السعودية تستبق الاجتماع الخليجي حول اليمن بتعليق أعمال سفارتها في صنعاء

رئيس حلف قبائل حضرموت لـ«الشرق الأوسط»: 70 % من النفط تحت السيطرة في ظل الفراغ * «الثورية» تدعو البرلمان المنحل إلى الانعقاد

عناصر من قوات الأمن اليمنية يحرسون السفارة الإيطالية في صنعاء بعد إعلان روما إغلاقها ومغادرة السفير لوتشيانو غاللي وجميع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمن (أ.ف.ب)
عناصر من قوات الأمن اليمنية يحرسون السفارة الإيطالية في صنعاء بعد إعلان روما إغلاقها ومغادرة السفير لوتشيانو غاللي وجميع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمن (أ.ف.ب)
TT

السعودية تستبق الاجتماع الخليجي حول اليمن بتعليق أعمال سفارتها في صنعاء

عناصر من قوات الأمن اليمنية يحرسون السفارة الإيطالية في صنعاء بعد إعلان روما إغلاقها ومغادرة السفير لوتشيانو غاللي وجميع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمن (أ.ف.ب)
عناصر من قوات الأمن اليمنية يحرسون السفارة الإيطالية في صنعاء بعد إعلان روما إغلاقها ومغادرة السفير لوتشيانو غاللي وجميع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمن (أ.ف.ب)

غادر الدبلوماسيون السعوديون والألمان والإيطاليون صنعاء أمس، في حين تزداد عزلة اليمن مع تعزيز ميليشيات الحوثيين سيطرتهم على العاصمة.
وأعلنت وزارة الخارجية السعودية الجمعة أن المملكة علقت أعمال سفارتها لدى اليمن وأجلت دبلوماسييها بسبب «تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في صنعاء». والسعودية هي أول دولة عربية تخلي سفارتها بعد عدد من الدول الغربية.
وأبلغ مصدر دبلوماسي «الشرق الأوسط» أن عملية إجلاء الدبلوماسيين السعوديين العاملين في سفارة المملكة في صنعاء تمت أول من أمس (الخميس)، وتمهلت وزارة الخارجية في إعلان تعليق أعمال السفارة حتى يتم الانتهاء من عملية الإجلاء كي لا يتعرض العاملون لأذى.
وقال المصدر في اتصال هاتفي إن سفارة السعودية كمثيلاتها من البعثات الأجنبية تعرضت لتهديدات بسبب انفراط الوضع الأمني في اليمن. وقال: «أُجلي العاملون في السفارة يوم الخميس وانتظرنا الإعلان حماية لهم». وعن التهديدات المباشرة، أكد المصدر أن «جماعة الحوثي هددت جميع الدول الرافضة للانقلاب، ولهذا من الطبيعي أن يتعرض العاملون في السفارة لتهديدات مباشرة أو غير مباشرة».
ولم يحدد المصدر مدة زمنية لعودة أعمال السفارة، إلا أنه ربط ذلك بهدوء الأوضاع في اليمن وعودة الحياة السياسية والاجتماعية إلى ما قبل الانقلاب. وكانت وزارة الخارجية السعودية أعلنت أمس تعليق كل أعمال سفارتها في العاصمة اليمنية صنعاء، وأكد مصدر مسؤول بالوزارة في بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية، أنه نتيجة لتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في العاصمة اليمنية صنعاء، فقد قامت الرياض بتعليق كل أعمال السفارة في صنعاء وإجلاء جميع منسوبيها الذين وصلوا إلى السعودية، مبينة أنهم بخير.
وجاء إعلان السعودية قبيل أقل من 24 ساعة على اجتماع خليجي على مستوى وزراء الخارجية في الرياض اليوم، وصفته الأمانة العامة لمجلس التعاون بـ«الاستثنائي»، ويناقش بشكل خاص الأوضاع في اليمن، ومن المتوقع أن يتخذ الخليجيون موقفا جماعيا صارما ضد انقلاب المتمردين الحوثيين على السلطة هناك وعزلهم الرئيس عبد ربه منصور هادي.
ووفق مصدر خليجي، فإن وزراء خارجية الخليج سوف يطلعون على نتائج تقرير أمني خاص عما آلت إليه الأوضاع في اليمن بعد الانقلاب الحوثي، والآثار المترتبة على فراغ السلطة، ومن بين ذلك تنامي نشاط الجماعات الإرهابية التي تتخذ من الأراضي اليمنية مقرا لها، وعواقب تلك النتائج على دول مجلس التعاون. وعبر مجلس التعاون الخليجي أخيرا عن رفضه المطلق للانقلاب الذي أقدم عليه الحوثيون باعتباره نسفا كاملا للعملية السياسية السلمية واستخفافا بكل الجهود الوطنية التي سعت للحفاظ على أمن اليمن. ودعا مجلس الأمن إلى التحرك سريعا لوضع حد للانقلاب الذي سيدخل اليمن ومستقبله وشعبه في نفق مظلم.
وفي سياق متصل أعلنت ألمانيا وإيطاليا الجمعة إجلاء دبلوماسييهما من اليمن وإغلاق سفارتيهما مؤقتا. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية: «قررنا (أول من) أمس (الخميس) إغلاق سفارتنا في صنعاء مؤقتا»، موضحا أن «كل الطاقم غادر الأراضي اليمنية». وأضاف أن الوضع السياسي الحالي في اليمن أصبح على درجة من الخطورة «غير مقبولة إطلاقا» للعاملين.
وفي روما، ذكرت وزارة الخارجية الإيطالية في بيان أنها «قررت إغلاق السفارة الإيطالية في صنعاء مؤقتا بعد تسارع الأحداث في البلاد والتفاقم التدريجي للظروف الأمنية». وأضافت أن «السفير (لوتشيانو) غاللي وجميع أعضاء السفارة يعودون بأمان في هذا الوقت إلى إيطاليا».
وتابع أن الوزارة «تأمل أن تتيح جهود الوساطة التي يقوم بها مبعوث الأمم المتحدة جمال بنعمر عودة الظروف الأمنية الكفيلة بالسماح في أسرع وقت بعودة الموظفين الدبلوماسيين إلى اليمن».
وكانت السفارة الإيطالية في صنعاء أغلقت الثلاثاء مكاتبها أمام الجمهور، ونصحت وزارة الخارجية الإيطاليين بعدم السفر إلى اليمن، ونصحت من هم فيه بالمغادرة. وكانت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا أعلنت هذا الأسبوع إغلاق سفاراتها في صنعاء. وقالت مصادر دبلوماسية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن الكثير من الدول العربية والغربية في طريقها إلى الإعلان عن إغلاق سفاراتها في صنعاء جراء الأوضاع القائمة.
وأشارت المصادر إلى أن الأوضاع الراهنة «سوف تنطبق على كافة سفارات الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية بالإضافة إلى 3 دول أوروبية وتركيا».
وأثارت الخطوات التي اتخذتها الكثير من الدول بإغلاق سفاراتها في صنعاء أو تعليق أعمالها، مخاوف واسعة النطاق في الشارع اليمني الذي يعاني من أزمة اقتصادية حادة ومن انعدام للمشتقات النفطية، وحسب مواطنين التقتهم «الشرق الأوسط»، فإن دوافع الخوف في الشارع اليمني تنبع من اندلاع حرب أهلية، حيث يعيش الشمال على وقع سيطرة الحوثيين وترفض قواه وقبائله هيمنة هذه الحركة التي تتهم بأنها تدين بالولاء لإيران، وتعمل على إقصاء بقية القوى السياسية، فيما يعيش الجنوب حالة غليان وتتعدد فصائله وحركاته المطالبة بما يسمى استعادة الدولة أو «الانفصال» عن الشمال، إضافة إلى انتشار الحركات الأصولية المتطرفة كتنظيم «أنصار الشريعة»، وتنظيم القاعدة، وما يتم الحديث عنه أو تداوله، هذه الأيام، من وجود مكثف لعناصر تنظيم داعش ومبايعة عناصر من «القاعدة» لزعيم «داعش» والعمل من خلال الأراضي اليمنية.
ودعت ما تسمى «اللجنة الثورية» برئاسة محمد علي الحوثي، وهي التي تحكم اليمن حاليا، أعضاء مجلس النواب (البرلمان) المنحل إلى الاجتماع الاثنين المقبل في القصر الجمهوري بصنعاء، لمناقشة التطورات الراهنة ولإقناع النواب بالانضمام إلى عضوية «المجلس الوطني» الذي أنشأته اللجنة الحوثية في ضوء «الإعلان الدستوري» الذي صدر في 6 من فبراير (شباط) الحالي.
وقالت مصادر سياسية يمنية لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة الثورية» لا تمتلك الحق في كل القرارات والإجراءات التي اتخذتها والتي تتخذها حتى الآن، وضمن ذلك دعوة أعضاء البرلمان للانعقاد.
وأشارت المصادر إلى أن «خطوة دعوة أعضاء البرلمان اتخذت بعد أن فشلت لجنة مشكلة من 5 من النواب الحوثيين في استقبال طلبات أعضاء البرلمان المنحل للالتحاق بالمجلس الوطني، خاصة بعد رفض الكتل النيابية لكل القوى الإعلان الدستوري والمشاركة في تنفيذ قراراته، لأنه غير شرعي».
وأشارت المصادر اليمنية، التي رفضت الإشارة إلى هويتها، إلى أن «الحوار في اليمن الذي يعول عليه المبعوث الأممي إلى اليمن جمال بنعمر، انتكس بسبب تصرفات الحوثيين واستمرارهم في السيطرة والهيمنة على الدولة وعدم الخضوع لمطالب القوى السياسية الأخرى في اتخاذ إجراءات تثبت حسن النيات».
كما أشارت المصادر إلى أن «الحوثيين بعد أن بسطوا هيمنتهم على البلاد، باتوا يمارسون الحوار كملهاة لكسب المزيد من الوقت»، وإلى أن أعين الحوثيين الآن «تتجه نحو الجنوب لإخضاعه هو ومأرب للسيطرة ولضمان وضع يدهم على منابع النفط في البلاد (حضرموت، شبوة، مأرب) بدرجة رئيسية».
ويشهد اليمن توترا أمنيا غير مسبوق منذ سيطرة الحوثيين على مقاليد السلطة، وأكدت المصادر السياسية اليمنية ذاتها لـ«الشرق الأوسط»، أن الحوثيين «لا يعطون اهتماما للإجراءات المتخذة من قبل بعض العواصم العربية والغربية»، وأنهم «لن ينصاعوا سوى لإجراءات تفرض عليهم عقوبات، فيما هم يراهنون على عقوبات تفرض على الشعب اليمني من أجل المزيد من المزايدة على المواطنين بأن الخارج يريد تجويعه». وفي السياق ذاته، تتواصل المظاهرات الرافضة لـ«انقلاب الحوثيين» على السلطة واستمرار احتجاز الرئيس عبد ربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية هو ورئيس الوزراء المستقيل وعدد من أعضاء حكومته، وتجابه هذه المظاهرات بقمع من قبل قوات الأمن الموالية للحوثيين ومن قبل الميليشيا المسلحة، وكشفت مصادر عليمة في محافظة عمران لـ«الشرق الأوسط» أن «الحوثيين أطلقوا سراح الكثير من نزلاء السجن المركزي بعمران بعد اجتياحها، أواخر العام الماضي، ومعظم من جرى إطلاق سراحهم سجناء في قضايا جنائية، وبعضهم محكومون بالإعدام في جرائم قتل».
وذكرت المصادر أن «الحوثيين يستخدمون هؤلاء السجناء في إطار ميليشياتهم المسلحة»، إضافة إلى تجنيدهم للآلاف من الأطفال تحت السن القانونية في صفوف ميليشياتهم.
في الوقت ذاته، كشفت مصادر في المعارضة اليمنية لـ«الشرق الأوسط» عن وجود معتقلات سرية للحوثيين في العاصمة صنعاء ومحافظة صعدة. وأشارت المصادر إلى أن الحوثيين «يستخدمون التعذيب الجسدي والنفسي بحق المعتقلين ويطالبونهم بالتوقيع على أوراق قبل إطلاق سراحهم دون معرفة محتويات تلك الأوراق». وقال أحد المعتقلين المفرج عنهم لـ«الشرق الأوسط»، إنهم هاجموه أمام مكتبه في صنعاء وضربوه بعقب بندق رشاش في مؤخرة رأسه، الأمر الذي أدى إلى غيابه عن الوعي. وأضاف المعتقل أنه عقب إفاقته من غيبوبته، جرى استجوابه حول أسباب سفره إلى الخارج والأعمال التي ينجزها هناك، وتحديدا في جمهورية آسيوية (..)، وهي الدولة التي كان يدرس فيها المعتقل قبل أن يفتتح مكتبا استثماريا بين صنعاء وعاصمة تلك الدولة.
إلى ذلك، يواصل الحوثيون تعزيز وجودهم العسكري وبسط سيطرتهم على محافظة البيضاء بوسط البلاد، وذلك بعد أيام من السيطرة العسكرية على عدد من المديريات هناك بدعم من قوات الجيش الموالية. وذكرت مصادر محلية في البيضاء أن المسلحين الحوثيين حاولوا، أمس، اجتياح منطقة آل حميقان، غير أن رجال القبائل تصدوا للحملة العسكرية الحوثية، وحتى مساء أمس لم يعرف حجم الخسائر البشرية في صفوف الجانبين.
وقتل أمس مسلحان حوثيان قرب سوق القات في مدينة البيضاء على يد مسلحين مجهولين، قاموا بالاستيلاء على سلاحي القتيلين قبل أن يلوذوا بالفرار.
وفي سياق متصل قال المقدم عمر بن حبريش رئيس حلف قبائل حضرموت، في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط»، إنهم سوف يحافظون على ثروة الإقليم في ظل فراغ مؤسسات الدولة في البلاد، ومن أهمها الثروة المعدنية وما نسبته 70 في المائة من البترول اليمني الذي يستأثر به الإقليم.
وأوضح حبريش الذي يمثل حلفه أكثر من مليوني مواطن يمني من محافظات حضرموت وشبوة والمهرة أن قبائل الجنوب سوف تجتمع الاثنين المقبل، ومن أهم القرارات التي ينتظر أن تصدر تشكيل قيادة موحدة تتولى الإدارة وحفظ الأمن والاستقرار في المحافظات، داعيا المجتمع الدولي والإقليمي إلى مساعدة اليمن وعدم الاعتراف بسلطة المتمردين الحوثيين.
وسيطر الحوثيون في 21 سبتمبر (أيلول) على صنعاء ووقعوا في اليوم ذاته على اتفاق للسلام وتقاسم السلطة مع باقي الأحزاب، إلا أن الاتفاق فشل.
وفي 20 يناير (كانون الثاني) سيطروا على دار الرئاسة، ثم أبرموا اتفاقا جديدا مع الرئيس هادي، لكنه فشل مجددا، ما دفع بالرئيس إلى الاستقالة مع الحكومة.
ويواصل الحوثيون الذين يسيطرون على صنعاء والمحافظات الشمالية هجومهم في وسط البلاد حيث استولوا الثلاثاء على البيضاء، كبرى مدن المحافظة التي تحمل الاسم نفسه. وتنظم مظاهرات شبه يومية احتجاجا على سيطرة الحوثيين على صنعاء وغيرها من المدن.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.