أصدقائي الشعراء... لماذا رحلتم مبكراً؟

غابوا من دون أن يتركوا في العالم الافتراضي أي تسجيل أو حوار

رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي
رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي
TT

أصدقائي الشعراء... لماذا رحلتم مبكراً؟

رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي
رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي

ذكرت في مقالة سابقة الشعراء من أبناء جيلي الذين انسحبوا من المشهد الشعري، ولكنهم موجودون بيننا، نراهم ونجلس معهم، ولكنهم اختاروا طريقاً غير الشعر؛ شعرت أن هناك شعراء أصدقاء من جيلنا تركوا الشعر، ولكن ليس بخيارهم، إنما كانت يد الموت أسرع من الجميع، فاختطفتهم وهم في أول الطريق، فمنهم من أصدر عملاً أو عملين، ومنهم من لم يصدر أي شيء، فقد مررنا بكثير من الشعراء الذين كان لهم صوتٌ عالٍ في مرحلة من مراحل التجربة الشعرية، وكانوا أكثر حركة وحضوراً من كثير من الشعراء، لكنه الموت الذي اختفت بسببه قصائدهم التي كانوا يرددونها، فتحفظها جدران القاعات، واختفى صوتهم الهادر للأسف.
إن الذي حفزني أكثر هو رحيلهم دون أن يسجل لهم هذا العالم الافتراضي أي تسجيل أو حوار، أو ينشر قصائد بعض منهم، لهذا فذكرهم -كما أعتقد- واجب علينا جميعاً، كي نعيد لحضورهم بريقه الذي كان، لا من باب الرثاء واستذكارهم فقط، إنما نقول إن معنا في جيلنا شعراء كانوا هادرين رائعين، ولكنهم رحلوا سريعاً، فنحن هنا كأننا نستدرجهم من مدارج الغيب لنتحدث معهم ونسألهم ونطمئن على أوضاعهم، فقد غابوا في بدايات شبابهم، رحلوا مبكرين ولم يمهلهم الموت حتى يطبعوا نتاجاتهم، رغم أن بعضاً منهم طبع عملاً أو عملين، ولكنهم كانوا دفاقين، وفيهم نبضٌ متسارع لطباعة أكثر من ذلك. أتذكر في هذه اللحظات الشاعر رحيم كريم، ومحمد البياتي، ورشيد حميد الدليمي، ومحمد الحمراني، وعلي عبد اللطيف البغدادي، وحاتم حسام الدين، وخالد عبد الرضا السعدي، وأحمد آدم، ومهدي الشبلي... أتذكرهم كلهم، ولم أكن أتخيل أنَّي سأكتب عنهم وهم غائبون، لا يقرأون ما أكتبه، وقد يقرأونه فلا يُجيبون عنه.
الذاكرة الشعرية ممتلئة بهم جميعاً، كان «رشيد حميد الدليمي» الأقرب من بين جميع الأصدقاء، حيث كان يدرس في كلية الآداب - جامعة بغداد - قسم اللغة العربية، وكنا في العمر نفسه، نلتقي في رابطة الرصافة مساء كل ثلاثاء، لمدة 5 أعوام دون انقطاع. رشيد كان ممتلئاً صخباً وروحاً وهاجة في الشعر واللغة والحب، كنا نذرع شوارع بغداد بعد كل أمسية، فجيوبنا كانت خاوية -أيام الحصار- إلا أن قلوبنا كانت ممتلئة بالشعر: لا عالم لنا إلا القصائد، ولا صديقة لنا غير اللغة... وحتى حين نصادق امرأة ما، كنا نتخمها بقراءة الشعر. رشيد الفتى الأسمر حقق حضوراً سريعاً في تلك الفترة، واستطاع أن يقرأ قصيدة في إحدى المرابد الشعرية قبل 2001. كنا نلح عليه أن يجمع شعره بين دفتي ديوان، لكنه كان متراخياً عن ذلك. رشيد أحد الشعراء الموقعين على بيان قصيدة شعر عام 2002، وقد كان مقتنعاً بإمكانية وقدرة القصيدة العمودية على التحول، ولكن دهمه الموت سريعاً 2004، فتشظت قصائده فوق أطفاله هارون وآية، وما زلت أردد أبياته الرائعة:
مضى فأطفأ أعوامي برحلته
مضى وألبسني ميناء دمعته
مضى وقلدني عينيه كم حلمت
بالشمس تنبت فجراً في أزقته
مضى وخلف فجراً أخرساً وغداً
يضيء غربة روحي صوت شمعته
إن هذا النص فيه تنويع في القوافي وانتقالات دلالية تصاحب انتقالاته الإيقاعية، لكنه في نهاية القصيدة يرسل إشارات واضحة للموت، وأنه عصي على الشعراء، حيث يقول:
لن أطفئ العمر البريء وفي فمي الكلمات قمحٌ والتذكر منجلُ
وكأنني الآن فلاح وبيده منجل حين يتذكر أصدقاءه الشعراء الذين رحلوا مبكراً، رحلوا قبل أن تكون لهم صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تسجيلات مبثوثة على «اليوتيوب»، أو حوار في صحيفة، أو لقاء في تلفزيون.
رحيم كريم كان شاعراً عمودياً صارماً، دقيقاً في تفاصيل القصيدة وحبكتها، يشبه حسين مردان في جسمه وضخامته، لم يكن يزعل منا حين نشاكسه، كان يكتفي بشتمنا من بعيد؛ للأسف، رحل رحيم 1998 دون أن نعرف: أين كان يسكن؟ وأين أهله؟ وأين خبأ نصوصه؟ وحين أعيتني الحيل في الوصول لبعض ما كتبه رحيم كريم، استعنتُ بـ«غوغل»، حيث الملاذ الأخير، ولكني صُدمت حين كتبتُ اسمه؛ ظهر لي كل اسم يشبه اسمه: «رحيم كريم» الرياضي والممثل والفنان والشاعر الشعبي، ولكن لم يظهر لي رحيم كريم صديقي الشاعر الذي مات قبل أن يدون له هذا العالم الافتراضي ولو بيتاً شعرياً واحداً! ترى هل رحيم كريم قد مات بشكل كامل؟
ذلك أن محمد البياتي أول الراحلين 1996 بقيت نصوصه بيننا دائرة بشكل أو بآخر، فقد طبع له اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 1998، بعد سنتين من رحيله، ديوانه اليتيم «قمر المتاه»، وبهذا أنقذوه من الموت بشكل نهائي، وبقي كما يقول درويش: (لم يمت أحد تماماً | تلك أرواح تبدل شكلها ومقامها). لقد كان محمد البياتي -على قلة معرفتي به- مارداً يأتي من الموصل يقتحم الصحف والمهرجانات، حتى كتب عنه الدكتور علي جواد الطاهر، وبشَّر به عن طريق صديقه الأقرب وليد الصراف الذي كان وسيطاً لمعرفة الطاهر بالبياتي. كان البياتي شاعراً محافظاً على نسقية العمود الشعري، إلا أن روحه كانت متمردة أكثر من قصيدته، ولو أمهله الزمن قليلاً لرأينا كيف يتحول بالقصيدة من مناخ إلى مناخ آخر أكثر حداثة، وحين نتذكر شعره فإن قصيدته «معلقة الفارس» تقف في المقدمة، حيث يقول في بعض منها:
على مثلها الأيام وقف ركابها
وغصة حاديها ونوح غرابها
كأن الطلول الشائخات عوانسٌ
ينحن على مر العصور ببابها
وقفت بها والغيب يملي قرونه
على قدر يملي سنين احترابها
أنادي بأقصى الكون يا دهر ردَّني
إلى ساعة في العمر منها ابتدا بها
فأسمع أيامي ترد: عسى به
وأسمع أصداء ترد عسى بها
ونحن في الحالتين نردد عسى وعسى.
القادم الآخر الذي رحل مبكراً من الموصل أيضاً هو حاتم حسام الدين (2005)، الشاعر الوادع الصاخب في الوقت نفسه. كان يأتي من الموصل إلى بغداد وليس في روحه غير قصيدة تثقل أيامه وتربك حياته، لم يكن له هدف في الحياة سوى أن يكتب قصيدة حديثة في روحها قديمة في شكلها، وهذا ما فعله في عدد من النصوص التي تناثرت ولم نرها بعد موته. وهنا، أتذكر أنه حلَّ ضيفاً عليّ في عام 2000، وترك لي قصيدة مكتوبة بخط يده، ولكنني تعبت من البحث عنها فلم أجدها، متذكراً شطراً منها (نمضي وتجلد حزننا الأمطار). وهكذا رحل حاتم حسام الدين دون أن يوثق له هذا العالم بيتاً من الشعر أو قصيدة ملقاة بصوته.
محمد الحمراني، الشاب الجميل القادم من جنوب العراق من العمارة، حيث تعشعش قصيدة النثر في رأسه، وهو من القلائل في تلك الفترة ممن ارتبط معنا بصداقة كانت بسبب الشعر، دون أن ينظر للشكل الكتابي الذي كنا نكتبه، فقد كان ينظر لنا شعراء قصيدة النثر في تلك الفترة على أننا أقوام قادمون من غياهب التاريخ، مبللون بأتربة الزمن، لا علاقة لنا بالحاضر، فيما محمد الحمراني كان ودوداً، فارتبطنا بصداقة متينة عززتها مقاهي بغداد وشوارعها المتربة، كان يترك العمارة ويتسكع في بغداد، فقد سحب الشعر أقدامه ليدور فيها. ورغم رحيله المبكر (2007)، فإنه استطاع أن يطبع مجموعتين شعريتين، و4 روايات، كانت أشهرها «أنفي يطلق الفراشات»، ولكنه كان عجولاً، فاختطفه الموت سريعاً. أتذكر نصه «أنا لم أولد بعد»، في مجموعته «عواصف قروية»، حيث يقول: (هذا ليس أنا | الضوء لم يعلن ولادتي | تركني أنظر إلى جسدي فأجده بالوناً في مدينة الدبابيس | أهرب إلى الأصدقاء الجالسين على حافة الذاكرة | أنا لم أولد بعد | جسدي خرج ليتأمل | شخير العالم | فوضعوا عليه صخرة).
أحمد آدم الشاعر الذي يكتب قصائد النثر، ويسخر من العمودي أيضاً، حيث كنا نمزح معاً حول هذه الظاهرة التي تفشت في جيلنا -جيل التسعينات- حيث الانقسام في أعلى مناسيبه، ولكننا كنا نداوي انقساماتنا بالضحك والسخرية من هذا النوع من الانقسام، اختطفه الإرهاب وهو عائد إلى أهله في كربلاء قبل أكثر من 15 عاماً، رحل وله ديوانان؛ يقول في ديوانه «استدراك» (1999)، في بعض من قصيدته «ملحمة العمر الوهمي» (أقيس حياتي بالمتر أو الميل | حتى تمشي الروح بأقصى فضائها | أحس أن في وجهي الأتربة | وفي ياقتي العاصفة | أتدرين؟ | يذبل عمري حين أرى جسدي | يفتح صيحة في الأرض | والكلمات تزحزحه لينام على فراش روحي...).
خالد عبد الرضا السعدي، كان هذا الفتى أصغر الشباب الموجودين، ولكنه كان أكثر حركة وسفراً ونشاطاً ومسابقات، حيث عُرف بسرعة لافتة، وأصدر ديوانه اليتيم بطبعة أنيقة في وقتها (2007)، وربما أسعفته مشاركته في برنامج «أمير الشعراء» الذي ظهر فيه متسابقاً فحُفظ صوتُه، ودونِت كلماتُه، ولكنه حين عاد إلى ديالى، جوار أهله وناسه، أخذته مفخخة عمياء خطفت روحه وقصائده معاً: (وجهتُ وجهي للبساتين المطرزة الحدائق | ونويتُ أن أبقى مدى الأزمان عاشق | وبذرتُ أقماراً على شفة المساء | ولاح لي أملٌ على جرح اللقاء | حلماً تغازله الحمائمْ | وفراشة طارت فأضنتها المآتم...).
فيما رحل الشاعر مهدي الشبلي من العمارة مبكراً أيضاً، تاركاً لنا مجموعته «تجاعيد باسلة» (2001): (عندما تخرج من رأسي | هذه السهام | لم أكن أعني سوى الجسر الذي انحنى لي | وللآخرين | عندما يبدأ العد التنازلي للموت | لا تكثر من البكاء | أنصت فقط | لوصايا تصنع الحياة).
أما علي عبد اللطيف البغدادي، فقد رحل وترك مجموعتين شعريتين: «شظايا مورقة من بغداد» (1999)، و«سقفي ركام» (2001)، من اتحاد الكتاب العرب، ولكنه كان شاعراً محافظاً أكثر منه شاعراً منفتحاً، فمثلاً يقول في قصيدة «إلى مجتمعي»:
أي برقٍ يطالع العين غيهبْ
إن تناءى عن فكرها وتغيبْ
أي عسرٍ سيستحم بيسرٍ
لو أُحيلت له الإرادة مركبْ
وبسبب نمطية كتابات علي البغدادي، فقد استثنته جماعة قصيدة الشعر من الحوار الذي ظهرت به تلك المجموعة وهي تدعو للتجديد في النص التقليدي. ورغم حضوره معهم عام 1998، فإنهم لم يذكروه.
تُرى كم من الشعراء الراحلين من جيلي قد نسيت؟ وترى هل هذه الوقفة السريعة تفي حق صداقة كنا عقدناها معاً؟ وهل تلبي هذه الحروف عطشنا للسير في شوارع بغداد، وحلمنا في أن نكمل هذا الطريق الوعر؟ هل خاننا أولئك الشعراء فنزلوا في أول محطة لهم؟ ما الذي أتعبهم لينهوا تلك الرحلة؟ تُرى كم من القصائد اختفت معهم؟ وكم من القصائد التي لم تُقل بعد كانت بانتظارهم؟ هذه الكلمات ليست إلا تلويحة سلام لأرواح أصدقائي الشعراء الذين ربما غفلت عن ذكر آخرين، ولكني اكتفيت بأبناء جيلي الذي سرنا معاً في لحظة من لحظات هذا الزمن المبتل بالخوف والترقب، والدهشة أيضاً.



«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
TT

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

يفتتح علاء ميناوي مسرحية «الأرض الحرام» بجملة تُحدّد موقعه داخل العرض: «يجب ألا أكون هنا... انفجار مرفأ بيروت دفعني لأكون على خشبة المسرح (...). صعب أن نتكلّم، وصعب أكثر أن نسكت عمّا جرى».

منذ البداية، تضع هذه الجملة الجسد داخل مساحة لا تعترف بأحد. ميناوي، «لبناني لجهة الأب وفلسطيني لجهة الأم»، يقدّم نفسه على أنه يجمع «المجد من طرفيه»، ثم يترك هذا «المجد» يتصدَّع على الخشبة. يُعرّضه للتفكّك تحت شروط مكان لا يمنح استقراراً نهائياً.

«الأرض الحرام» لا تمنح الإنسان ما يكفي ليطمئن ولا ما يكفي ليغادر (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land» ليست خريطة تُرسَم بحدود محسومة. هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر، ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما. يشرح ميناوي الفكرة بجملة تُشبه البوصلة المكسورة: «أبحثُ عن مكان في جهة لا تُشرق منها الشمس، وفي جهة لا تُغرب منها الشمس... لستُ أرغب في أن أكون هنا ولا هناك، ولا أستطيع أن أكون هنا ولا هناك».

بهذا المعنى، «الأرض الحرام» هي منفى داخل المنفى. منطقة يتعطَّل فيها القانون، وتغيب السيطرة، ثم تبقى الأجساد وحدها أمام مفهوم المكان؛ حيث يتوه المرء أين يضع نفسه حين تُحرَّم عليه الجهات كلّها.

على «مسرح المدينة» في بيروت، يُفتَح المسرح بلا حدود تفصل الخشبة عن الجمهور. هذا الخيار يدفع المتلقّي إلى ملامسة الفكرة جسدياً. فالفراغ الذي تتحدَّث عنه المسرحية يمتدّ إلى مساحة الرؤية، كأنَّ «الحدود» لم تعد خطاً على الأرض، وصارت علاقة قاسية بين عين تراقب وجسد يُجرَّب.

داخل هذا الانفتاح، يُمثّل وجدي خالد الجسد العربي الباحث عن مكانه في «الأرض الحرام». الجسد الذي لا ينسى. لا يُشار إلى «فلسطين» بالاسم دائماً، فتحضر عبر عناق قهري للرمال التي افترشت أرض المسرح، وتحوَّلت إلى جزء من السينوغرافيا كأنَّ القبور مفتوحة. وحين يُلَفّ الجسد بالأكياس بعد أن يصير جثة، تتوالد هذه الأكياس بلا نهاية، كأنّ الموت نفسه يتكاثر ولا يصل إلى خاتمة.

الخشبة المفتوحة تُسقِط الحدود وتترك الجسد أمام امتداد لا ينتهي (الشرق الأوسط)

الجسد في هذه «الأرض» غير المحدَّدة تماماً جغرافياً يراوح بين ثلاثة مصائر. هو جسد محارب، أو جسد هارب، أو جسد ينسحب من العالم إلى عالم آخر مُلتبس بين لا هنا ولا هناك. وجدي يُمثّل قصصاً عاشها الجسد المُثقل، واستحال نسيانها، ثم يضع ذاكرته على الرمل كما لو أنها مادة تُشكَّل.

ميناوي يقول إنّ السينوغرافيا ينبغي أن تكون منتهية قبل بدء العرض، فإذا بوجدي يُعيد تشكيلها خلاله بما يوحي للجمهور بأنَّ الزمن يتوقَّف ثم يُستأنف. تتحوَّل الخشبة إلى ورشة دفن وبناء، وكلّ حركة على الرمل تُعيد رسم المكان الذي لم يجده وجدي لبداية مُحتَملة.

تتوقَّف المسرحية عند كلمة «Amygdala»، وتُترجَم إلى «اللوزة الدماغية». إنها المنطقة الصغيرة التي تُدير خوف الإنسان واستجاباته الانفعالية، وتُخزّن أثر الصدمة في الجسد قبل أن تصير حكاية. حضور المفردة يوسِّع فكرة «الأرض الحرام» إلى داخل الرأس، ليقول العرض إنّ الحدود لا تمرّ على الخرائط وحدها، وإنما أيضاً في الدماغ، وفي ذاكرة الخطر التي تُبقي الجسد رهن حالة إنذار. يُلمح ميناوي لقوة الدماغ، وبأنه الحارس القاسي للحياة، والحارس القاسي للوجع معاً. الصدمة التي لا تُهضَم تتحوَّل إلى نظام، والخوف يصير بيتاً مؤقتاً، و«الأرض الحرام» حالة عصبية مزمنة يعيشها الإنسان وهو يبحث عن مكان يُهدِّئ روحه.

الجسد على الخشبة يختبر معنى أن يكون موجوداً في مكان لا يعترف به (الشرق الأوسط)

في مشهد النَّكْش بالرمل، تنخرط الحركة في طَقْس يُشبه نشوة داخل القهر، كأنّ الحَفْر محاولة للعثور على أثر، أو لاستحضار ما دُفن، أو للتصالح مع ألم لا ينتهي. وجدي ليس وحيداً، فـ«الموتى يُغنّون له». أصوات كارول عبود وعمر ضو وضنا مخايل تُسمَع وهو يتكوَّر على أرض المسرح مثل طفل، فتغدو الذاكرة جماعية، وتتحوَّل العزلة إلى جوقة.

ميناوي حكواتي أكثر منه ممثلاً. ينسج السرد ويقوده، ويقترح المعنى عبر خطاب مباشر أحياناً. قوة «الأرض الحرام» كانت لتتكثَّف لو ظلَّت رمزية، وأبقت الباب مفتوحاً لإسقاطات تمسّ كلّ إنسان معذَّب بالظلم في هذا العالم المتوحّش، الفلسطيني وغيره، خصوصاً مع الإشارة إلى السودان ودارفور. وبانزلاق بعض المقاطع إلى خطاب أقرب إلى التقريرية، مثل السخرية من الدور الأميركي الذي جاء و«معه الحرّية»، أو إدانة فنانين لم يُسجّلوا موقفاً مؤيّداً لفلسطين، أو إعادة طرح سؤال «ماذا فعلتَ أنت؟»، أو المرور على مَن اكتفوا برمز البطيخ في «إنستغرام»، ضاق هامش التأويل، واتّجه المعنى نحو أدلجة تُقيّد المتلقّي بدل أن تحرّره.

الكيس البلاستيكي يترك ملامح الجسد عالقة بين الحضور والغياب (الشرق الأوسط)

مع ذلك، حافظت السينوغرافيا (ميناوي بمساعدة حسن مراد) والإضاءة (ميناوي) واللمسة الإخراجية على قوة العرض ورمزيته، خصوصاً في مشهدَي الرمال والكيس البلاستيكي. هذا الجهاز البصري كان يكفي ليحمل العبء السياسي من دون أن يُقال مباشرة. وتبلغ الدرامية ذروتها مع وضع وجدي الكوفية على كتفيه وكتف ميناوي بختام العرض، في صورة تُعيد تثبيت موقع الجسد داخل هذا الفراغ الذي اشتغل عليه العمل منذ بدايته، حيث يبقى حاملاً لذاكرته، وماثلاً داخل مساحة لا تُعيده إلى نقطة سابقة ولا تنقله إلى موقع جديد، وتُبقيه في حالة حضور مستمرّ داخل هذا التعليق.


أطعمة تتسبّب بالجوع والعطش... تعرّف عليها وتجنّبها في رمضان

TT

أطعمة تتسبّب بالجوع والعطش... تعرّف عليها وتجنّبها في رمضان

بعض الأطعمة التي تتسبب بالجوع والعطش (بكسلز)
بعض الأطعمة التي تتسبب بالجوع والعطش (بكسلز)

إذا كان تناولُها، خلال أيام السنة، ممكناً، فمن المستحسن تفاديها في شهر الصيام. ما تلك الأطعمة والمشروبات التي تثير الجوع والعطش؟ وهل هناك بدائل تمنح شعوراً بالارتواء والشبع؟

وفق حوار أجرته «الشرق الأوسط» مع خبيرة التغذية جويل نهرا، ثمّة خطّان أحمران في هذا المجال هما الملح والسكّر. يتسبّب الأول بالعطش، أما الثاني فيحفّز الشعور بالجوع. وتنضمّ إلى السكّر النشويّات، لذلك فإنّ التخفيف منها على الإفطار والسحور وما بين تلك الوجبتَين، يساعد في الوقاية من العطش والجوع خلال ساعات الصيام.

الملح مسؤول عن العطش والسكّر يتسبب بالجوع (بكسلز)

أطعمة تتسبّب بالجوع

في طليعةِ ما تحذّر منه نهرا، الحلويات والنشويّات البيضاء مثل الخبز، والباستا، والمعجّنات، والأرز الأبيض؛ لأنها ترفع منسوب السكّر بالدم ثم تخفضه بسرعة، ما يتسبب بشعور الجوع. تقول خبيرة التغذية: «عندما يكون السحور عبارة عن نشويّات بيضاء فقط وخالياً من البروتين، سيُصيبنا الجوع حُكماً بعد ساعات قصيرة».

* الكرواسان والكيك وسائر الحلويات

لعلّ الحلويات هي أكثر ما ترغبه العين والمعدة بعد ساعات الصيام الطويلة، إلا أنها أكثر ما يتسبب بالجوع، بعد مرور وقتٍ قصير على تناولها. ربما يوحي الكرواسان مثلاً بالشبَع والامتلاء، لكن كل ما يحتوي من طحين أبيض ودهون غير صحية وسكّر يتسبب بردّ فعل عكسي.

السكّر الذي في الكيك والكنافة والبقلاوة وسائر الحلويات الشرقية والغربية، ينشّط مسارات المكافأة والشهية في الدماغ بطريقة مختلفة عن مصادر الطاقة الأخرى. ووفق دراسة أجرتها جامعة ييل، فإن جميع مناطق الدماغ المسؤولة عن الرغبة في الطعام تسترخي بعد الأكل. لكن عند تناول الحلويات، تبقى هذه المناطق نشطة وغير مكتفية.

الحلويات تنشّط مناطق الدماغ المسؤولة عن الرغبة في الطعام (بكسلز)

أما الدهون غير الصحية، كتلك الموجودة في المخبوزات، فتُظهر الأبحاث أن الجسم لا يتعرّف عليها فوراً كمصدر مفيد للطاقة. ما يحصل بعد تناولها هو أن الجسم يخزّن سُعراتها الحرارية بدل تشغيلها، ومن ثم لا تُرسل إشارة إلى الدماغ بأنّ الشعور بالجوع قد انتهى.

نصيحة

تنصح خبيرة التغذية هنا بالتخفيف من تناول الحلويات يومياً قدر المستطاع، والاستعاضة عنها بالفاكهة الغنية بالألياف مثل التفاح بقشره والجوافة، والتمر، والمكسّرات النيئة، والشوكولاته الداكنة.

الحلويات تتسبب بالجوع أما التمر والمكسرات النيئة فيمنحان شعوراً بالشبع (بكسلز)

* الخبز والأرز والباستا وسائر النشويّات البيضاء

لا تكاد تخلو مائدة إفطار من طبق المعجّنات كالفطائر والرقائق والبيتزا. وهل يمكن تصوّر الطبق الرئيسي دون الأرز الأبيض المرافق له؟

لكنّ الخبر غير السار هو أنّ تلك النشويّات البيضاء كافةً ترفع منسوب السكّر في الدم وتخفضه بسرعة قياسية، ما يؤدي إلى الجوع من جديد. فعندما تفرط في تحميل جسمك بالكربوهيدرات البسيطة، يبدأ البنكرياس العمل بأقصى طاقته لإنتاج الإنسولين، ما يخفض مستويات السكر بالدم ويؤدّي إلى الشعور بجوع شديد.

النشويّات والمعجّنات ترفع منسوب السكّر بالدم وتخفضه بسرعة ما يؤدّي إلى الجوع (بكسلز)

نصيحة

استبدل بالخبز الأبيض ذلك المصنوع من طحين القمح الكامل. أما الأرز الأبيض فيمكن استبدال الأرز البسمتي أو الأسمر به. وهذا ينطبق على الباستا التي يمكن اختيار السمراء منها؛ أي المصنوعة من القمح الكامل. فالحبوب الكاملة تحتوي على الألياف والعناصر الغذائية القادرة على منح شعورٍ بالشبع.

الأرز الأسمر هو البديل الصحي عن الأرز الأبيض (بكسلز)

* البطاطا المقليّة والتشيبس

تنتمي البطاطا المقليّة المثيرة للشهيّة إلى فئة النشويّات المشبعة بالدهون غير الصحية. وليس صدفةً أن تشعر برغبة في تناول الحلويات بعد إفراغك كيس التشيبس. فرقائق البطاطا وسائر الوجبات الخفيفة المالحة ليست سوى كربوهيدرات بسيطة سريعة الهضم، تتسبب بارتفاع مستويات الإنسولين ثم انخفاضها.

نصيحة

يمكن اعتماد البطاطا المشويّة في الفرن مع قليل من زيت الزيتون والملح والبهار والأعشاب المعطّرة.

كلّما تَضاعفت الدهون غير الصحية والسكّر وبدائله في الطعام والشراب، زاد احتمال أن تتسبب بالجوع بعد وقت قصير على تناولها. وينضمّ إلى قائمة الأطعمة والمشروبات المؤدية إلى الجوع العناصر التالية:

- الوجبات السريعة (فاست فود)

- حبوب الفطور بالمُحلِّيات الصناعية (كورن فليكس)

- بياض البيض

- الزبادي قليل الدسم

- عصير الفاكهة المشبع بالسكّر

- المشروبات الغازية العادية وتلك الخالية من السكّر

على عكس ما هو شائع فإنّ المشروبات الغازية تتسبب بالجوع (بكسلز)

أطعمة تتسبّب بالعطش

* الملح ومُلحقاته

كثيرة هي الأطعمة والمشروبات التي تتسبّب بالعطش، على رأسها كل ما هو مالح. فمن المعروف أن أحد الآثار الجانبية للصوديوم احتباس السوائل والتسبب بالجفاف والعطش. وتُحذّر خبيرة التغذية جويل نهرا، في هذا السياق، من المأكولات المملّحة، ولا سيّما رقائق البطاطا (التشيبس)، والمكسّرات المالحة، وسواها من وجبات خفيفة غنية بالملح. «خلال الصيام، ولا سيّما على وجبة السحور، من المستحسن الاستغناء عن الملح قدر المستطاع، بما أنّ المبالغة في تناوله سوف تتسبّب للصائم بالعطش طيلة ساعات النهار»، كما تقول نهرا. وتُضاف إلى لائحة الأطعمة المالحة: صلصة الصويا، والمخلّل أو الكبيس، والزيتون.

كل الأطعمة الغنية بالملح تتسبب بالعطش (بكسلز)

* الدهون والأطعمة المقليّة والمصنّعة

مِن بين الأطعمة المسببة للعطش كذلك، المأكولات المقليّة وتلك الغنية بالدهون غير الصحية مثل الوجبات السريعة واللحوم المصنّعة. وتوضح نهرا أن «هذا النوع من الأكل يبطئ عملية الهضم فينشغل الجسم بمعالجة الكمية الكبيرة من الدهون، وهذا يضاعف الشعور بالجفاف».

تُضاف إليها المشروبات المصنّعة كالعصائر المحلّاة ومشروبات الطاقة وتلك الغازيّة؛ «لأنها ترفع منسوب السكّر في الدم وتخفضه بسرعة فتخسر الخلايا المياه بسبب ذلك»، وفق نهرا.

تفادي الوجبات السريعة خلال الصيام لأنها تؤدي إلى العطش (بكسلز)

* القهوة

الفنجان الأحبّ إلى قلب الجميع فنجان القهوة الذي يفتتح به كثيرون الإفطار ويختمون السحور، هو في صدارة مسبّبات العطش. فالكافيين مادة مجفّفة بطبيعتها، ما يعني أنّ المشروبات الغنية بالكافيين، حتى وإن كانت ممزوجة بالماء، تسبب العطش. وتنضمّ إليها المشروبات الغازية الغنية هي الأخرى بالكافيين.

الكافيين مادة مسببة للجفاف والعطش (بكسلز)

نصائح لتفادي العطش في رمضان

تنصح نهرا بشُرب كمية كافية من المياه (بمعدّل 2 لتر) وتوزيعها على الساعات الممتدة ما بين الإفطار والسحور. كما تدعو الصائمين إلى التركيز على الخضراوات وإضافتها إلى كل وجبة لأنها غنية بالسوائل. أما القهوة فمن المفضّل اقتصارها على فنجان واحد بعد الإفطار وليس قبل السحور أو خلاله.


«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
TT

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا» اليوم الأحد، بعد أن حصد ست جوائز، من بينها جائزة أفضل فيلم وجائزة أفضل مخرج لبول توماس أندرسون.

وتفوق الفيلم على منافسه الفيلم البريطاني «هامنت» الأكثر شعبية داخل البلاد، وفيلم الإثارة «سينرز» (الخطاة) الذي يحمل رقما قياسيا في عدد الترشيحات لجوائز الأوسكار، في الفئتين الرئيسيتين للحفل الذي حضره الأمير وليام والأميرة كيت كضيفي شرف.

وقال أندرسون «اقتبسنا عبارة من نينا سيمون في فيلمنا، وتقول: 'أعرف ما هي الحرية، هي انعدام الخوف'». وتابع «لذا فلنستمر في صناعة الأشياء دون خوف، إنها فكرة رائعة».

وفاز أندرسون بجائزة أفضل سيناريو مقتبس، بينما تفوق شون بن على زميله في البطولة بينيشيو ديل تورو، من بين آخرين، ليفوز بجائزة أفضل ممثل مساعد. وفاز الفيلم، الذي نال استحسان النقاد، بجائزتي أفضل تصوير سينمائي وأفضل مونتاج، ليحصد ست جوائز في المجمل.

وفاز فيلم «سينرز»، الذي حصل على 16 ترشيحا لجوائز الأوسكار، بجائزة أفضل سيناريو أصلي للكاتب والمخرج رايان كوجلر وجائزة أفضل ممثلة مساعدة لوونمي موساكو وجائزة أفضل موسيقى تصويرية أصلية.

مفاجأة في فئة أفضل ممثل

جاءت المفاجأة الأكبر بفوز روبرت أرامايو بجائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز لشخصية جون ديفيدسون، الناشط في مجال التوعية بمتلازمة توريت، في فيلم «آي سووير» (أقسم)، متفوقا على تيموثي شالاميه وليوناردو دي كابريو ومايكل بي جوردان وإيثان هوك وجيسي بليمونز.

وتسلم أرامايو الجائزة، وهي الثانية له في الحفل بعد فوزه بجائزة أفضل ممثل صاعد، وهو يبكي وقال «لا أصدق ذلك على الإطلاق». وعند سؤاله قبل الحفل عما سيكون شعوره إذا فاز قال «بصراحة، لم أفكر بعد في الأمر ، أشعر فقط أنني محظوظ جدا لوجود اسمي ضمن هذه القائمة».

وفازت جيسي باكلي، التي كانت المرشحة الأوفر حظا، بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت»، المقتبس عن رواية ماغي أوفاريل، ومالذين إخراج كلوي تشاو، الحائزة على جائزة الأوسكار. وفاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم بريطاني، لكنه لم يفز بالجائزتين الرئيسيتين، ومنها جائزة أفضل فيلم، إذ كان يعتقد أن كونه فيلما بريطانيا سيكون عاملا مؤثرا في فوزه.

ومثل حفل توزيع الجوائز، الذي قدمه آلان كومينج، أول ظهور رسمي مشترك للأمير وليام وكيت ميدلتون منذ اعتقال عم الأمير وليام، آندرو ماونتبتن-وندسور، يوم الخميس. وقدم الأمير وليام، الذي يشغل منصب رئيس الأكاديمية، جائزة زمالة بافتا إلى دونا لانغلي رئيسة استوديوهات «إن.بي.سي يونيفرسال».