هل يمكن للكتب الأدبية أن تُقرأ من عناوينها؟

بين أن تكون اختزالاً مكثفاً للمؤلفات أو مجرد أسماء و«بطاقات تعريف»

هل يمكن للكتب الأدبية أن تُقرأ من عناوينها؟
TT

هل يمكن للكتب الأدبية أن تُقرأ من عناوينها؟

هل يمكن للكتب الأدبية أن تُقرأ من عناوينها؟

لم تكن مسألة العناوين التي يختارها الكتاب والفنانون لأعمالهم الأدبية والفنية بالأمر السهل على الإطلاق، بل قد تكون واحدة من أعقد المسائل التي يواجهها المؤلفون في أثناء الكتابة، وقبل أن يدفعوا بأعمالهم إلى النشر، إذ لطالما كانت العلاقة بين النصوص وعناوينها محلاً للتساؤل والتفسيرات الملتبسة والغموض الإشكالي.
وإذا كان ثمة من يعتقد أن «المكتوب يُعرف من عنوانه»، وفقاً للمقولة الشائعة التي جرت في الحياة العربية مجرى الأمثال، فإن هذا الاعتقاد ينسحب على الرسائل التي تطلق عليها العامة تسمية «المكاتيب» التي لا يخطئ سعاة البريد في إيصالها إلى المتلقين، وفق عناوين مكانية واضحة محددة المعالم، ولا ينسحب على الإبداع إلا في إطاره التقليدي، حيث لا تنحصر مهمة الأدب في الوصول إلى القارئ، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة استمالته واستقطابه، على المستويات الأخلاقية والفكرية والسياسية.
ولعل هذا النمط من «التصويب» المباشر باتجاه القارئ هو الذي دفع العرب إلى نعت كثير من المؤلفات الأدبية بالرسائل، كما هو الحال مع رسائل ابن المقفع والجاحظ وأبي العلاء المعري وغيرهم.
كذلك فإن مقولة «المكتوب يُعرف من عنوانه» ليست بعيدة عن الصحة في مجالات الدراسات العلمية التي ينبغي أن تتسم بالدقة والموضوعية، أو التي تتخذ فرضياتها المقترحة صفة العناوين الواجب البرهنة عليها عن طريق العقل والمنطق والبحث المنهجي.
ولكن الأمر يختلف تمام الاختلاف مع الأعمال الأدبية والفنية، خاصة تلك التي لا تعتمد وحدة الموضوع، وتبدو أقرب ما تكون إلى الأطياف والرؤى المتشابكة التي يصعب اختزالها بفكرة واحدة أو عنوان محدد.
والواقع أن أي مراجعة متأنية للتراث العربي، خاصة في جانبه الشعري، لا بد أن تقودنا إلى استنتاج أن اختيار العناوين لم يكن واحداً من الهواجس المؤرقة للشعراء، كما هو الحال في العصور الحديثة، حيث البحث عن عنوان ملائم قد يستغرق من الوقت الزمن الذي يستغرقه العمل الإبداعي برمته. فكيف للجاهلي الذي حشد في قصيدة طويلة واحدة كل ذلك القدر من الأبيات والهواجس والعناوين أن يختزل عمله ذاك في عنوان واحد أو تسمية بعينها.
ولذلك فقد ارتأى النقاد والرواة أن تسمى القصائد الأمهات في العصر الجاهلي بالمعلقات، بعد أن بات تعليقها على ستائر الكعبة هو الحدث الاستثنائي الدال على تميزها الإبداعي.
وانتزعت قصائد أخرى عناوينها من كون أصحابها لم يتركوا أثراً غيرها، كما هو الحال مع قصيدة دوقلة المنبجي التي سميت «اليتيمة»، أو بناء على المناسبة التي دفعت الشاعر إلى نظمها، كما هو حال قصيدة أبي تمام في مديح المعتصم التي أخذت عنوانها المعروف «فتح عمورية» من المعركة الشهيرة التي انتصر خلالها الخليفة العباسي على الروم.
وبما أن وحدة الشكل المتمثلة بانضواء الأبيات تحت الوزن ذاته والقافية إياها هي التي كانت تنوب عن تشتت المضامين في القصيدة الواحدة، فقد اهتدى رواة الشعر ونقاده إلى الحل المريح، المتمثل بنسبة القصيدة إلى قافيتها، كأن يقال «سينية» البحتري، أو «عينية» ابن سينا، أو لامية «ابن الوردي»، وما سوى ذلك.
على أن اللجوء إلى القافية لم يكن ليوفر الحل الأمثل لإشكالية العناوين، باعتبار أن الاحتمالات المتاحة أمام الشعراء لاختيار القوافي محصورة بالحروف التي تسمح بها الأبجدية العربية، الأمر الذي يجبر هؤلاء على تكرار القافية ذاتها في كثير من قصائدهم ومقطوعاتهم، ما يُفقد هذه الأخيرة الصلاحية الحصرية في منح الهوية والاسم للقصائد غير المسماة.
أما في الأزمنة الحديثة، فقد بدا الكتاب والمبدعون كأنهم يولون مسألة العناوين عناية واهتماماً يفوق ما كان يفعله أسلافهم من قبل، وهو أمر ينسحب على الأدب العربي بقدر ما ينسحب على الآداب العالمية بمختلف لغاتها ومناحيها.
والواقع أن كثيراً من شعراء الحداثة في الغرب لم يروا العناوين بصفتها مجرد إشارة رمزية للتعريف بالعمل الشعري أو لتمييزه عن سواه، بل جزءاً لا يتجزأ من هوية العمل ونواته ومغزاه، وهو ما ينسحب بشكل أخص على مجموعة بودلير «أزهار الشر» التي تعكس جوهر التمزق البودليري بين الطهراني والشيطاني.
وكذلك هو الأمر مع «أوراق العشب» لوالت ويتمان الذي رأى في العودة إلى الطبيعة السبيل الأمثل للعودة إلى نقاوة الحياة وبراءتها، كما للاحتجاج على الجنوح الأميركي المفرط نحو التعصب والعنف وقهر السكان الأصليين، و«فصل في الجحيم» لرامبو، حيث البحث عن الخلاص الروحي يتطلب التجديف في «أنهار همجية» يمنحها خداع الحواس قدرة أكبر على المخاتلة ووأد المغامرة في مهدها.
وإذا كانت للثورة الصناعية الغربية وجوهها الإيجابية المتعددة، فإن الشعراء المفرطين في حساسيتهم، العاملين بدأب على احتفاظ الحياة ببراءتها الأصلية، لم يستطيعوا التعامل مع الصناعات الجديدة والكارتيلات الصناعية والتجارية الهائلة إلا بصفتهما أداتين للجشع العابر للقارات، ولتسليع الإنسان وسحقه تحت السنابك الفولاذية الضروس للعالم المعدني، وهو ما ألقى بظلاله المؤثرة على أدب القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث نعثر على عناوين روائية معبرة، من مثل: «الإنسان الصرصار» لدويستويفسكي، و«المسخ» لكافكا، و«مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، وعلى عناوين شعرية موازية في دلالاتها، مثل «الأرض الخراب» لتوماس إليوت، و«عواء» لألن غينسبرغ، و«في خديعة العتبة» لإيف بونفوا، و«الحب كلب من الجحيم» لبوكوفسكي، على سبيل المثال لا الحصر.
ولعلني لا أجافي الحقيقة في شيء إذا خلصت إلى استنتاج أن عقدة اختيار العناوين هي في مجال الرواية أسهل منها في مجال الشعر. فالروائيون الذين يشتغلون على فكرة وموضوع محددين، وعلى لغة وحياة شبه ملموستين، والذين يتحكمون إلى حد بعيد بمسار أعمالهم ووقائعها ومصائر أشخاصها، لن يجدوا صعوبة بالغة في العثور على عناوين ملائمة، تحمل في بعض الأحيان أسماء أبطال الروايات الذين يتحول بعضهم إلى نماذج عليا للعيش، كما للمواجهة الضارية مع تحديات الوجود الكبرى، كما هو حال «دون كيشوت» لسرفانتس، و«فاوست» لغوته، و«مدام بوفاري» لفلوبير، و«أنا كارنينا» لتولستوي، و«زوربا» لكازانتزاكيس، و«ويولسيس» لجيمس جويس، و«موبي ديك» لميلفيل، و«مرداد» لميخائيل نعيمة، و«سراب عفان» لجبرا إبراهيم جبرا.
لكن الأمر لم يتوقف عند ربط العناوين بنماذج «بطولية» منتزعة من واقع الحياة وأحشائها، بل ثمة كتب ومؤلفات جرت عناوينها الرائعة بين البشر مجرى الحكم المكثفة والأمثال السائرة، كما هو حال «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست، و«الحياة في مكان آخر» لميلان كونديرا، و«الجميلات النائمات» لكاواباتا، و«مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» لغارسيا ماركيز، وكثير غيرها.
لكن العناوين بالمقابل ليست بالضرورة معنية بالكشف عن طبيعة الكتب والأعمال التي تتصدرها. وهي لن تستطيع، ولو بذل واضعوها كل ما لديهم من جهد، أن تختزل العمل الأدبي الذي وُضعت له بكلمة أو اثنتين أو أكثر قليلاً، بل إن علاقتها بالكتاب الذي تتصدره ليست أكثر من علاقة الكائنات الحية وسائر الموجودات بأسمائها. فكما أنه ليس من مهمات الاسم أن يكون مطابقاً للمسمى في دلالته ومعناه، رغم حرص كثيرين في العادة على أن يخصوا أطفالهم بأسماء دالة على الجمال أو الأخلاق والصفات الحميدة، فإن الحال لا يختلف كثيراً مع العناوين التي يجب أن تنحصر مهمتها في تسمية العمل الإبداعي، تأكيداً على هويته، وتمييزاً له عن سواه. ولعل أكثر الأعمال والنصوص التي ينطبق عليها مثل هذا الرأي هي تلك التي تنزع باتجاه التجريد، وتتحرك في فضاء غامض مبهم المعالم والاتجاهات، وهو ما ينطبق على الشعراء أكثر من سواهم. وإذا كان بعض شعراء الحداثة لا يعولون كثيراً على عناوين دواوينهم وقصائدهم، بحيث يلجأ بعضهم إلى استبدال العناوين بعلامات الترقيم، فإن بعضهم الآخر يختار لأعماله عناوين لافتة في غرابتها، مثل «غيمة ترتدي بنطلوناً» لماياكوفسكي، و«العودة إلى مكان مضاء بكوب حليب» لشارلز سيميك، و«حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة» لشوقي أبي شقرا، وصولاً إلى عناوين أخرى لافتة، مثل: «استدراج الجبل» لغسان زقطان، و«تمرين على الاختفاء» لغسان جواد، و«أتثاءب في مخيلة قطة» لرنيم ضاهر، وكثير غيرها.
إلا أن ما لا بد من ذكره في ختام هذه المقالة هو أن العناوين والتسميات ما تزال تمتلك تأثيرها البالغ على صعيد تسويق الكتب واجتذاب القراء، بصرف النظر عما يختبئ خلفها من مضامين وأساليب وحمولات معرفية متباينة.
وإذا كانت النخب الضيقة من المثقفين ومدمني القراءة لا تكتفي من الكتب بعناوينها المغوية البراقة، فإن الكثرة الكاثرة من القراء العاديين ترى في مثل تلك العناوين ما يستدرجها إلى شراء الكتب واقتنائها، خاصة تلك التي تلعب على أوتار الرغبات الصريحة والعواطف المشبوبة والحماس الوطني والقومي. ولست لأميط اللثام عن أي نوع من الأسرار إذا قلت إنني أعرف كثيراً من الناشرين الذين مارسوا على بعض الكتاب والشعراء ضغوطاً معنوية ونفسية قصوى من أجل تناسي العناوين الأصلية التي وضعوها لمؤلفاتهم، واستبدالها أخرى بها، بحيث تكون أكثر «إثارة» للقارئ وإغواء له، وحجتهم في ذلك أنهم لا يريدون لأموالهم أن تُهدر فيما لا طائل منه، ولمنشوراتهم أن تظل حبيسة المستودعات والأقبية الرطبة!



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended