الطلب على الأفوكادو يهدد الفيلة في كينيا (صور)

أفيال ترعى داخل متنزه أمبوسيلي الكيني (أ.ف.ب)
أفيال ترعى داخل متنزه أمبوسيلي الكيني (أ.ف.ب)
TT

الطلب على الأفوكادو يهدد الفيلة في كينيا (صور)

أفيال ترعى داخل متنزه أمبوسيلي الكيني (أ.ف.ب)
أفيال ترعى داخل متنزه أمبوسيلي الكيني (أ.ف.ب)

إذا كانت بعض الفيلة في كينيا تنجو من الصيد الجائر والرماح والجفاف، فإن ظاهرة جديدة غير متوقعة تهددها، تتمثل في الطلب المتزايد على الأفوكادو.
بعيد بزوغ الفجر، يطل الفيل «تولستوي» بهيكله العملاق ونابيه اللذين يكادان يلامسان الأرض، داخل متنزه أمبوسيلي الكيني على سفح جبل كيليمنجارو، حيث يعيش وسط الطبيعة البرية منذ ما يقرب من نصف قرن.
وقد قاوم لسنوات رماح الصيادين غير القانونيين وموجات الجفاف، غير أن التهديد الأكبر عليه يتمثل في الطلب المتنامي على الأفوكادو، حسب ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.
وتشكل مزرعة بمساحة 73 هكتاراً قرب متنزه أمبوسيلي الشهير الزاخر بأجناس كثيرة من الحيوانات البرية محور معركة قضائية. ويؤكد مناهضو المزرعة، وهم مالكو عقارات ومجموعات بيئية، أن المزرعة تعيق تنقل الفيلة، وتتعارض مع الاستخدام التاريخي لهذه الأراضي. غير أن ممولي المزرعة ينفون ذلك، مؤكدين أنها لا تهدد الحيوانات البرية في المكان، وتوفر في المقابل وظائف ضرورية في أراضٍ غير مستغلة.

ويعد تدمير مواطن العيش الطبيعية والأراضي الزراعية، مع الصيد غير القانوني، من الأسباب الرئيسية للتراجع الكبير في أعداد الفيلة الأفريقية، وفق تحذيرات وجهها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، وهو منظمة غير حكومية بارزة ناشطة للحفاظ على التنوع الحيوي، في تقرير أصدرته يوم الخميس الماضي.
وباتت الفيلة الأفريقية على «القائمة الحمراء» الصادرة عن المنظمة للأجناس التي تواجه خطر الانقراض.
وصُنفت فيلة الأدغال، وهي الجنس الموجود قرب أمبوسيلي، ضمن قائمة الأجناس «المهددة» بالانقراض، بعدما تراجعت أعدادها بنسبة لا تقل عن 60 في المائة خلال السنوات الخمسين الأخيرة.
كما باتت فيلة الغابات، الموجودة خصوصاً في وسط القارة الأفريقية وغربها، مصنفة ضمن قائمة الأجناس التي تواجه «خطر انقراض أقصى».
وتحتل كينيا موقعاً متقدماً بين قائمة الدول المصدرة للأفوكادو، وقد ازدادت صادراتها بدرجة كبيرة مع الشغف المتنامي بهذا النوع من «الأطعمة الحارقة» الذي بات من المكونات المهمة على قوائم الطعام حول العالم.
وتشغل كينيا المركز السادس على قائمة الدول الأكثر تصديراً للأفوكادو إلى أوروبا، وقد ارتفعت هذه الصادرات بنسبة 33 في المائة لتصل إلى 127 مليون دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وفق اتحاد مصدري المنتجات الطازجة في البلاد.
وخلال هذه السنة الاستثنائية، حصلت شركة «كيلي آفو فريش ليمتد» على إذن من الهيئة الوطنية لإدارة البيئة (نيما) لإقامة مزارع لها على أراض باعها أشخاص من إثنية ماساي.

وجرى نزع المزروعات من الأرض، من ثم تسييجها، وبعدها جُهزت بألواح شمسية وبمشتل مع حفريات لاستغلال المياه الجوفية.
ويذكر أصحاب الأراضي في المناطق المجاورة ومجموعات بيئية بأن الزراعة على نطاق واسع ممنوعة في هذا المكان بموجب خطط استغلال الأراضي في المنطقة.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أمرت هيئة «نيما»، نزولاً عند حملة ضغوط، شركة «كيلي آفو» بتعليق أنشطتها لحين يتم الانتهاء من درس الملف. وطعنت الشركة بالقرار أمام المحكمة البيئية في كينيا التي تنظر حالياً في القضية.
وتستمر الزراعات في المكان. وفي صباح أحد أيام مارس (آذار) الحالي، لوحظ وجود جرارات زراعية تحرث الأرض، فيما كان عمال زراعيون يسقون أشجار الأفوكادو الصغيرة.
وعلى الرغم من ازدهار أنشطتها، يبقى حجم زراعة الأفوكادو محدوداً في كينيا، مقارنة مع السياحة التي درت 1.6 مليار دولار على البلد الأفريقي سنة 2019.
غير أن مدير المزرعة، جيريميا شواكا سالاش، وهو مساهم أيضاً في «كيلي آفو»، يؤكد أن هذا المشروع الزراعي «أنقذ» موظفين كثيرين في القطاع السياحي، بعدما فقدوا وظائفهم بسبب تدابير الإغلاق خلال جائحة «كوفيد-19».
ويوضح سالاش، وهو من المنطقة وينتمي إلى إثنية ماساي: «أدافع عن فكرة إمكان التعايش مع الحيوانات البرية، والاستحصال على مصدر إيرادات آخر»، مشيراً إلى وجود مزرعة أكبر للفواكه والخضراوات في الجوار.
أما أصحاب الأراضي المجاورة والخبراء في الحياة البرية فلهم موقف حاسم: لا إمكان للتعايش بين الأمرين.

ويحذر هؤلاء من أن زراعة الأفوكادو تستهلك كميات كبيرة من مياه الري، وتهدد تالياً هذا النظام البيئي المدرج على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي الذي يواجه أصلاً موجات جفاف متكررة.
كذلك اصطدمت الفيلة بالسياج الكهربائي الذي وضعته «كيلي آفو»، في دليل برأي هؤلاء على وجوده على الطرق التي تسلكها الفيلة لدى مغادرتها أمبوسيلي للتكاثر أو للبحث عن الماء أو المراعي.
وتقول بولا كاهومبو التي تدير منظمة «وايلد لايف دايركت» غير الحكومية: «يمكنكم تصور موت الفيلة في أمبوسيلي لكي يأكل الأوروبيون الأفوكادو!».
ويشير معارضو المشروع إلى أن السماح لشركة «كيلي آفو» بمواصلة أنشطتها سيؤدي إلى سابقة خطرة، في ظل سعي جهات أخرى إلى استغلال هذه الأراضي.
ويواجه «تولستوي» ورفاقه الفيلة، البالغ عددها ألفان في هذا النظام البيئي، أصلاً المركبات التي تعبر ملجأ كيمانا، وهو ممر إلزامي بين متنزهات مختلفة.
ويقول دانيال أولي سامبو، من منظمة «بيغ لايف فاونديشن» غير الحكومية المحلية: «إذا ما استمر الوضع على حاله، سيكون مصير متنزه أمبوسيلي الوطني الزوال». ويضيف: «هذه الفيلة (...) سترحل، وستكون تلك نهاية المتنزه وانهيار السياحة في المنطقة».
وقد جعل أكثرية السكان من إثنية ماساي في محيط مزرعة «كيلي آفو» من أراضيهم محميات خاصة مفتوحة يمكن للحيوانات البرية ورؤوس الماشية التنقل فيها بحرية.
ويقول المسؤول عن جمعية تضم 342 من أصحاب الأراضي في محيط «كيلي آفو»، سامويل كانكي: «إذا ما ربحت (كيلي آفو الدعوى القضائية، سنفقد محمياتنا، وستضيع محاصيل الماساي الزراعية».
وترى بولا كاهومبو أن الزراعة التجارية في كينيا باتت «أخطر بكثير على الحيوانات من الصيد غير القانوني». كما تدعو الموزعين الأجانب إلى الاستعلام عن منشأ الأطعمة التي يشترونها، على غرار مجموعة «تيسكو» البريطانية العملاقة التي قطعت صلاتها مع مزرعة كينية كبيرة للأفوكادو في أكتوبر (تشرين الأول) بسبب اتهامات بإساءة معاملة الموظفين.
وتؤكد أنه «من غير الممكن إقامة مزرعة للأفوكادو في منطقة برية كهذه».


مقالات ذات صلة

دب «عبقري» يُراوغ السلطات اليابانية بعد إصابة 4 أشخاص

يوميات الشرق يختفي في الأشجار تاركاً المطاردين يتتبعون ظلّه (أ.ب)

دب «عبقري» يُراوغ السلطات اليابانية بعد إصابة 4 أشخاص

تطارد السلطات اليابانية دباً وُصف بأنه شديد الذكاء، هاجم 4 أشخاص وأصابهم بجروح، ويُشتبه في أنه فتح نافذة وفكّ قفلها ليهرب، وفتح صنبور الماء ليشرب.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق قبل الغابات والأشجار... عقرب هائل تسيَّد اليابسة (شاترستوك)

عقرب عملاق بطول متر جاب إنجلترا وويلز قبل 415 مليون سنة

كشفت دراسة جديدة للأحافير أنّ عقارب عملاقة تمتلك مخالب هائلة يزيد طولها على 16 سنتيمتراً، جابت السهول الفيضية في إنجلترا وويلز ذات يوم...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)

حَمام الزاجل يستعين بـ«بوصلة» داخل كبده

كشفت دراسة جديدة عن أنّ حمام الزاجل يَدين بقدرته المذهلة على قطع مسافات طويلة ليس لعينيه أو دماغه أو منقاره، وإنما لخلايا خاصة في كبده...

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق تحت الأرض... تعيش «نمور» بحجم النمل (شاترستوك)

«نمور عالم النمل»... حشرات عملاقة تعيش عشرات السنوات

كلّ عشّ هنا يضمّ ملكة واحدة فقط، وهي الأم التي أسَّست هذا العش قبل 40 أو 50 أو حتى 60 عاماً...

«الشرق الأوسط» (نيروبي - كينيا)
يوميات الشرق البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)

البعوض يتعلَّم التكيُّف مع أشهر طارد للحشرات!

يرشُّ ملايين الأشخاص أجسادهم بطارد الحشرات لإبعاد البعوض، ولكن بحوثاً جديدة تشير إلى أنّ هذه الحشرات الماصَّة للدماء يمكن أن تتعلَّم ربط رائحة الطارد بالغذاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)

خطط مصرية لدعم السياحة بمسار «رحلة العائلة المقدسة»

دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)
دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)
TT

خطط مصرية لدعم السياحة بمسار «رحلة العائلة المقدسة»

دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)
دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)

بالتزامن مع إحياء ذكرى مرور العائلة المقدسة إلى أرض مصر، استضاف المتحف القبطي في القاهرة ندوة بعنوان «مبارك شعبي مصر» لتسليط الضوء على أحد أبرز المسارات الدينية والثقافية في التاريخ المصري، وطرح خطط ومقترحات للاستفادة من هذا المسار، سواء في محطات الاستقرار أو المواقع التي مرَّت بها العائلة المقدسة.

الندوة، التي نظمتها لجنة التاريخ والآثار في المجلس الأعلى للثقافة، الخميس، وأدارتها جيهان عاطف شوقي دوس، مدير عام المتحف القبطي وعضو اللجنة، شارك فيها نخبة من المتخصصين، من بينهم الدكتور عدلي أنيس، أستاذ الجغرافيا السياحية ورئيس قسم الجيوماتكس في كلية الآداب في جامعة القاهرة؛ والدكتورة إيفيلين جورج أندراوس، أستاذة الفنون الأثرية القبطية في معهد الدراسات القبطية؛ وبيشوي دميان، باحث الدكتوراه في قسم الآثار الإسلامية والقبطية بكلية الآثار في جامعة القاهرة.

وأكدت جيهان عاطف أن «هذه الندوة جاءت بهدف إلقاء الضوء على رحلة العائلة المقدسة من زوايا متعددة، تجمع بين البعد الجغرافي والتوثيق الفني والدراسة الأثرية، بما يتيح تكوين رؤية شاملة لهذا الحدث التاريخي الفريد»، مشيرة إلى أن رحلة العائلة المقدسة في أرض مصر تمثل رمزاً للسلام والمحبة والتعايش السلمي، وتعكس القيم الإنسانية التي احتضنتها مصر عبر تاريخها الطويل. كما أكدت أهمية الحفاظ على هذا التراث والتعريف به للأجيال الجديدة، والعمل على دمجه في الوعي الثقافي والسياحي المعاصر، وفق بيان لوزارة الثقافة.

ويضم مسار رحلة العائلة المقدسة 25 نقطة تمتد لمسافة 3500 كيلومتر ذهاباً وإياباً، من سيناء حتى أسيوط، حيث يضم كل موقع حلَّت به العائلة المقدسة مجموعة من الآثار، في صورة كنائس وأديرة وآبار مياه، إلى جانب مجموعة من الأيقونات القبطية الدالة على مرور العائلة المقدسة بهذه المواقع، وفقاً لما أقرته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر، حسب وزارة السياحة والآثار.

كنيسة أبي سرجة ضمن نقاط رحلة العائلة المقدسة في مصر (وزارة السياحة والآثار)

وتناول الدكتور عدلي أنيس رؤية تحليلية متكاملة لمسار رحلة العائلة المقدسة، عارضاً دراسة وصفها بأنها «نموذج يجمع بين التوثيق التاريخي والتحليل الجغرافي والتخطيط السياحي»، حيث تتبعت خط سير الرحلة من فلسطين مروراً بشمال سيناء والوجه البحري والقاهرة وصولاً إلى مصر الوسطى والعليا. وأكد أن الدراسة لا تركز على المحطات الأثرية والتاريخية فحسب، بل تمتد إلى دراسة المسارات والطرقات التي سلكتها العائلة المقدسة، بوصفها عنصراً أساسياً في تطوير المنتج السياحي المرتبط بالرحلة.

وأضاف أن «الرحلة في جوهرها كانت رحلة لجوء واحتماء، تعكس مكانة مصر التاريخية بوصفها أرضاً للأمن والأمان عبر العصور». وأشار إلى أنه اعتمد في دراسته على تقنيات نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد لتحليل شبكة الطرق والخدمات المرتبطة بالمسار، بما يشمل وسائل النقل، والفنادق، والخدمات الصحية، ومحطات الوقود وغيرها من المرافق الضرورية، بهدف تقييم جاهزية المسار للاستغلال السياحي وتحويله إلى منتج سياحي متكامل.

كما أوضح أن «الدراسة تتجاوز التوصيف التاريخي إلى التقييم العملي والتسويقي، من خلال رصد الخدمات والتسهيلات المتاحة، وحصر الشركات السياحية العاملة، وتحليل البرامج السياحية الحالية لاستخلاص نقاط القوة والضعف فيها، وصولاً إلى تصميم برنامج سياحي مقترح يستند إلى بنية تحتية مدروسة، مع تحديد الأسواق العالمية المستهدفة للترويج للمسار، بما يسهم في تعظيم العائد الاقتصادي والثقافي والديني».

وأشاد أنيس بالجهود التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة في تطوير محطات رحلة العائلة المقدسة، إلى جانب الاعتراف الرسمي من الفاتيكان بالمسار بوصفه أحد مسارات الحج الكاثوليكي، وهو ما يمثل قاعدة مهمة ينبغي البناء عليها لتعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة الدينية العالمية.

وقال أنيس لـ«الشرق الأوسط»: «من الأمور الفريدة التي اختص الله بها مصر رحلة العائلة المقدسة ولجوؤها إلى مصر هرباً من بطش الملك هيرودس. ولأن الرحلة مرَّت بنحو 25 موقعاً في 17 محافظة مصرية، فإن زيارة هذا المسار من قِبل السائحين تُعد تجربة ثرية ومشوقة وتحمل في طياتها مشاعر روحية عميقة. ولكن، على قدر أهمية المسار ومحطاته، تأتي صعوبة تنميته وجذب السائحين إليه، إذ يمر بمواقع متعددة ويقطع مسافة كبيرة تمتد من الفرما في سيناء إلى أسيوط في جنوب مصر».

وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونيسكو» قد أدرجت، عام 2022، الاحتفالات الشعبية المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر على قائمتها للتراث الثقافي غير المادي.

ولفت أستاذ الجغرافيا السياحية ورئيس قسم الجيوماتكس في كلية الآداب في جامعة القاهرة إلى أن «التركيز السابق كان دائماً منصباً على نقاط الرحلة، أي محطاتها، وهو جانب واحد من عدة جوانب، منها الطرقات والخدمات السياحية والخدمات المساندة والتسويق السياحي من منظور جغرافي، فضلاً عن تحديد أهم الأسواق السياحية التي يوجد بها طلب كامن». وأضاف: «هذا ما رصدته في دراستي: (العائلة المقدسة في مصر: دراسة جغرافية سياحية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد)».

وأشار إلى أنه قسَّم المسار إلى 12 قطاعاً، ورصد إمكانات كل قطاع وقدراته وطاقته السياحية، كما حدَّد أهم الشركات السياحية التي تنظم رحلات إلى مسار رحلة العائلة المقدسة، وقيَّم برامجها.

وقال: «من خلال التحليل والدراسة الجغرافية وتقنيات نظم المعلومات الجغرافية، حُدِّدت أهم الأسواق السياحية التي يمكن جذب السائحين منها، ولا سيما قارة أوروبا، وخصوصاً بين المسيحيين الكاثوليك».


كرة القدم في السينما المصرية بين «الكوميديا» و«الدراما»

لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)
لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)
TT

كرة القدم في السينما المصرية بين «الكوميديا» و«الدراما»

لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)
لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)

استطاعت السينما المصرية، على مدى سنوات، اجتذاب جماهير لعبة «كرة القدم» بشكل بارز، عبر تقديم أعمال سينمائية متنوعة سلّطت الضوء على جوانب عدة من تفاصيل اللعبة الأشهر عالمياً.

وبالتزامن مع إقامة فعاليات «كأس العالم»، التي تُنظّم بمشاركة 48 منتخباً، وللمرة الأولى في ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، نرصد عدداً من الأفلام المصرية التي تناولت أحداثها تفاصيل لعبة كرة القدم، بوصفها الرياضة الأهم والأكثر انتشاراً بين فئات مختلفة من الناس، مثل الأطفال والشباب والكبار. ومن بين هذه الأفلام: «غريب في بيتي»، و«الحريفة»، و«كابتن مصر».

وتركزت المعالجات الفنية في عدد لافت من هذه الأفلام على المزج بين تفاصيل اللعبة وعناصر «الكوميديا»، و«الدراما»، و«المشاعر الإنسانية»، أو الجمع بينها في كثير من الأحيان، مقارنة بألوان فنية أخرى، مثل الأعمال الاجتماعية وأفلام الأكشن والإثارة، على سبيل المثال. وقد منح ذلك هذه الأفلام قبولاً واسعاً وأسهم في تحقيقها نسب مشاهدة مرتفعة، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ويُعدّ فيلم «غريب في بيتي» من أشهر الأفلام التي ما زالت راسخة في أذهان كثيرين؛ إذ جمع بين سعاد حسني ونور الشريف، ودارت أحداثه حول «كرة القدم» في إطار كوميدي، وهو اللون الذي كان جديداً على الراحل نور الشريف، حسبما أكد الكاتب والناقد الفني طارق الشناوي الذي أشار إلى أن الفيلم، إلى جانب أحداثه الممتعة، قدّم الوجه الكوميدي النادر لنور الشريف.

فيلم «الحريفة» شهد نجاحاً لافتاً (الشركة المنتجة)

وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»، أن «(غريب في بيتي) من أكثر الأفلام حضوراً في الذاكرة؛ لأنه كان يراهن على ما هو أبعد من كرة القدم. فالملعب بالنسبة إليه كان ساحة ثانوية، في حين كانت المشاعر هي الأساس»، لافتاً إلى أن قيمة الفيلم تكمن في ابتعاده عن أجواء الملعب، رغم تناوله كواليس اللعبة.

وفي هذا السياق، قدمت السينما المصرية فيلمَين بعنوان «كابتن مصر»؛ الأول أُنتج في خمسينات القرن الماضي، وقام ببطولته إسماعيل ياسين ومحمد الكحلاوي، فيما عُرض الفيلم الآخر قبل 11 عاماً، من بطولة محمد إمام. كما تناولت اللعبةَ مجموعةٌ من الأفلام الكوميدية، منها «رجل فقد عقله» بطولة عادل إمام وفريد شوقي، و«424» بطولة يونس شلبي وسمير غانم، و«الشياطين والكورة»، إلى جانب الدراما التي جسّدها فيلم «الحريف» لعادل إمام. وفي السنوات الأخيرة قُدّمت أفلام مثل «العالمي»، و«الزمهلوية»، و«المطاريد»، و«الحريفة»، و«فوي فوي فوي»، وغيرها.

وعن رأيه في الأفلام التي تناولت لعبة «كرة القدم» في «السينما المصرية» عبر مسيرتها، وأسباب تركيز معالجاتها على اللونين الكوميدي والدرامي أو المزج بينهما، أكد الناقد الفني المصري أحمد النجار، أن السينما المصرية، على مدى عقود، اقتحمت عالم كرة القدم من أكثر من زاوية، غير أن الطابع الكوميدي كان الغالب على هذه الأعمال، انسجاماً مع طبيعة الإنتاج السينمائي السائد، ولا سيما خلال ثمانينات القرن الماضي.

وأضاف النجار لـ«الشرق الأوسط»: «خلال العامين الأخيرين حقق فيلم (الحريفة) نجاحاً لافتاً، وقد قُدم في قالب كوميدي»، لافتاً إلى أن «كرة القدم» هي اللعبة الشعبية الأولى، مما يجعل الأفلام التي تتناولها أكثر قدرة على جذب الجمهور وتحقيق النجاح.

فيلم «كابتن مصر» تناول عالم الكرة (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أن «إيمان السينما بانتشار اللعبة وشعبيتها بين الجماهير دفعها إلى الاستعانة ببعض نجوم كرة القدم في أدوار تمثيلية أو بطولات فنية، بهدف استثمار جماهيريتهم وأسمائهم الجاذبة، مثل صالح سليم، وعادل هيكل، وجمال عبد الحميد، وشريف عبد المنعم، وعصام بهيج؛ فمنهم من واصل مشواره الفني، ومنهم من ابتعد عنه».

وأوضح الناقد الفني أن ثنائية «كرة القدم والكوميديا» تمثّل، في الغالب، وصفة مضمونة للنجاح وتحقيق الإيرادات في شباك التذاكر. واستشهد بفيلم «الحريف» مثالاً على ذلك، موضحاً أنه «لم يحقق النجاح المتوقع عند عرضه، رغم أهميته الفنية ووجوده ضمن قائمة أهم 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية؛ لأنه تناول عالم كرة القدم بجدية، وخلا من العناصر الكوميدية، على خلاف معظم أفلام عادل إمام. حتى إن (الزعيم) يعدّه من أقل أعماله نجاحاً جماهيرياً»، وفق تعبيره.

Your Premium trial has ended


رحيل ديفيد هوكني... الرّسام الذي أعاد الاعتبار للفن التشخيصي عن 88 عاماً

أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)
أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)
TT

رحيل ديفيد هوكني... الرّسام الذي أعاد الاعتبار للفن التشخيصي عن 88 عاماً

أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)
أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)

برحيل الفنان البريطاني ديفيد هوكني عن عمر ناهز 88 عاماً في العاصمة البريطانية لندن، يفقد عالم الفن أحد أبرز رموزه وأكثرهم تأثيراً في القرنين العشرين والحادي والعشرين. فقد اشتهر هوكني بألوانه النابضة بالحياة، وأسلوبه التشخيصي المميز، ونهجه التجريبي المبتكر في الفنون البصرية، وأسهم في إعادة الاعتبار للفن التمثيلي في فترة هيمنت فيها المدارس التجريدية على المشهد الفني. وقد ترك خلفه إرثاً فنياً امتد لأكثر من 6 عقود من الإبداع والتجديد.

مقابلة مع ديفيد هوكني أمام لوحته «المجموعة الخامسة» (رويترز)

وُلد هوكني في 9 يوليو (تموز) 1936 بمدينة برادفورد في مقاطعة يوركشاير لأسرة من الطبقة العاملة، وبرزت موهبته الفنية منذ طفولته. وبعد دراسته في مدارس فنية محلية، التحق بالكلية الملكية للفنون في لندن عام 1959، حيث تأثر إلى حد كبير بأعمال بابلو بيكاسو، وطوَّر أسلوباً خاصاً جمع بين التجريب الفني والموضوعات المألوفة.

شكّلت زيارته إلى نيويورك عام 1961 محطة مهمة في مسيرته، إذ عززت انجذابه إلى الولايات المتحدة التي رآها أكثر تحرراً اجتماعياً من بريطانيا آنذاك.

وسرعان ما اتسعت شهرته خلال ستينات القرن الماضي. وبعد زيارته لوس أنجليس عام 1964، استلهم من ضوء المدينة الساطع، وأحواض السباحة، وأسلوب الحياة المريح فيها عدداً من أشهر أعماله، من بينها لوحات جسدت أجواء جنوب كاليفورنيا، ورسخت مكانته بوصفه أحد أبرز الفنانين الذين وثّقوا هوية المنطقة بصرياً.

هوكني أمام لوحتيه «لاعبو الورق رقم 3» و«لاعبو الورق الأكبر» خلال عرض صحافي لمعرضه «الرسم والتصوير» في لندن (أ.ف.ب)

وبرز فن البورتريه بوصفه أحد أهم مجالات إبداعه وأكبر إنجازاته. ففي أواخر الستينات وأوائل السبعينات أنجز سلسلة من البورتريهات المزدوجة الشهيرة التي صوّرت أصدقاءه وجامعي الأعمال الفنية وشخصيات ثقافية بارزة، وجمعت بين الدقة والملاحظة البصرية والعمق النفسي، كاشفةً عن علاقات معقدة بين الموضوعات.

وعُرف هوكني بشغفه الدائم بتجربة وسائط وتقنيات جديدة طوال مسيرته الفنية. ففي مطلع سبعينات القرن الماضي بدأ إنتاج أعمال فوتوغرافية مركبة بأسلوب الكولاج، تجمع صوراً متعددة في تكوين واحد مستلهماً أفكار المدرسة التكعيبية. وتحدّت هذه الأعمال المنظور الأحادي التقليدي من خلال تقديم الموضوعات من زوايا مختلفة في الوقت نفسه، قبل أن يطوّر لاحقاً هذه الأفكار في لوحات طبيعية واسعة مستوحاة من ريف يوركشاير.

هوكني خلال تقديم معرضه «منظور أوسع» في متحف غوغنهايم بمدينة بلباو الإسبانية عام (إ.ب.أ)

كما عارض هيمنة منظور عصر النهضة التقليدي، معتبراً أن الفن ينبغي أن يمنح المشاهد تجربة أكثر انغماساً وتفاعلاً. واستلهم رؤيته من الفن التكعيبي واللفائف التصويرية الصينية التي تقدِّم أكثر من منظور داخل العمل الواحد، وهو اهتمام ظل حاضراً في مجمل إنتاجه الفني.

ولم تقتصر إنجازاته على الرسم، إذ حقق نجاحاً ملحوظاً في تصميم الديكورات والأزياء المسرحية لعدد من العروض المسرحية والأوبرالية، من بينها أعمال لمهرجان غليندبورن وأوبرا متروبوليتان، حيث نالت تصميماته إشادة واسعة بفضل ألوانها الجريئة وطابعها التشكيلي المبتكر.

الملك تشارلز الثالث يتحدث مع الفنان خلال مأدبة غداء لأعضاء وسام الاستحقاق في قصر باكنغهام بلندن (إ.ب)

ومع تقدمه في العمر، أصبح من أبرز المدافعين عن الفن التشكيلي، وانتقد المؤسسات التي فضّلت الفن التجريدي. كما روّج لنظريات مثيرة للجدل حول استخدام فناني عصر النهضة للأدوات البصرية في إنتاج أعمالهم. ونشر عام 2001 كتابه «المعرفة السرية»، الذي استعرض فيه اعتماد كثير من الفنانين التاريخيين على المرايا والعدسات لإنتاج تأثيرات بصرية واقعية.

ورغم الجدل الذي أحاط ببعض آرائه، ظل هوكني فناناً غزير الإنتاج على نحو استثنائي. فقد عمل في مجالات الحفر والطباعة والتصوير الفوتوغرافي ورسوم الغرافيك الحاسوبية والرسم الرقمي، وكان من أوائل الفنانين الذين تبنوا الأدوات الرقمية خلال حقبة الثمانينات. كما استخدم لاحقاً جهاز «آيباد» وسيلةً إبداعية لإنتاج العديد من الأعمال الفنية الرقمية حتى السنوات الأخيرة من حياته. وعكست رغبته المستمرة في تبني الوسائل التكنولوجية الحديثة فضوله الدائم ورفضه أن يُقيَّد بالحدود الفنية التقليدية.

وأمضى هوكني معظم حياته متنقلاً بين بريطانيا والولايات المتحدة وأوروبا. ورغم حبه لصحبة الأصدقاء والمتعاونين، كان يفضل في كثير من الأحيان البيئات الهادئة التي تساعده على التركيز في عمله. وخلال سنواته الأخيرة واجه صعوبات متزايدة في التواصل الاجتماعي بسبب ضعف السمع، لكنه ظل نشيطاً وواصل العمل والإبداع رغم تراجع حالته الصحية.

الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا تُقلّد الفنان وسام الاستحقاق في قصر باكنغهام (رويترز)

كما حظيت مسيرته بتقدير عالمي واسع من خلال معارض كبرى وتكريمات عدَّة. وعلى الرغم من رفضه وسام الفروسية عام 1990، فإنه قبل لاحقاً وسام الاستحقاق البريطاني، أحد أرفع الأوسمة في المملكة المتحدة. كما استضافت مؤسسات عالمية مرموقة معارض لأبرز أعماله، من بينها «متحف تيت»، و«متحف المتروبوليتان للفنون»، و«مركز بومبيدو»، في حين ضمَّ معرضه الكبير الأخير في «مؤسسة لوي فويتون» بباريس أكثر من 400 عمل فني، مستعرضاً الاتساع الاستثنائي لمسيرته المهنية.

واصل هوكني خلال السنوات الأخيرة من حياته الرسم من مرسمه في لندن رغم القيود الجسدية التي فرضها التقدم في العمر. وظل متمسكاً بشغفه الفني ومخلصاً للفن حتى النهاية، محافظاً على مكانته بوصفه مبتكراً تحدَّى باستمرار القواعد الفنية السائدة من دون أن يتخلَّى عن اهتمامه بالإنسان وتفاصيل الحياة اليومية.

هوكني في معرض «الرسم والتصوير» بغاليري «آنيلي جودا للفنون الجميلة» في لندن (إ.ب.أ)

ويبقى إرث هوكني مرتبطاً ليس بإنجازاته التقنية والفنية فقط، بل أيضاً بقدرته على تصوير الألفة، والمشاعر الإنسانية، والحياة اليومية بصدق وعمق. وهذا الجمع بين التفوُّق الفني والبصيرة الإنسانية سيظل أحد أبرز إسهاماته الراسخة في تاريخ الفن الحديث.

* خدمة «نيويورك تايمز»