تزداد المخاوف يوماً بعد يوم في الأوساط الأوروبية من فشل الاستراتيجية التي وضعها الاتحاد لتجاوز الأزمة الصحية والاقتصادية الناجمة عن جائحة (كوفيد - 19)، ولم يعد يخفي المسؤولون في المفوضية صعوبة تذليل العقبات التي تواجه حملة التلقيح التي باتت الرهان الوحيد المتبقّي لاحتواء الوباء، والتي منذ بدايتها لا تكاد تخرج من عثرة حتى تقع في أخرى.
ولإعطاء فكرة عن منسوب القلق الذي يتملّك السلطات الأوروبية، يكفي التذكير بأن المفوضية التي كانت وعدت بتوزيع 160 مليون جرعة لقاح خلال الفصل الأول من هذا العام، بعد أن فاخرت طويلاً بالعقود التي وقّعتها مع خمس من كبرى شركات الأدوية، لم تتمكّن حتى الآن من توزيع سوى 70 مليون جرعة، أي أقل من نصف ما وزّعته الولايات المتحدة.
ويعرف المسؤولون في المفوضية، الذين يكرّرون إلقاء اللوم على شركة أسترازينيكا التي تنتج اللقاح الذي طورّته جامعة أكسفورد، أن التأخير في تسليم هذا اللقاح والشكوك التي أحاطت بآثاره الجانبية، لها تداعيات أخطر بكثير من مجرّد تأجيل حقنه في أذرع المواطنين لأيام أو لأسابيع. وهي تهدّد استراتيجية الاتحاد الأوروبي للخروج من أخطر أزمة صحية واقتصادية استناداً إلى حملة تلقيح سريعة تسمح باستئناف نشاط قطاع الخدمات والعودة إلى حركة تنقل طبيعية اعتباراً من مطلع الصيف المقبل.
ولم تعد الانتقادات الموجهة إلى المفوضية الأوروبية مقصورة على أحزاب المعارضة والقوى الشعبوية واليمينية المتطرفة في دول الاتحاد، بل أصبحت تتردد منذ أيام على ألسنة مسؤولين حكوميين وخبراء مستقلّين، وكان آخرها ما صرّح به أمس رئيس لجنة البرلمان الأوروبي المكلّفة متابعة استراتيجية اللقاحات نيكولا كاساريس الذي قال إن «المفوضية الأوروبية أمام امتحان حاسم في الشهر المقبل، فهي إن لم تتمكّن من تسريع توزيع اللقاحات في الفصل الثاني من هذا العام ستواجه وضعاً سياسيا متفجّراً، وجموحاً في ارتفاع عدد الإصابات الجديدة بالوباء، واحتجاجات شعبية ستدفع بالحكومات إلى تحميلها مسؤولية هذه الكارثة».
وكانت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين قد هدّدت يوم السبت بمنع تصدير اللقاحات التي تنتجها أسترازينيكا خارج أوروبا قبل تسليمها الكميات الموعودة بموجب العقد الموقّع معها، أعربت مفوّضة الشؤون الصحية ستيلّا كيرياكيديس عن خيبتها من تصرّف الشركة التي قالت إن مسلسل المشاكل معها لم ينقطع منذ البداية، بعكس شركة فايزر التي سارعت إلى زيادة قدرتها الإنتاجية لتسليم الكميات المتفق عليها.
وقد بدأ هذا التوتر ينعكس تصدّعاً في استراتيجية اللقاحات المشتركة، حيث طالبت أمس مجموعة من البلدان التي راهنت بشكل أساسي على لقاح أسترازينيكا بإعادة توزيع الكميات التي حصلت عليها المفوضية من هذا اللقاح، الأمر الذي رفضته البلدان الأخرى.
ويخشى المراقبون من أن يؤدي هذا الخلاف إلى تعكير أجواء القمة الأوروبية المقررة هذا الأسبوع، وأن تتحوّل من قمّة مخصصة لإعادة تشكيل علاقات الاتحاد الاستراتيجية، خاصة مع روسيا وتركيا، إلى خليّة أزمة لمحاولة إنقاذ حملات التلقيح. مصادر المفوضية ما زالت تصرّ على توقعاتها بتوزيع 160 مليون جرعة لقاح بنهاية هذا الشهر، أي ما يكفي لتطعيم 22 في المائة من السكان البالغين في بلدان الاتحاد، وأنها تتوقع الحصول على 380 مليون جرعة خلال الفصل الثاني، أي ما يسمح برفع التغطية اللقاحية إلى 60 في المائة من السكان البالغين بحلول مطلع الصيف المقبل.
وكانت المفوضية قد وضعت في التقديرات التي استندت إليها استراتيجية الاتحاد تلقيح 20 في المائة من السكان البالغين بحلول نهاية الفصل الأول من هذا العام، تمهيداً لنهوض اقتصادي قوي خلال الفصل الثاني لم يعد وارداً في الظروف الحالية، حيث لم يتجاوز متوسّط توزيع اللقاحات في بلدان الاتحاد حتى الآن 4.2 في المائة من السكان.
وتجدر الإشارة إلى أن العقد الذي وقعته المفوضية مع أسترازينيكا ينصّ على تسليم 270 مليون جرعة من هذا اللقاح بحلول نهاية الفصل الأول من العام الجاري، لكن الشركة أعلنت مؤخراً أنها لن تتمكّن من تسليم الاتحاد الأوروبي أكثر من 100 مليون جرعة حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل.
لكن متاعب الاتحاد الأوروبي والمخاوف من سقوط التوقعات بانتعاش النشاط الاقتصادي في النصف الثاني من هذا العام ليست ناجمة فقط عن التأخير في توزيع اللقاحات، بل هي مرتبطة أيضا بالارتفاع الحاد في معدلات انتشار الوباء في عدد كبير من البلدان الأوروبية، والعودة إلى تدابير العزل والإقفال التام في دول كبرى مثل فرنسا وإيطاليا.
وكانت الحكومة الفرنسية قد فرضت اعتباراً من السبت الماضي حزمة من تدابير العزل المتشددة لفترة لا تقلّ عن أربعة أسابيع وإقفال 11 ألف مؤسسة تجارية أكثر من نصفها في العاصمة باريس. ويخضع 65 في المائة من سكان إيطاليا، بينهم سكان العاصمة روما وميلانو، لتدابير الإقفال التام منذ مطلع الأسبوع الماضي حتى السادس من الشهر المقبل.
يضاف إلى ذلك أن الإعلان الذي صدر يوم الخميس الماضي عن الوكالة الأوروبية للأدوية بأن لقاح أسترازينيكا «آمن وفعّال» لكن من غير أن تستبعد حصول بعض الآثار الجانبية، لم يبدّد الشكوك التي أحاطت بهذا اللقاح رغم حملات التطمين التي قادتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي اللذان أعلنا أنهما سيتناولانه في الأيام المقبلة.
11:32 دقيقه
أزمة اللقاحات تهدد الاستراتيجية الأوروبية لتجاوز الوباء
https://aawsat.com/home/article/2873831/%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D9%87%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%88%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%A1
أزمة اللقاحات تهدد الاستراتيجية الأوروبية لتجاوز الوباء
المفوضية وعدت بإعطاء 160 مليون جرعة لكنها وزعت 70 مليوناً فقط
تطعيم المسنين في دبلن عاصمة آيرلندا (أ.ف.ب)
- بروكسل: شوقي الريّس
- بروكسل: شوقي الريّس
أزمة اللقاحات تهدد الاستراتيجية الأوروبية لتجاوز الوباء
تطعيم المسنين في دبلن عاصمة آيرلندا (أ.ف.ب)
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة









