهود إنتاج اللقاحات... من أجل نفع كامل منطقة الهندي - الهادي». وتأتي جهود «كواد» من أجل تعزيز قدرة الهند التصنيعية للقاحات، بينما إدارة بايدن وقيادات دول غنية أخرى دعوات من بعض المنظمات المعنية بالصحة العالمية بالتبرع بنسبة صغيرة من اللقاحات المنتجة داخل الولايات المتحدة ودول صناعية أخرى لدول فقيرة. وتسعى جهود «كواد» لتعزيز إنتاجية الهند على تصنيع اللقاحات بمقدار مليار جرعة بحلول عام 2022، تبعاً لما ورد في بيان صادر عن البيت الأبيض.
وللعلم، اللقاحات الهندية أظهرت أعراضاً جانبية أقل واتسمت بانخفاض تكلفتها وسهولة تخزينها ونقلها. في الوقت ذاته، ثمة ارتفاع هائل في الطلب العالمي على لقاحات «كوفيد - 19». ودخلت قرابة 90 دولة في اتفاقات لتوريد لقاحات. وفي حين التزمت الصين السرية تجاه البيانات المرتبطة بلقاحاتها؛ ما أثار جدالات حول مدى فاعليتها، نظمت الهند جولات لسفراء أجانب لزيارة مصانعها الدوائية في بون وحيدر آباد.
- دور الشتات الهندي في العلاقات الثنائية
في غضون أقل عن 50 يوماً من رئاسته، عيّن الرئيس الأميركي جو بايدن على الأقل 55 أميركياً من أصول هندية في مناصب كبرى في إدارته تتنوع ما بين كاتب خطاباته إلى مراكز قيادية في وكالة «ناسا»، وكذلك جميع قطاعات الحكومة تقريباً... وهذا من دون أن ننسى طبعاً أن والدة نائبته كامالا هاريس... هندية.
الأميركيون من أصول هندية يعدّون بين المجموعات العرقية الأكثر ثراءً وتعليماً على مستوى الولايات المتحدة. وبدأت أعداد كبيرة من أبناء الجيل الثاني من الأميركيين من أصول هندية تبرز بقوة في المشهد السياسي الأميركي. وحتى الآن، تميزت إدارة أوباما - بايدن (2009 – 2017) بأنها الإدارة الأميركية التي عينت أكبر عدد من الأميركيين من أصول هندية في تاريخ البلاد. ولم تكن إدارة ترمب على مسافة بعيدة عن إدارة أوباما على هذا الصعيد، وتميزت بأنها أول إدارة تعين أميركياً من أصول هندية في منصب بدرجة وزير وداخل مجلس الأمن الوطني.
وفي وقت قريب، قال بايدن مازحاً «إن الأميركيين من أصول هندية يهيمنون على البلاد»، في إشارة إلى العدد الضخم الذي انضم إلى إدارته. ويرى البعض، أن هذا الصعود للأميركيين من أصول هندية يوحي بوجود تأثيرات تتجاوز السياسات المحلية الأميركية تدفع باتجاه يمكنه أن يعزز الاقتصاد الهندي ويعزز العلاقات الأميركية - الهندية. وبالنظر لوجود أنتوني بلينكن على رأس وزارة الخارجية وجايك سوليفان في مجلس الأمن الوطني، بجانب بايدن نفسه، من الواضح أن الإدارة الأميركية الراهنة تملك خبرة أكبر في التعامل مع الهند عن أي من الإدارات السابقة. كذلك يبدو واضحاً أن ثمة تصميماً على دفع العلاقات الأميركية - الهندية نحو مكانة مركزية في الخطط الأميركية.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.