العراقيون سئموا من نفوذ إيران

الجماعات المدعومة من طهران باتت تشعر بأنها مهددة

جندي من قوات مكافحة الإرهاب في شوارع بغداد أمس بعد أيام من عرض عسكري لأحد الفصائل الموالية لإيران (أ.ف.ب)
جندي من قوات مكافحة الإرهاب في شوارع بغداد أمس بعد أيام من عرض عسكري لأحد الفصائل الموالية لإيران (أ.ف.ب)
TT

العراقيون سئموا من نفوذ إيران

جندي من قوات مكافحة الإرهاب في شوارع بغداد أمس بعد أيام من عرض عسكري لأحد الفصائل الموالية لإيران (أ.ف.ب)
جندي من قوات مكافحة الإرهاب في شوارع بغداد أمس بعد أيام من عرض عسكري لأحد الفصائل الموالية لإيران (أ.ف.ب)

«استيلاء على سيادة العراق»، هكذا وصف ضابط في الجيش العراقي اللوحة الكبيرة التي تمجد قاسم سليماني، القائد الإيراني الذي قتل في غارة جوية أميركية على الأراضي العراقية في يناير (كانون الثاني) من عام 2020. وتطل تلك اللوحة الكبيرة على المنطقة الإدارية في العاصمة بغداد، المعروفة بالمنطقة الخضراء. وكان كثير من العراقيين قد أشادوا بسليماني، بصفته بطلاً لحشد القوات المحلية التي تقاتل عناصر تنظيم داعش في العراق، غير أن المعنويات العامة في العراق قد شهدت تحولات كبيرة منذ ذلك الحين.
قالت مجلة «إيكونوميست» البريطانية المرموقة إن واقع الأمر الحالي أصبح يعكس صورة مختلفة، إذ إن الجماهير التي كانت قد ابتهجت لإيران، بصفتها قوة محررة لهم، أضحت الآن تنظر إليها بصفتها قوة لاحتلال العراق، بينما يحاول السياسيون العراقيون تخفيف قبضتهم على مجريات الأمور.
ولا تزال الميليشيات المدعومة من إيران تسيطر على أجزاء كبيرة من العراق، لكن المجلة أشارت إلى أن كثيراً من تلك الميليشيات تورطت في القمع العنيف للاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اندلعت في عام 2019. وعلى الرغم من ذلك، فقد خفضت الميليشيات من ظهورها العام بصورة نسبية في الآونة الأخيرة، وأصبحوا يعلقون عدداً أقل من اللافتات التي تحتفي بذكرى قادة الميليشيات، ولا يظهرون في الشوارع في أغلب الأحيان. وأضافت المجلة أن هذا السلوك ربما سببه افتقادهم لتوجيهات قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس وهو زعيم جماعة تتألف من ميليشيات موالية لإيران وقُتل في الغارة الجوية الأميركية نفسها. وفي غياب التسلسل الواضح للقيادة، فإن الميليشيات تواصل الانقسام على ذاتها، ومن المتوقع أن يحتفلوا بذكرى الضربة الجوية باستعراض للقوة. فقد خرج آلاف المواطنين العراقيين في مسيرة في بغداد، وجرى عرض حطام السيارة التي قتل فيها سليماني، غير أنه لم تكن هناك ضربات انتقامية كبيرة ضد الأهداف الأميركية.
لقد استخدمت إيران بعض الساسة الشيعة لفترة طويلة في العراق لفرض نفوذها وتأكيده، لكن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لا يلعب بالكرة الإيرانية. وعلى عكس معظم من سبقوه إلى المنصب، فإن الكاظمي ليس من حزب قريب من إيران. ومنذ توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، التزم بالعقوبات الأميركية على إيران، الأمر الذي منع طهران من الاستفادة من مليارات الدولارات التي تكسبها من الصادرات إلى العراق. وأشارت المجلة إلى علي شمخاني، رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، كان يستدعي بعض العراقيين إلى طهران، ويلومهم على عدم تحويل تلك الأموال.
وأزعج رئيس الوزراء العراقي كذلك الميليشيات الموالية لإيران، عن طريق استعادة سيطرة الدولة على بعض المعابر الحدودية، وإبعاد رجال الميليشيات من المواقع الأمنية. وبناء على طلبه، يستعد حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإرسال 3500 جندي جديد من قوات الحلف إلى العراق. وتقول ماريا فانتابي، الباحثة لدى «مركز الحوار الإنساني»، المجموعة البحثية المعنية بحل الصراعات، ومقرها جنيف: «تشعر هذه الجماعات المدعومة من إيران بأنها باتت مهددة للغاية في العراق».
ومن منطلق عدم الثقة الراهنة، فإن خصوم الكاظمي، وهو رئيس المخابرات الأسبق، يتهمون يتهمون بعض أعوانه بالابلاغ عن موقع سليماني إلى القوات الأميركية، مما أتاح لهم توجيه الضربة الجوية التي أدت إلى مقتله. وقامت بعض الميليشيات المؤيدة لإيران باغتيال بعض المقربين من الكاظمي، وطاردوا بعض مستشاريه في الخارج. وكانت جماعة تعرف باسم «كتائب حزب الله»، على علاقة بإيران، قد حاصرت منزله في يونيو (حزيران) الماضي بشاحنات صغيرة مليئة بالمسلحين، بعد أن تأهب لاعتقال بعض أعضائها المشتبه في قيامهم بقتل المتظاهرين. ومنذ ذلك الحين، أحجم الكاظمي عن مواجهة الميليشيات بصورة مباشرة، كما تضم حكومته وزراء من الفصائل الموالية لإيران الذين يحاولون زيادة عدد أفراد الميليشيات -البالغ عددهم أصلاً عشرات الآلاف- على حساب الرواتب الحكومية. ويتذكر مسؤول عراقي رئيس الوزراء وهو يقول: «إذا لم تدفع لهم، فإنهم سوف يقصفون القوات الأميركية»، لكنهم يفعلون ذلك في بعض الأحيان على أي حال.
وكانت الميليشيات المدعومة من إيران قد أطلقت عدة صواريخ على أفراد من القوات الأميركية والحليفة في العراق، في هجمتين خلال العام الحالي، كما استهدفت المملكة العربية السعودية في يناير (كانون الثاني) بطائرات مسيرة محملة بالمتفجرات، وفق ما ذكرت المجلة البريطانية. وإذا أصبح الكاظمي أكثر عدوانية تجاه الميليشيات، فإن ذلك قد يستدعي رداً من إيران التي تزود بغداد وغيرها من المدن العراقية بالكهرباء والغاز. وإذا انخفضت الإمدادات الإيرانية في أثناء الصيف، فربما يؤدي ذلك إلى اضطرابات كبيرة، بل ربما تستخدم إيران وكلاءها لمحاولة الاستيلاء على محافظات العراق الجنوبية.



الصبيحي يدعو إلى التهدئة والتزام الحوار الجنوبي المرتقب

الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)
الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)
TT

الصبيحي يدعو إلى التهدئة والتزام الحوار الجنوبي المرتقب

الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)
الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)

في وقت تشهد فيه المناطق اليمنية المحررة حراكاً مستمراً على خلفية تجدد الخطاب المرتبط بـ«القضية الجنوبية»، برزت دعوات رئاسية إلى تغليب التهدئة والحوار، بالتوازي مع تحذيرات أمنية من أي تحركات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار، وسط مؤشرات على سعي موالين لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي»، الذي تم حلّه، إلى إعادة التموضع السياسي والشعبي.

وفي هذا السياق، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الفريق الركن محمود الصبيحي، على أن وحدة الصف بين مختلف القوى الوطنية تمثل المدخل الأساسي لعبور المرحلة الراهنة، مؤكداً أن تعزيز حضور مؤسسات الدولة، وإنهاء مظاهر الانقسام، وتحسين الخدمات الأساسية، ومكافحة الفساد، تمثل أولويات لا تقل أهمية عن المسارات السياسية المرتبطة بمستقبل التسوية الشاملة في البلاد.

وقال الصبيحي، في تصريحات رسمية، إن «القضية الجنوبية ستظل أولوية وطنية»، غير أنه ربط معالجتها بانتهاج «مسار يقوم على الحوار البنّاء، وتعزيز التعددية السياسية، وترسيخ ثقافة القبول بالآخر، وبناء مؤسسات دولة قوية وفاعلة قادرة على تلبية تطلعات المواطنين وتحقيق العدالة وسيادة النظام».

وبدا لافتاً أن الصبيحي أعاد التأكيد على خيار «الحوار الجنوبي - الجنوبي الشامل» بوصفه مدخلاً للوصول إلى حل عادل ومستدام، مشيراً إلى أن «هذا المسار ينبغي أن يتم برعاية سعودية، وبما يضمن مشاركة مختلف المكونات الجنوبية»، في صيغة تعكس توجهاً رسمياً نحو احتواء أي محاولات لفرض تمثيل أحادي للقضية الجنوبية أو احتكار الحديث باسم الجنوب.

تحذير من توظيف الشارع

في موازاة هذا الخطاب السياسي، حملت تصريحات الصبيحي رسائل واضحة بشأن طبيعة الحراك المتوقع في الشارع الجنوبي؛ إذ أكد الصبيحي التزام الدولة حماية حق التظاهر السلمي وتأمين المتظاهرين، بوصفه حقاً مشروعاً تكفله القوانين والقيم الوطنية، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة ممارسة هذا الحق في إطار من المسؤولية واحترام النظام العام، بما يحافظ على الأمن والاستقرار.

وتعكس هذه الرسائل، وفق مراقبين، مخاوف متنامية لدى السلطات اليمنية من محاولة استغلال حالة السخط الشعبي الناجمة عن تدهور الخدمات الأساسية، خصوصاً الكهرباء والمياه، والانهيار المستمر في قيمة العملة المحلية، لإعادة إنتاج اصطفافات سياسية سابقة، أو الدفع باتجاه مواجهات داخلية في المحافظات المحررة.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي (إكس)

ويذهب تقدير سياسي في عدن إلى أن «أي تصعيد ميداني خارج الأطر السلمية سيضاعف من هشاشة الوضع القائم، ويمنح خصوم الحكومة الشرعية فرصة إضافية للاستفادة من الانقسامات الداخلية، في وقت يُفترض أن تتجه فيه الجهود نحو توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الاقتصادية وتهديد الجماعة الحوثية».

تأهب في حضرموت

وفي حضرموت (شرق اليمن)، بدت السلطات المحلية أوضح في رسم حدود التعامل مع أي تحركات شعبية أو سياسية؛ إذ أكدت «اللجنة الأمنية» في المحافظة أن حرية التعبير عن الرأي حق أصيل يكفله الدستور والقوانين والمواثيق الدولية، وأن السلطة المحلية تنظر إلى هذا الحق بوصفه إحدى ركائز المشاركة المجتمعية.

لكن «اللجنة» شددت، في المقابل، على أن الحفاظ على الأمن والاستقرار والسلم الأهلي يمثل «خطاً أحمر لا تهاون فيه»، مؤكدة أنها لن تسمح «تحت أي مبرر بأي أعمال من شأنها المساس بأمن المواطنين أو تعطيل مصالحهم أو الإخلال بالنظام العام أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة».

وأوضحت «اللجنة» أن ممارسة حرية التعبير تظل مرتبطة بالتزام القانون، وعدم الإضرار بالسلم الاجتماعي، أو استغلال التجمعات لأهداف تتجاوز إطار التعبير السلمي المسؤول، مؤكدة أنها ستتعامل بحزم مع أي محاولات للعبث بأمن المحافظة أو ترويع السكان.


اغتيال مسؤول تنموي بارز يهزُّ عدن

عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)
عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)
TT

اغتيال مسؤول تنموي بارز يهزُّ عدن

عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)
عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)

في جريمة أثارت صدمة واسعة في الأوساط الرسمية والتنموية والحقوقية، هزَّ اغتيال مسؤول تنموي بارز العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، في حادثة أعادت إلى الواجهة التحديات الأمنية المعقدة التي تواجهها الحكومة، وأثارت تساؤلات حول تداعيات استهداف الكفاءات الوطنية العاملة في المجالات الإنسانية والتنموية، في وقت تسعى فيه السلطات إلى تثبيت الاستقرار، واستعادة ثقة المانحين الدوليين ببيئة العمل في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وأعلنت الحكومة اليمنية تحركاً عاجلاً على المستويين الأمني والعسكري، عقب اختطاف واغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قائد، في حادثة وصفتها الأوساط الرسمية بأنها «جريمة غادرة وجبانة» تستهدف مؤسسات الدولة وجهود التنمية، وتستوجب ملاحقة سريعة وحاسمة للمتورطين فيها، وكشف كل ملابساتها أمام الرأي العام.

رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ)

وشهدت الساعات التي أعقبت الإعلان عن العثور على جثة المسؤول اليمني تصعيداً رسمياً؛ إذ تابع رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين شائع الزنداني تطورات القضية، واطَّلع من الأجهزة الأمنية على تقارير أولية بشأن ظروف الحادثة، موجهاً برفع مستوى الجاهزية الأمنية، وتعزيز التنسيق المشترك بين مختلف الوحدات المختصة لتعقب الجناة وضبطهم دون تأخير.

وأكد الزنداني أن الجريمة تمثل اعتداءً مباشراً على مؤسسات الدولة والجهود التنموية والإنسانية التي تُبذل في البلاد، مشدداً على أن الحكومة لن تتهاون مع أي محاولات لزعزعة الأمن أو استهداف الكوادر الوطنية، وأن العدالة ستطول كل من خطط أو نفَّذ أو ساهم في هذه العملية.

كما وجَّه رئيس الحكومة اليمنية بتسخير الإمكانات كافة لدعم جهود التحقيق والرصد والمتابعة، مع الالتزام بإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام بشفافية.

تعبئة أمنية واسعة

بالتوازي مع تحركات رئاسة الحكومة، أصدر وزير الداخلية إبراهيم حيدان توجيهات عاجلة إلى القيادات الأمنية في محافظات عدن ولحج وأبين وتعز، تقضي برفع الجاهزية إلى أعلى مستوياتها، وتكثيف العمليات الميدانية لتعقب العناصر المتورطة، مع توسيع نطاق التنسيق بين الأجهزة الأمنية في المحافظات المجاورة لمنع فرار المشتبه بهم أو انتقالهم إلى مناطق أخرى.

واطَّلع وزير الداخلية من مدير شرطة عدن على تفاصيل أولية بشأن واقعة الاختطاف والاغتيال، والإجراءات التي بدأت فور تلقي البلاغ، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية لن تدَّخر جهداً في ملاحقة «العناصر الإجرامية» وردع أي محاولات للمساس بأمن واستقرار البلاد، في إشارة تعكس جدية رسمية في التعامل مع القضية، بوصفها اختباراً لقدرة الدولة على فرض القانون.

مجهولون في عدن قاموا باختطاف المسؤول التنموي اليمني وسام قائد واغتياله (إكس)

وحسب معلومات أولية، فقد تعرَّض وسام قائد للاختطاف من جوار منزله في مدينة إنماء، بعد دقائق من وصوله إلى المنزل بسيارته؛ حيث أقدم مسلحون مجهولون كانوا يستقلون سيارة زرقاء على اعتراضه تحت تهديد السلاح، واقتياده بالقوة، بينما تولى أحد المسلحين قيادة سيارته الخاصة. وبعد ساعات، عثرت الأجهزة الأمنية على جثته داخل مركبته في منطقة الحسوة غرب عدن.

وأظهر تسجيل مصوَّر متداول لحظة تنفيذ عملية الاختطاف، في مشهد أثار موجة غضب واستياء واسعين، وسط مطالبات بتسريع التحقيقات، والكشف عن هوية المنفِّذين والجهة التي تقف خلف العملية؛ خصوصاً أن الضحية لم يكن شخصية سياسية ولا أمنية؛ بل كان أحد أبرز الوجوه المرتبطة بمشروعات التنمية والتمويل المجتمعي في اليمن.

خسارة ثقيلة

ويمثل اغتيال وسام قائد خسارة كبيرة لقطاع التنمية في اليمن؛ إذ يُعد من أبرز الكفاءات الوطنية التي كرَّست مسيرتها لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتمكين المجتمعات المحلية اقتصادياً. وكان قد أسس عام 2005 وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر، التي تحولت لاحقاً إلى واحدة من أبرز المؤسسات التنموية الداعمة لعشرات الآلاف من رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة في مختلف المحافظات اليمنية.

صورة يظهر فيها الضحية وسام قائد إلى جوار مسؤولة أممية (إكس)

وفي عام 2019، عُيِّن نائباً للمدير العام للصندوق الاجتماعي للتنمية، ثم تولى لاحقاً مهام القائم بأعمال المدير التنفيذي؛ حيث أشرف على برامج تنموية ممولة من مانحين دوليين، تستهدف تعزيز التماسك المجتمعي ودعم سبل العيش والخدمات الأساسية، في بلد أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي.

كما عُرف الضحية -وفقاً للمصادر اليمنية- بعلاقاته المهنية الواسعة مع المؤسسات الدولية، وبخبرته الأكاديمية؛ إذ حصل على درجة الماجستير في الصراع والأمن والتنمية من جامعة برمنغهام البريطانية.


استنفار مصري لمواجهة «نظام الطيبات» مع رواجه

اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

استنفار مصري لمواجهة «نظام الطيبات» مع رواجه

اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)

استنفار رسمي وإعلامي في مصر لمواجهة رواج بدا لافتاً لما يُعرف بـ«نظام الطيبات» الغذائي المثير للجدل، الذي يقوم على رفض العلاج من الأمراض بالأدوية التقليدية، واستبدالها بواسطة نظام غذائي غير علمي، وذلك رغم وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي في الإمارات قبل نحو أسبوعين.

وفي خطوة لاحتواء «الظاهرة»، التي حذّرت منها وزارة الصحة المصرية، قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (حكومي)، الأحد، إصدار قرار بحظر نشر أو بث أو تداول أي مواد مصورة أو مسموعة أو مكتوبة للطبيب الراحل، مؤكداً أن محتواها قد يضر بالصحة العامة، ويمثل تهديداً مباشراً لحياة المواطنين. كما ألزم القرار جميع الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية بعدم إعادة نشر أو تداول تلك المواد.

وقرّر المجلس رصد المخالفات تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مع إحالة الروابط المخالفة إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لإزالتها، إلى جانب التنسيق مع وزارة الصحة ونقابة الأطباء لإصدار لائحة تنظم الظهور الإعلامي للأطباء خلال الشهر الحالي.

سبق القرار الرسمي حملة انتقادات واسعة قادها إعلاميون مصريون ضد نظام العوضي. وطالب الإعلامي عمرو أديب النائب العام باتخاذ إجراءات ضد من يروجون لهذا النظام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قائلاً خلال برنامجه على قناة «إم بي سي مصر» إن «أي شخص يروج لنظام الطيبات مجرم».

كما دعا الإعلامي أحمد موسى الجهات المعنية إلى حذف جميع الفيديوهات المرتبطة بالنظام الغذائي من القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي، عادّاً أنها تُشكّل خطراً على المواطنين، ومتهماً العوضي بالترويج لنظام غذائي يؤدي إلى تفاقم الأمراض والتسبب في وفاة بعض المرضى، خصوصاً المصابين بالسكري، وذلك خلال برنامجه التلفزيوني.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

وكان العوضي، وهو استشاري تخدير وعناية مركزة، ممنوعاً من ممارسة المهنة قبل وفاته، وفق ما أعلنته نقابة الأطباء المصرية، التي شطبت عضويته من جداولها بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقوم «نظام الطيبات» الذي روّج له العوضي على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم، وأخرى «غير ملائمة» يجب الامتناع عنها. ومن بين الممارسات التي دعا إليها شرب الماء فقط عند الشعور بالعطش، دون الإكثار منه.

كما أثار الجدل بعد تحذيره من تناول الدواجن، وزعمه أن منتجات الألبان تحتوي على مواد خطيرة، إلى جانب تفضيله الإفطار بـ«النوتيلا» بدلاً من الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، والتحذير من تناول الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

ورغم وفاة العوضي، فإن الانقسام المجتمعي حول نظامه الغذائي لا يزال متصاعداً، إذ يواصل بعض مؤيديه الترويج له بشكل جماعي، بينما يعده آخرون «خرافة» و«دجلاً».

وازدادت مؤشرات القلق الرسمي مع ارتفاع معدلات تداول المقاطع المصورة التي تروج للنظام الغذائي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والدفاع المستميت من مؤيديه عن هذا النظام.

وكشف صاحب أحد المخابز المتخصصة في إنتاج خبز الشعير والحبة الكاملة عن زيادة ملحوظة في الإقبال على هذا النوع من الخبز (الذي روج له العوضي لفوائده) في تصريحات تداولتها وسائل إعلام محلية، حيث أكد أن الطلب امتد إلى محافظات عدة بينها سوهاج والإسكندرية وأسيوط والمنيا، وأن بعض الزبائن يشترون كميات تصل إلى 35 و40 كيلوغراماً لتوزيعها على أسرهم.

تحذير الصحة

وسارع المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبد الغفار إلى التحذير من إعادة تقديم الأفكار أو الممارسات التي سُحبت مشروعيتها رسمياً، بوصفها محل جدل أو اختلاف، لما تمثله من خطورة على المجتمع، حسب منشور عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، السبت.

ومن دون الإشارة المباشرة إلى العوضي، أكد عبد الغفار أن سحب ترخيص مزاولة المهنة من أي طبيب «يمثل إعلاناً واضحاً بأن استمرار مثل هذه الممارسات يُشكّل خطراً حقيقياً لا يمكن التغاضي عنه، ويستوجب تدخلاً حاسماً لحماية الصحة العامة».

البرلمان

ولم يغب البرلمان المصري عن موجة التحرك ضد انتشار هذه الظاهرة، إذ كشفت لجنة الصحة بمجلس النواب عن إعداد تعديلات تشريعية تستهدف تغليظ العقوبات بحق مروجي المعلومات الطبية غير المثبتة علمياً، أو من يدفعون المرضى إلى التخلي عن العلاجات المعتمدة.

في المقابل، رأى الدكتور مجدي مرشد، وكيل اللجنة، أن التشريعات المنظمة لمواجهة التصريحات والوصفات الطبية العشوائية موجودة بالفعل، مشدداً على أن الأزمة الأساسية تكمن في ضعف تطبيق القوانين على أرض الواقع.

بدورها، أكدت عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، النائبة إليزابيث شاكر لـ«الشرق الأوسط» أن صحة المواطنين «لا تقبل المساومة»، محذرة من مخاطر الترويج لأنظمة غذائية غير معتمدة علمياً. وقالت البرلمانية المصرية إن أي نظام غذائي لا يستند إلى أبحاث ودراسات موثقة ومعترف بها عالمياً من مراكز بحثية ذات مصداقية قد يشكّل تهديداً مباشراً للصحة العامة، خصوصاً مع الانتشار الواسع للمحتوى الغذائي والطبي عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون رقابة كافية.

وأيدت بدء تحرك تشريعي عاجل لتنظيم كل من المحتوى الطبي والغذائي، ومحاسبة مروجي المعلومات المضللة، إلى جانب إطلاق حملات توعية موسعة لتعريف المواطنين بمخاطر اتباع الأنظمة الغذائية غير الموثوقة، مع التأكيد على أهمية الرجوع إلى الأطباء والمتخصصين قبل تبني أي نظام علاجي أو غذائي متداول عبر الإنترنت.

نقيب الأطباء

وسط هذه التحركات يذهب نقيب الأطباء المصريين أسامة عبد الحي إلى الاعتقاد بأن التحركات الحكومية لمواجهة ما وصفه بـ«ظواهر الدجل الطبي» كان ينبغي أن تبدأ مبكراً، محذراً من خطورة الترويج لأنظمة علاجية أو غذائية غير معتمدة علمياً، خصوصاً في القرى والأرياف التي تنتشر فيها بعض أساليب العلاج الشعبي والاعتماد على مواد غذائية بوصفها بديلاً للعلاج الطبي.

وأكد عبد الحي لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الممارسات قد تتسبب في أضرار صحية «مدمرة» للمواطنين، مشيراً إلى أن نقابة الأطباء تحركت مبكراً ضد الطبيب الراحل في مارس (آذار) الماضي.

وسط هذا الاستنفار، تبقى التحركات الأمنية مهمة وتأتي من منظور الخبير الأمني اللواء إيهاب يوسف، لملاحقة هذه الظواهر، إلى جانب تضافر جهود وزارة الصحة ونقابة الأطباء والتوعية المجتمعية لتجفيف المنابع، حسبما قال لـ«الشرق الأوسط».