اليمن: إحياء وقف النار واستئناف السلام ليسا مستحيلين

رشا جرهوم
رشا جرهوم
TT

اليمن: إحياء وقف النار واستئناف السلام ليسا مستحيلين

رشا جرهوم
رشا جرهوم

يدخل اليمن السنة السابعة للحرب في ظل أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وانتشار جائحة «كوفيد-19»، وتحديات متعددة الأبعاد اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً. ومنذ بداية العام، شهدنا تحركات دولية وإقليمية للدفع بعملية السلام، بدأت بتعيين الإدارة الأميركية المبعوث الخاص لليمن تيم ليندركينغ الذي انطلق سريعاً بعقد لقاءات في المنطقة، فضلاً عن انعقاد مؤتمر المانحين للدعم الإنساني.
كل ذلك يعكس اهتماماً دولياً باليمن، إلا أن هذا الاهتمام لن يتوج بنجاح إذا لم يتم الأخذ بالاعتبار لعدد من القضايا التي تتعلق بتصميم وإدارة الوساطة في اليمن.
في هذا الشهر، سيكمل المبعوث الأممي الحالي، مارتن غريفيث، ثلاثة أعوام في مهمته. وسيكون قد مضى عام واحد على إطلاق نداء الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لوقف إطلاق النار في العالم، الذي تلاه بعد أربعة أشهر من تبني مجلس الأمن لقرار يطالب بوقف إطلاق النار لمدة تسعين يوماً، وهو ما وجد ترحيباً لدى كثير من أطراف الصراع في العالم، من دول وجماعات مسلحة، بيد أن هذا الترحيب لم يُترجَم على أرض الواقع.
وبشكل عام، كان مخيباً أن نرى فشل المنظومة الأممية في تحقيق هذا المطلب البسيط الذي يعكس بذاته مدى تدني طموح المجتمع الدولي لإنهاء الصراعات في العالم.
في اليمن، رحبت جميع الأطراف بالنداء، واستجاب تحالف دعم الشرعية عبر وقف عملياته لمدة شهر ونصف، وذهبت جماعة الحوثي في اليمن إلى نشر رؤيتهم لإنهاء الحرب، ولكن على أرض الواقع حدث العكس، حيث وسعت الجماعة رقعة الصراع، وفتحت جبهات جديدة باتجاه الجوف ومأرب. وعكف المبعوث الأممي على إعداد عدد من المسودات لوقف إطلاق النار، كان آخرها ما سُمي «الإعلان المشترك» الذي يركز على ترتيبات لوقف إطلاق النار، وترتيبات اقتصادية وأمنية، وترتيبات استئناف العملية السياسية، إلا أن الأطراف لم توافق عليه حتى اللحظة. وذلك غير مستغرب لأن المسودة كانت ضعيفة جداً، لا تلبي طموح السلام المنشود، وهناك كثير من القضايا التي يجب أن تُؤخذ بجدية لتصحيح مسار الوساطة في عملية السلام في اليمن.
هناك أهمية للنظر للأطر المرجعية التي تحكم المرحلة، المتمثلة بالقرار (2216)، والمبادرة الخليجية وآليتها، ومخرجات الحوار الوطني، التي يتم ذكرها مراراً من باب رفع العتب، لا من باب الأخذ بها بشكل جدي لإنقاذ المرحلة، بل إن مسودة الإعلان المشترك تقترح إهمال هذه المرجعيات خلال مرحلة وقف إطلاق النار، والرجوع لها في مرحلة لاحقة عند صياغة الاتفاق الشامل للسلام. وتقتصر عملية الوساطة الحالية على طرفين، هما الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي، مستندة إلى القرار (2216)، ويصر على ذلك الأطراف أنفسهم، حيث تريد الحكومة الشرعية أن تصنف عملية السلام بين طرف الدولة والطرف المنقلب على الدولة، وتصر جماعة الحوثي أيضاً على قصر المفاوضات على طرفين لإضفاء مشروعية على أنفسهم، بل إنهم في مسودة رؤيتهم لم يعترفوا بطرف الحكومة الشرعية بالكامل، ووضعوا أنفسهم نداً للتحالف. هذا الإقصاء برعاية أممية أدى إلى تحول مجموعات سلمية إلى مسلحة لتحقيق مصالحهم، ويعطي رسالة لأي جماعة لديها مظلومية بحمل السلاح.
القرار (2216) نفسه لا يحصر بالضرورة عملية السلام على طرفين، فالقرار يوجه الخطاب «للأطراف اليمنية كافة»، ويضيف: «ومن بينهم جماعة الحوثي». كما أن القرار نفسه يذكر المبادرة الخليجية وآليتها، ومخرجات الحوار الوطني، بصفتها أساسيات للمرحلة، وكل هذه المرجعيات تتحدث عن أهمية المشاركة.
وعند استعراض أمثلة لعمليات السلام العالمية، نجد مثلاً في آيرلندا أنه تم فتح باب المشاركة في عملية مفاوضات السلام عبر عملية انتخابية، للتأكد من أن المتفاوضين والمتفاوضات على الطاولة يمثلون الشعب. ولأن عقد انتخابات اليوم في اليمن غير واقعي، فالحل هو فتح باب المشاركة الواسعة، واستيعاب مكونات الشعب كافة. فلا يمكن تحقيق وقف إطلاق نار شامل دون إشراك جميع المجموعات المسلحة، وتأكيد التزامها بذلك. ولن نستطيع الوصول إلى سلام دائم دون مشاركة واسعة لجميع مكونات المجتمع، من نساء وشباب ومجتمع مدني وقيادات محلية وقبلية وجميع الأحزاب والمكونات السياسية، ومن دون إشراك دول الإقليم بصفة ضامنين ورعاة لاتفاق السلام.
كذلك، فإن تصميم عملية السلام الحالية يطيل أمد الحرب. فخلال الأعوام الثلاثة الماضية، لم تعقد أي مفاوضات سلام حقيقية، واكتفت البعثة الأممية بعقد لقاءات قصيرة المدى لمناقشة قضايا تتعلق ببناء الثقة من المفترض أن يتم تشجيع الأطراف على تنفيذها بشكل ذاتي، وكان يجب الاستفادة من تسخير الموارد لإحضار الأطراف لمناقشة القضايا الجدلية الحقيقية بينهم.
على سبيل المثال، تم الاحتفال بمشاورات استوكهولم على أنها إنجاز عظيم، حيث اجتمعت فيها الأطراف بعد مرور عامين من آخر اجتماع لهم، ولكن الحقيقة أنه لم تكن أبداً هناك تحديات في جمع الأطراف اليمنية على غرار الأطراف في سوريا الذين يرفضون الجلوس بعضهم مع بعض في المكان نفسه، فالأطراف اليمنية يمكن جمعها بسهولة، بل إنهم يجلسون معاً لتناول الوجبات، وعادة ما يتغلل حديثهم بعض الفكاهة. لكن التحديات الحقيقية التي تعيق جمع الأطراف اليمنية عادة ما تتعلق بأمور لوجيستية.
وقد ركزت مشاورات استوكهولم على نقاط بناء الثقة المتعلقة بالهدنة الإنسانية لوقف القتال في الحديدة، وقضية أسرى الحرب، وقضية رفع الحصار عن تعز، وخرجت باتفاقية مبهمة غير واضحة الملامح أدت إلى تعقيد الأمور، وللأسف تم تسيس هذه القضايا الإنسانية، ولم يتم أي إنجاز يذكر لحلحلتها، عدا الإفراج عن 1056 أسيراً من أصل 15 ألفاً خلال العام الماضي، بل تم وصف هذه الاتفاقية بأنها جاءت لتحمي مصالح جماعة الحوثي الذين خرقوا كثيراً من بنودها، بما في ذلك نهب 50 مليون ريال يمني من البنك المركزي في الحديدة، فتحوا بها جبهات جديدة باتجاه الجوف ومأرب.
وكان على البعثة الأممية أن تبذل جهداً أكبر في جمع الأطراف لمناقشة القضايا الجدلية الحقيقية، وأن تتعمق بالأطر المرجعية التي تحتوي قضايا محورية يجب إدراجها في أجندة السلام، والتي تم إهمالها أو إغفالها تماماً، مثل قضية سحب السلاح من الجماعات المسلحة، ووقف تجنيد الأطفال، والقضايا المحورية التي بسببها اندلعت الحرب المتعلقة بشكل الدولة والحوكمة، والقضية الجنوبية التي لم يتم تناولها بعد، بل وافتقد تماماً باب ترتيبات استئناف العملية السياسية في الإعلان المشترك لماهية القضايا التي يجب أن يتم تناولها في أجندة السلام، والتي من المهم أن تتم إذا كانت هناك جدية فعلية لاستئناف عملية المفاوضات.
ووضعت أيضاً مسودة الإعلان المشترك لوقف إطلاق النار مقترحات تعقد من حل القضايا، بدلاً من تبسيطها. فعلى سبيل المثال، اقترحت المسودة صرف الرواتب بحسب قوائم موظفي الخدمة المدنية لعام 2014، واشترطت أن تقوم الحكومة اليمنية بالتدقيق في قوائم المرتبات لعام 2014 التي ستسلمها جماعة الحوثي، وهذه وصفة لكارثة لأن التوصل إلى اتفاق حول قوائم الأسرى الـ15 ألفاً استغرق ثلاثة أعوام وعدداً من جولات المشاورات بين الأطراف، فكيف سيتم التوصل لاتفاق حول أكثر من مليون اسم في الخدمة المدنية؟ إن هذا المقترح يطيل من أمد التوصل إلى حل، ورفع معاناة الشعب. وكان الأجدر أن يتم إلزام الحكومة بصرف رواتب موظفي الخدمة المدنية بحسب القوائم 2014 التي لديهم، دون وضع خطوة إضافية قد تعرقل وتبرر تأخير صرف الرواتب، وأن يتم صرفها مباشرة إلى المواطنين والمواطنات في أنحاء الجمهورية اليمنية كافة، مع إلزام جماعة الحوثي بعدم مصادرة أموال الناس في مناطقهم، وإلزامهم بصرف رواتب الموظفين المستحدثين بعد عام 2015 في مناطق سيطرتهم.
كذلك، فإن تصميم عملية السلام لا يستند إلى منهجية حقوق الإنسان والمساءلة. فالبعثة الأممية الحالية تجنبت تماماً أن تشير صراحة للأطراف المعرقلة لعملية السلام في أثناء تقديم إحاطات لمجلس الأمن، بل غضت النظر على انتهاكات جسيمة تم ذكرها من قبل لجنة الخبراء الدوليين التابعة لمجلس حقوق الإنسان ولجنة الخبراء المتعلقة بدعم لجنة العقوبات لمجلس الأمن.
إن العمل في مجال الوساطة لا يعني أن يتغافل الوسيط عن المساءلة حول انتهاكات حقوق الإنسان. وعلى العكس، فإن المساءلة قد تشكل الحافز المفقود الذي يضغط على الأطراف للانخراط بشكل إيجابي في عملية السلام، وتقديم التنازلات للوصول إلى الحل السياسي السلمي.
وختاماً، لا يبدو أن عملية الوساطة الحالية سوف تحقق السلام في اليمن، من دون أخذ خطوات جادة لتصحيح مسار الوساطة، عبر تصميم عملية سلام مبنية على أساس المشاركة الواسعة الديمقراطية، ومنهجية حقوق الإنسان، والمساءلة ومناقشة القضايا الجدلية، ووضع حلول قابلة للتنفيذ لا تعقد الوضع بشكل أكبر. والشعب اليمني لا يستطيع أن يتحمل، وعلى المجتمع الدولي اليوم أن يقف أمام أداء الوساطة الأممية ويقيمه، ويصحح مسارها، إذا ما أراد فعلاً دعم عملية السلام في اليمن.
- رئيسة مبادرة «مسار السلام» عضو مؤسسة في شبكة التضامن النسوي


مقالات ذات صلة

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود

خاص أكد رئيس الوزراء أن اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود (تصوير تركي العقيلي)

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود

حذّر رئيس الوزراء اليمني د. شائع الزنداني من أن بلاده لن تبقى ساحة مفتوحة أمام مشروع عابر للحدود، مؤكداً أن الدولة ستواصل بناء قدراتها لحماية شعبها.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

خاص المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

أكدت وزيرة الشؤون القانونية اليمنية، القاضية إشراق المقطري، أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
تحليل إخباري وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ) p-circle

تحليل إخباري خبراء لـ«الشرق الأوسط»: توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهّد لمعركة واسعة

يعتقد خبراء عسكريون أنَّ توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهِّد لمعركة واسعة ضد الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي الدكتور رشاد محمد العليمي يرأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني (سبأنت)

«مجلس الدفاع اليمني» يجدد تقديره لما تقدمه المملكة من دعم ثابت للشعب اليمني

أعرب مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه اليوم برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن اعتزازه بأداء القوات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج القيادات الأمنية في وزارة الداخلية اليمنية خلال اجتماعهم (الشرق الأوسط)

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

أطاحت وزارة الداخلية اليمنية بعناصر متهمة بالتخطيط لأعمال تخريبية في مأرب، بحسب مسؤول أمني رفيع أكد لـ«الشرق الأوسط» إصابة مساعد القائد والقبض على زعيم الخلية.

سعيد الأبيض (جدة)

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالَين هاتفيين، الجمعة، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تناولا الأوضاع الجارية في السودان وسبل إنهاء الأزمة، حسب بيانين منفصلين لـ«الخارجية المصرية».

وجاء اتصال عبد العاطي وسالم، في إطار «متابعة تطورات العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتطورات الأوضاع الميدانية في السودان»، وجدّد عبد العاطي تأكيد دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.

وذكر البيان أن وزير الخارجية المصري أكد أهمية «وجود عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية، بما يُسهم في إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار في السودان».

كما تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، وأكدا أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، وضرورة الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة البحرية، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، بما يحفظ مصالح دول المنطقة وشعوبها.

بينما تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان الشقيق، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه»، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وكان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وافق على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تتولى التمهيد لحوار شامل. وتعهد البرهان بعدم تدخل الدولة في تنظيم الحوار، أو تحديد أطرافه، وأجندته، ومخرجاته.


اليمن يعزز تدابيره الدفاعية في مواجهة تهديد الحوثيين

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
TT

اليمن يعزز تدابيره الدفاعية في مواجهة تهديد الحوثيين

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

لم يعد التهديد الحوثي المتصاعد مقتصراً على خطوط التماس أو الهجمات ذات الطابع العسكري المباشر، بل بات يضغط في اتجاه يشمل الموانئ والمنشآت الاقتصادية والممرات البحرية، في وقت تحاول فيه الحكومة اليمنية إعادة ترتيب أدوات الدولة للتعامل مع تهديد ترى أنه يتجاوز حدود الصراع الداخلي إلى أمن الملاحة والتجارة الدولية.

ويأتي هذا التحرك الحكومي في ظل تصعيد على الساحل الغربي والبحر الأحمر، شمل في أحدث تطوراته خلال الساعات الماضية إطلاق صواريخ باليستية باتجاه الجزر المحررة ومناطق قريبة من خطوط الملاحة الدولية، إلى جانب محاولة استخدام مسيرة انتحارية، بالتزامن مع إحباط البحرية اليمنية محاولة زوارق حوثية الاقتراب من جزر محررة، وفق ما أفاد به الإعلام العسكري.

وتضع هذه التطورات الحكومة اليمنية أمام معادلة معقدة؛ إذ لا تقتصر مهمة مؤسساتها على احتواء الهجمات العسكرية، وإنما تمتد إلى حماية المنشآت المدنية والتجارية، وتأمين سلاسل الإمداد، والحفاظ على قدرة الاقتصاد على العمل، في بلد أنهكته سنوات الحرب التي أشعلها الحوثيون والانقسام المالي والنقدي.

صاروخ أطلقه الحوثيون في وقت سابق لاستهداف مدينة المخا ومينائها (أ.ف.ب)

وتعامل مجلس الوزراء اليمني، خلال أحدث اجتماع له في عدن، مع التصعيد الحوثي باعتباره جزءاً من مسار يستهدف مقومات الدولة وليس مجرد عمليات عسكرية متفرقة. وركز على استهداف الحوثيين للبنية الاقتصادية والمنشآت المدنية والتجارية، وفي مقدمتها ميناء المخا، باعتباره محاولة لإعاقة حركة التجارة والملاحة والإمدادات.

وتكتسب المخا أهمية تتجاوز موقعها المحلي، بالنظر إلى قربها من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ولذلك فإن أي تهديد للميناء أو للمناطق الساحلية المحيطة به لا ينعكس على الاقتصاد اليمني وحده، بل يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

توسيع معركة المواجهة

في حين تسعى الحكومة اليمنية إلى تقديم نفسها بوصفها قادرة على إدارة المواجهة عبر مجموعة متوازية من المسارات العسكرية والأمنية والاقتصادية، وجه مجلس الوزراء بإبقاء الجاهزية في أعلى مستوياتها، وتعزيز منظومات الرصد والإنذار والاستجابة، ورفع التنسيق بين الأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية، بما يسمح بالتعامل السريع مع التهديدات وحماية المؤسسات والمنشآت والمصالح الوطنية.

يمني يتلقى الرعاية في المستشفى إثر إصابته في هجوم حوثي (أ.ب)

لكن الإجراءات لم تتوقف عند الجانب الأمني، فقد ناقش المجلس أوضاع الكهرباء والغاز، واختناقات الإمداد، والرقابة على الأسواق وسلاسل التوريد، إلى جانب تشديد الرقابة على المنافذ والإيرادات ومكافحة التهريب وتمويل الأنشطة غير المشروعة.

وتكشف هذه الحزمة عن محاولة لربط الأمن الاقتصادي بالأمن العسكري؛ فالحكومة ترى أن قدرة الدولة على الصمود أمام التصعيد تتطلب منع اضطراب الأسواق والإمدادات، وفي الوقت نفسه تجفيف الموارد التي يمكن أن يستفيد منها الحوثيون في تمويل عملياتهم العسكرية.

ويعكس ذلك أيضاً إدراكاً رسمياً بأن أي تصعيد طويل الأمد في البحر الأحمر يمكن أن يضاعف الضغوط على اقتصاد هش أصلاً، خصوصاً إذا أدى إلى تعطيل الموانئ أو التأثير في حركة السلع والغذاء والدواء.

أشخاص يبحرون بقاربهم بمحاذاة سفن حاويات بالقرب من مضيق باب المندب (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، شدد مجلس الوزراء اليمني على ضرورة عدم تحول إجراءات مكافحة التهريب إلى عائق أمام التجارة المشروعة، في محاولة لتحقيق معادلة تجمع بين تجفيف مصادر التمويل غير المشروع والحفاظ على تدفق الاحتياجات الأساسية للسكان.

شراكة دولية

بالتوازي مع تحركات الحكومة، برزت دعوة يمنية إلى توسيع الشراكة مع المجتمع الدولي، خصوصاً مع الولايات المتحدة، للتعامل مع المخاطر التي لم تعد محصورة داخل الحدود اليمنية.

وفي لقاء عبر الاتصال المرئي مع القائم بأعمال السفير الأميركي لدى اليمن نيل هوب، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة على أن أمن البحر الأحمر وباب المندب مسؤولية مشتركة، وأن حماية حرية الملاحة وخطوط التجارة العالمية تتطلب ضغوطاً سياسية واقتصادية أكبر على الحوثيين، إلى جانب تجفيف مصادر تمويلهم وتسليحهم.

وتحاول القيادة اليمنية من خلال هذا الخطاب نقل النقاش من إطار الحرب اليمنية إلى إطار أوسع يتعلق بأمن الممرات البحرية الدولية، مستندة إلى أن استمرار عدم الاستقرار في اليمن ينعكس مباشرة على أمن المنطقة وحركة التجارة العالمية.

وأكد الجانب الأميركي، وفق الإعلام الرسمي اليمني، دعمه لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة، واستعداده لمواصلة دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية، مع التركيز على الحد من مصادر تمويل وتسليح الحوثيين.


بين الزنزانة والقبر... سجون الحوثيين توسّع ملف التعذيب

عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)
عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)
TT

بين الزنزانة والقبر... سجون الحوثيين توسّع ملف التعذيب

عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)
عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)

تراكمت وقائع التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء القسري والحرمان من الرعاية الطبية في السجون ومقرات الاحتجاز التابعة للجماعة الحوثية، وخلال الأسابيع الأخيرة كُشف الستار عن وقائع لانتزاع الاعترافات القسرية في التحقيقات، وآلت بعض حالات الاحتجاز إلى الوفاة أو إصابات وآثار صحية خطيرة تلازم الضحايا بعد الإفراج عنهم.

وتأتي هذه الوقائع في وقت يشهد فيه اليمن تصعيداً عسكرياً متزايداً بدأته الجماعة المدعومة من إيران، ما يثير سؤالاً أوسع بشأن انعكاس مناخ الحرب والتعبئة الأمنية على التعامل مع المدنيين والمحتجزين في مناطق سيطرتها، وبرغم عدم وجود ارتباط سببي مباشرة بين التصعيد والتعذيب، لكنه يكشف عن تزامن بين تشدد الخطاب العسكري والأمني واتساع دائرة الاعتقالات والاتهامات ذات الطابع السياسي والأمني.

ونقلت قضية اعتقال الطبيب علي أحمد المضواحي الملف إلى مستوى أكثر حساسية يتمثل في الاعتقال الطويل والضغط لانتزاع اعترافات ذات مضمون سياسي وأمني.

سكان مناطق سيطرة الحوثيين يواجهون مخاوف التعرض للاعتقال (رويترز)

فبحسب ما نقلته زوجته عنه، أمضى المضواحي أكثر من 16 شهراً في زنزانة تحت الأرض، وتعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته منظمة الصحة العالمية. وقال، وفق روايتها، إن المحققين طالبوه أيضاً بالاعتراف بأن لقاحات الأطفال أدوات للتجسس، قبل أن يواجه تهديداً بإبقائه عقوداً في الاحتجاز إذا رفض التعاون.

واتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش» ورابطة أمهات المختطفين الجماعة بإحالة معتقلين، بينهم المضواحي وموظف أممي وعاملون في منظمات مدنية، إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، وأشارت الأولى إلى تقارير عن التعذيب وانتزاع اعترافات قسرية، في حين نوّهت الثانية بإحالة موظف أممي آخر إلى النيابة رغم إصابته بالسرطان وحاجته إلى رعاية طبية مستمرة.

وتتبنى الجماعة الحوثية موقفاً سلبياً ومقيداً تجاه اللقاحات وحملات التحصين، وتصنّفها في أدبياتها وخطابها الإعلامي بـ«مؤامرة صهيونية» وأدوات للتجسس، وتمنع تنظيم حملات التطعيم الوطنية الجماعية في مناطق سيطرتها، وتفرض قيوداً صارمة على حركة الفرق الطبية وأنشطة المنظمات الدولية الإنسانية.

تصعيد داخل السجون

شهد الشهر الحالي عدداً من حالات التعذيب الحوثية المؤدية إلى الوفاة أو تدهور خطير في الصحة، فمنذ أيام ظهر ماجد صادق طه، من أهالي مديرية ذي السفال بمحافظة إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بحالة صحية متدهورة بعد نحو ستة أشهر من احتجازه في مدينة القاعدة جنوب المحافظة.

وتحدثت والدته عن تعرضه للحرق والحرمان من الطعام والنوم أثناء احتجازه، واتهمت أشخاصاً ينتمون للجماعة بالوقوف وراء اختطافه وتعذيبه.

اتهامات للحوثيين بإفشال اتفاق تبادل الأسرى الأخير وسط مخاوف على المحتجزين (أ.ف.ب)

وشهدت المحافظة أيضاً دخول شخص آخر العناية المركزة في إبّ بعد محاولة انتحار داخل زنزانته في سجن محكمة المخادر، وبينت مصادر محلية أنه احتُجز لنحو شهر للضغط على أسرته على خلفية قضية أمنية مرتبطة بأحد أبنائه.

وبحسب المصادر، فإن عبد الله الشرماني يعيش ظروفاً نفسية وصحية قاهرة بعد أن قضى نحو شهر كامل خلف القضبان كرهينة، للضغط على أسرته، ودون توجيه تهمة له، وسط استنكار الأهالي ومطالبتهم بالكشف عن ملابسات محاولته الانتحار، ومدى قسوة الظروف التي يتعرض لها داخل المعتقل.

وفي يوليو (تموز) الماضي، طالب أهالي محافظة البيضاء (242 كيلومتراً جنوب شرق صنعاء)، ومعهم مركز «رصد للحقوق والتنمية»، بالإفراج عن جثة محمد أحمد حسين الهدار الذي تُوفي داخل السجن المركزي في المحافظة والكشف عن سبب وفاته.

القبضة الأمنية للحوثيين تشتدّ بالتوازي مع التصعيد العسكري في الجبهات (أ.ف.ب)

وبحسب الأهالي والمركز، فإن الهدار اعتُقل من صنعاء في مايو (أيار) الماضي، دون مذكرة قضائية، قبل نقله إلى البيضاء، وظهرت على جثته آثار تشير إلى تعرضه للتعذيب والاعتداء الجسدي، بالتزامن مع حرمانه من الرعاية الطبية.

انتهاكات ممنهجة

سبق تلك الواقعة وفاة معتقل سابق بعد مضاعفات صحية قال مقربون من أسرته إنها نتجت عن التعذيب والإهمال الطبي اللذين تعرض لهما خلال سنوات اختطافه لدى الجماعة؛ إذ ظل عبد المجيد الشرفي يعاني من تدهور مستمر في حالته الصحية منذ الإفراج عنه، نتيجة الآثار الجسدية والنفسية التي خلفتها سنوات الاعتقال، قبل أن تنتهي معاناته بوفاته.

وعدّ فهمي الزبيري، مدير مكتب حقوق الإنسان في صنعاء، التابع للحكومة الشرعية، وفاة الشرفي دليلاً إضافياً على التداعيات الخطيرة للتعذيب والإهمال الطبي داخل السجون الحوثية التي يغادرها المحتجزون وهم يعانون أمراضاً وإصابات مزمنة قد تستمر معهم لسنوات، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة.

عربة أمنية حوثية أمام مقر أممي في صنعاء حيث اعتُقل العشرات من موظفي المنظمات الدولية (رويترز)

ووثّق مكتب حقوق الإنسان في صنعاء 3219 انتهاكاً بحق المدنيين خلال عامَي 2024 و2025، بينها 135 حالة تعذيب، و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و307 محاكمات سياسية، شملت 39 حكماً بالإعدام. وارتفع إجمالي الانتهاكات من 1537 حالة في 2024 إلى 1682 في 2025، بزيادة بلغت 9.4 في المائة.

وتسود مخاوف على سلامة الناشطة سحر الخولاني وسط مطالب عائلتها بالكشف عن ظروف احتجازها والإفراج عنها، بعد أن أعيد اعتقالها مطلع هذا العام ووضعها في زنزانة انفرادية. ولم تكن قد أكملت عاماً منذ الإفراج عنها بعد اعتقال سابق دام 5 أشهر.

ومع اتساع التصعيد العسكري الحوثي، تبدو هذه الوقائع جزءاً من سؤال أكبر عن طبيعة العلاقة بين الحرب والقبضة الأمنية؛ إذ دائماً ما تقوم الجماعة بتشديد أعمال القمع وتوسيع الاعتقالات بالتزامن مع أي تصعيد عسكري جديد.