هل يمكن للكتب الأدبية أن تُقرأ من عناوينها؟

بين أن تكون اختزالاً مكثفاً للمؤلفات أو مجرد أسماء و«بطاقات تعريف»

هل يمكن للكتب الأدبية أن تُقرأ من عناوينها؟
TT

هل يمكن للكتب الأدبية أن تُقرأ من عناوينها؟

هل يمكن للكتب الأدبية أن تُقرأ من عناوينها؟

لم تكن مسألة العناوين التي يختارها الكتاب والفنانون لأعمالهم الأدبية والفنية بالأمر السهل على الإطلاق، بل قد تكون واحدة من أعقد المسائل التي يواجهها المؤلفون في أثناء الكتابة، وقبل أن يدفعوا بأعمالهم إلى النشر، إذ لطالما كانت العلاقة بين النصوص وعناوينها محلاً للتساؤل والتفسيرات الملتبسة والغموض الإشكالي.
وإذا كان ثمة من يعتقد أن «المكتوب يُعرف من عنوانه»، وفقاً للمقولة الشائعة التي جرت في الحياة العربية مجرى الأمثال، فإن هذا الاعتقاد ينسحب على الرسائل التي تطلق عليها العامة تسمية «المكاتيب» التي لا يخطئ سعاة البريد في إيصالها إلى المتلقين، وفق عناوين مكانية واضحة محددة المعالم، ولا ينسحب على الإبداع إلا في إطاره التقليدي، حيث لا تنحصر مهمة الأدب في الوصول إلى القارئ، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة استمالته واستقطابه، على المستويات الأخلاقية والفكرية والسياسية.
ولعل هذا النمط من «التصويب» المباشر باتجاه القارئ هو الذي دفع العرب إلى نعت كثير من المؤلفات الأدبية بالرسائل، كما هو الحال مع رسائل ابن المقفع والجاحظ وأبي العلاء المعري وغيرهم.
كذلك فإن مقولة «المكتوب يُعرف من عنوانه» ليست بعيدة عن الصحة في مجالات الدراسات العلمية التي ينبغي أن تتسم بالدقة والموضوعية، أو التي تتخذ فرضياتها المقترحة صفة العناوين الواجب البرهنة عليها عن طريق العقل والمنطق والبحث المنهجي.
ولكن الأمر يختلف تمام الاختلاف مع الأعمال الأدبية والفنية، خاصة تلك التي لا تعتمد وحدة الموضوع، وتبدو أقرب ما تكون إلى الأطياف والرؤى المتشابكة التي يصعب اختزالها بفكرة واحدة أو عنوان محدد.
والواقع أن أي مراجعة متأنية للتراث العربي، خاصة في جانبه الشعري، لا بد أن تقودنا إلى استنتاج أن اختيار العناوين لم يكن واحداً من الهواجس المؤرقة للشعراء، كما هو الحال في العصور الحديثة، حيث البحث عن عنوان ملائم قد يستغرق من الوقت الزمن الذي يستغرقه العمل الإبداعي برمته. فكيف للجاهلي الذي حشد في قصيدة طويلة واحدة كل ذلك القدر من الأبيات والهواجس والعناوين أن يختزل عمله ذاك في عنوان واحد أو تسمية بعينها.
ولذلك فقد ارتأى النقاد والرواة أن تسمى القصائد الأمهات في العصر الجاهلي بالمعلقات، بعد أن بات تعليقها على ستائر الكعبة هو الحدث الاستثنائي الدال على تميزها الإبداعي.
وانتزعت قصائد أخرى عناوينها من كون أصحابها لم يتركوا أثراً غيرها، كما هو الحال مع قصيدة دوقلة المنبجي التي سميت «اليتيمة»، أو بناء على المناسبة التي دفعت الشاعر إلى نظمها، كما هو حال قصيدة أبي تمام في مديح المعتصم التي أخذت عنوانها المعروف «فتح عمورية» من المعركة الشهيرة التي انتصر خلالها الخليفة العباسي على الروم.
وبما أن وحدة الشكل المتمثلة بانضواء الأبيات تحت الوزن ذاته والقافية إياها هي التي كانت تنوب عن تشتت المضامين في القصيدة الواحدة، فقد اهتدى رواة الشعر ونقاده إلى الحل المريح، المتمثل بنسبة القصيدة إلى قافيتها، كأن يقال «سينية» البحتري، أو «عينية» ابن سينا، أو لامية «ابن الوردي»، وما سوى ذلك.
على أن اللجوء إلى القافية لم يكن ليوفر الحل الأمثل لإشكالية العناوين، باعتبار أن الاحتمالات المتاحة أمام الشعراء لاختيار القوافي محصورة بالحروف التي تسمح بها الأبجدية العربية، الأمر الذي يجبر هؤلاء على تكرار القافية ذاتها في كثير من قصائدهم ومقطوعاتهم، ما يُفقد هذه الأخيرة الصلاحية الحصرية في منح الهوية والاسم للقصائد غير المسماة.
أما في الأزمنة الحديثة، فقد بدا الكتاب والمبدعون كأنهم يولون مسألة العناوين عناية واهتماماً يفوق ما كان يفعله أسلافهم من قبل، وهو أمر ينسحب على الأدب العربي بقدر ما ينسحب على الآداب العالمية بمختلف لغاتها ومناحيها.
والواقع أن كثيراً من شعراء الحداثة في الغرب لم يروا العناوين بصفتها مجرد إشارة رمزية للتعريف بالعمل الشعري أو لتمييزه عن سواه، بل جزءاً لا يتجزأ من هوية العمل ونواته ومغزاه، وهو ما ينسحب بشكل أخص على مجموعة بودلير «أزهار الشر» التي تعكس جوهر التمزق البودليري بين الطهراني والشيطاني.
وكذلك هو الأمر مع «أوراق العشب» لوالت ويتمان الذي رأى في العودة إلى الطبيعة السبيل الأمثل للعودة إلى نقاوة الحياة وبراءتها، كما للاحتجاج على الجنوح الأميركي المفرط نحو التعصب والعنف وقهر السكان الأصليين، و«فصل في الجحيم» لرامبو، حيث البحث عن الخلاص الروحي يتطلب التجديف في «أنهار همجية» يمنحها خداع الحواس قدرة أكبر على المخاتلة ووأد المغامرة في مهدها.
وإذا كانت للثورة الصناعية الغربية وجوهها الإيجابية المتعددة، فإن الشعراء المفرطين في حساسيتهم، العاملين بدأب على احتفاظ الحياة ببراءتها الأصلية، لم يستطيعوا التعامل مع الصناعات الجديدة والكارتيلات الصناعية والتجارية الهائلة إلا بصفتهما أداتين للجشع العابر للقارات، ولتسليع الإنسان وسحقه تحت السنابك الفولاذية الضروس للعالم المعدني، وهو ما ألقى بظلاله المؤثرة على أدب القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث نعثر على عناوين روائية معبرة، من مثل: «الإنسان الصرصار» لدويستويفسكي، و«المسخ» لكافكا، و«مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، وعلى عناوين شعرية موازية في دلالاتها، مثل «الأرض الخراب» لتوماس إليوت، و«عواء» لألن غينسبرغ، و«في خديعة العتبة» لإيف بونفوا، و«الحب كلب من الجحيم» لبوكوفسكي، على سبيل المثال لا الحصر.
ولعلني لا أجافي الحقيقة في شيء إذا خلصت إلى استنتاج أن عقدة اختيار العناوين هي في مجال الرواية أسهل منها في مجال الشعر. فالروائيون الذين يشتغلون على فكرة وموضوع محددين، وعلى لغة وحياة شبه ملموستين، والذين يتحكمون إلى حد بعيد بمسار أعمالهم ووقائعها ومصائر أشخاصها، لن يجدوا صعوبة بالغة في العثور على عناوين ملائمة، تحمل في بعض الأحيان أسماء أبطال الروايات الذين يتحول بعضهم إلى نماذج عليا للعيش، كما للمواجهة الضارية مع تحديات الوجود الكبرى، كما هو حال «دون كيشوت» لسرفانتس، و«فاوست» لغوته، و«مدام بوفاري» لفلوبير، و«أنا كارنينا» لتولستوي، و«زوربا» لكازانتزاكيس، و«ويولسيس» لجيمس جويس، و«موبي ديك» لميلفيل، و«مرداد» لميخائيل نعيمة، و«سراب عفان» لجبرا إبراهيم جبرا.
لكن الأمر لم يتوقف عند ربط العناوين بنماذج «بطولية» منتزعة من واقع الحياة وأحشائها، بل ثمة كتب ومؤلفات جرت عناوينها الرائعة بين البشر مجرى الحكم المكثفة والأمثال السائرة، كما هو حال «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست، و«الحياة في مكان آخر» لميلان كونديرا، و«الجميلات النائمات» لكاواباتا، و«مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» لغارسيا ماركيز، وكثير غيرها.
لكن العناوين بالمقابل ليست بالضرورة معنية بالكشف عن طبيعة الكتب والأعمال التي تتصدرها. وهي لن تستطيع، ولو بذل واضعوها كل ما لديهم من جهد، أن تختزل العمل الأدبي الذي وُضعت له بكلمة أو اثنتين أو أكثر قليلاً، بل إن علاقتها بالكتاب الذي تتصدره ليست أكثر من علاقة الكائنات الحية وسائر الموجودات بأسمائها. فكما أنه ليس من مهمات الاسم أن يكون مطابقاً للمسمى في دلالته ومعناه، رغم حرص كثيرين في العادة على أن يخصوا أطفالهم بأسماء دالة على الجمال أو الأخلاق والصفات الحميدة، فإن الحال لا يختلف كثيراً مع العناوين التي يجب أن تنحصر مهمتها في تسمية العمل الإبداعي، تأكيداً على هويته، وتمييزاً له عن سواه. ولعل أكثر الأعمال والنصوص التي ينطبق عليها مثل هذا الرأي هي تلك التي تنزع باتجاه التجريد، وتتحرك في فضاء غامض مبهم المعالم والاتجاهات، وهو ما ينطبق على الشعراء أكثر من سواهم. وإذا كان بعض شعراء الحداثة لا يعولون كثيراً على عناوين دواوينهم وقصائدهم، بحيث يلجأ بعضهم إلى استبدال العناوين بعلامات الترقيم، فإن بعضهم الآخر يختار لأعماله عناوين لافتة في غرابتها، مثل «غيمة ترتدي بنطلوناً» لماياكوفسكي، و«العودة إلى مكان مضاء بكوب حليب» لشارلز سيميك، و«حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة» لشوقي أبي شقرا، وصولاً إلى عناوين أخرى لافتة، مثل: «استدراج الجبل» لغسان زقطان، و«تمرين على الاختفاء» لغسان جواد، و«أتثاءب في مخيلة قطة» لرنيم ضاهر، وكثير غيرها.
إلا أن ما لا بد من ذكره في ختام هذه المقالة هو أن العناوين والتسميات ما تزال تمتلك تأثيرها البالغ على صعيد تسويق الكتب واجتذاب القراء، بصرف النظر عما يختبئ خلفها من مضامين وأساليب وحمولات معرفية متباينة.
وإذا كانت النخب الضيقة من المثقفين ومدمني القراءة لا تكتفي من الكتب بعناوينها المغوية البراقة، فإن الكثرة الكاثرة من القراء العاديين ترى في مثل تلك العناوين ما يستدرجها إلى شراء الكتب واقتنائها، خاصة تلك التي تلعب على أوتار الرغبات الصريحة والعواطف المشبوبة والحماس الوطني والقومي. ولست لأميط اللثام عن أي نوع من الأسرار إذا قلت إنني أعرف كثيراً من الناشرين الذين مارسوا على بعض الكتاب والشعراء ضغوطاً معنوية ونفسية قصوى من أجل تناسي العناوين الأصلية التي وضعوها لمؤلفاتهم، واستبدالها أخرى بها، بحيث تكون أكثر «إثارة» للقارئ وإغواء له، وحجتهم في ذلك أنهم لا يريدون لأموالهم أن تُهدر فيما لا طائل منه، ولمنشوراتهم أن تظل حبيسة المستودعات والأقبية الرطبة!



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».