اليمن: إحياء وقف النار واستئناف السلام ليسا مستحيلين

رشا جرهوم
رشا جرهوم
TT

اليمن: إحياء وقف النار واستئناف السلام ليسا مستحيلين

رشا جرهوم
رشا جرهوم

يدخل اليمن السنة السابعة للحرب في ظل أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وانتشار جائحة «كوفيد-19»، وتحديات متعددة الأبعاد اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً. ومنذ بداية العام، شهدنا تحركات دولية وإقليمية للدفع بعملية السلام، بدأت بتعيين الإدارة الأميركية المبعوث الخاص لليمن تيم ليندركينغ الذي انطلق سريعاً بعقد لقاءات في المنطقة، فضلاً عن انعقاد مؤتمر المانحين للدعم الإنساني.
كل ذلك يعكس اهتماماً دولياً باليمن، إلا أن هذا الاهتمام لن يتوج بنجاح إذا لم يتم الأخذ بالاعتبار لعدد من القضايا التي تتعلق بتصميم وإدارة الوساطة في اليمن.
في هذا الشهر، سيكمل المبعوث الأممي الحالي، مارتن غريفيث، ثلاثة أعوام في مهمته. وسيكون قد مضى عام واحد على إطلاق نداء الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لوقف إطلاق النار في العالم، الذي تلاه بعد أربعة أشهر من تبني مجلس الأمن لقرار يطالب بوقف إطلاق النار لمدة تسعين يوماً، وهو ما وجد ترحيباً لدى كثير من أطراف الصراع في العالم، من دول وجماعات مسلحة، بيد أن هذا الترحيب لم يُترجَم على أرض الواقع.
وبشكل عام، كان مخيباً أن نرى فشل المنظومة الأممية في تحقيق هذا المطلب البسيط الذي يعكس بذاته مدى تدني طموح المجتمع الدولي لإنهاء الصراعات في العالم.
في اليمن، رحبت جميع الأطراف بالنداء، واستجاب تحالف دعم الشرعية عبر وقف عملياته لمدة شهر ونصف، وذهبت جماعة الحوثي في اليمن إلى نشر رؤيتهم لإنهاء الحرب، ولكن على أرض الواقع حدث العكس، حيث وسعت الجماعة رقعة الصراع، وفتحت جبهات جديدة باتجاه الجوف ومأرب. وعكف المبعوث الأممي على إعداد عدد من المسودات لوقف إطلاق النار، كان آخرها ما سُمي «الإعلان المشترك» الذي يركز على ترتيبات لوقف إطلاق النار، وترتيبات اقتصادية وأمنية، وترتيبات استئناف العملية السياسية، إلا أن الأطراف لم توافق عليه حتى اللحظة. وذلك غير مستغرب لأن المسودة كانت ضعيفة جداً، لا تلبي طموح السلام المنشود، وهناك كثير من القضايا التي يجب أن تُؤخذ بجدية لتصحيح مسار الوساطة في عملية السلام في اليمن.
هناك أهمية للنظر للأطر المرجعية التي تحكم المرحلة، المتمثلة بالقرار (2216)، والمبادرة الخليجية وآليتها، ومخرجات الحوار الوطني، التي يتم ذكرها مراراً من باب رفع العتب، لا من باب الأخذ بها بشكل جدي لإنقاذ المرحلة، بل إن مسودة الإعلان المشترك تقترح إهمال هذه المرجعيات خلال مرحلة وقف إطلاق النار، والرجوع لها في مرحلة لاحقة عند صياغة الاتفاق الشامل للسلام. وتقتصر عملية الوساطة الحالية على طرفين، هما الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي، مستندة إلى القرار (2216)، ويصر على ذلك الأطراف أنفسهم، حيث تريد الحكومة الشرعية أن تصنف عملية السلام بين طرف الدولة والطرف المنقلب على الدولة، وتصر جماعة الحوثي أيضاً على قصر المفاوضات على طرفين لإضفاء مشروعية على أنفسهم، بل إنهم في مسودة رؤيتهم لم يعترفوا بطرف الحكومة الشرعية بالكامل، ووضعوا أنفسهم نداً للتحالف. هذا الإقصاء برعاية أممية أدى إلى تحول مجموعات سلمية إلى مسلحة لتحقيق مصالحهم، ويعطي رسالة لأي جماعة لديها مظلومية بحمل السلاح.
القرار (2216) نفسه لا يحصر بالضرورة عملية السلام على طرفين، فالقرار يوجه الخطاب «للأطراف اليمنية كافة»، ويضيف: «ومن بينهم جماعة الحوثي». كما أن القرار نفسه يذكر المبادرة الخليجية وآليتها، ومخرجات الحوار الوطني، بصفتها أساسيات للمرحلة، وكل هذه المرجعيات تتحدث عن أهمية المشاركة.
وعند استعراض أمثلة لعمليات السلام العالمية، نجد مثلاً في آيرلندا أنه تم فتح باب المشاركة في عملية مفاوضات السلام عبر عملية انتخابية، للتأكد من أن المتفاوضين والمتفاوضات على الطاولة يمثلون الشعب. ولأن عقد انتخابات اليوم في اليمن غير واقعي، فالحل هو فتح باب المشاركة الواسعة، واستيعاب مكونات الشعب كافة. فلا يمكن تحقيق وقف إطلاق نار شامل دون إشراك جميع المجموعات المسلحة، وتأكيد التزامها بذلك. ولن نستطيع الوصول إلى سلام دائم دون مشاركة واسعة لجميع مكونات المجتمع، من نساء وشباب ومجتمع مدني وقيادات محلية وقبلية وجميع الأحزاب والمكونات السياسية، ومن دون إشراك دول الإقليم بصفة ضامنين ورعاة لاتفاق السلام.
كذلك، فإن تصميم عملية السلام الحالية يطيل أمد الحرب. فخلال الأعوام الثلاثة الماضية، لم تعقد أي مفاوضات سلام حقيقية، واكتفت البعثة الأممية بعقد لقاءات قصيرة المدى لمناقشة قضايا تتعلق ببناء الثقة من المفترض أن يتم تشجيع الأطراف على تنفيذها بشكل ذاتي، وكان يجب الاستفادة من تسخير الموارد لإحضار الأطراف لمناقشة القضايا الجدلية الحقيقية بينهم.
على سبيل المثال، تم الاحتفال بمشاورات استوكهولم على أنها إنجاز عظيم، حيث اجتمعت فيها الأطراف بعد مرور عامين من آخر اجتماع لهم، ولكن الحقيقة أنه لم تكن أبداً هناك تحديات في جمع الأطراف اليمنية على غرار الأطراف في سوريا الذين يرفضون الجلوس بعضهم مع بعض في المكان نفسه، فالأطراف اليمنية يمكن جمعها بسهولة، بل إنهم يجلسون معاً لتناول الوجبات، وعادة ما يتغلل حديثهم بعض الفكاهة. لكن التحديات الحقيقية التي تعيق جمع الأطراف اليمنية عادة ما تتعلق بأمور لوجيستية.
وقد ركزت مشاورات استوكهولم على نقاط بناء الثقة المتعلقة بالهدنة الإنسانية لوقف القتال في الحديدة، وقضية أسرى الحرب، وقضية رفع الحصار عن تعز، وخرجت باتفاقية مبهمة غير واضحة الملامح أدت إلى تعقيد الأمور، وللأسف تم تسيس هذه القضايا الإنسانية، ولم يتم أي إنجاز يذكر لحلحلتها، عدا الإفراج عن 1056 أسيراً من أصل 15 ألفاً خلال العام الماضي، بل تم وصف هذه الاتفاقية بأنها جاءت لتحمي مصالح جماعة الحوثي الذين خرقوا كثيراً من بنودها، بما في ذلك نهب 50 مليون ريال يمني من البنك المركزي في الحديدة، فتحوا بها جبهات جديدة باتجاه الجوف ومأرب.
وكان على البعثة الأممية أن تبذل جهداً أكبر في جمع الأطراف لمناقشة القضايا الجدلية الحقيقية، وأن تتعمق بالأطر المرجعية التي تحتوي قضايا محورية يجب إدراجها في أجندة السلام، والتي تم إهمالها أو إغفالها تماماً، مثل قضية سحب السلاح من الجماعات المسلحة، ووقف تجنيد الأطفال، والقضايا المحورية التي بسببها اندلعت الحرب المتعلقة بشكل الدولة والحوكمة، والقضية الجنوبية التي لم يتم تناولها بعد، بل وافتقد تماماً باب ترتيبات استئناف العملية السياسية في الإعلان المشترك لماهية القضايا التي يجب أن يتم تناولها في أجندة السلام، والتي من المهم أن تتم إذا كانت هناك جدية فعلية لاستئناف عملية المفاوضات.
ووضعت أيضاً مسودة الإعلان المشترك لوقف إطلاق النار مقترحات تعقد من حل القضايا، بدلاً من تبسيطها. فعلى سبيل المثال، اقترحت المسودة صرف الرواتب بحسب قوائم موظفي الخدمة المدنية لعام 2014، واشترطت أن تقوم الحكومة اليمنية بالتدقيق في قوائم المرتبات لعام 2014 التي ستسلمها جماعة الحوثي، وهذه وصفة لكارثة لأن التوصل إلى اتفاق حول قوائم الأسرى الـ15 ألفاً استغرق ثلاثة أعوام وعدداً من جولات المشاورات بين الأطراف، فكيف سيتم التوصل لاتفاق حول أكثر من مليون اسم في الخدمة المدنية؟ إن هذا المقترح يطيل من أمد التوصل إلى حل، ورفع معاناة الشعب. وكان الأجدر أن يتم إلزام الحكومة بصرف رواتب موظفي الخدمة المدنية بحسب القوائم 2014 التي لديهم، دون وضع خطوة إضافية قد تعرقل وتبرر تأخير صرف الرواتب، وأن يتم صرفها مباشرة إلى المواطنين والمواطنات في أنحاء الجمهورية اليمنية كافة، مع إلزام جماعة الحوثي بعدم مصادرة أموال الناس في مناطقهم، وإلزامهم بصرف رواتب الموظفين المستحدثين بعد عام 2015 في مناطق سيطرتهم.
كذلك، فإن تصميم عملية السلام لا يستند إلى منهجية حقوق الإنسان والمساءلة. فالبعثة الأممية الحالية تجنبت تماماً أن تشير صراحة للأطراف المعرقلة لعملية السلام في أثناء تقديم إحاطات لمجلس الأمن، بل غضت النظر على انتهاكات جسيمة تم ذكرها من قبل لجنة الخبراء الدوليين التابعة لمجلس حقوق الإنسان ولجنة الخبراء المتعلقة بدعم لجنة العقوبات لمجلس الأمن.
إن العمل في مجال الوساطة لا يعني أن يتغافل الوسيط عن المساءلة حول انتهاكات حقوق الإنسان. وعلى العكس، فإن المساءلة قد تشكل الحافز المفقود الذي يضغط على الأطراف للانخراط بشكل إيجابي في عملية السلام، وتقديم التنازلات للوصول إلى الحل السياسي السلمي.
وختاماً، لا يبدو أن عملية الوساطة الحالية سوف تحقق السلام في اليمن، من دون أخذ خطوات جادة لتصحيح مسار الوساطة، عبر تصميم عملية سلام مبنية على أساس المشاركة الواسعة الديمقراطية، ومنهجية حقوق الإنسان، والمساءلة ومناقشة القضايا الجدلية، ووضع حلول قابلة للتنفيذ لا تعقد الوضع بشكل أكبر. والشعب اليمني لا يستطيع أن يتحمل، وعلى المجتمع الدولي اليوم أن يقف أمام أداء الوساطة الأممية ويقيمه، ويصحح مسارها، إذا ما أراد فعلاً دعم عملية السلام في اليمن.
- رئيسة مبادرة «مسار السلام» عضو مؤسسة في شبكة التضامن النسوي


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.