روسيا انتظرت الفرصة طويلاً... وانتهزتها

اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)
اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)
TT

روسيا انتظرت الفرصة طويلاً... وانتهزتها

اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)
اعلام وآليات تابعة لجيوش أميركا وروسيا وسوريا قرب القامشلي شرق الفرات في 12 فبراير 2020 (أ.ب)

«ليست لدينا أي مصالح خاصة هناك، ولا نملك قواعد عسكرية أو مشروعات كبيرة، ولا استثمارات بالمليارات، ولا يوجد شيء خاص يستحق الحماية. ليس لدينا أي شيء هناك على الإطلاق».
كانت تلك هي الكلمات التي استخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في توصيف الأوضاع في سوريا في شهر يونيو (حزيران) من عام 2011. وجاءت تلك التصريحات أيضاً في الوقت الذي كان الرئيس السوري بشار الأسد ينشر قواته العسكرية، ودباباته ومروحياته، في مواجهة المتظاهرين في شوارع البلاد. وطوال الوقت، كان المحللون السياسيون في موسكو ينظرون في أمر المرشحين المحتملين للحلول محل بشار الأسد على رأس السلطة في البلاد، عبر انقلاب سلمي غير دموي.
- هل كانت تصريحات بوتين الأولى مجرد خدعة؟
في عام 2015. عندما شنت المقاتلات الروسية الغارات الجوية في سوريا، كان الرئيس الروسي يفترض أن يثير الوجود الروسي الدائم في الداخل السوري حذراً شديداً. ومع ذلك، كان الجيش الروسي يتأهب لتوسيع مشاركته في الحرب الأهلية السورية، ولا سيما من خلال توسيع مهابط الطائرات المروحية في قاعدة حميميم الجوية. ومن جهة أخرى، يشير كثير من الحقائق المعروفة إلى نظرية مفادها أن الجانب الروسي، اعتباراً من عام 2011 لم يكن يتصور أن توفير الدعم العسكري المباشر والكبير للأسد هو من السيناريوهات محتملة التطبيق. ورغم بيانات الإنكار الرسمية، من المعتقد أن زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ومدير الاستخبارات الخارجية الروسية ميخائيل فرادكوف، إلى دمشق في عام 2012. كانت تتعلق بمناقشة شروط رحيل الرئيس بشار الأسد عن السلطة، وتشكيل حكومة انتقالية في البلاد. وفي محاولة لتوخي أقصى الحيطة والحذر في خياراتها، حافظت الحكومة الروسية على قنوات الاتصال المفتوحة مع قوى المعارضة السورية، كما استقبلت وفوداً من «المجلس الوطني السوري» المعارض. وثار كثير من اللغط إثر تصريحات السيد ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، وهو الممثل الروسي الخاص في منطقة الشرق الأوسط، بشأن إمكانية انتصار قوى المعارضة في الحرب الأهلية السورية.
في تلك الأثناء، كانت أجهزة الاستخبارات الروسية تُجري عدداً من الاتصالات غير المعلنة مع الحكام الجدد المحتملين في سوريا، من أمثال الجنرال المعارض مناف طلاس، الذي كان يقوم بزيارات دورية إلى مختلف العواصم في منطقة الشرق الأوسط. وحتى اليوم، لا يزال الاعتقاد سائداً لدى البعض داخل المعارضة، بإمكانية الانتصار النهائي للجنرال طلاس. ومع ذلك، فإن الأسد، المدعوم مباشرة من طهران، كان يصف تلك السيناريوهات بعدم الواقعية، وذلك من حسن الحظ بالنسبة للحكومة الروسية.
النقطة الأولى الجديرة بالذكر في هذا السياق، أن الكرملين كان ينظر إلى «الربيع العربي» من منظور السياسات الداخلية، حتى إن اندلاع الحرب الأهلية السورية تزامن مع بدء الولاية الرئاسية الثالثة للرئيس بوتين. وكان أنصاره يتعاملون مع انتفاضات «الربيع الروسي» و«الربيع العربي» كشكل من أشكال مقاومة «العدوان الأجنبي». لكنهم اختاروا، في وقت لاحق، عدم مساواة الاثنين، تحت أي ظرف من الظروف، تفادياً للارتباط مع الربيع العربي ذي الصبغة الاستبدادية الواضحة.
أما النقطة الثانية فهي أن القيادة الروسية تعتقد أن أنظمة الحكم الراهنة قادرة على إرساء الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وأن من شأن أي تغيير في أنظمة الحكم في المنطقة أن يؤدي بدوره إلى تعزيز الدعم المباشر وغير المباشر للجماعات الإسلاموية في إقليم شمال القوقاز ومنطقة الفولغا الروسية. والأهم من ذلك، أن القيادة الروسية أرادت أن تثبت للقوى الغربية وللعالم العربي أنها عاقدة العزم، وبشدة، على أن يكون واضحاً أنه ليس من الممكن اتخاذ القرارات المهمة والمؤثرة بمعزل عن مشاورة القيادة السياسية في موسكو.
وبعد مرور 5 سنوات على انخراطها في الحرب السورية، يمكن لموسكو التباهي بوجود ما يمكن وصفه باللوبي السياسي والعسكري في البلاد. ويضم هذا اللوبي، من بين شخصيات أخرى، العميد سهيل الحسن، القائد العلوي للفرقة 25 من قوات المهام الخاصة (قوات النمر)، وكذلك أحمد العودة، وهو الزعيم الأسبق لجماعة «شباب السنة» المعارضة، وهو قائد اللواء الثامن من «الفيلق الخامس».
وفي بدايات «الربيع العربي»، كانت القيادتان الروسية والسورية تتلمسان الخطوات الأولى في تنمية التعاون المشترك. كانت السياسات الروسية إزاء الصراع داخل البلاد موضع نظر، وكانت تدعو الأطراف المعنية إلى الامتناع عن مواصلة التصعيد. وجاء التقارب في العلاقات بين الجانبين في بداية العام 2005، إثر القرار الروسي بشطب 73 في المائة من الديون السورية في الحقبة السوفياتية، في مقابل مشترياتها العسكرية من روسيا. وفي ذلك الوقت، رأى الأسد أن روسيا تشكل له فرصة سانحة لكسر طوق العزلة الدولية المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأميركية بعد الرفض السوري المسبق لتقديم الدعم للولايات المتحدة في العراق. وعلى نحو مماثل، توترت علاقات الأسد مع الحكومة الفرنسية بشدة في أعقاب اغتيال رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني. كما كانت هناك خلافات أخرى مع دول عربية بشأن النفوذ الإيراني المتزايد في سوريا.
وبسبب الأثر التراكمي للاضطرابات الاقتصادية في روسيا، والعملية العسيرة لإصلاح المؤسسة الدفاعية، والتدهور العام للمكانة الروسية على الصعيد العالمي، كافح الكرملين بشدة لإثبات قوته على المسرح الدولي. وكان الوجود الروسي في سوريا مقتصراً على الاستطلاع، وعلى عدد من المرافق والمنشآت. فعلى سبيل المثال، كانت المنشأة البحرية في طرطوس تتألف فقط من رصيف ومبنيين صغيرين على الساحل. وجرى حل مكتب المستشار العسكري الروسي في سوريا بحكم الأمر الواقع، في حين فقد المستشارون الذين كانوا يقدمون المشورة للرئيس الراحل حافظ الأسد، إبان الحقبة السوفياتية، نفوذهم داخل النخبة السورية الحاكمة.
- تدخل إيراني
وفي عام 2013، اضطرت القيادة الروسية لإجلاء ضباطها من سوريا، خوفاً من المخاطر التي يشكلها الصراع الأهلي الدائر، في حين أن نشاط الشركات العسكرية الخاصة في البلاد كان طفيفاً، بل جرى تخفيضه من قبل الحكومة الروسية. وليس خافياً أن الأجهزة السرية السورية تجاهلت كثيراً من الطلبات الروسية بشأن تسليم المقاتلين الشيشانيين.
هناك كثير من الفرضيات بشأن الوقت الذي اتخذ فيه الكرملين قراره بالتدخل العسكري في سوريا. ووفقاً لأحد الافتراضات، نظرت القيادة الروسية في خطط التدخل في عام 2013، عقب طلب المساعدة من قبل الأسد. وجرى طرح هذه الفكرة للمناقشة بعد ذلك خلال موسم ما قبل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وكذلك بعد زيارة قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، قاسم سليماني، إلى روسيا في يوليو (تموز) من عام 2015. لكن قاسم سليماني بالكاد فتح البوابات السورية أمام موسكو. فقد كان المستشارون العسكريون الروس قد حددوا موقع القاعدة العسكرية الروسية القادمة في سوريا قبل زيارة الجنرال سليماني إلى موسكو. وفي الأثناء ذاتها، قامت القوات الخاصة بتجهيز محيط «مطار باسل الأسد» الدولي في اللاذقية. علاوة على ذلك، بدأت الأعمال التحضيرية لإنشاء مركز التنسيق في بغداد مع المختصين الروس قبل ما يقرب من عام من تشكيل تحالف مكافحة الإرهاب، الذي يضم كلاً من روسيا وإيران والعراق، والصين لاحقاً.
بدأ النفوذ الروسي في سوريا في التصاعد اعتباراً من عام 2013، إثر الاتفاق بين بوتين والرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن تدمير الأسلحة الكيماوية السورية. وجرى تذكير النظام السوري بأن الفرصة الراهنة هي الأخيرة في تجنب تدخل البلدان الأجنبية بقوة في سوريا. وسنحت فرصة جديدة لمزيد من التقدم على مسار العلاقات الروسية - السورية في عام 2015، وذلك عندما كانت القيادة السورية ومؤيدوها في «الفلك» الإيراني قد أصيبوا بحالة نفسية انهزامية شديدة. وثار قليل من الشكوك بأن الصراع الدائر في أوكرانيا، الذي دفع بالعلاقات الروسية مع العالم الغربي إلى مسار المواجهة، قد أصبح محفزاً لاتخاذ الكرملين قراره بالتدخل في سوريا.
لم يتمكن بوتين، الذي حوّله ضم شبه جزيرة القرم إلى شخصية تاريخية، من تحمُّل العقوبات الاقتصادية المفروضة بعد عام 2014، أو أن يرى بلاده توصف بالقلعة الكبيرة المحاصرة. وكان الهدف الأساسي هو تحويل روسيا إلى دولة مُهابة، لا يمكن للآخرين تجاهل كلمتها بسهولة. ثم رأينا كيف أنه ألحق فريق قاديروف المسلم بالمفاوضات الشيشانية، كما نشر مرتزقة قطب الأعمال الروسي العملاق يفيغني بريغوزين في مهام عسكرية خارج البلاد، وكلف أجهزة الاستخبارات العسكرية الروسية بالتخلص من الشخصيات غير المرغوب فيها. وبرغم ذلك، كان اللاعبون الرئيسيون في المسرح الدولي سعداء للغاية لرؤية القيادة الروسية تضطلع بالسيطرة على مجريات الأمور في الحرب الأهلية السورية؛ حيث يتعين على روسيا تحمل أعباء الأزمة السورية كافة، مع مسؤولية بقاء نظام حكم الأسد المتحجر على قيد الحياة.
- الحرب والسلام
جاءت عبارة رئيس الوزراء الفرنسي الراحل جورج كليمنصو «إن صناعة الحرب أيسر بكثير من صناعة السلام» لتجسد بكل دقة جوهر الصعوبات التي تكتنف أي صراع وتنشأ عنه.
فكيف سيمكن للنظام السوري، المدعوم من روسيا، التعامل مع كوارث المجاعة والخراب في البلاد؟
وفي محاولة للوصول إلى حل إقليمي وسط في سوريا، يواجه الكرملين سؤالاً بشأن التغيير في النظام السياسي السوري. ويعد تحول نظام الحكم في سوريا هو الشرط الذي تطالب به مختلف القوى الأجنبية، قبل البدء في ضخ الأموال إلى البلاد. كما أنه يعد شرط الاستقرار طويل الأمد لنظام الأسد، الذي يواجه باستمرار الأزمات تلو الأزمات، سواء أكانت في النفط أم في الغذاء. وتغيير النظام الحاكم، على غرار تجارب أخرى، ليس من الخيارات القابلة للتطبيق في الواقع السوري. فقد جرى استثمار كثير من الموارد في النظام السوري الحاكم برئاسة الأسد، إلى درجة يصعب معها التخلي عنها بكل سهولة.
علاوة على ما تقدم، فإن القيادة الروسية اليوم هي أقل اهتماماً بالوصول إلى حل وسط مع القوى الغربية، مما كانت عليه قبل 5 سنوات من الآن. لقد شرعت روسيا بحزم في اتخاذ موقف انعزالي يصعب تغييره، حتى لو كانت لديها الرغبة في ذلك، وهو ما لم يكن واضحاً.
- باحث روسي
- خاص بـ«الشرق الأوسط»



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».