ردود متباينة في طهران بعد توقيع «التعاون الاستراتيجي» مع بكين

أفضلية لشركات الصين في النفط الإيراني لربع قرن... وعدم نشر تفاصيل الوثيقة يثير انتقادات

وانغ يي وعلي لاريجاني يلتقيان بعد توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين إيران والصين في طهران أول من أمس (تسنيم)
وانغ يي وعلي لاريجاني يلتقيان بعد توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين إيران والصين في طهران أول من أمس (تسنيم)
TT

ردود متباينة في طهران بعد توقيع «التعاون الاستراتيجي» مع بكين

وانغ يي وعلي لاريجاني يلتقيان بعد توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين إيران والصين في طهران أول من أمس (تسنيم)
وانغ يي وعلي لاريجاني يلتقيان بعد توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين إيران والصين في طهران أول من أمس (تسنيم)

أثار توقيع بكين وطهران على وثيقة تعاون «استراتيجي» تمتد لربع قرن ردوداً متباينة وتساؤلات في الشارع الإيراني، وسط إجماع بين حكومة حسن روحاني ودوائر مقربة من «المرشد» علي خامنئي على عدم وجود تفاصيل للوثيقة، ووصفها بأنها «إطار» و«برنامج»، دون أن يتضمن حالياً أي ترتيبات على أرض الواقع.
وسعى مسؤولون إيرانيون معنيون بالقضية، أمس، إلى تهدئة مخاوف الشارع الإيراني من إبقاء بنود الوثيقة سراً، وسط موجة انتقادات فرضت نفسها على شبكات التواصل الاجتماعي.
وتتضمن الوثيقة خريطة عمل لتعاون في المجالات السياسية الثنائية والإقليمية والدولية، والدفاع والأمن، إلى جانب المجال الاقتصادي. وكانت نواتها مبادرة صينية طرحت على طهران لأول مرة من جانب الرئيس الصيني شي جينبينغ، في أثناء لقائه مع «المرشد» خامنئي في يناير (كانون الثاني) 2016، بعد أيام قليلة من دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ.
ومنذ ذلك الحين، تصر الأوساط المحافظة المقربة من خامنئي منذ سنوات على تبني استراتيجية التوجه إلى الشرق (تحالف مع موسكو وبكين)، مقابل التيار الذي يدعو لتطبيع العلاقات والانفتاح على الغرب. وقال خامنئي وقتها إن «إيران، حكومة وشعباً، تسعى كما فعلت على الدوام إلى توسيع علاقاتها مع الدول المستقلة الموثوق بها كالصين»، معتبراً أن المشروع الصيني - الإيراني «صائب حكيم تماماً»، واصفاً إياه بأنه «شراكة استراتيجية شاملة».

خمس سنوات من التفاوض
على مدى السنوات الخمس الماضية، أجرى مسؤولون إيرانيون وصينيون مشاورات لتوقيع اتفاقية شراكة اقتصادية وأمنية تمهد الطريق أمام تدفق مليارات الدولارات عبر استثمار صيني داخل إيران، وقدرت وسائل إعلام قيمتها بـ400 مليار دولار. وتفتح الوثيقة الباب على توسيع التعاون في المجال العسكري، ومجالات الأبحاث وتطوير الأسلحة والتعاون الاستخباراتي، والتعاون في مجال المنظمات الدولية.
وخلال الأيام الماضية، نشرت وسائل إعلام إيرانية بعض التفاصيل عن 3 ملحقات للوثيقة. ينص الملحق الأول على أن الصين «مستورد أساسي للنفط الإيراني». وفي المقابل، تتعهد إيران بأخذ استثمار الشركات الصينية بعين الاعتبار في قطاع النفط الإيراني، وهو ما يعني حصول الصين على نفط أرخص من أسعار النفط العالمية.
وتشير الوثائق الثلاث إلى رغبة المسؤولين الإيرانيين في وجود أكبر وأكثر نشاطاً للصينيين في إيران، ومحفزات على تطوير طرق المواصلات والموانئ والمناطق التجارية الحرة، ومجال البتروكيماويات والنفط والغاز، فضلاً عن إنشاء المصانع ومترو الأنفاق.
وقال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، سعيد خطيب زاده، إن وثيقة التعاون «خريطة طريق لمواصلة مسار التعاون بين البلدين»، وعدها نتيجة وصول البلدين إلى تفاهم مشترك حول «عزل المشاركة الاستراتيجية عن التقلبات اليومية»، مضيفاً أنها «ستكون سبباً في مزيد من التقارب»، حسب ما أوردته وكالة «إيسنا» الحكومية.
وقال وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أول من أمس، إن الصين «صديقة الأوقات الصعبة». لكن رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، حاول الجمع بين الوثيقة وتصريحات خامنئي الذي دعا إلى نمو الإنتاج، والاعتماد على طاقات الداخل الإيراني، وقال عبر «تويتر» إن «توقيع الاتفاقية يعد عنصراً مهماً في تنامي القوة، في إطار استراتيجية التوجه إلى آسيا وآسيا الوسطى للوصول إلى مقاربة متوازنة تتمحور حول الاقتصاد في السياسة الخارجية»، وأضاف: «حتى يومنا هذا، ضاعت فرص كثيرة، والآن يتطلب تحول الوثيقة الاستراتيجية إلى شراكة استراتيجية عزيمة راسخة لتحقق الفوائد الاقتصادية للشعب الإيراني».
وكان سلفه، علي لاريجاني، مبعوثاً خاصاً من «المرشد» الإيراني خلال العامين الماضين لإبرام الوثيقة، بعد تفاهم بين الصين وإيران في يناير (كانون الثاني) 2016 على توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية طويلة المدى.
وقال منصور حقيقت بور، مستشار علي لاريجاني رئيس البرلمان السابق، أمس، إن «تفاصيل الوثيقة ليست سرية»، مضيفاً أن «المرشد الإيراني هو مهندس هذه الوثيقة» التي وصفها بأنها «مسمار في نعش العقوبات الأميركية - الأوروبية».
وأشار حقيقت بور إلى أن «الصينيين طلبوا منا عدم الكشف عن التفاصيل بسبب تحفظات الأميركيين». وتعليقاً على ما يتردد عن تسليم الصين جزراً في الخليج العربي، قال المسؤول الإيراني: «لم نسلم الصينيين سنتيمتراً واحداً من أرضنا».
وبدوره، قال مدير شؤون الشرق في الخارجية الإيرانية، رضا زبيب، إن وثيقة التعاون الشاملة «لم تتضمن تبادل امتيازات، ولهذا لا توجد مخاوف حيال ما يوصف بـفخ الديون، على غرار سريلانكا»، حسب وكالة «إرنا».
وكان زبيب يحاول الرد على أسئلة مطروحة حول طبيعة الوثيقة، وما إذا كانت تتضمن تبادل امتيازات من الجانبين، وأسباب المخاوف والقلق على الرغم من التفسيرات التي قدمتها وزارة الخارجية والخبراء، موضحاً أن نشر نصوص الاتفاقيات «غير ملزم قانونياً، ونشر الوثائق التي لا تترتب عليها التزامات غير سائد». ومع ذلك، أوضح أن «العقوبات سبب مضاعف» لعدم نشر مضمون الوثيقة.
وكان زبيب عضو أول فريق إيراني أجرى مباحثات نووية سراً مع الجانب الأميركي، في عمان، خلال الشهور الأخيرة من فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد، قبل أن تخرج المباحثات للعلن مع بداية عهد الرئيس حسن روحاني.
وفي يوليو (تموز) الماضي، أبلغ زبيب صحيفة «شرق» الإيرانية أن الصين وافقت على 75 في المائة من الوثيقة المقترحة من طهران. وحينذاك، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مسودة من الوثيقة، بعد أيام من عرضها للتصويت في مجلس الوزراء بطهران. وقال ظريف حينذاك إن الحكومة «ستقدم الوثيقة للمراجع القانونية، بعد التوصل إلى الصيغة النهائية مع الصين».
وخلال الشهور الأخيرة، أصرت صحيفة مقربة من علي أكبر ولايتي، مستشار «المرشد» الإيراني، على وجود تحفظ صيني على توقيع وثيقة التعاون مع حكومة روحاني بسبب تعاملها مع الشركات الصينية بعد رفع العقوبات في يناير (كانون الثاني) 2016، ومنح الأفضلية لشركات أوروبية.

الشريك التجاري الأكبر
رأى المدير التنفيذي لبنك «صادرات» الإيراني، حجت الله صيدي، الذي حضر مشاورات مالية واقتصادية لتوقيع الوثيقة أن تنفيذ أحكام هذه الوثيقة يعتمد على مجموعتين من الوثائق: أولهما خطة عمل، وثانيهما عقود ملزمة لكل مشروع على حدة، وقال: «الحفاظ على مصالح إيران يتطلب هذه الوثائق وتنفيذها بشكل عملي»، حسب صحيفة «اعتماد».
وتتصدر الصين قائمة الشركاء التجاريين لإيران، بحجم تبادل تجاري بلغ 19 مليار دولار من السلع غير النفطية خلال العام الماضي، حسب إحصائية جديدة من منظمة الإحصاء ومنظمة الجمارك الإيرانية. وبحسب هذا الإحصاء، فإن مجموع الصادرات والواردات الإيرانية يكون قد بلغ خلال العام الماضي (انتهي في 20 من مارس/ آذار الحالي) 145 مليوناً و700 ألف طن، بقيمة 73 مليار دولار، ووصل حجم الصادرات الإيرانية إلى 112 مليوناً و293 ألف طن، بقيمة 34 ملياراً و526 مليون دولار.
ووسط هذا، وصلت صادرات إيران إلى 26 مليوناً و600 ألف طن، بقيمة 8 مليارات و900 مليون دولار، إلى الصين. وفي المقابل، تقول إيران إن استيراد السلع من الصين وصل إلى 3 ملايين و500 ألف طن، بقيمة 9 مليارات و700 مليون دولار. وبحسب الإحصائيات الرسمية، تشكل التجارة مع الصين 10.6 في المائة من حجم الصادرات، و25.3 من حجم السلع المستوردة للبلاد.
ومع ذلك، قال المتحدث باسم الجمارك الإيرانية إن حجم التبادل التجاري مع الصين شهد تراجعاً، على الرغم من أنها حافظت على المرتبة الأولى في قائمة شركاء إيران.
وهذا هو العام الثاني على التوالي الذي أظهرت فيه الإحصائيات تراجع التجارة مع الصين. وقبل ذلك بعام، تقلص حجم التجارة بين البلدين إلى نحو 7.6 مليون طن، بقيمة 2.1 مليار دولار.
وأعاد أمير عبد اللهيان، نائب رئيس البرلمان للشؤون الدولية الدبلوماسي المحسوب على «فيلق القدس»، توقيع الوثيقة إلى «حكمة وبصيرة» خامنئي. وفي المقابل، فرض هاشتاق «بائعي_الوطن» حملة انتقادات من الإيرانيين ضد توقيع وثيقة التعاون مع الصين التي دافع عنها مؤيدو النظام، في حين عدها المنتقدون تكراراً لنسخة من معاهدة «تركمانجاي» التي وقعت بين إيران وروسيا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتنازلت بموجبها إيران عن إقليمي إيروان ونخجوان، شمال غربي البلاد، فضلاً عن امتيازات جمركية واقتصادية داخل البلاد توصف بأنها من «أسوأ» أحداث التاريخ المعاصر الإيراني.
ووصف مراسل وكالة «بلومبرغ» في طهران وثيقة التعاون بأنها تتحدى إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن التي تحاول حشد الحلفاء ضد الصين. وحذر الخبير الاقتصادي الإيراني، علي رضا سلطاني، من «التضحية بقضية مهمة، مثل العلاقات الاستراتيجية بين إيران والصين، من أجل الاتفاق النووي». ونقل موقع «خبر أونلاين» عن الخبير أن «تنمية الاقتصاد الإيراني، في ظل الظروف الحالية، تمر عبر العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعزيزها مع الدول الاقتصادية الصاعدة، مثل الصين».
وأشار الخبير الإيراني إلى أن توقيع الوثيقة «يأتي في ظروف خاصة، ويشكل نوعاً ما حركة استباقية من إيران»، وأضاف: «الواقع أنه لا يجب أن تضع إيران كل البيض في سلة الاتفاق النووي».
ومن المتوقع أن تتجه طهران إلى إبرام اتفاقية مماثلة مع موسكو، في محاولة لعدم تكرار تغاضي الصين وروسيا عن استخدام الفيتو ضد العقوبات التي فرضها مجلس الأمن على إيران قبل التوصل إلى الاتفاق النووي.
ورفضت صحيفة «جوان»، الناطقة باسم «الحرس الثوري»، أن يكون التوجه لإبرام معاهدات استراتيجية مع الصين وروسيا «عدولاً» عن شعار «لا شرقية ولا غربية... جمهورية إسلامية» الذي كان رمزاً للقطيعة بين إيران والدول الكبرى، وهو من بين شعارات «ولاية الفقيه» في بداية أمرها قبل أربعين عاماً. وقالت الصحيفة المتشددة إن «(لا شرقية ولا غربية) لا يعني قطع العلاقات مع الغرب والشرق، وإنما عدم قبول الاستعمار من قطبي الشرق (حلف وارسو) والغرب (الناتو)، لهذا فإن التوجه نحو الشرق لا يعني قبول استعمار الشرق، إنما الارتباط بالشرق، وذلك في وقت جربت فيه البلاد نتيجة توجه السياسيين إلى الغرب على مدى 40 عاماً».



انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

صعّدت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط مع اقتراب حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» من مسرح العمليات، في وقت عادت فيه «يو إس إس جيرالد فورد» إلى المنطقة، لتنضم إلى «يو إس إس أبراهام لينكولن».

ويضع هذا التحرك ثلاث حاملات طائرات أميركية في نطاق عملياتي واحد أو على مقربة منه، مع مجموعة ضاربة ثالثة تضيف نحو 5000 عنصر وثلاث مدمرات مرافقة، في أكبر حشد بحري من هذا النوع منذ عام 2003، في سياق توسيع الحصار البحري المفروض على إيران.

وتشير المعطيات إلى أن البحرية الأميركية تعمل على تشكيل طوق بحري متدرج يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والمحيط الهندي، بما يتيح التحكم بخطوط الملاحة المؤدية إلى الموانئ الإيرانية، مع إبقاء وحدات قتالية في حالة جاهزية للتحرك السريع نحو الخليج العربي ومضيق هرمز.

عودة «فورد» إلى المنطقة

عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى الشرق الأوسط بعد عبورها قناة السويس إلى البحر الأحمر برفقة مدمرتين، لتدخل مجدداً نطاق العمليات بعد توقف سابق بسبب حريق اندلع في مارس (آذار) في أحد مرافقها الداخلية. واستأنفت الحاملة انتشارها بعد إصلاح الأضرار، لتلتحق بالمسرح العملياتي ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية.

وانضمت «فورد» إلى «أبراهام لينكولن» العاملة في شمال بحر العرب، ما يعني وجود حاملتي طائرات قادرتين على تنفيذ عمليات جوية وبحرية متزامنة، تشمل الطلعات القتالية والاستطلاع والدعم اللوجيستي، إضافة إلى تغطية عمليات الحصار البحري.

«لينكولن» وغطاء بحر العرب

تواصل «أبراهام لينكولن» العمل في شمال بحر العرب، حيث تؤدي دوراً محورياً في العمليات الجوية والرقابة البحرية. وتعمل الحاملة ضمن مجموعة ضاربة تضم سفناً مرافقة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي، ما يوفر لها قدرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل الحماية البحرية، ومرافقة السفن، وتقديم الإسناد لعمليات الاعتراض والتفتيش.

ويتيح وجود «لينكولن» في هذا القطاع تغطية مساحات واسعة من المجال البحري الممتد بين بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، مع قدرة على دعم عمليات الحصار البحري المستمرة على الموانئ الإيرانية.

اقتراب «بوش» من مسرح العمليات

تتحرك حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» نحو الشرق الأوسط عبر المسار الجنوبي حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور عبر مضيق باب المندب. ويُتوقع أن تصل إلى بحر العرب خلال أيام، ما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية إلى ثلاث مجموعات ضاربة في المنطقة أو على مقربة منها، بحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز».

وترافق «بوش» ثلاث مدمرات، ما يعزز قدرات الحماية والهجوم والدفاع الجوي للمجموعة. ويتيح هذا الانتشار تغطية متداخلة للبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، مع قدرة على إعادة التموضع السريع نحو الخليج العربي في حال تطلبت العمليات ذلك.

وسيضيف وصولها نحو خمسة آلاف عنصر إلى المنطقة ضمن مجموعة ضاربة ثالثة، ما يرفع مستوى الحشد البحري الأميركي إلى أكبر مستوى له منذ حرب العراق عام 2003.

أظهرت بيانات التتبع عبر موقع «فلايت رادار24» تحليق طائرة لوجستية من طراز «في - 22 أوسبري» قرب جزر القمر، في مؤشر على وجود أو اقتراب الحاملة «بوش» من مسرح العمليات. وتُستخدم هذه الطائرات لنقل الأفراد والبريد والحمولات وقطع الغيار بين القواعد البرية وحاملات الطائرات في البحر.

ويُعد ظهور هذه الطائرات على أنظمة التتبع المدني مؤشراً غير مباشر على مواقع المجموعات البحرية، في ظل التزام السفن العسكرية عادةً بإجراءات تقليل البصمة الإلكترونية وعدم بث مواقعها بشكل مباشر.

قوات برمائية وانتشار بحري موسع

بالتوازي مع حاملات الطائرات، دفعت الولايات المتحدة بقوات إنزال بحرية كبيرة إلى المنطقة؛ فقد وصل نحو 3500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم 2200 من عناصر الوحدة الاستكشافية 31، على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» والسفينة «يو إس إس نيو أورليانز»، ثم انضمت إليهما لاحقاً سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور».

كما تتحرك مجموعة برمائية ثانية تضم نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم عناصر الوحدة الاستكشافية 11، على متن مجموعة «بوكسر» التي تضم «يو إس إس بوكسر» وسفينتين مرافقتين. وكانت هذه المجموعة قد غادرت بيرل هاربر في الأول من أبريل (نيسان)، ويُتوقع وصولها إلى المنطقة في نهاية الشهر.

طائرة من طراز «في - 22 أوسبري» (أ.ب)

نفذت قوات من مشاة البحرية عمليات إنزال انطلاقاً من «تريبولي»، حيث استخدمت مروحيات لنقل عناصر سيطرت على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب. وتعد هذه العملية أول عملية مصادرة لسفينة منذ بدء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

وتوفر هذه القوات قدرة على تنفيذ عمليات صعود على متن السفن أو إنزال مباشر من البحر باستخدام مروحيات وزوارق إنزال ومركبات برمائية، بما يعزز من فاعلية الحصار البحري وقدرته على فرض السيطرة على خطوط الملاحة.

قوات برية وجاهزية تدخل

أمر البنتاغون بنشر ما يصل إلى 3000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي قوة مظلية قادرة على الانتشار السريع باستخدام طائرات نقل عسكرية من طراز سي-17 وسي-130. كما تم نشر نحو 10 آلاف جندي مدربين على عمليات الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها.

وتتمتع هذه القوات بقدرة على تنفيذ عمليات إنزال جوي خلال ساعات، مع إسقاط الأفراد والمركبات والمدفعية في مناطق العمليات. وتعمل هذه الوحدات بالتوازي مع القوات البرمائية، ما يوفر خيارات متعددة للانتشار الميداني.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 25 فبراير الماضي (رويترز)

شبكة حصار بحري متكاملة

يشمل الانتشار الأميركي مدمرات وسفن إنزال ومنصات استطلاع وطائرات دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون»، إضافة إلى طائرات تزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135». وتؤدي هذه الشبكة دوراً محورياً في مراقبة السفن واعتراضها، وتأمين خطوط الملاحة، وتنفيذ عمليات الإنفاذ البحري.

ويغطي هذا الانتشار الممرات البحرية الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب، مع قدرة على متابعة السفن الداخلة والخارجة من نطاق الملاحة المرتبط بإيران.

ويمنح وجود ثلاث حاملات أو ما يقارب ذلك الولايات المتحدة قدرة كبيرة على توزيع الطلعات الجوية ومهام الحماية البحرية والاستطلاع بعيد المدى. وتوفر الحاملات غطاءً دائماً لعمليات التفتيش والاعتراض، وتدعم القدرات اللوجستية والقتالية للقوات المنتشرة في البحر.

ومع استمرار الحصار، تتحول هذه الحاملات إلى منصات لفرض ضغط متواصل على إيران، من دون الحاجة إلى إعلان حملة هجومية جديدة. كما يسمح هذا الانتشار بالحفاظ على الجاهزية إذا فشلت المساعي السياسية واضطرت واشنطن إلى توسيع العمليات مجدداً.

زورق على متن سفينة الهجوم البرمائية «يو إس إس بوكسر» «واسب» خلال عمليات الإنزال من السفينة إلى الشاطئ في المحيط الهادئ، في 18 مارس 2026 (البحرية الأميركية)

جاهزية عملياتية مستمرة

توفر الوحدات الاستكشافية البحرية قدرة على تنفيذ إنزال سريع من السفن إلى الساحل باستخدام زوارق ومروحيات و«في - 22 أوسبري»، مع نقل الوقود والإمدادات مباشرة من البحر. وتتيح هذه القدرات استمرار العمليات لفترات ممتدة مع دعم لوجستي من السفن القريبة.

في المقابل، تعتمد قوات الفرقة 82 المحمولة جواً على إسقاط سريع مع إمدادات تكفي من يوم إلى يومين، قبل الحاجة إلى إعادة الإمداد عبر الجو أو من خلال خطوط دعم إضافية.

تؤمّن هذه التشكيلات العسكرية قدرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية وبرية متزامنة، تشمل الحصار البحري، وعمليات الاعتراض، والإنزال، والتدخل السريع. ومع وجود ثلاث حاملات طائرات ومجموعتين برمائيتين وقوات محمولة جواً، يكتمل انتشار عسكري متعدد الأبعاد يغطي كامل مسرح العمليات البحري المحيط بإيران، مع جاهزية مستمرة لتنفيذ المهام العملياتية المختلفة.

يأتي هذا الحشد ضمن عملية «ملحمة الغضب»، حيث بلغ عدد المصابين في صفوف القوات الأميركية 400 عنصر، بينهم 271 من الجيش و64 من البحرية و19 من مشاة البحرية و46 من سلاح الجو. كما بلغ عدد القتلى 13 عسكرياً، سقطوا في المراحل الأولى من الحرب.

وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد أذرعها البرية والبحرية والجوية، في ظل استمرار الانتشار العسكري واسع النطاق.

قدرات إيرانية ما زالت قائمة

في المقابل، تشير تسريبات من مسؤولين أميركيين نقلتها شبكة ـ«سي بي إس نيوز» إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تزال أكبر مما أعلنته الإدارة الأميركية؛ فبحسب هذه التقديرات، بقي نحو نصف مخزون الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاقها سليماً عند بداية وقف إطلاق النار، فيما لا يزال نحو 60 في المائة من الذراع البحرية لـ«الحرس الثوري» قائماً، بما في ذلك الزوارق السريعة الهجومية.

كما يعتقد أن نحو ثلثي القوة الجوية الإيرانية لا تزال قابلة للعمل، رغم الحملة الجوية المكثفة التي استهدفت آلاف المواقع. ويعني ذلك أن الانتشار الأميركي لا يواجه فراغاً عسكرياً، بل خصماً ما زال يحتفظ بقدرات كافية لإرباك الملاحة ورفع كلفة الحصار.


إردوغان: حرب الشرق الأوسط «بدأت تُضعف أوروبا»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان برفقة وزير الخارجية هاكان فيدان مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته في أنقرة يوم 22 أبريل 2026 (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان برفقة وزير الخارجية هاكان فيدان مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته في أنقرة يوم 22 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إردوغان: حرب الشرق الأوسط «بدأت تُضعف أوروبا»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان برفقة وزير الخارجية هاكان فيدان مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته في أنقرة يوم 22 أبريل 2026 (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان برفقة وزير الخارجية هاكان فيدان مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته في أنقرة يوم 22 أبريل 2026 (رويترز)

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الأربعاء، خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير، إن الحرب في الشرق الأوسط «بدأت تضعف أوروبا»، وفق بيان صادر عن الرئاسة التركية.

وصرّح إردوغان بأن «الحرب في منطقتنا بدأت أيضاً تضعف أوروبا، وإذا لم نتدخل في هذا الوضع بنهج يخدم السلام، فإن الضرر الناجم عن النزاع سيكون أكبر بكثير»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

إلى ذلك، أفادت الرئاسة التركية، الأربعاء، بأن الرئيس رجب طيب إردوغان أبلغ الأمين ‌العام لحلف ‌شمال ​الأطلسي (ناتو) ‌مارك ⁠روته، ​خلال اجتماع في ⁠أنقرة، أن تركيا تبذل جهوداً لإحياء ⁠المفاوضات بين ‌روسيا وأوكرانيا ‌والجمع ​بين ‌زعماء الطرفين ‌المتحاربين.

وأضافت الرئاسة، في بيان حول الاجتماع، ‌أن إردوغان قال إن أنقرة تتوقع ⁠من ⁠الحلفاء الأوروبيين في حلف الأطلسي تحمّل المزيد من المسؤولية عن الأمن عبر ​الأطلسي.


قاليباف: الهدنة غير منطقية ما دام ينتهكها الحصار البحري

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت - 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت - 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)
TT

قاليباف: الهدنة غير منطقية ما دام ينتهكها الحصار البحري

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت - 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت - 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الأربعاء، إن وقف إطلاق النار الكامل لا معنى له في ظل الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.

وأضاف قاليباف، في منشور على موقع «إكس»: «معاودة فتح مضيق هرمز مستحيلة في ظل هذا الخرق الصارخ لوقف إطلاق النار»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

من جانبه، قال الرئيس ​الإيراني مسعود بزشكيان، اليوم، إن خرق ‌الولايات ‌المتحدة ​لالتزاماتها وحصارها ‌للموانئ ⁠الإيرانية ​وتهديداتها هي ⁠العقبات الرئيسية أمام «مفاوضات حقيقية». وأضاف، بعد ⁠يوم ‌واحد من ‌تمديد ​الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ترمب وقف إطلاق النار: «العالم ‌يرى خطابكم المنافق الذي ⁠لا ينتهي وتناقضكم ⁠بين الأقوال والأفعال».

وأعلن ترمب، في وقت سابق، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، فاتحاً نافذة زمنية إضافية بانتظار تقديم طهران لـ«مقترح موحد» ينهي حالة الانسداد السياسي، بينما هاجم «الحرس الثوري» 3 سفن في مضيق هرمز.

وبينما عكس هذا القرار ليونة تكتيكية تجاه مطالب باكستان الساعية لاحتواء التصعيد، فإن ترمب أرفقه بصرامة استراتيجية عبر تأكيده أن الولايات المتحدة ستواصل «حصار الموانئ» الإيرانية، ما يضع «خناقاً» اقتصادياً يسبق أي جولة تفاوضية محتملة.

هذه المقاربة الأميركية اصطدمت بموقف إيراني ثابت؛ حيث أبلغت طهران الجانب الباكستاني رفضها القاطع لـ«التفاوض تحت الضغط» أو في ظل استمرار الحصار البحري، مؤكدة أن تغيير السلوك الأميركي هو الممر الإلزامي لأي حوار.