السعودية تستبق الاجتماع الخليجي حول اليمن بتعليق أعمال سفارتها في صنعاء

رئيس حلف قبائل حضرموت لـ«الشرق الأوسط»: 70 % من النفط تحت السيطرة في ظل الفراغ * «الثورية» تدعو البرلمان المنحل إلى الانعقاد

عناصر من قوات الأمن اليمنية يحرسون السفارة الإيطالية في صنعاء بعد إعلان روما إغلاقها ومغادرة السفير لوتشيانو غاللي وجميع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمن (أ.ف.ب)
عناصر من قوات الأمن اليمنية يحرسون السفارة الإيطالية في صنعاء بعد إعلان روما إغلاقها ومغادرة السفير لوتشيانو غاللي وجميع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمن (أ.ف.ب)
TT

السعودية تستبق الاجتماع الخليجي حول اليمن بتعليق أعمال سفارتها في صنعاء

عناصر من قوات الأمن اليمنية يحرسون السفارة الإيطالية في صنعاء بعد إعلان روما إغلاقها ومغادرة السفير لوتشيانو غاللي وجميع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمن (أ.ف.ب)
عناصر من قوات الأمن اليمنية يحرسون السفارة الإيطالية في صنعاء بعد إعلان روما إغلاقها ومغادرة السفير لوتشيانو غاللي وجميع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمن (أ.ف.ب)

غادر الدبلوماسيون السعوديون والألمان والإيطاليون صنعاء أمس، في حين تزداد عزلة اليمن مع تعزيز ميليشيات الحوثيين سيطرتهم على العاصمة.
وأعلنت وزارة الخارجية السعودية الجمعة أن المملكة علقت أعمال سفارتها لدى اليمن وأجلت دبلوماسييها بسبب «تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في صنعاء». والسعودية هي أول دولة عربية تخلي سفارتها بعد عدد من الدول الغربية.
وأبلغ مصدر دبلوماسي «الشرق الأوسط» أن عملية إجلاء الدبلوماسيين السعوديين العاملين في سفارة المملكة في صنعاء تمت أول من أمس (الخميس)، وتمهلت وزارة الخارجية في إعلان تعليق أعمال السفارة حتى يتم الانتهاء من عملية الإجلاء كي لا يتعرض العاملون لأذى.
وقال المصدر في اتصال هاتفي إن سفارة السعودية كمثيلاتها من البعثات الأجنبية تعرضت لتهديدات بسبب انفراط الوضع الأمني في اليمن. وقال: «أُجلي العاملون في السفارة يوم الخميس وانتظرنا الإعلان حماية لهم». وعن التهديدات المباشرة، أكد المصدر أن «جماعة الحوثي هددت جميع الدول الرافضة للانقلاب، ولهذا من الطبيعي أن يتعرض العاملون في السفارة لتهديدات مباشرة أو غير مباشرة».
ولم يحدد المصدر مدة زمنية لعودة أعمال السفارة، إلا أنه ربط ذلك بهدوء الأوضاع في اليمن وعودة الحياة السياسية والاجتماعية إلى ما قبل الانقلاب. وكانت وزارة الخارجية السعودية أعلنت أمس تعليق كل أعمال سفارتها في العاصمة اليمنية صنعاء، وأكد مصدر مسؤول بالوزارة في بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية، أنه نتيجة لتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في العاصمة اليمنية صنعاء، فقد قامت الرياض بتعليق كل أعمال السفارة في صنعاء وإجلاء جميع منسوبيها الذين وصلوا إلى السعودية، مبينة أنهم بخير.
وجاء إعلان السعودية قبيل أقل من 24 ساعة على اجتماع خليجي على مستوى وزراء الخارجية في الرياض اليوم، وصفته الأمانة العامة لمجلس التعاون بـ«الاستثنائي»، ويناقش بشكل خاص الأوضاع في اليمن، ومن المتوقع أن يتخذ الخليجيون موقفا جماعيا صارما ضد انقلاب المتمردين الحوثيين على السلطة هناك وعزلهم الرئيس عبد ربه منصور هادي.
ووفق مصدر خليجي، فإن وزراء خارجية الخليج سوف يطلعون على نتائج تقرير أمني خاص عما آلت إليه الأوضاع في اليمن بعد الانقلاب الحوثي، والآثار المترتبة على فراغ السلطة، ومن بين ذلك تنامي نشاط الجماعات الإرهابية التي تتخذ من الأراضي اليمنية مقرا لها، وعواقب تلك النتائج على دول مجلس التعاون. وعبر مجلس التعاون الخليجي أخيرا عن رفضه المطلق للانقلاب الذي أقدم عليه الحوثيون باعتباره نسفا كاملا للعملية السياسية السلمية واستخفافا بكل الجهود الوطنية التي سعت للحفاظ على أمن اليمن. ودعا مجلس الأمن إلى التحرك سريعا لوضع حد للانقلاب الذي سيدخل اليمن ومستقبله وشعبه في نفق مظلم.
وفي سياق متصل أعلنت ألمانيا وإيطاليا الجمعة إجلاء دبلوماسييهما من اليمن وإغلاق سفارتيهما مؤقتا. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية: «قررنا (أول من) أمس (الخميس) إغلاق سفارتنا في صنعاء مؤقتا»، موضحا أن «كل الطاقم غادر الأراضي اليمنية». وأضاف أن الوضع السياسي الحالي في اليمن أصبح على درجة من الخطورة «غير مقبولة إطلاقا» للعاملين.
وفي روما، ذكرت وزارة الخارجية الإيطالية في بيان أنها «قررت إغلاق السفارة الإيطالية في صنعاء مؤقتا بعد تسارع الأحداث في البلاد والتفاقم التدريجي للظروف الأمنية». وأضافت أن «السفير (لوتشيانو) غاللي وجميع أعضاء السفارة يعودون بأمان في هذا الوقت إلى إيطاليا».
وتابع أن الوزارة «تأمل أن تتيح جهود الوساطة التي يقوم بها مبعوث الأمم المتحدة جمال بنعمر عودة الظروف الأمنية الكفيلة بالسماح في أسرع وقت بعودة الموظفين الدبلوماسيين إلى اليمن».
وكانت السفارة الإيطالية في صنعاء أغلقت الثلاثاء مكاتبها أمام الجمهور، ونصحت وزارة الخارجية الإيطاليين بعدم السفر إلى اليمن، ونصحت من هم فيه بالمغادرة. وكانت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا أعلنت هذا الأسبوع إغلاق سفاراتها في صنعاء. وقالت مصادر دبلوماسية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن الكثير من الدول العربية والغربية في طريقها إلى الإعلان عن إغلاق سفاراتها في صنعاء جراء الأوضاع القائمة.
وأشارت المصادر إلى أن الأوضاع الراهنة «سوف تنطبق على كافة سفارات الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية بالإضافة إلى 3 دول أوروبية وتركيا».
وأثارت الخطوات التي اتخذتها الكثير من الدول بإغلاق سفاراتها في صنعاء أو تعليق أعمالها، مخاوف واسعة النطاق في الشارع اليمني الذي يعاني من أزمة اقتصادية حادة ومن انعدام للمشتقات النفطية، وحسب مواطنين التقتهم «الشرق الأوسط»، فإن دوافع الخوف في الشارع اليمني تنبع من اندلاع حرب أهلية، حيث يعيش الشمال على وقع سيطرة الحوثيين وترفض قواه وقبائله هيمنة هذه الحركة التي تتهم بأنها تدين بالولاء لإيران، وتعمل على إقصاء بقية القوى السياسية، فيما يعيش الجنوب حالة غليان وتتعدد فصائله وحركاته المطالبة بما يسمى استعادة الدولة أو «الانفصال» عن الشمال، إضافة إلى انتشار الحركات الأصولية المتطرفة كتنظيم «أنصار الشريعة»، وتنظيم القاعدة، وما يتم الحديث عنه أو تداوله، هذه الأيام، من وجود مكثف لعناصر تنظيم داعش ومبايعة عناصر من «القاعدة» لزعيم «داعش» والعمل من خلال الأراضي اليمنية.
ودعت ما تسمى «اللجنة الثورية» برئاسة محمد علي الحوثي، وهي التي تحكم اليمن حاليا، أعضاء مجلس النواب (البرلمان) المنحل إلى الاجتماع الاثنين المقبل في القصر الجمهوري بصنعاء، لمناقشة التطورات الراهنة ولإقناع النواب بالانضمام إلى عضوية «المجلس الوطني» الذي أنشأته اللجنة الحوثية في ضوء «الإعلان الدستوري» الذي صدر في 6 من فبراير (شباط) الحالي.
وقالت مصادر سياسية يمنية لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة الثورية» لا تمتلك الحق في كل القرارات والإجراءات التي اتخذتها والتي تتخذها حتى الآن، وضمن ذلك دعوة أعضاء البرلمان للانعقاد.
وأشارت المصادر إلى أن «خطوة دعوة أعضاء البرلمان اتخذت بعد أن فشلت لجنة مشكلة من 5 من النواب الحوثيين في استقبال طلبات أعضاء البرلمان المنحل للالتحاق بالمجلس الوطني، خاصة بعد رفض الكتل النيابية لكل القوى الإعلان الدستوري والمشاركة في تنفيذ قراراته، لأنه غير شرعي».
وأشارت المصادر اليمنية، التي رفضت الإشارة إلى هويتها، إلى أن «الحوار في اليمن الذي يعول عليه المبعوث الأممي إلى اليمن جمال بنعمر، انتكس بسبب تصرفات الحوثيين واستمرارهم في السيطرة والهيمنة على الدولة وعدم الخضوع لمطالب القوى السياسية الأخرى في اتخاذ إجراءات تثبت حسن النيات».
كما أشارت المصادر إلى أن «الحوثيين بعد أن بسطوا هيمنتهم على البلاد، باتوا يمارسون الحوار كملهاة لكسب المزيد من الوقت»، وإلى أن أعين الحوثيين الآن «تتجه نحو الجنوب لإخضاعه هو ومأرب للسيطرة ولضمان وضع يدهم على منابع النفط في البلاد (حضرموت، شبوة، مأرب) بدرجة رئيسية».
ويشهد اليمن توترا أمنيا غير مسبوق منذ سيطرة الحوثيين على مقاليد السلطة، وأكدت المصادر السياسية اليمنية ذاتها لـ«الشرق الأوسط»، أن الحوثيين «لا يعطون اهتماما للإجراءات المتخذة من قبل بعض العواصم العربية والغربية»، وأنهم «لن ينصاعوا سوى لإجراءات تفرض عليهم عقوبات، فيما هم يراهنون على عقوبات تفرض على الشعب اليمني من أجل المزيد من المزايدة على المواطنين بأن الخارج يريد تجويعه». وفي السياق ذاته، تتواصل المظاهرات الرافضة لـ«انقلاب الحوثيين» على السلطة واستمرار احتجاز الرئيس عبد ربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية هو ورئيس الوزراء المستقيل وعدد من أعضاء حكومته، وتجابه هذه المظاهرات بقمع من قبل قوات الأمن الموالية للحوثيين ومن قبل الميليشيا المسلحة، وكشفت مصادر عليمة في محافظة عمران لـ«الشرق الأوسط» أن «الحوثيين أطلقوا سراح الكثير من نزلاء السجن المركزي بعمران بعد اجتياحها، أواخر العام الماضي، ومعظم من جرى إطلاق سراحهم سجناء في قضايا جنائية، وبعضهم محكومون بالإعدام في جرائم قتل».
وذكرت المصادر أن «الحوثيين يستخدمون هؤلاء السجناء في إطار ميليشياتهم المسلحة»، إضافة إلى تجنيدهم للآلاف من الأطفال تحت السن القانونية في صفوف ميليشياتهم.
في الوقت ذاته، كشفت مصادر في المعارضة اليمنية لـ«الشرق الأوسط» عن وجود معتقلات سرية للحوثيين في العاصمة صنعاء ومحافظة صعدة. وأشارت المصادر إلى أن الحوثيين «يستخدمون التعذيب الجسدي والنفسي بحق المعتقلين ويطالبونهم بالتوقيع على أوراق قبل إطلاق سراحهم دون معرفة محتويات تلك الأوراق». وقال أحد المعتقلين المفرج عنهم لـ«الشرق الأوسط»، إنهم هاجموه أمام مكتبه في صنعاء وضربوه بعقب بندق رشاش في مؤخرة رأسه، الأمر الذي أدى إلى غيابه عن الوعي. وأضاف المعتقل أنه عقب إفاقته من غيبوبته، جرى استجوابه حول أسباب سفره إلى الخارج والأعمال التي ينجزها هناك، وتحديدا في جمهورية آسيوية (..)، وهي الدولة التي كان يدرس فيها المعتقل قبل أن يفتتح مكتبا استثماريا بين صنعاء وعاصمة تلك الدولة.
إلى ذلك، يواصل الحوثيون تعزيز وجودهم العسكري وبسط سيطرتهم على محافظة البيضاء بوسط البلاد، وذلك بعد أيام من السيطرة العسكرية على عدد من المديريات هناك بدعم من قوات الجيش الموالية. وذكرت مصادر محلية في البيضاء أن المسلحين الحوثيين حاولوا، أمس، اجتياح منطقة آل حميقان، غير أن رجال القبائل تصدوا للحملة العسكرية الحوثية، وحتى مساء أمس لم يعرف حجم الخسائر البشرية في صفوف الجانبين.
وقتل أمس مسلحان حوثيان قرب سوق القات في مدينة البيضاء على يد مسلحين مجهولين، قاموا بالاستيلاء على سلاحي القتيلين قبل أن يلوذوا بالفرار.
وفي سياق متصل قال المقدم عمر بن حبريش رئيس حلف قبائل حضرموت، في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط»، إنهم سوف يحافظون على ثروة الإقليم في ظل فراغ مؤسسات الدولة في البلاد، ومن أهمها الثروة المعدنية وما نسبته 70 في المائة من البترول اليمني الذي يستأثر به الإقليم.
وأوضح حبريش الذي يمثل حلفه أكثر من مليوني مواطن يمني من محافظات حضرموت وشبوة والمهرة أن قبائل الجنوب سوف تجتمع الاثنين المقبل، ومن أهم القرارات التي ينتظر أن تصدر تشكيل قيادة موحدة تتولى الإدارة وحفظ الأمن والاستقرار في المحافظات، داعيا المجتمع الدولي والإقليمي إلى مساعدة اليمن وعدم الاعتراف بسلطة المتمردين الحوثيين.
وسيطر الحوثيون في 21 سبتمبر (أيلول) على صنعاء ووقعوا في اليوم ذاته على اتفاق للسلام وتقاسم السلطة مع باقي الأحزاب، إلا أن الاتفاق فشل.
وفي 20 يناير (كانون الثاني) سيطروا على دار الرئاسة، ثم أبرموا اتفاقا جديدا مع الرئيس هادي، لكنه فشل مجددا، ما دفع بالرئيس إلى الاستقالة مع الحكومة.
ويواصل الحوثيون الذين يسيطرون على صنعاء والمحافظات الشمالية هجومهم في وسط البلاد حيث استولوا الثلاثاء على البيضاء، كبرى مدن المحافظة التي تحمل الاسم نفسه. وتنظم مظاهرات شبه يومية احتجاجا على سيطرة الحوثيين على صنعاء وغيرها من المدن.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.