محمد المُنفّي... أمام «ثلاثة تعهدات» لحل معضلات ليبيا

رئيس المجلس الرئاسي الجديد يعمل وفق قاعدة «انتهى زمن الإقصاء»

محمد المُنفّي... أمام «ثلاثة تعهدات» لحل معضلات ليبيا
TT

محمد المُنفّي... أمام «ثلاثة تعهدات» لحل معضلات ليبيا

محمد المُنفّي... أمام «ثلاثة تعهدات» لحل معضلات ليبيا

منذ أن هبط رئيس المجلس الرئاسي الليبي الجديد محمد المُنفّي، درج طائرة الخطوط الأفريقية خلال زيارته إلى شرق ليبيا، وقدّم له رئيس أركان «الجيش الوطني الليبي» الفريق عبد الرازق الناظوري، التحية العسكرية، أيقن الليبيون أنهم أمام مرحلة فارقة من عمر هذا الوطن. وفي هذه المرحلة قد يودعون أجواء الحرب والكراهية ويستقبلون عهداً جديداً؛ آملين بتحقيق شيء من الديمقراطية، في ظل ما قطعه «الرئيس الجديد» على نفسه من تعهدات.
المُنفّي (45 سنة) كان قد فاز برئاسة المجلس الرئاسي في الانتخابات التي أجراها «ملتقى الحوار السياسي» الليبي برعاية أممية، يوم 5 فبراير (شباط) الماضي، مدينة جنيف السويسرية، ليضطلع بـ«مهام جسام» مع حكومة «الوحدة الوطنية» بقيادة عبد الحميد الدُبيبة، في مقدمتها «لمّ شمل» البلد المنقسم سياسيا، والمنهار اقتصادياً.
في مدينة طبرق، الموصوفة بـ«دار السلام» (أقصى الشرق الليبي)، ولد محمد يونس أحمد بشير بوحويش المُنفّي عام 1976، منحدراً من قبيلة المنفّه، التي انتمى إليها المناضل الراحل عمر المختار. ونشأ في بيت اتسم بالاهتمامات العلمية ونظم الشعر الشعبي؛ فوالده هو الدكتور الراحل يونس المُنفّي، أستاذ الإعلام بجامعة قاريونس الليبية، وعم والده هو المرحوم رجب بوحويش، صاحب القصيدة الملحمية الشهيرة «ما بي مرض غير دار العقيلة». وأما العقيلة هذه فهي قرية صغيرة غرب مدينة بنغازي حوّلها الاستعمار الإيطالي لليبيا، (1911ــ 1943(إلى معتقل كبير لمعارضيه قتل فيه آنذاك المئات من بينهم غالبية أجداد المنفّي، الذي نعاهم عم والده بقصيدته المشار إليها.
وفي مدينة طبرق الساحلية الهادئة، التي تبعد شرقاً عن العاصمة طرابلس قرابة (1300 كيلومتر) تدرّج المُنفّي في مراحل التعليم المختلفة حتى حاز درجة الدكتوراه في الهندسة المدنية من جامعة طبرق، بجانب سنوات أمضاها في فرنسا لاستكمال دراسته ضمن إحدى البعثات الليبية وفي فرنسا حصل على شهادة عليا في الهندسة.
- أيام فرنسا
تشكلت بدايات محمد المُنفّي، ككثيرين من الشباب الليبي على وقع التأثيرات الحماسية لـ«ثورة الفاتح من سبتمبر» التي قادها الرئيس الراحل معمر القذافي، عام 1969، وما واكبها من أحاديث عن العروبة والقومية العربية. وإبان وجوده في فرنسا كان من القيادات النشطة في رابطة الطلاب الليبيين الدارسين بباريس، وأكثر المدافعين حماسة عن «ثورة الفاتح»، والحالمين بمستقبل أفضل لليبيا.
ولم يمض وقت طويل حتى عاد المُنفّي من فرنسا، وانشغل ببعض الأعمال المتعلقة بدراسته وتخصصه. ثم اندلعت «ثورة 17 فبراير» عام 2011، لكنها كانت هذه المرة على نظام القذافي الذي رأى كثيرون من الشباب أنه «لم يعد يمثل طموحاتهم في التغيير». ومجدداً وجد المُنفّي نفسه داخل المعترك السياسي، عقب تولي «المجلس الوطني الانتقالي» السابق مقاليد الحكم مؤقتاً بقيادة الراحل الدكتور محمود جبريل. وبالفعل، رشح نفسه في انتخابات «المؤتمر الوطني العام» يوم 7 يوليو (تموز) 2012 ليفوز بعضويته، ثم يُرشّح رئيساً للجنة الإسكان والمرافق بالمؤتمر؛ ومن ثَم انضوى ضم كتلة «الرأي المستقل» وهي كتلة كانت قليلة العدد نسبياً.
- «موقعة اليونان»
يُعد التعريف الحقيقي بمحمد المُنفّي لجموع الليبيين، إن لم يكن عربياً ودولياً أيضاً، خلال فترة عمله سفيراً لبلاده لدى اليونان بقرار صادر عن المجلس الرئاسي في 31 يوليو عام 2018. ومع إقدام فائز السراج، رئيس «حكومة الوفاق الوطني» في حينه يوم 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 على توقيع مذكرة تفاهم مثيرة للجدل بشأن ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، لحماية ما رأته أنقرة «حقوقها في البحر المتوسط» اضطرت الحكومة اليونانية إلى إلغاء اعتماد المُنفّي لديها تعبيراً عن غضبها. وأعلن وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس على الأثر أن أمام المُنفّي مهلة 72 ساعة لمغادرة البلاد، قبل أن يصف اتفاق السراج مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأنه «انتهاك سافر للقانون الدولي».
من هنا أصبح المُنفّي مادة إعلامية وخبراً رئيسياً على الفضائيات المحلية والإقليمية، خصوصاً المناوئة لـ«حكومة الوفاق الوطني» حينئذٍ. إلا أن الرجل، الذي لم ترغب أثينا في إبقائه على أرضها سفيراً، خاض تجربة أكبر جعلت منه «رئيساً مؤقتاً» لليبيا، وفق الخريطة الأممية لتفعيل الحل السياسي في ليبيا، وفازت قائمته في الانتخابات التي أجريت وقائعها في جنيف بـ39 صوتاً متغلّبة على قائمة كانت تضم رئيس مجلس النواب عُقيلة صالح ووزير الداخلية في «حكومة الوفاق» فتحي باشاغا بفارق 5 أصوات.
وعلى متن طائرة الخطوط الأفريقية، المملوكة للدولة الليبية، وصل المُنفّي من الخارج إلى مطار بنينا ببنغازي، في أول زيارة له للبلاد منذ اختياره رئيساً للمجلس الرئاسي. ووفقاً لمتغيرات السياسة، وقف الفريق الناظوري رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي على مَدْرج الطائرة محاطاً بمجموعة من العسكريين في شرف استقبال الرئيس الشاب، وفور هبوطه سلّم الطائرة حياه الناظوري بالتحية العسكرية، في اعتراف بموقعه الرسمي الجديد. وفي ذلك رمزية اقتراب ليبيا من عتبة العبور إلى «دولة جديدة» استهلت بشائرها بإجراءات «اتسمت بشيء من الديمقراطية»، وأنتجت سلطة مدنية، حتى وإن كانت مؤقتة.
- انتقادات للمُنفّي
في الحقيقة لم يعبأ رئيس المجلس الرئاسي الجديد كثيراً بالانتقادات اللاذعة التي طالته من سياسة ونشطاء في غرب ليبيا؛ كون زيارته الأولى، بعد عودته كانت إلى مدينة الرّجمة معقل «الجيش الوطني الليبي» وقائده المشير خليفة حفتر؛ وذلك لأن السفير السابق يعمل وفق خطة أن ليبيا، التي تضم نحو سبعة ملايين نسمة، «لا بد أن تصبح جسداً واحداً» بعيداً عن الانقسامات السياسية والتحزبات الجهوية التي عانت منها قرابة 10 سنوات.
مع هذا، تساءل منتقدوه: «كيف يبدأ المُنفّي مباشرة مهامه بزيارة حفتر، الذي خاض حرباً على العاصمة وألحق بها أضراراً»؟ ورأوا أن هذه «بداية غير مبشّرة من رئيس مجلسهم الرئاسي الجديد»! وكان بين أشد المنتقدين لتلك الزيارة خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى الدولة.
من جهة ثانية، فإن المُنفّي، الذي ما أن انتهى من زيارة الرّجمة، انتقل إلى طبرق مسقط رأسه، وهناك في استقباله شخصيات عسكرية وسياسية، في مقدمتهم رئيس أركان سلاح الجو الفريق الركن صقر الجروشي، وأعيان المدينة والمشايخ والوجهاء. ومن هناك بدأ المُنفّي تعهداته الكثير بالعمل على ملفات عدة مع حكومته لحل تعقيدات الأزمة الليبية، لكنه فعلياً ركز على ثلاث عقد، هي: توحيد المؤسسة العسكرية على أُسس مهنية وعقيدة وطنية خالصة، وإجراء مصالحة وطنية للمّ شمل ليبيا، وتجهيز ليبيا للانتخابات المقبلة يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، قبل أن يسلم السلطة للسلطة المنتخبة بعد ذلك وفقاً للخريطة الأممية.
ثم أنه فور عودة المُنفّي إلى العاصمة طرابلس العاصمة بادر إلى القيام بزيارة، برفقة نائبيه موسى الكوني وعبد الله اللافي، إلى مدينة سبها عاصمة إقليم فزّان، قلب الجنوب الليبي، الذي يشكو سكانه من «الإقصاء والتمييز». وفي سبها وجد حفاوة بالغة لكونه أول مسؤول كبير يزور هذا الجزء القصي من البلاد، غير أن الزيارة لم تقنع جلّ أهل الجنوب؛ إذ اعتبرها الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس المجلس الأعلى لقبائل فزّان ومدنها، أنها تأتي في إطار «مجاملة وقطع ملام»!
- شبهات «الأخونة»
في سياق آخر، من قبيل المُناكفة السياسية، استبق كثيرون مجيء المُنفّي إلى السلطة، فتحدثوا عن أن هيمنة لتنظيم «الإخوان» على «ملتقى الحوار السياسي» أتت به والدبيبة إلى سدة الحكم. وادعى هؤلاء أنه قبل تكليفه العمل سفيراً في أثينا، كان عضواً في «المؤتمر الوطني العام» الذي يغلب عليه النفوذ الإخواني، عبر حزب «العدالة والبناء» الذراع السياسية للتنظيم. غير أن هذا الزعم فنّده جمال شلوف، رئيس ‏مؤسسة «سلفيوم» للدراسات والأبحاث، قائلاً «باعتباري من طبرق، وبحكم معرفتي الشخصية بالمُنفّي، فإنه لا ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، لا فكراً ولا توجهاً، وإنما لا يؤمن بإقصائهم».
ونفى شلوف أن يكون رئيس المجلس الرئاسي الجديد قد انتمى في وقت ما إلى «كتلة الوفاء للشهداء» في «المؤتمر الوطني»، بل كان في كتلة «الرأي المستقل». وبرهن على بعده عن تنظيم «الإخوان» بأنه «عمل على فتح منظومة علاج جرحى القوات المسلحة أثناء فترة عمله سفيراً في اليونان... وما أعرفه أنه يتواصل مع القوات المسلحة كما يتواصل مع بقية الأطراف، وهو على علاقة طيبة معهم».
- احترم «ثورة فبراير»
واستطراداً، الملاحظ أن «الرئيس الشاب، الذي أقسم على احترام (ثورة فبراير)، يتَبِع دبلوماسية منفحته داخلياً وخارجياً من دون إقصاء لفصيل، أو تفضيل لمدينة على أخرى». بل دأبه العمل وفق قاعدة «لا إقصاء أو تمييز بعد اليوم، والكل مشارك في بناء ليبيا الجديدة». حقاً، بدا أنه يخط خطوطاً عريضة للدبلوماسية الليبية في الآتي من الأيام بعيداً عن حالة «العشوائية والمحاباة» التي سمحت بـ«تعيين المحاسيب والمقربين» في مناصب دبلوماسية. وبموازاة ذلك، لفت المُنفّي أيضاً في مناسبات عدة إلى ضرورة احترم السيادة الليبية كأساس للتعاملات المستقبلية معها.
وخطب المُنفّي ذات مرة في كلمة متلفزة، «كل الدول الشقيقة والصديقة، والمنظمات الدولية والإقليمية بلسان الشعب الليبي... نحن مُقبلون على مرحلة جديدة، نتطلع فيها لاستكمال عملية التحوّل الديمقراطي. وهذا يستوجب من المجتمع الدولي الإيفاء بالتزاماته تجاه شعبنا، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن والتقيد بها، كوضع حد للتدخلات الخارجية السلبية، وحظر توريد الأسلحة، والحفاظ على الأموال والأصول الليبية المجمّدة، وتقديم الدعم الفني الذي تتطلبه المرحلة».
ولمزيد من التأكيد على انفتاح الرجل، فإنه أعرب عن تطلعه لبناء علاقات خارجية وثيقة قائمة على الشراكة والمصالح المتبادلة، واحترام السيادة وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
وأمام قضاة المحكمة الدستورية العليا بطرابلس، وقف المُنفّي مؤدياً اليمن الدستورية، في خطوة نادرة لليبيا، وأقسم أنه «سيعمل على تحقيق أهداف (ثورة 17 فبراير)، واحترم مبادئ الإعلان الدستوري، ومراعاة مصالح الشعب رعاية كاملة، المحافظة على استقلال ليبيا ووحدة أراضيها».
- التكلّم بالفرنسية
ختاماً، الحاصل الآن، أنه بات لليبيا سلطة جديدة. وهي تسلمت الحكم في تقليد ذكّر الليبيين بما فعله رئيس الوزراء الراحل الدكتور عبد الرحيم الكيب، عندما تنازل طواعية عن السلطة لخلفه علي زيدان. وأمام عدسات المصوّرين والإعلاميين تسلّم محمد المُنفّي مهامه في مشهد وصفه بـ«التاريخي» في دلالة على سلاسة التداول السلمي للسلطة. وغادر فائز السراج منصبه، مستقلاً سيارته، بعدما سلّم السلطة للمُنفّي والدبيية، منهياً بذلك قرابة خمس سنوات من الحكم، منذ تشكلت حكومته في فبراير عام 2016 بموجب «اتفاق الصخيرات» (الموقع في المغرب) يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) 2015 بدعم أممي.
وفيما يشبه الوعود الضمنية غير المتفق عليها، أجمع ليبيون على ضرورة منح المجلس الرئاسي وحكومته وقتاً كافياً لترتيب الأوراق، وإدارة «التركة الثقيلة» التي خلفتها «حكومة الوفاق الوطني». وسادت حالة من الارتياح والتفاؤل بين جميع الأوساط السياسية والاجتماعية، المُعربة عن ابتهاجها بمكالمات هاتفية جرت بين المُنفّي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي عبّر فيها عن ترحيبه بالسلطة التنفيذية الجديدة. وترجم دبلوماسيون ليبيون ووسائل إعلام محلية هذه الفرحة، بالقول «إن المُنفّي لم يكن في حاجة إلى مترجم وهو يتلقى مكالمة ماكرون، فرئيسنا يتقن اللغة الفرنسية، ويتكلمها بطلاقة».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.