الشعراء والكتّاب بين النضوب المؤقت و«السكتة الإبداعية»

بعضهم يقع فريسة الاكتئاب أو الانتحار... وآخرون يقتاتون مما أنجزوه من قبل

محمد الماغوط - أحمد عبد المعطي حجازي - خليل حاوي
محمد الماغوط - أحمد عبد المعطي حجازي - خليل حاوي
TT

الشعراء والكتّاب بين النضوب المؤقت و«السكتة الإبداعية»

محمد الماغوط - أحمد عبد المعطي حجازي - خليل حاوي
محمد الماغوط - أحمد عبد المعطي حجازي - خليل حاوي

إذا كان قدر البشر العاديين أن يواجهوا لمرة واحدة التحدي الوجودي الذي يفرضه الموت على كلّ منهم، فإن الشعراء والمبدعين يواجهون هذا التحدي مرتين اثنتين، أعني الموت الإبداعي والموت البيولوجي. وإذا كان الخوف من الثاني هو القاسم المشترك بين سائر البشر، بمختلف أعمارهم ومستوياتهم الطبقية وهوياتهم القومية والإثنية، فإن الخوف من الثاني لا يقل سطوة عن الأول، عند المشتغلين بالأدب والشعر والفن. بل قد يكون أكثر مدعاة للألم الممض والتصدع النفسي، بالنسبة لمن يرون في الإبداع بمختلف تجلياته هويتهم الحقيقية ومعنى وجودهم على الأرض. فالخوف من الموت باستثناء حالات المرض الداهم، يصاحبه في الأعم الأغلب تأجيل دائم للفكرة، وتعاملٌ مع هذا الأخير بوصفه استحقاقاً يخص الآخرين وحدهم، فضلاً عن كون الموت يأتي مرة واحدة، يحلّ بعدها العدم المطبق والسكون التام، في حين العجز عن الكتابة أو العقم الإبداعي يمنح صاحبه شعوراً بالنقص والهلع وفقدان الجدوى، موازياً إلى حد بعيد لما يشعر به العنّينون؛ حيث أكثر من وجهٍ للشبه يربط بين الخصوبة الجنسية والخصوبة الإبداعية. كما أن المرء، من جهة أخرى، لا يوجد مع الموت في الحيز ذاته وفي الآن إياه، بل إن وجود أحدهما تأكيد على غياب الآخر، كما يذهب أحد الفلاسفة إلى القول. ولكن الشاعر أو الفنان يوجد مع عجزه الإبداعي في زمن واحد، بل في غرفة واحدة، ولذا فهو يتجرع في كل لحظة حنظل الإخفاق وسمّ النضوب المأساوي.
إن الكاتب الذي يكفّ مكرهاً عن الكتابة يشعر بغتة أنه فقد سلاحه الأمضى في وجه الحياة. ذلك أنه لا يجد ما يفعله خارج فضاء اللغة التي لا يتقن «مهنة» سواها، كما أشرت في مقالة سابقة عن مهن الشعراء والمبدعين. ومن الطبيعي أن يشعر ساعتئذ بهامشيته وبحضوره الطفيلي وغير المجدي، وبفقدانه للسلطة الرمزية التي يمتلكها على الكلمات، في عالم عديم الرحمة، يتم تقاسمه بشكل حاسم بين سلطات السياسة والأمن والمال، كما أن شأن الكاتب مع الموت لا يختلف عن شأنه مع الحياة. فالكتابة في عمقها هي تحايل على الموت، وبحث دؤوب عن معادل رمزي لعشبة الخلود التي فشل كلكامش في الاحتفاظ بها لمواجهة مصيره المحتوم، أو هي نوع من اللقاح الذي يحصن الروح ضد جرثومة الزوال ويمنحها مناعة أشدّ في وجه الهبوب المطّرد لرياح العدم. والواقع أن الوضع التراجيدي للمبدعين متصل بكونهم يذهبون أكثر مما يجب، في تقصيهم المعرفي وسط أرض مترعة بالشكوك؛ حيث يتحول العقل المهجوس بالبحث عن إجابات شافية إلى لعنة على صاحبه، على حد تعبير المتنبي. ولعل ما يجنّب البشر العاديين هذا النوع من المكابدات المأساوية، هو تصالحهم مع فكرة الموت، ومع المنظومة الثابتة للقوانين والحقائق الكونية التي يتقبلها هؤلاء بالقدر الأكبر من الرضا والإيمان والتسليم القلبي.
ولا بد من التمييز في هذا الصدد بين الانقطاع المؤقت عن الإنتاج، والنضوب النهائي للمبدعين. فمن الطبيعي، بل من الضروري في بعض الأحيان، أن تكون هناك انقطاعات زمنية معقولة بين دواوين الشعراء أو أعمال الكتاب والفنانين. فهذه الانقطاعات هي الفرص الثمينة التي لا بد منها للتأمل فيما أنجزه الكاتب من أعمال، ولتوفير مزيد من الاطلاع والتحصيل المعرفي، ولتهيئة الظروف الملائمة للانطلاق نحو كشوفات جديدة ومقاربات تعبيرية مختلفة. على أن هذا الانقطاع ما يلبث، متى طال أوانه، أن يتحول إلى خوف داهم من العقم، يقض مضجع الكتاب ويجعلهم فرائس حقيقية لشتى صنوف الوساوس والكوابيس. وقد عبّر غير كاتب عربي وأجنبي عن خوفهم العميق من النضوب النهائي إثر انقطاعهم القسري عن التأليف. فرغم كون نجيب محفوظ هو أحد أكثر الروائيين العرب غزارة في الإنتاج، فإن توقفه الطويل عن الكتابة مطلع خمسينات القرن الفائت، كان واحداً من أصعب المحن والمآزق التي واجهها في حياته. ففي حواره الطويل مع جمال الغيطاني يعترف صاحب «ثرثرة فوق النيل» بأن الثورة التي قام بها الضباط الأحرار على الحكم الملكي آنذاك، بدت من بعض النواحي وكأنها تجيب عن جميع الأسئلة التي طرحتها رواياته على الواقع المصري المأهول بالتصدعات، الأمر الذي دفعه إلى الخرس التام لـ5 سنوات كاملة، قبل أن يكتشف أن الواقع الجديد لم يكن وردياً بما يكفي لحلوله محل الكتابة. والأرجح أن صمت محفوظ الطويل عن البوح السردي قد أكسب كتابته مزيداً من النضج والاختمار، الأمر الذي يظهر جلياً من خلال «ثلاثيته» الشهيرة التي صدرت مباشرة بعد فترة الانقطاع.
لكن حقل الصمت لا يتطابق بشكل دائم مع بيدر الكلام، عند أولئك المصابين بـ«العنّة» الإبداعية. صحيح أن بعض الكتاب يعودون من فترة احتجابهم القسري بعصبٍ أشدّ وزخمٍ أكبر، ولكن الصحيح أيضاً أن آخرين كثراً لا يفلحون لدى عودتهم في إضافة أي شيء يُذكر إلى ما أنجزوه من قبل. وغالباً ما تكون أعمالهم اللاحقة مجرد تقليد باهت لأعمالهم السابقة. وإذ تفتقر تلك الأعمال إلى أي نكهة أو مسوغ أو مذاق، تبدو شبيهة بطعام بائت أو بما يبقى من الوليمة في يومها التالي. ولعل تجربة خليل حاوي الذي عاد إلى الكتابة، مرهقاً وشبه مُكرَه إثر فترة احتجابه، هي الدليل الساطع على ذلك. فحاوي الذي تمكن خلال فترة وجيزة من رفد الحداثة الشعرية العربية بمجموعات «نهر الرماد» و«الرعد الجريح» و«بيادر الجوع»، ذات اللغة العصبية والرؤى الانبعاثية القيامية، لم يضف من خلال عمليه الأخيرين اللذين أعقبا عقداً ونصفاً من الصمت القسري، ما يسوّغ له تلك العودة أو يبررها. إذ كشفت قصائده في تينك المجموعتين عن لغة باهتة وصور مكررة وتراكيب ذهنية مفتقرة إلى الحياة، متماهياً بذلك مع بطله «لعازر» الذي عاد من موته بارداً ومهيضاً ومسلوب الفحولة. وإذا لم يكن انتحار خليل حاوي متصلاً بالشعر وحده، بل بأسباب أخرى تتعلق بتكوينه الجيني والنفسي، كما بعلاقاته العاطفية الفاشلة وبالحال المزري الذي آلت إليه الأمة، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن طريق النجاة لم تكن لتوصد تماماً في وجه الشاعر، لو لم تعمد شياطينه الحرن إلى خذلانه والتخلي عنه. وهو ما أشار إليه محمود درويش في قصيدته «مديح الظل العالي» التي كتبها بعيد حصار بيروت، حين قال: «الشاعر انتحرتْ قصيدته تماماً... وثلاثة خانوه... تموزٌ وامرأةٌ وإيقاعٌ»، ملمحاً بذلك إلى انتحار حاوي التراجيدي في تلك الحقبة العصيبة من الزمن.
لم يكن محمد الماغوط من جهته بعيداً عن تجرّع كأس النضوب المرة التي تجرّعها خليل حاوي. فقد كتب مجموعتيه الأوليين «حزن في ضوء القمر» و«غرفة بملايين الجدران» خلال عامي 1959 و1960. بما يشبه الانعكاس التلقائي والمبكر لاندفاعة البدايات. وفيما كان عليه أن ينتظر 10 سنوات كاملة ليصدر مجموعته الثالثة «الفرح ليس مهنتي»، لم يلبث بعد ذلك أن أخلد على المستوى الشعري البحت إلى الصمت الكامل لما يزيد عن العقود الثلاثة، قبل أن يصدر مجموعتيه الأخيرتين «سياف الزهور» و«شرق عدن... غرب الله»، اللتين افتقرتا إلى جموح الأعمال الأولى ولغتها المتوترة. وإذا كانت المصادفات وحدها هي التي وفّرت لكل من الماغوط وحاوي نوعاً من التناظر اللافت في الصعود والهبوط وعدد المجموعات، فإن ما حمى الأول من مصير الثاني هو إقباله المفرط على الحياة، وعلاقته الساخرة بالوجود والأشياء، فضلاً عن تعدد المجالات التي واصل من خلالها مغامرة الكتابة، وتنوع نتاجه النقدي والمسرحي والسردي.
وفي سياق الحديث عن «الاحتباس» الإبداعي الطويل لدى الشعراء، لا بد أن يستوقفنا المسار الصعب والوتيرة المتفاوتة لعلاقة الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي بالشعر. فحجازي الذي كان شديد الاعتناء بلغته وأسلوبه، والذي بدأ مسيرته الشعرية بشكل مبكر عبر مجموعته المميزة «مدينة بلا قلب» لم يكن بوجه عام شاعراً غزير الإنتاج، كما تُظهر الفترات الزمنية الفاصلة بين أعماله. ومع ذلك فقد بدأ توقفه التام عن النشر في منتصف خمسيناته، أمراً غير عادي ومثيراً للتساؤل. فمنذ عام 1989 حتى اليوم بدت شياطين الشاعر وكأنها توقفت تماماً عن العمل، باستثناء مجموعة واحدة أصدرها في عام 2011 بعنوان «طلل الوقت»، موجهاً من خلالها التحية إلى الثورة المصرية الثانية التي أعادت إلى قصيدته ما يلزمها من أسباب الحيوية والتوهج والجدوى. وحين يُسأل حجازي عن مسببات صمته الطويل يجيب بأن شاعراً له خبرته وباعه الطويل في الكتابة يستطيع أن يستدعي الشعر ويكتبه ساعة يشاء، «غير أنني أفضل ألا أكتب القصيدة إلا إذا فرضت نفسها عليّ فرضاً، فلا أستطيع تجنبها». ثم يضيف قائلاً: «إن الشعر رائع كالحب وقاسٍ كالموت».
سيكون من المتعذر اختتام هذه المقالة عن صمت الشعراء، المؤقت أو الدائم، دون الإشارة إلى الشاعر الفرنسي الأشهر آرثر رامبو الذي وهب فرنسا والعالم، وقبل أن يبلغ العشرين من عمره، إحدى أكثر التجارب الشعرية فرادة وثراء، لينصرف بعد ذلك إلى التجارة والبحث عن المال، عبر مغامراته المشوقة والمحفوفة بالمخاطر إلى الحبشة واليمن، والتي ما لبثت أن تسببت بموته المبكر قبل بلوغه الأربعين. وإذا كان لا بد أخيراً من المفاضلة بين الخيارين القاسيين، الصمت أو اجترار الذات، اللذين يواجههما كثير من الشعراء والمشتغلين بالأدب والفن في مرحلة من المراحل، فإن الخيار الأول على خطورته، هو الذي يليق بالكتاب الحقيقيين الذين يؤثرون الخروج من الحلبة بكامل لياقتهم التعبيرية وشجاعتهم النبيلة، دون أن يمرغوا منجزهم الإبداعي السابق في وحول الرطانة الباهتة والتكرار السقيم.



شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.