جوزيف بوريل: على النظام السوري تغيير سلوكه داخلياً... وخارجياً

قال لـ «الشرق الأوسط» إنه يدعم اقتراح بيدرسن لتفعيل التعاون الدولي في التسوية وتنفيذ القرار 2254

المفوض الأعلى لشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل
المفوض الأعلى لشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل
TT

جوزيف بوريل: على النظام السوري تغيير سلوكه داخلياً... وخارجياً

المفوض الأعلى لشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل
المفوض الأعلى لشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل

شدّد المفوض الأعلى لشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، على وجوب انخراط «القيادة السياسية» في دمشق في اتخاذ قرارات واضحة لا لبس فيها، لـ«إنهاء قمع الشعب السوري، والدخول بصورة هادفة في المفاوضات التي ترعاها وتشرف عليها منظمة الأمم المتحدة»، لتنفيذ القرار الدولي 2254.
وقال بوريل، في حديث بمناسبة انعقاد الدورة الخامسة من مؤتمر بروكسل للمانحين الاثنين، رداً على سؤال، إنه «لا بد أن يتخذ النظام السوري قراراً واضحاً بتغيير سلوكه، وتغيير أسلوب تفاعله مع بقية بلدان العالم، قبل أن يَجري التفكير في الدعوة» لعقد مؤتمر لإعمار سوريا بمساهمة الاتحاد الأوروبي.
وأضاف «على النظام، اعتماد تغييرٍ واضحٍ وصريحٍ في التصرفات، قبل التفكير في رفع العقوبات الاقتصادية من جانب الاتحاد الأوروبي».
وسئل بوريل عن الانتخابات الرئاسية السورية المقرر عقدها قبل انتهاء ولاية الرئيس بشار الأسد في 17 يوليو (تموز) المقبل، فأجاب: «إذا كنا نرغب في رؤية انتخابات تسهم في تسوية النزاع القائم، فلا بد أن تُجرى وفق القرار 2254»، مضيفا «في ظل ظروف الصراع الحالية، وبما أن النظام السوري قد أخفق في الانخراط بصورة هادفة في المفاوضات التي تقودها منظمة الأمم المتحدة (...)، لا يمكن لهذه الانتخابات الرئاسية أن تسفر عن أي إجراءات من شأنها التطبيع المباشر مع النظام. وعليه، فلقد دعونا أطرافاً أخرى في المجتمع الدولي، والمنطقة على نطاقها الأوسع، إلى تجنب الخوض في أي درجة من درجات التطبيع من هذا القبيل».
ولم يجب بوريل لدى سؤاله حول إمكانية حصول حوار أميركي - روسي بشأن سوريا، لكنه قال إن مؤتمر بروكسل «يجمع الجهات الفاعلة والبلدان المانحة الرئيسية على وجه التحديد، من أجل تشجيع استمرار الحوار والتقدم على مسار الحل السياسي للأزمة».
وأيد بوريل دعوة المبعوث الأممي، غير بيدرسن، لتعاون الدول الفاعلة لحل الأزمة السورية، قائلاً إنه من المهم «تعزيز سبل الحوار بين مختلف الجهات الفاعلة، المعنية والمؤثرة في مجريات الأزمة السورية».
وهنا نص الحوار الذي أجرته «الشرق الأوسط» الأحد:

> الدورة الخامسة من مؤتمر بروكسل للمانحين ستعقد الثلاثاء... ماذا تتوقعون من المؤتمر على الصعيدين السياسي والاقتصادي؟
- بعد مرور عشر سنوات على الصراع في سوريا، لا يمكن للمجتمع الدولي التردد في إيلاء المزيد من الاهتمام والتركيز على الحاجة الماسة للتوصل إلى حل سياسي للأزمة الراهنة. إذ يدعو الاتحاد الأوروبي كافة الأطراف الدولية المعنية ذات الصلة والتأثير في الأزمة السورية إلى تضافر الجهود وتوحيدها خلال مؤتمر بروكسل في 30 مارس (آذار)، بهدف إعادة تأكيد وترسيخ الدعم القوي للوصول إلى حل سياسي بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، ومن شأن المؤتمر ضمان بقاء سوريا على رأس أولويات أجندة الأعمال الدولية.
> هل هناك تأثير لجائحة «كورونا» على توقعاتكم من الدول المانحة؟
- هدفي الأساسي هو أن يجدد المجتمع الدولي دعمه السياسي والمالي للشعب السوري، سواء من القاطنين داخل سوريا، أو اللاجئين إلى خارجها، في بلدان الجوار السوري، لا سيما في الأردن ولبنان وتركيا، وكذلك مصر والعراق.
ويشكل هذا المؤتمر الحدث الرئيسي لإعلان التعهدات بالمساعدات المالية لسوريا وللمنطقة في عام 2021، ويكمن هدفه الرئيسي في ضمان تلبية نداء منظمة الأمم المتحدة على أفضل وجه ممكن، لا سيما مع النظر إلى التحديات الإضافية المتمثلة في مواجهة جائحة فيروس «كورونا» المستجد.
> وفَّر المؤتمر الماضي مساعدات مالية بقيمة 7 مليارات دولار أميركي. هل تعتقدون أنه سيكون ممكناً الحصول على التعهدات المالية نفسها في مؤتمر العام الجاري؟ وهل سوف تتمكنون من الاستجابة لنداء منظمة الأمم المتحدة لتأمين المساعدات الإنسانية؟
- منذ بدء اندلاع الصراع في سوريا، في عام 2011، أسهم الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، بما يقرب من 25 مليار يورو لتغطية الاحتياجات الناشئة عن الحرب الأهلية السورية، في الأراضي السورية نفسها وفي المنطقة الإقليمية بمجالها الأوسع. وخرج نحو ثلثي التعهدات التي تمخضت عنها مؤتمرات المساعدات المالية المتعاقبة، من بلدان الاتحاد الأوروبي.
> يواكب انعقاد المؤتمر الذكرى العاشرة لاندلاع الأزمة. متى تتوقع انعقاد مؤتمر لإعمار سوريا؟ وما هي شروط المساهمة الأوروبية في إعمار سوريا؟
- أتطلع كثيراً إلى اليوم الذي نتمكن فيه من الدعوة لمؤتمر لإعادة إعمار سوريا. غير أن توقيت انعقاد مثل هذا المؤتمر يتوقف على تصرفات النظام الحاكم في سوريا، في المقام الأول. ونحن ندعو النظام الحاكم في سوريا إلى التغيير من تصرفاته. والأمر متروك برمته إلى القيادة السياسية في دمشق، لاتخاذ القرارات الواضحة التي لا لبس فيها بشأن إنهاء قمع الشعب السوري، والدخول بصورة هادفة في المفاوضات التي ترعاها وتشرف عليها منظمة الأمم المتحدة.
خلاصة القول، على النظام السوري اتخاذ قرار واضح بتغيير سلوكه، كذلك تغيير أسلوب تفاعله مع بقية بلدان العالم، وذلك قبل أن يجري التفكير في الدعوة لعقد مثل هذا المؤتمر.

معايير دولية
> لكن دمشق مقبلة على انتخابات رئاسية يتوقع أن يفوز فيها الرئيس بشار الأسد... كيف تنظرون لمثل هذه الانتخابات؟
- إن كنا نرغب في رؤية انتخابات تسهم في تسوية النزاع القائم، فلا بد أن تُجرى وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 تحت رعاية وإشراف منظمة الأمم المتحدة، مع السعي الحثيث لتحقيق أعلى المعايير الدولية المعروفة في الانتخابات، ولا بد أن تتسم بالحرية، والنزاهة، والسماح لكافة المرشحين المحتملين بالترشح فيها، وتنظيم الحملات الانتخابية بكل حرية، مع الحاجة الماسة إلى احترام الشفافية والمساءلة، وأخيراً وليس آخراً، إتاحة الإمكانية لكافة أطياف الشعب السوري، بما في ذلك الموجودون في الخارج، للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
> دمشق وموسكو تريدان أن تستعمل الانتخابات للضغط في اتجاه التطبيع... فهل يمكن أن يُقدم الاتحاد الأوروبي على التطبيع مع دمشق بعد ذلك؟
- في ظل ظروف الصراع الحالية، وبما أن النظام السوري الحاكم أخفق في الانخراط بصورة هادفة في المفاوضات التي تقودها منظمة الأمم المتحدة، فليس من الممكن إجراء الانتخابات التي ينظمها النظام السوري الحاكم، على غرار تلك المطلوب انعقادها في وقت لاحق من العام الجاري، وفقاً للمعايير الدولية وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، ثم إنه لا يمكن لهذه الانتخابات الرئاسية أن تسفر عن أي إجراءات من شأنها التطبيع المباشر مع النظام السوري الحاكم. وعليه، فلقد دعونا أطرافا أخرى في المجتمع الدولي، والمنطقة على نطاقها الأوسع، إلى تجنب الخوض في أي درجة من درجات التطبيع من هذا القبيل.
> هل دعوتم الحكومة الروسية لحضور مؤتمر بروكسل المقبل؟ وكيف يمكنكم العمل مع موسكو بشأن الملف السوري مع بقاء العلاقات مع روسيا عند هذا المستوى المنخفض؟
- دعونا الاتحاد الروسي إلى كل مؤتمر انعقد في بروكسل بشأن الأزمة السورية، والحكومة الروسية محل ترحيب دائم في مثل تلك الفعاليات. وليس خافياً على أحد أن العلاقات بين الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي ليست على المستوى المنشود في الآونة الراهنة. غير أن ذلك لا يحول بيننا وبين تبادل وجهات النظر بشأن المسائل والقضايا العالمية ذات الاهتمام المشترك، ولا يمنعنا من العمل مباشرة مع الجانب الروسي بغية الوصول إلى حلول جيدة عندما تتاح لنا الفرصة إلى ذلك. على سبيل المثال، هناك مستوى جيد من التعاون مع الحكومة الروسية داخل اللجنة الرباعية في الشرق الأوسط.

ضغوط
> ماذا عن العقوبات الاقتصادية على دمشق؟ وما هو الهدف منها؟
- تهدف العقوبات الاقتصادية المفروضة من الاتحاد الأوروبي والمتعلقة بسوريا، إلى تفادي إعاقة تدفقات المساعدات الإنسانية. ويشتمل هذا على الجهود المبذولة في خضم المكافحة العالمية لجائحة فيروس «كورونا» الراهنة. ومن ثم، فإن تصدير المواد الغذائية، أو الأدوية، أو اللوازم الطبية من شاكلة أجهزة التنفس الصناعي وأجهزة التهوية، لا تخضع أبداً للعقوبات الاقتصادية من طرف الاتحاد الأوروبي. وعلاوة على ذلك، يجري النظر في عدد من الاستثناءات المحددة بشأن الأغراض الإنسانية.
> دمشق وموسكو تؤكدان أن هذه العقوبات تؤثر على المساعدات الإنسانية
- دعونا لا ننسى الصورة الكبيرة للوضع: يتحمل النظام السوري الحاكم الجانب الأكبر من المعاناة الإنسانية التي يتكبدها الشعب السوري. وقد تعمد النظام الحاكم هناك، مراراً وتكراراً، رفض وصول المساعدات الإنسانية إلى عدد من المناطق السورية، كجزءٍ من استراتيجيته خلال الصراع الدائر.
إن تصرفات النظام السوري الحاكم تعد المسؤول الأول عن اندلاع الأزمة الإنسانية، وليس عقوبات الاتحاد الأوروبي. وهذه من النقاط المهمة التي سيُعنى الاتحاد الأوروبي بتوضيحها خلال فعاليات المؤتمر القادم، إن كانت هناك محاولات أخرى جديدة لإلقاء تبعات الأمر على العقوبات الاقتصادية الأوروبية في المعاناة الإنسانية الراهنة للشعب السوري.
> متى ترفع العقوبات؟
- الهدف من هذه التدابير العقابية مواصلة الضغوط على النظام السوري الحاكم، بغية وقف أعمال القمع، ثم التفاوض بشأن التسوية السياسية الدائمة للأزمة السورية، بما يتفق مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة. وتأتي تلك التدابير في معرض الدفع باتجاه الاستجابة الممنهجة وواسعة النطاق من قبل النظام السوري لاحترام حقوق الإنسان، والالتزام بالقانون الإنساني الدولي. على النظام السوري الحاكم، اعتماد تغيير واضح وصريح في التصرفات قبل التفكير في رفع العقوبات الاقتصادية من جانب الاتحاد الأوروبي.

أميركا وروسيا
> ماذا عن التسوية السياسية وجهود المبعوث الأممي غير بيدرسن خصوصاً أن الأمم المتحدة تساهم في رعاية مؤتمر بروكسل؟
- يواصل الاتحاد الأوروبي دعم مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، السيد غير بيدرسن، في جهوده الحثيثة لتعزيز كافة جوانب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، ضمن مقاربة عمل شاملة. ومن الأهمية بمكان إحراز المزيد من التقدم على مسار أعمال اللجنة الدستورية السورية، حيث إنها تقوم مقام البوابة التي تُفضي إلى العناية بجوانب أخرى ذات صلة بالقرار الأممي المذكور. ونحن على دراية كاملة بأن السيد غير بيدرسن يواصل محاولاته لإحراز التقدم الملموس في هذه الجوانب الأخرى، كما أننا ندعمه تماماً في هذه الجهود أيضاً، إذ يعتقد الاتحاد الأوروبي بأن مصير الأشخاص المفقودين والمحتجزين لدى النظام السوري لا بد من تناوله والتعامل معه على وجه السرعة، وبصفة خاصة على اعتباره من أبلغ بواعث القلق العميقة لدى العائلات في كافة أنحاء سوريا. وإنني، بصفة شخصية، أشجع السيد غير بيدرسن في جهوده المستمرة على هذا المسار.
> ماذا عن اقتراح بيدرسن تشكيل مجموعة جديدة للاتصال بشأن الأزمة السورية وضرورة تعاون المجتمع الدولي في الحل؟
- فيما يتصل بدعوة مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، للمشاركة الدولية الإيجابية والبناءة بشأن الأزمة السورية، فإنني أتفق معه تماماً في هذه النقطة أيضاً؛ إذ يُعتبر مؤتمر الجهات المانحة في بروكسل، نهاية الشهر الجاري، من الأمثلة العملية على التزام الاتحاد الأوروبي بتعزيز سبل الحوار بين مختلف الجهات الفاعلة المعنية والمؤثرة في مجريات الأزمة السورية.
> ماذا عن أميركا وروسيا؟ ما هو موقفكم من الحوار بينهما حول سوريا؟
- صحيح أن المفاوضات الأميركية - الروسية المشتركة قد اضطلعت بدور بارز ومهم في الملف السوري في الماضي، على غرار المباحثات التي جرت بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف. أما إذا كانت مثل تلك المفاوضات ممكنة الحدوث في الآونة الراهنة، فهذا أمر لا بد أن تسألهما عنه.
> هل الحوار بين واشنطن وموسكو وارد الآن؟
- ما نحن بصدد القيام به في مؤتمر بروكسل المقبل هو الجمع بين الجهات الفاعلة، والبلدان المانحة الرئيسية على وجه التحديد، من أجل تشجيع استمرار الحوار والتقدم على مسار الحل السياسي للأزمة. ويقف الاتحاد الأوروبي على أهبة الاستعداد للمشاركة والمساعدة المباشرة كلما أمكن ذلك، نظراً لأن سوريا هي من القضايا ذات الأهمية القصوى بالنسبة لنا.
> خطوط التماس في سوريا ثابتة لأول مرة منذ أكثر من سنة وهناك ثلاث مناطق نفوذ... ما هو موقف الاتحاد الأوروبي من هذا المشهد؟ هل رؤيتكم هي ذاتها لكل سوريا؟
- أجل، لدى الاتحاد الأوروبي رؤية متطابقة لكل منطقة تقوم على احترام مبادئ: الوحدة، والسيادة، وسلامة الأراضي في الدولة السورية. وعلاوة على ما تقدم، فإن الحل السياسي المنشود في إطار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 لا بد أن يكون معنياً بالمستقبل السوري، وتحت قيادة سورية، وموجهاً لصالح سوريا في المقام الأول.

سوريا بعد ١٠ سنوات... لا حل عسكرياً للصراع
> قال مسؤول الشؤون الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل في بيان بمناسبة الذكرى العاشرة لبدء الاحتجاجات السورية: «يصادف 15 مارس (آذار) 2021 ذكرى مرور عشر سنوات على بدء الاحتجاجات السلمية في جميع أنحاء سوريا، بعد أن أدى القمع والعنف الذي يمارسه النظام إلى نشوب صراع استمر عقداً كاملاً حتى الآن.
أدى القمع الوحشي الذي يمارسه النظام ضد الشعب السوري، وفشله في معالجة الأسباب الجذرية للانتفاضة، إلى تصعيد الصراع المسلح وتدويله. فعلى مدى السنوات العشر الماضية، تسببت الانتهاكات التي لا حصر لها لحقوق الإنسان، والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني من قبل جميع الأطراف، ولا سيما من قبل النظام السوري، في معاناة إنسانية هائلة.
إن المساءلة عن جميع انتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان تكتسب أهمية قصوى، كشرط قانوني وكعنصر أساسي في تحقيق السلام المستدام والمصالحة الحقيقية في سوريا.
وتعد أزمة اللاجئين السوريين أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث يوجد 5.6 مليون لاجئ مسجل، و6.2 مليون نازح داخل سوريا، يعيشون ظروفاً غير مواتية لعودتهم الآمنة والطوعية والكريمة والمستدامة، بما يتماشى مع القانون الدولي. علاوة على ذلك، فقد ترتب على الصراع تداعيات خطيرة في جميع أنحاء المنطقة وخارجها، كما أنه وفر للمنظمات الإرهابية ظروفاً مواتية. ويشير الاتحاد الأوروبي إلى أن جميع الجهات الفاعلة في سوريا يجب أن تركز على القتال ضد «داعش»، ولا يزال منع عودة ظهور التنظيم الإرهابي من الأولويات.
الصراع في سوريا لم ينته بعد، إذ لا يزال الاتحاد الأوروبي يعقد العزم على وضع نهاية للقمع، والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، ومشاركة النظام السوري وحلفائه بشكل هادف في التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. وسيجري تجديد عقوبات الاتحاد الأوروبي التي تستهدف كيانات النظام والأعضاء البارزين فيه، في نهاية مايو (أيار). ولم يغير الاتحاد الأوروبي سياسته على النحو المبين في الاستنتاجات السابقة للمجلس، ولا يزال ملتزماً بوحدة وسيادة وسلامة أراضي الدولة السورية.
وسيكون الاتحاد الأوروبي على استعداد لدعم انتخابات حرة ونزيهة في سوريا، وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وتحت إشراف الأمم المتحدة، بما يرضي مبادئ الحوكمة وأعلى المعايير الدولية للشفافية والمساءلة لجميع السوريين، بما في ذلك السوريون في الشتات المؤهلون للمشاركة. فالانتخابات التي ينظمها النظام السوري، مثل الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي أو الانتخابات الرئاسية في وقت لاحق من هذا العام، لا تفي بهذه المعايير، وبالتالي لا يمكن أن تسهم في تسوية الصراع، ولا تؤدي إلى أي إجراء للتطبيع الدولي مع النظام السوري.
ولا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتجاهل ذلك، لأن مستقبل سوريا وشعبها رهين الصراع.
وفي يومي 29 و30 مارس، يشارك الاتحاد الأوروبي مع الأمم المتحدة في رئاسة مؤتمر بروكسل الخامس حول «دعم مستقبل سوريا والمنطقة»، بمشاركة الحكومات والمنظمات الدولية، وكذلك المجتمع المدني السوري.
والاتحاد الأوروبي على استعداد لتعزيز الحوار بين جميع الجهات الدولية ذات النفوذ في الأزمة السورية، ويدعوها إلى توحيد الجهود في المؤتمر، لإعادة تأكيد وتوطيد الدعم القوي لحل سياسي وفقاً للقرار الدولي 2254، وكذلك فيما يتعلق بالجهود الحثيثة التي يبذلها مبعوث الأمم المتحدة الخاص غير بيدرسن، للنهوض بجميع جوانب القرار 2254 في نهج شامل. ولا يمكن أن يكون هناك حل عسكري لهذا الصراع، حيث لا يمكن تحقيق السلام والاستقرار المستدامين إلا من خلال حل سياسي حقيقي وشامل بقيادة سورية، مع المشاركة الكاملة والفعالة للمرأة، ومع مراعاة اهتمامات جميع شرائح المجتمع السوري.
وكما كان الحال في السنوات السابقة، سيوفر المؤتمر أيضاً دعماً مالياً دولياً للمساعدة في تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة بشكل كبير، داخل سوريا، كما للاجئين السوريين وللمجتمعات المضيفة لهم ولبلدان المنطقة. وستكون هناك دعوة قوية من المؤتمر لتجديد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2533 الذي يسمح بمرور وتسليم المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق عبر الحدود، وهو أمر ضروري في ظل الظروف الحالية لتلبية الاحتياجات الحيوية للملايين داخل سوريا.

نداء لتوفير 10 مليارات دولار للسوريين
> حث مسؤولو الشؤون الإنسانية واللاجئين والتنمية في الأمم المتحدة المانحين الدوليين على التحرك والوقوف بجانب ملايين الأشخاص في سوريا والمنطقة الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة ودعم سبل العيش بعد عقد من الحرب.
هناك حالياً 14 مليونا بحاجة إلى المساعدة الإنسانية أو غيرها من أشكال المساعدة في سوريا والمنطقة، في زيادة قدرها 4 ملايين عن العام الماضي، وأكثر من أي وقت آخر منذ بدء الصراع. في العام الحالي، هناك حاجة إلى أكثر من 10 مليارات دولار أميركي لتقديم الدعم الكامل للسوريين والمجتمعات المضيفة للاجئين المحتاجة. ويشمل ذلك 4.2 مليار دولار على الأقل للاستجابة الإنسانية داخل سوريا و5.8 مليار دولار لدعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة في المنطقة.
وقال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة مارك لوكوك: «لقد مرت عشر سنوات من اليأس والكارثة بالنسبة للسوريين. والآن أدى تدهور الظروف المعيشية، والتدهور الاقتصادي، و(كوفيد - 19) إلى مزيد من الجوع وسوء التغذية والمرض. لقد تراجع القتال، لكن ليس هناك عائد سلام. يحتاج المزيد من الناس إلى المزيد من المساعدة أكثر من أي وقت مضى خلال الحرب، ويجب أن يعود الأطفال إلى التعلم. الاستثمار في العطف والإنسانية أمر جيد دائما، ولكن الحفاظ على مستويات المعيشة الأساسية للناس في سوريا هو أيضاً عنصر أساسي للسلام المستدام. هذا في مصلحة الجميع».
من جهته، قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي: «بعد عقد من المنفى، تفاقمت معاناة اللاجئين بسبب التأثير الساحق للوباء، وفقدان سبل العيش والتعليم، وتفاقم الجوع واليأس، فإن المكاسب التي تم تحقيقها بشق الأنفس معرضة بالفعل للخطر. لا يمكن للمجتمع الدولي أن يدير ظهره للاجئين أو مضيفيهم. يجب أن يحصل اللاجئون ومضيفوهم على ما لا يقل عن التزامنا وتضامننا ودعمنا الذي لا يتغير. الفشل في القيام بذلك سيكون كارثيا على الناس والمنطقة».
في مؤتمر العام الماضي في بروكسل، تعهد المجتمع الدولي بتقديم 5.5 مليار دولار لتمويل الأنشطة الإنسانية والصمود والتنمية في عام 2020.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.