سينما آسيا تلتقي في هوليوود للمرّة السادسة

مهرجان خاص بها يعرض جديدها

«2000 أغنية لفريدة»
«2000 أغنية لفريدة»
TT

سينما آسيا تلتقي في هوليوود للمرّة السادسة

«2000 أغنية لفريدة»
«2000 أغنية لفريدة»

- بالم سبرينغز (كاليفورنيا): محمد رُضا
المهرجان الذي وُلد قبل ست سنوات كتظاهرة لجمع أفلام من دول آسيا المختلفة وعرضها للجمهور الأميركي في مدينة لوس أنجليس بات سريعاً واحداً من أهم المناسبات السنوية التي تشهدها المدينة.
وفي عالم مكتظ بالمناسبات والمهرجانات فإن خروج مهرجان ما من منطقة الظل إلى منطقة النور، ومن مجرد لقاء بين شغوفين بالسينما عموماً والسينما الآسيوية على وجه التحديد إلى مهرجان قائم بالحرفية والمهنية المطلوبة لمثل هذه النشاطات، فإن الأمر يتطلب خبرة وتصميما والكثير من الجهد، وهذا ما ثابر عليه مدير المهرجان جورج شمشوم وفريق عمله.
هذا العام سينطلق المهرجان مرّتين. الأولى بدأت بالفعل قبل يومين (في العاشر من الشهر) والثانية في نوفمبر قبيل نهاية السنة وكم هو مفرح قرار إعادة فتح الصالات الأميركية للروّاد لأنها تعني عودة الطبيعة لحياة المهرجانات والمناسبات السنوية ومنها هذا المهرجان.

- من لبنان إلى روسيا
آسيا قارة شاسعة وكبيرة تضم خمسين دولة من حدود البحر المتوسط حتى آخر اليابان ومن جزر المالديف في الجنوب وصولاً صعوداً إلى شمال روسيا. والمتعدد هنا ليس أسماء الدول بطبيعة الحال بل مشاربها الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية. آسيا هي أكثر القارات تعدداً في الثقافات والتضاريس السياسية من أي قارة أخرى. هناك الدول العربية ودول الشرق الأوسط عموماً، ثم المجموعة الهندية وجوارها ثم منطقة الشرق (حيث الصين وكوريا واليابان) والجنوب الشرقي (حيث تقع إندونيسيا وماليزيا والفلبين بين أخرى) ثم الجزء المتوسط من آسيا (كازاخستان وأوزبكستان ومنغوليا وسواها) التي تحاذيها روسيا الممتدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب حيث تلتقي بالجزء الأوروبي من البلاد.
الدورة السادسة التي بدأت في العاشر من هذا الشهر وتنتهي في الخامس عشر منه، احتوت على 15 فيلماً طويلاً في المسابقة الرسمية من 13 دولة يجاورها اثنا عشر فيلما قصيرا. في قسم العروض الخاصة ستة أفلام طويلة أخرى في قسم يسمح للمهرجان باستقبال أفلام من خارج القارة الآسيوية. لذلك نجد الفيلم التونسي «الرجل الذي باع ظهره» لكوثر بن هنية والفيلمين الأميركيين «شيكاغو: الحرب الأميركية الخفية» و«معاكس» جنباً إلى جنب مع الفيلم اللبناني «أرز أكتوبر» والصيني «أغنية الحب» والروسي «أليكس إن روسيا لاند».
ليس بالعدد الكبير طبعاً، لكن لا يجب أن ننسى أن المهرجان في نسخته الحالية هو افتراضي البث على عكس دوراته السابقة التي ارتفع فيها عدد الأفلام إلى ما هو ضعف هذا الرقم.
تتماوج المواضيع المطروحة بطبيعة الحال تبعاً لكل العوامل الثقافية والاجتماعية لكل منطقة آسيوية ومن ثم لكل بلد منها.
«أليكس إن روسيا لاند» هو فيلم تسجيلي كحال الفيلم اللبناني «أرز أكتوبر» لسليم صعب وكلاهما يقع على مسافة بعيدة عن الآخر حين يأتي الأمر لمقارنة اهتمامات كل منهما وأسلوبه. في الفيلم اللبناني، وكما ورد معنا هنا حين خصصنا للفيلم المساحة التي يستحقها، اقتراب من القضايا التي أثارتها انتفاضة الجيل الشبابي من اللبنانيين قبل عامين. المخرج سليم صعب يلتقط لا المظاهرات وحدها بل وسائل التعبير عن الانتفاضة من غناء وأناشيد ورسومات غرافيتي ومقابلات.
في «أليكس إن روسيا لاند» محاولة ذاتية للمغني أليكس كارلِن للحديث عن نفسه وحفلاته الموسيقية من باب أنه تحوّل في سبع سنوات إلى ظاهرة. مغني الروك آند رول وفرقته جابوا ربوع البلاد من أقصاها إلى أقصاها وعلى نحو مستمر بلا كلل (100 حفلة في السنة) وكاميرا الفيلم تجوب مع الفريق كل تلك الربوع.
هناك غناء من نوع آخر في فيلم «2000 أغنية لفريدة» من المخرج الأوزبكستاني يالكين تويشييف. دراما عن رجل مسن متزوّج من ثلاثة وها هي الزوجة الرابعة تصل إلى بيت الرجل النائي في بعض الجبال. الحياة حول النساء- الزوجات قاحلة كالطبيعة القاسية التي تحيط بالمكان، وهناك خطر تقدم قوّات الحكومة الجديدة (تقع الأحداث في العقد الأول من القرن الماضي) وضرورة ترحيل النساء سريعاً. كميل سيبقى وحيداً والقوات الحكومية ستصل وتهدم منزله وحياته. لكن فحوى الفيلم بجمالياته وأسلوب تنفيذه المدروس بعناية، يكمن في تلك العلاقة الذكورية ومفاهيمها القديمة وكل ما ينتج عنها من معاملات مع المرأة وسلوكيات.

- بيئات متناقضة
فيلمان يلجآن إلى سينما الرعب لتمرير رسائل اجتماعية وملاحظة سلوكيات البشر تبعاً لثقافاتهم. لدينا الفيلم الماليزي «روح» لأمير إزوان (امرأة تصل إلى بيت مهجور في غابة مسكونة) و«إمبتغور» لجوكو أنوَر (صنع أفلام رعب سابقة) وفيه تصل امرأة إلى منزل ورثته يقع في القرية لتجد أن هناك من يرغب في دفعها للعودة من حيث جاءت مهدداً حياتها بالموت.
يكشف الفيلمان عن جهد ملحوظ لدى صانعيهما لاتباع الدليل الكوري - الياباني في صياغة أفلام الرعب لكن اللافت هو تشابه الحكايتين إلى حد بعيد.
الجامع بين هذه الأفلام الآتية من آسيا الوسطى هو الاعتناء بالمكان كبيئة، وهذا ما نجده كذلك في فيلم من قرغيزيا عنوانه «البحيرة». هنا، وكما الحال في بعض تلك الأفلام أيضاً، يلجأ الفيلم إلى ثنائية الأسطورة والتاريخ. الأولى تبدو أكثر سرمدية من التاريخ نفسه.
هذا كله يختفي من فيلم Jallikattu الآتي من الهند (أخرجه ليجو جوزيه بيليسيري) الذي يحتوي على ألوف اللقطات في مدى ساعة ونصف من عرضه. إذ يتمحور حول ثور هائج في بعض قرى ولاية كيراتا واندفاع أهل القرية للبحث عنه وقتله بعدما دمّر أسواقاً وأصاب أشخاصاً، لا يتوقف الفيلم عن لهاث الكاميرا ولا عن كلام الممثلين (نحو مائة) المسترسل. لكن هذا ليس هباء. في معالجة المخرج لهذه القصّة نبع من الأفكار تتمحور حول علاقة هؤلاء بالكنيسة (أي المسيحيين) وعلاقة كل منهم بالآخر قبل أن ترتد المطاردات العشوائية لقتل الثور الهائج إلى القائمين بها وتنتهي إلى عنف شديد.
السينما الآتية من اليابان وكوريا والصين وهونغ كونغ تختلف بشدّة عما هو آت من تلك البيئات الآسيوية في منتصف القارّة.
على سبيل المثال فإن «أيام أفضل» لديريك تسانغ (هونغ كونغ) هو عن الطالبة التي تتعرض للاضطهاد والتعنيف من قِبل رفيقاتها. الدور يأتي عليها عندما يؤدي ذلك الاضطهاد إلى مقتل طالبة سابقة. لكن بطلة الفيلم نيان تلجأ إلى شاب غير مثقف، يفهم لغة الحياة السفلى للمدينة، للدفاع عنها.
«أمهات حقيقيات» لليابانية ناوومي كواسي يهدف (في 140 دقيقة) لبحث مفهوم الأمومية عندما يلجأ زوجان لم ينجبا إلى تبني طفل في المهد ودفع تعويض مرضٍ لأمه الحقيقية. بعد حين تعود تلك الأم لطلب استعادة ابنها. ليس أفضل أفلام المخرجة المعروفة (عرضت معظم أفلامها في مهرجان كان سابقاً) وذلك تبعاً لصياغة فرضت على الفيلم سردا جانبيا ذلك المفهوم على نحو منفصل كل عن الآخر.
الموضوع العاطفي متوفر كذلك في فيلم سينغافوري من إخراج أنطوني تشن بعنوان «فصل مبلل» وفيه حكاية معلّمة مدرسة تحمل على كاهلها متاعب حياتها الخاصة تستجيب لرغبة أحد طلابها فيها ما يرمي مستقبلها كمعلّمة في غياهب المجهول.
«قفزة» من الصين و«الرجل التالي» من كوريا يختلفان. الأول (لبيتر هو - صن تشان) محاكاة لأفلام الرياضة بأسلوب مستورد من هوليوود. الثاني، وقد تناولناه سابقاً أيضاً، لوو - من نو يتناول اغتيال الرئيس الكوري الجنوبي سنة 1979. وهو في الواقع أفضل فيلم شوهد في هذه الدورة من هذا المهرجان.


مقالات ذات صلة

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز