تسمّر ملايين الفرنسيين، ليل أول من أمس، أمام شاشات التلفزة لمتابعة كلمة رئيس الجمهورية، للتعرف على ما يحمله القادم من الأيام من خطط حكومية لمواجهة التفشي الحاد لوباء «كوفيد – 19».
وبعد مرور 400 يوم على أول حجر فُرض عليهم ربيع العام الماضي، تواجه فرنسا الموجة الثالثة من الجائحة التي تبدو أكثر خطورة من سابقتيها، بسبب ما يسمى «المتحور الإنجليزي»، الذي يتميز بعدوانية أقوى بحيث لا يوفر أي فئة من الشرائح العمرية بمن فيهم الشباب.
وتفيد الأرقام بأن عدد ضحايا الوباء زاد حتى اليوم على 96 ألف شخص، فيما الذين أصيبوا به يجاور خمسة ملايين، بيد أن مصدر قلق السلطات الأكبر يعود لارتفاع أعداد المصابين الموجودين في المستشفيات، إذ يصل إلى 29 ألف مصاب، فيما لم تعد أقسام الرعاية الفائقة داخلها قادرة على استيعاب مزيد من المرضى الذين يحتاجون إلى أجهزة تنفس اصطناعية وعناية مركزة. وجاور عدد هذه الحالات 5500 حالة.
وتبين شهادات الأطباء والممرضين المعنيين أن كل سرير يفرغ من شاغله يعاد تجهيزه فوراً لمريض آخر، حيث إن عدد المحتاجين إلى رعاية فائقة يومياً يصل إلى نحو 470 حالة. وما يرهب الطواقم الصحية أن استمرار تزايد الأعداد بهذه الوتيرة يدفع باتجاهين اثنين: الأول، تكريس مزيد من الأسرّة لوباء كوفيد على حساب المصابين بأمراض أخرى والذين بدورهم يحتاجون إلى رعاية فائقة. والثاني، أنهم سيصلون إلى مرحلة لن يكون باستطاعتهم إيلاء جميع المرضى الاهتمام اللازم، وبالتالي سيتحتم عليهم إجراء فرز بين المرضى بين من يستحق الحياة ومن سيترك لمصيره. وأحدثت رسالة مفتوحة إلى الرئاسة قبل أيام قليلة هزة في فرنسا، إذ رفض الموقعون عليها تحمل مسؤولية بهذا القدر من الخطورة، متهمين السلطات بالتخلي عن مسؤولياتها ورميها على الأجهزة الصحية.
حتى أول من أمس، كانت الخطة الحكومية تقوم على معالجة أوضاع كل منطقة على حدة، باعتبار أن المناطق الفرنسية مصابة على درجات مختلفة بوباء كوفيد.
وبشكل عام، كانت هناك ثلاث مناطق بالغة الخطورة: الحوض الباريسي وداخله العاصمة وشمال البلاد والمنطقة الساحلية المحيطة بمدينة نيس. وفي هذه المناطق، فرضت السلطات حالة من الحجر المخففة التي تفرض عليهم قيوداً لينة مثل حظر التجول بعد الساعة السابعة ومنع التجمعات في الساحات والمتنزهات والتنقل بين المناطق إلا لأسباب وجيهة، وإغلاق كل الأنشطة التجارية غير الأساسية مثل محلات بيع الألبسة والمعدات، واستمرار إغلاق المقاهي والمطاعم ودور السينما والمتاحف والمسارح. أما الاستثناء الرئيسي، فقد تناول المدارس على اختلاف مراتبها التي تُركت تمارس نشاطها.
بيد أن المؤلم بالنسبة للسلطات أن إجراءاتها لم تُحترم. ومع تحسن الأحوال الجوية وعودة الدفء، ضربت شريحة كبيرة من الشباب بالأوامر الحكومية عرض الحائط. وبما أن حملة التلقيح التي تراهن عليها الحكومة وصولاً إلى المناعة الجماعية انطلقت متأخرة بعض الشيء قياساً لبلدان أخرى مثل بريطانيا وألمانيا، فإن ماكرون تعرض لحملة ضغوط قوية إن كان من الجسم الطبي أو من رؤساء البلديات والسلطات المحلية من أجل اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف تفشي الوباء بأنواعه. وذهب بعضهم للمطالبة بحجر متشدد كالذي عرفته البلاد ربيع العام الماضي. لكن الرئيس الفرنسي الذي يعود إليه أمر اتخاذ القرار النهائي سعى في الأسابيع الثمانية الأخيرة إلى تأجيل فرض قواعد صارمة، معتبراً أن الأمور ما زالت تحت السيطرة.
إلا أن الاستمرار في هذا الخط لم يعد ممكناً نظراً للأرقام المتواصلة صعوداً، والخوف من أن يقضي التحور الإنجليزي على الجهود التي طلبها من الفرنسيين. وأعلن وزير الصحة أوليفيه فيران، أمس، في حديث إذاعي أن أعلى مستوى لتفشي الوباء سيحل «بعد أسبوع إلى عشرة أيام»، فيما ستشهد أقسام الرعاية الفائقة أعلى الضغوط الوبائية نهاية الشهر الجاري.
إزاء هذه التطورات والتوقعات، اختار إيمانويل ماكرون حلاً وسطاً. فمن جهة، لم يخضع لمطالب الذين يدعون إلى حجر متشدد، مفضلاً عليه فرض تدابير إضافية تشمل هذه المرة كل الأراضي الفرنسية دون تمييز، بمعنى أن تطبق القواعد المتبعة في المناطق الخطرة في كل أرجاء فرنسا. ومن جهة ثانية، حدد مهلاً زمنية قصيرة نسبياً لا تتجاوز الشهر الواحد، داعياً الفرنسيين إلى «تقبل القيام بجهد إضافي»، واضعاً للمرة الأولى روزنامة محددة للخروج من الحجر والعودة التدريجية إلى الحياة «الطبيعية».
وعليه، فقد أمر الرئيس الفرنسي بإغلاق الحضانات والمدارس الابتدائية والتكميلية والثانوية إلى مهل تتراوح بين ثلاثة أسابيع وشهر كامل، ودعا إلى تفضيل اللجوء إلى «العمل عن بُعد بشكل منهجي» وإغلاق جميع المتاجر التي تعد «غير رئيسية» في كل أرجاء فرنسا، ومنع التنقل بين المناطق، وحصر التنقل داخل كل منطقة بعشرة كلم فقط «إلا لأسباب وجيهة». وبالنظر لاقتراب عيد الفصح، فقد سمح بالتنقل الحر حتى يوم الثلاثاء المقبل، بعدها تطبق التدابير الخاصة بالتنقل بشكل صارم. وهذه الخطوط العامة قام رئيس الحكومة جان كاستيكس بتفصيلها في كلمة له أمام النواب أُتبعت بتصويت عليها قاطعه نواب المعارضة، بحجة أن التصويت مطلوب على قرارات أعلنت السلطة التنفيذية بدء العمل بها قبل التصويت عليها.
في كلمته مساء الثلاثاء، سعى ماكرون لبث روح من الأمل لدى مواطنيه، واعداً إياهم بالعودة التدريجية إلى ممارسة حياتهم السابقة. وفي السياق عينه، قال أوليفيه فيران إنه «مقتنع» بأن الفرنسيين سيمضون عطلهم الصيفية «بشكل عادي كما في السابق تقريباً».
وماكرون ومعه أعضاء الحكومة يراهنون، كما في بلدان أخرى، على اللقاحات. وتؤكد السلطات أن عشرة ملايين سيكونون من عداد الملقحين منتصف الشهر الجاري. لكن الصعوبة التي يواجهها الفرنسيون هي إيجاد موعد للتلقيح بسبب ندرة اللقاحات، فيما يؤكد رئيسهم أن أوروبا ومعها فرنسا ستكون أكبر جهة منتجة للقاحات مع نهاية الصيف المقبل.
حقيقة الأمر أن ماكرون يراهن بمستقبله السياسي، فيما الانتخابات الرئاسية أصبحت على الأبواب وستحل في شهر مايو (أيار) 2022، وما زال الرئيس الحالي مصرّاً على القول إن الخيارات التي اعتمدها كانت الصائبة، فيما المعارضة يميناً ويساراً تصب عليه جام غضبها وتحمله مسؤولية الفشل في محاربة الوباء منذ انتشاره الأول. فإذا نجحت الحكومة في توفير الكميات اللازمة من اللقاحات وأثبتت فاعليتها في محاربة الوباء ونجحت في إعادة الدورة الاقتصادية لسابق عهدها، فإن ماكرون يستطيع عندها القول إنه حمى الفرنسيين وسخر إمكانات الدولة لذلك.
11:42 دقيقه
فرنسا تحت الحجر للمرة الثالثة... وماكرون يراهن على اللقاحات
https://aawsat.com/home/article/2895031/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%AA%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%B1-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%83%D8%B1%D9%88%D9%86-%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%AD%D8%A7%D8%AA
فرنسا تحت الحجر للمرة الثالثة... وماكرون يراهن على اللقاحات
توقعات ببلوغ الوباء ذروته خلال 10 أيام
سيدة تتابع خطاب ماكرون مساء الأربعاء (إ.ب.أ)
- باريس: ميشال أبونجم
- باريس: ميشال أبونجم
فرنسا تحت الحجر للمرة الثالثة... وماكرون يراهن على اللقاحات
سيدة تتابع خطاب ماكرون مساء الأربعاء (إ.ب.أ)
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

