«القناة السرية» بين أميركا وروسيا في فيينا... تفاهمات عسكرية وخيبات سياسية

«الشرق الأوسط» تنشر تفاصيل المفاوضات غير العلنية بين الطرفين في السنوات الماضية

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة العشرين» في أوساكا اليابانية في يونيو 2019 (غيتي)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة العشرين» في أوساكا اليابانية في يونيو 2019 (غيتي)
TT

«القناة السرية» بين أميركا وروسيا في فيينا... تفاهمات عسكرية وخيبات سياسية

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة العشرين» في أوساكا اليابانية في يونيو 2019 (غيتي)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة العشرين» في أوساكا اليابانية في يونيو 2019 (غيتي)

دقائق، أربع أو خمس، فصلت بين إبلاغ الجيش الروسي وشن طائرات أميركية غارات على «مواقع إيرانية» على الحدود السورية - العراقية في 26 فبراير (شباط) الماضي. «المهلة» الأميركية لروسيا كانت سابقاً أطول. وصلت إلى ساعات، قبل قصف «مواقع سوريا» في أبريل (نيسان) 2017 أو 2018.
تتأمل روسيا، بعسكرييها ودبلوماسييها، هذا «العنصر السوري». مؤشر يُضاف إلى «سلة» العقوبات الأميركية بسبب قضية المعارض ألكسي نافالني وانتقادات رسمية تأتي من واشنطن. مرحلة جديدة في العلاقات بين موسكو واشنطن في عهد إدارة الرئيس جو بايدن عبر عنها في خطابه الافتتاحي، بالقول إن أميركا يجب أن «تكون موجودة في مواجهة تقدم الاستبداد، خصوصاً الطموحات المتزايدة للصين ورغبة روسيا في إضعاف ديمقراطيتنا». وزاد: «لقد قلت بوضوح للرئيس (الروسي فلاديمير) بوتين، وبشكل مختلف جداً عن سلفي، إن الزمن الذي كانت تخضع فيه الولايات المتحدة لأفعال روسيا العدوانية (...) قد ولّى».
كان بايدن يقصد، السنوات السابقة التي شملت لقاءات رسمية واسعة بين الأميركيين والروس في مقدمهم الرئيسان دونالد ترمب وبوتين ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع نظرائه المتعاقبين من هيلاري كلينتون وجون كيري إلى ريكس تيلرسون ومايك بومبيو. وللتركيز على الملف السوري، جرت لقاءات بين القادة العسكريين في «مسار فيينا» و«مفاوضات غير معلنة» بين الطرفين خصوصاً بين نائب وزير الخارجية الروسي ومسؤول الملف السوري السابق سيرغي فرشينين مع المبعوث الأميركي السابق جيمس جيفري في عامي 2019 و2020 وقبل ذلك، إضافة إلى اتصالات «المسار الثاني» بين مسؤولين وعسكريين ودبلوماسيين سابقين وخبراء من الجانبين في السنوات الماضية.
تنشر «الشرق الأوسط» اليوم خلاصة المفاوضات الرسمية وغير الرسمية في السنوات الماضية، مع دخول العلاقات بين الطرفين في نفق صعب منذ تسلم بايدن:
أميركا منذ عهد باراك أوباما، كانت محكومة بـ«عقدة العراق». تدخلت تحت مظلة دولية مثقوبة تخص أسلحة الدمار الشامل. غامرت بالعراق فملكته بمشاكله ومآسيه من دون مفاعيل «الدومينو» و«نشر الديمقراطية» في الشرق الأوسط. لم ينفع الجرح الأميركي، القيادة من الخلف لدى تدخل حلفائها واشنطن الغربيين في ليبيا. هاتان التجربتان، كانتا «عقدتين» لازمتا سلوك أميركا في سوريا. وإذا أضيف إلى ذلك، «هوس» فريق أوباما بالملف النووي لإيران دون بحث تمددها الإقليمي، تردد باراك أوباما باستخدام القوة بعد «مجزرة الغوطتين» في أغسطس (آب) 2013 كما كان تردد بقبول عروض إقامة منطقة آمنة. جاءه عرض الرئيس فلاديمير بوتين بعد «الكيماوي» على طبق من فضة وتوصلت الدولتان إلى اتفاق يتعلق بالبرنامج الكيماوي في سبتمبر (أيلول) 2013.
قبل ذلك، صاغ لافروف وكلنتون وآخرون «بيان جنيف» في يونيو (حزيران) 2012 ونص على تشكيل «هيئة انتقالية تنفيذية» لكنهما اختلفا على تفسيره. وفي مايو (أيار) 2013 اتفق لافروف وكيري على تسريع العملية السياسية لتنفيذ «بيان جنيف» وكلفا المبعوث الأسبق الأخضر الإبراهيمي الذي تسلم منصبه في سبتمبر 2012 خلفاً لكوفي أنان، عقد مؤتمر «جنيف 1» الدولي في مونترو في بداية 2014.
الاتفاق بين لافروف وكيري للتخلص من الترسانة الكيماوية في سبتمبر 2013. تطابق برنامج تنفيذه مع مواعيد دمشق للانتخابات الرئاسية في منتصف 2014. وترجم الاتفاق بالقرار الدولي 2118 الذي شرعن «بيان جنيف». هذا الاتفاق شكل نقطة انعطاف في أكثر من اتجاه، بينها اتساع سيطرة «داعش» في سوريا وتقهقر «الجيش الحر» مع بقاء برنامج سري أميركي بدعم إقليمي لتسلح المعارضة في الأردن وتركيا. الدعم الإيراني لم يسعف تراجعات قوات النظام التي تلقت ضربات في ربيع 2015. خسرت إدلب وريف درعا، واقتصرت مناطق السيطرة على نحو 15 في المائة من سوريا.
في منتصف 2015 استنجدت إيران، التي وضعت كل إمكاناتها لدعم النظام، بالجيش الروسي في وقت كان بوتين ينتظر اللحظة للانقضاض على «فريسته». هذا ما كان. تدخلت سوريا في سبتمبر 2015. وملكت سوريا ومفتاحها ومدت ذراعها في بطن الشرق الأوسط. بعدها باتت روسيا «الوكيل الحصري» للعملية السياسية وتبلور ذلك بإطلاق «عملية فيينا السياسية» بمشاركة جميع الدول المنخرطة بالنزاع، «المجموعة الدولية لدعم سوريا»، وتوصلها إلى مسودة القرار 2254 في نهاية 2015. انتزعت روسيا في هذا القرار «سلسلة تراجعات» و«اختراقات»، بعضها: الانتقال بالمرجعية السياسية من «الهيئة الانتقالية» إلى «الحوكمة» بفضل «صيغة ملتفة» روج لها المبعوث الأممي السابق ستيفان دي ميستورا، توسيع أطر تمثيل المعارضة السورية لتشمل منصتي القاهرة وموسكو وعدم الاكتفاء بـ«هيئة التفاوض»، وإدخال عنصر «محاربة الإرهاب»، الذي شكل أساساً لعمليات عسكرية واسعة ضد «معارضة معتدلة»، رغم أنه حدد الفصائل الإرهابية.
وصلت سوريا المتعبة من القصف والنزوح واللجوء إلى منتصف 2016. كان كيري لا يزال مهتماً بالتوصل إلى «تفاهمات» مع لافروف. توصلا إلى اتفاق وقف النار بعد مفاوضات ماراثونية. اتفاق تضمن الكثير من الألغام بينها إيصال المساعدات إلى حلب الشرقية المحاصرة، وتشكيل «خلية التنفيذ المشتركة» بين الجيشين الأميركي والروسي لوقف النار وتبادل الخرائط والمعلومات الاستخبارية لبدء استهداف «فتح الشام» (جبهة النصرة) قبل أن تصبح «هيئة تحرير الشام» وتنسيق الحرب ضد «داعش» وبقاء الطائرات السورية في قواعدها بالتوازي مع إطلاق مفاوضات السلام في جنيف. العنصر الأهم، كان غياب آلية الرقابة. مضى الوقت. استمر القصف والمعارك. وصلنا إلى نهاية 2016. فكان التفاهم الأبرز هو بين موسكو وأنقرة، بالتخلي عن شرق حلب مقابل توغل تركيا في جيوب شمال سوريا وتشكل «درع الفرات».
استعادة دمشق لحلب كان نقطة انعطاف أخرى في الصراع. تقدمت موسكو وأنقرة وطهران. تجلى ذلك، ببدء عملية آستانة في بداية 2017 بين «الضامنين» الثلاثة التي شكلت أربع مناطق «خفض تصعيد»، هي: غوطة دمشق، وريف حمص، وإدلب وجوارها، ودرعا وجوارها. هذا المسار وفر مناورة لاستعادة مساحات واسعة من مناطق معارضة كانت تئن تحت الحصار والقصف. مسار عسكري، ألبسته روسيا لبوساً سياسياً وإنسانياً إلى حد طغى على المنافس اللدود المتمثل في مسار جنيف، ذي الرعاية الأممية والكعب السياسي العالي، أعلى من سقف دمشق وموسكو.
- منع الصدام
اهتمام أميركا كان منصباً على منطقتين: شرق الفرات ضمن عمليات التحالف لمحاربة «داعش» وجنوب غربي سوريا القريبة من إسرائيل والأردن. اجترعت واشنطن لكل «داء» علاجاً. إضافة إلى اللقاءات العلنية بين وزيري الخارجية ثنائياً أو جماعياً خلال السنوات الماضية، كانت تعقد اجتماعات غير معلنة بين الطرفين أغلبها في فيينا (البعض في جنيف ونيويورك). هذه اللقاءات، كانت المصدر الأساسي للتفاهمات الكبرى التي حصلت بين الطرفين في الملف السوري. منها ولد التفاهم العسكري لـ«منع الصدام» في منتصف 2017 واعتبار نهر الفرات هو خط التماس بين الطرفين، بحيث جرى تأسيس خط عسكري لتبادل المعلومات وتزويد المعطيات لمنع أي أشكال بين طائرات البلدين خلال نشاطها في سوريا: شرق الفرات للتحالف الدولي بقيادة أميركا وغرب النهر لروسيا وحلفائها. هذا حصل بعد تجاوز عقبة قانونية في أميركا تحظر التعاون مع الجيش الروسي وريف «الجيش الأحمر» السوفياتي.
في يوليو (تموز) من عام 2017. أعلن ترمب وبوتين عن اتفاق وقف إطلاق النار بين القوات الحكومية السورية وقوى المعارضة. وكان ترمب - قبل إبرام ذلك الاتفاق - أوقف تماماً جهود وكالة الاستخبارات الأميركية (سي أي إيه) في تمويل قوى المعارضة السورية، مما يعد موافقة ضمنية من جانبه على السماح للجانب الروسي بالحفاظ على اليد العليا في الشأن السوري.
في مايو (أيار) 2017 قصفت القوات الأميركية في قاعدة التنف «فصائل إيرانية» وفي فبراير (شباط) 2018 قصفت أميركا شرق سوريا «مرتزقة فاغنر» الروسية. كانت المعلومات العسكرية يجري تبادلهما لمنع تصاعد الأمور عبر بنود «منع الصدام». كما هو الحال لدى الغارة الأميركية الأخيرة على «فصائل إيرانية» قرب البوكمال في 26 الشهر الماضي. غالباً، ما كان يتم «تبادل الرسائل» عبر القصف والتوتر الميداني خلال جولات التفاوض في فيينا.
أيضاً، أن «اتفاق الجنوب» في منتصف 2018. كان وليد «مسار فيينا» بين الطرفين ونص على عودة قوات الحكومة إلى ريف درعا والقنيطرة مقابل إبعاد ميليشيات إيران عن الجنوب واستئناف عمل «القوات الدولية لفك الاشتباك» (أندوف) في الجولان. وفي سبتمبر 2018، كشف الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف تفاصيل التفاهمات. وقال إن تم «انسحاب جميع القوات الموالية لإيران وأسلحتها الثقيلة من مرتفعات الجولان إلى مسافة آمنة بالنسبة لإسرائيل وهي 140 كيلومتراً شرق سوريا». وأضاف أنه انسحب من هذه المنطقة 1050 عسكرياً و24 راجمة صواريخ ومنظومة صاروخية تكتيكية تعبوية، و145 وحدة سلاح. كما سيرت «أندوف» دورية في 2 أغسطس لأول منذ عام 2012 برفقة الضباط الروس الذين وصلوا إلى خط وقف إطلاق النار المتفق عليه منذ عام 1974. في دلالة إلى عودة الترتيبات إلى قبل عام 2011.
في «مسار فيينا»، الذي شارك فيه مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد ساترفيد والمسؤول الأميركي في التحالف ضد «داعش» بريت ماغورك والمبعوث الأميركي السابق لسوريا مايكل راتني مع نظرائهم الروس، وافق الجانب الأميركي على «تفكيك» قاعدة التنف ضمن عناصر «اتفاق الجنوب». لكن سرعان ما جرى التراجع عن هذا البند بسبب ضغوطات إسرائيلية. عليه، حتى عندما كان الرئيس ترمب يتحدث عن الانسحاب من شرق سوريا في 2018 و2019. كان مفهوماً أن «الانسحاب لا يشمل قاعدة التنف، التي ستبقى».
وبعد قرار ترمب سحب قواته من حدود سوريا مع تركيا ما أعطى الضوء الأخضر لتوغل تركي بين تل أبيض ورأس العين في أكتوبر (تشرين الأول) 2019. جرت تغييرات كبيرة على انتشار القوات في شرق الفرات. صارت قوات الروس والأتراك والحكومة السورية موجودة هناك. جرت أكثر من ملاحقة عسكرية بين دبابات وآليات الطرفين. هذا الأمر استدعى الكثير من التفاهمات العسكرية بين الأطراف، إضافة إلى اتصالات بين القادة. كما استدعى أن تنشر أميركا معدات جديدة بينها آليات «برادلي» لحماية النفط وتجنب «التحرشات» الروسية. وفي النصف الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2019. عقد اجتماع بين رئيسي الأركان الروسي فاليري غيراسيموف والأميركي مارك ميلي في مدينة بيرن السويسرية لـ«منع وقوع اشتباكات بين بلديهما خلال تنفيذ العمليات العسكرية في سوريا».
- «المستنقع السوري»
بعد تسلم جيفري ونائبه جويل ريبرن الملف السوري بشقية السياسي والخاص بالتحالف ضد «داعش» (ماغورك كان المبعوث الخاص التحالف حتى 2018)، حصل تغيير في النهج الأميركي مع سوريا. كان هناك استئناف للمفاوضات الرسمية غير المعلنة في فيينا واستكمال لمسار خبره ماغورك، لكن أضيفت إليه بعض العناصر من ضمنها الحديث في ملفات سياسية وإنسانية ومحاولة طرح مقاربة «خطوة - خطوة» أو «كثير مقابل كثير، وقليل مقابل كثير». في إحدى الجلسات بين جيفري وفرشينين التي عقدت في فيينا في صيف 2019. قدم الأميركيون لأول مرة، أوراقاً ومقترحات خطية لبعض الخطوات المتبادلة التفصيلية، تتعلق بتجميد فرض عقوبات وتقديم مساعدات لمناطق الحكومة وإصدار بيان وتمويل نزع الألغام في سوريا وإقناع الأردن بتزويد جنوب سوريا بالكهرباء، مقابل طلبات مثل تبني قرار دولي للمساعدات الإنسانية عبر الحدود وتفعيل العملية السياسية وتشكيل اللجنة الدستورية وبدء عملها والاتفاق على معاير سلوكها (هذا حصل في نهاية أكتوبر 2019)، إلى ملفات جيوسياسية مثل تطبيق «تفاهم الجنوب» الذي يعود إلى منتصف 2018 بما يضمن إبعاد إيران عن «خط فك الاشتباك» في الجولان وحدود الأردن لمسافة 85 كلم والتزام اتفاق نزع السلاح الكيماوي الموقع بين لافروف وكيري في سبتمبر 2013. وكانت الورقة الأميركية تمهيداً لقمة بوتين - ترمب على هامش اجتماع «قمة العشرين» في اليابان في يونيو 2019.
حصلت خيبة متبادلة. توقف «مسار فيينا» في نهاية 2019 وعلى خلفية تدهور الوضع الاقتصادي وخروقات هدنة إدلب في بداية 2020. أبدى الروس اهتماماً باستئناف هذا المسار، وعقدت جولتان بين جيفري وفرشينين في فيينا في يوليو (تموز) وفي جنيف في أغسطس العام الماضي. (لم يشارك فرشينين في الجولة الثانية لأنه كان مصاباً بــ«كورونا» ثم بات الملف السوري في عهدة نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف). الاهتمام الروسي، كان مدفوعا أيضاً بـ«خيبة» موسكو من نتائج زيارة لافروف إلى واشنطن في نهاية 2019. التي لم تفلح في تجميد «قانون قيصر» ومسار «العزلة القصوى» من واشنطن لدمشق.
في جولة يوليو، كان واضحاً أن الوفد الروسي كان مقتنعاً بعمق الأزمة الاقتصادية و«تحليل الوضع السياسي»، لكن أيضاً كان منزعجاً من بدء تنفيذ «قانون قيصر» في يونيو (حزيران)، إضافة إلى عرقلة واشنطن لمحاولات موسكو إقناع دول عربية وأوروبية عدة بـ«التطبيع» مع دمشق واستمرارها فرض العقوبات. واختلف الوفدان في تقييم نتائج أعمال «الدستورية».
بالنسبة إلى الوفد الروسي، كانت هدنة إدلب صامدة بفضل التعاون في تركيا في «مسار آستانة». ليست هناك أي ضرورة لعملية عسكرية شاملة من دمشق في إدلب. هناك تعويل من موسكو على التعاون مع أنقرة. وهناك تصعيد باللهجة من أن الوجود الأخير «غير شرعي» وتحذير من «الانفصاليين» الأكراد وقلق على وحدة سوريا.
سياسياً، تبلغ الأميركيون في أغسطس الماضي، رفض موسكو لمقاربة «خطوة - خطوة»، معتبرين أن اللجنة الدستورية السورية يمكن أن تواصل العمل لسنوات، وأنه لا أجندة زمنية لوصولها إلى نتائج. وقيل في صيف 2020، إن الانتخابات الرئاسية السورية منتصف عام 2021. هي فرصة، بالنسبة للروس، لعودة دول عربية وغربية كي تعترف بنتائج الانتخابات و«شرعية الأسد». هذه الانتخابات ستحصل بموجب الدستور الحالي لعام 2012. ولا علاقة بينها وبين أعمال اللجنة الدستورية في جنيف وتنفيذ القرار 2254.
في المقابل، واصلت أميركا أجندتها: تعزيز الوجود العسكري شرق الفرات لـ«ردع» روسيا وإيران، مبادرات لـ«ترتيب البيت الداخلي» للأكراد وبقاء التحالف الدولي لقتال «داعش»، إصدار قوائم من العقوبات الجديدة بموجب «قانون قيصر» لزيادة العزلة على دمشق والأزمة. منع التطبيع السياسي مع دمشق ومنع المساهمة بإعمار سوريا. استمرار الغارات الإسرائيلية. الرهان وقتذاك، أن هذه «الأدوات» ستجلب روسيا. في ذهن الفريق الأميركي، وخصوصاً جيفري، هناك إمكانية لتكرار تجربة الغرق الإيراني في جنوب العراق خلال الحرب بين 1980 و1988 وغرق الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، إذ إن الأميركيين بـ«قليل من الجنود والتكلفة المالية والبشرية، قادرون على تحقيق نتائج استراتيجية ضد إيران وروسيا وفي مجال العملية السياسية السورية». أي، أن روسيا أمام خيارين: «ملكية بلد مدمر ومنبوذ ومحاصر ومعزول أو التوصل إلى اتفاق مع أميركا يتضمن تنازلات جيوسياسية وحلاً للأزمة الداخلية».
لم يبق وقت لعقد جلسات من «مسار فيينا» نهاية العام الماضي قبل الانتخابات. خرج ترمب وفريقه. جاء بايدن وشكل جزءاً من فريقه السوري في وقت تجري مراجعة للسياسة السورية وتصعيد ضد روسيا.
إلى الآن، سوريا ليست أولوية للإدارة الجديدة التي لم تعين بعد مبعوثاً لسوريا كما كان الأمر سابقاً. واضح أنها تركز على «داعش» وملاحقة خلاياه. أيضاً، أن بعض العاملين في إدارة أوباما عادوا إلى إدارة بايدن. بعضهم حمل «خيبات» أوباما و«الدروس المستفادة» من السنوات السابقة. بعضهم آخر يتذكر «لسعات» الجانب الروسي في أميركا وسوريا والعالم.
ماغورك، كان مسؤولاً في إدارة أوباما وعاد لتسلم منصب رئيسي في إدارة بايدن ويلعب دوراً محورياً في مراجعة السياسة عن سوريا، ما يطرح سؤالاً كبيراً عن السياسة المرتقبة بين التركيز فقط على المصالح الأميركية خصوصاً محاربة «داعش» والهجرة والسلاح الكيماوي وهموم إسرائيل ومحاولات لخفض دور إيران والاكتفاء بتقديم المساعدات الإنسانية وبين التركيز على المسار السياسي وتنفيذ 2254 وطرح موضوع المساءلة ومعالجة «جذور الأزمة السورية».
الشيء الوحيد الواضح، أن «الفريق السوري الجديد» في إدارة بايدن عندما ترك هذا الملف في 2018، كان الحديث في دمشق وموسكو عن «انتصار عسكري كامل» واستعادة السيطرة على كامل البلاد و«تطبيع» سياسي وتدفق مالي من دول عربية وأوروبية وإعادة أعمار. هم عادوا إلى بلاد فيها ثلاث «مناطق نفوذ» وخمسة جيوش، أميركا وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل، وتعاني من انهيار اقتصادي وتحت عقوبات أوروبية وأميركية وبنود «قانون قيصر».
- عروض أميركية... و«غموض» روسي
> عقدت بين روسيا وأميركا في فيينا الكثير من جلسات التفاوض غير المعلنة عامي 2019 و2020، شارك فيها المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري ونائب وزير الخارجية سيرغي فرشينين، ولعل أبرز ما يميز هذه الجلسات التي عقدت آخر جلستين منها في فيينا في يوليو (تموز) وجنيف في أغسطس 2020 (غاب فرشينين عن آخرها بسبب فيروس «كورونا»).
وبعد قرار الرئيس دونالد ترمب الانسحاب من قسم من شمال شرقي سوريا في أكتوبر (تشرين الأول)، ما فسر الرئيس رجب طيب إردوغان أنه «ضوء أخضر» للتوغل بين تل أبيض ورأس العين، جرى تغيير كبير في خريطة انتشار القوات شرق الفرات، خصوصاً مع دخول قوات روسيا وتركيا وسوريا. هذا استدعى تفاهمات ميدانية بين الفرقاء بعد خفض حصة «قوات سوريا الديمقراطية» حلفاء أميركا شرق الفرات. عقد لقاء غير علني في فيينا في نهاية العام بين الطرفين، مهد لاجتماع بين رئيسي الأركان الروسي فاليري غيراسيموف والأميركي مارك ميلي في مدينة بيرن السويسرية في النصف الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2019. لـ«منع وقوع اشتباكات بين بلديهما خلال تنفيذ العمليات العسكرية في سوريا».
هذه المفاوضات، منذ إطلاقها قبل سنوات بمشاركة عسكريين وسياسيين ودبلوماسيين وأمنيين، تتناول أموراً عملياتية وسياسية وعسكرية. غالباً ما كان الجانب الأميركي يقدم المقترحات والأفكار والأوراق، كانت أبرزها ورقة قدمها جيفري في ربيع 2019. وتضمنت خريطة واضحة لمطالب أميركا و«إغراءاتها» لموسكو تمهيداً لقمة الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في «قمة العشرين» في اليابان في يونيو (حزيران) 2019.
ماذا تريد أميركا من روسيا؟ هي مهتمة بإخراج إيران وجميع القوات التي دخلت سوريا بعد 2011 عدا الروسية، ونزع أسلحة الدمار الشامل وخصوصاً «الكيماوي» ومحاربة «داعش» ودفع العملية السياسية وفق القرار 2254، وتحريك عملية اللجنة الدستورية، وقف نار شامل على مستوى سوريا، توفير إجراءات لعودة حرة وكريمة وآمنة للاجئين، ووقف الاعتقالات وإطلاق معتقلين.
ماذا تقدم في المقابل؟ إعفاءات من العقوبات، التوقف عن فرض عقوبات، رفع قيودها على التطبيع مع دمشق، أموال لإعادة الأعمار، تزويد سوريا بالكهرباء من الأردن، تقديم مساعدات لمناطق الحكومة السورية، تمويل عمليات نزع الألغام. أيضاً، تقدم إمكانية لتوسيع التعاون بين الجيشين رغم الشكوك الكبيرة والقيود القانونية في أميركا لأي تعاون مع وريثة الاتحاد السوفياتي.
المثير، أن الأفكار كانت تفصيلية بحيث تتضمن خطوات تنفيذية متبادلة وجداول زمنية. الرد الروسي، كان الاكتفاء بإعطاء إشارات غامضة وكلمات ملتبسة... و«وعود خلبية».
- «مناطق النفوذ»... نموذج روسي لسوريا و«العالم الجديد»
> في موازاة المفاوضات الرسمية بين روسيا وأميركا، كانت تعقد جلسات «المسار الثاني» بين الجانبين بمشاركة شخصيات قريبة من الكرملين ووزارتي الدفاع والخارجية ونظرائهم الأميركيين. بين هذه المسارات مبادرة من «مركز جنيف للدراسات الأمنية»، حيث أعلنت الباحثة الزائرة فيه منى يعقوبيان قبل أيام خلاصة عملها في مفاوضات بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) 2018. وقالت: «في ظل الافتقار إلى خيارات أفضل، يبدو أن روسيا تتبع نموذج (مناطق النفوذ) في نهاية لعبتها في سوريا، وهو النموذج الذي يتطلب تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ إقليمية تحت وصاية الرعاة الخارجيين المتنافسين، حيث ستسيطر موسكو على المنطقة الغربية وتركيا في الشمال، والولايات المتحدة في الشرق، وهو ما سيتم على مضض بالنسبة لروسيا». وزادت: «نظراً للطبيعة الأكثر سرية لنفوذها في البلاد، فإن إيران لن تمارس سيطرتها على مجال نفوذ إقليمي محدد، ولكن بدلاً من ذلك، فإن طهران ووكلاءها سيظهرون نفوذهم في مناطق استراتيجية تحت سيطرة نظام الرئيس السوري بشار الأسد». وقالت: «تبني هذا النموذج بمثابة ضرورة وليس اختياراً، حيث تؤكد الظروف الداخلية الروسية، لا سيما الاقتصاد المتعثر، بجانب الانتقاد الدولي الموجه ضد نظام الأسد، وتعقيد الصراع السوري، والانهيار الكارثي لاقتصاد دمشق، على الصعوبات الصارخة التي تواجه استراتيجية نهاية اللعبة الروسية».
بالنسبة إلى منى يعقوبيان، فإن «مناطق النفوذ» في سوريا هو «بمثابة نموذج لنهج موسكو الأوسع في الشرق الأوسط، وربما أبعد من ذلك أيضاً، فرغم أنه من غير المرجح أن تتكرر تفاصيل التدخل الروسي في سوريا في أي مكان آخر، فإن عناصر استراتيجية نهاية اللعبة قد تشكل نموذجاً لسياسة موسكو الخارجية في عالم القرن الحادي والعشرين الذي يزداد تعقيداً»، إذ يعتبر بعض المحللين الروس سوريا على أنها «أول نجاح لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي» كما ينظرون إليها باعتبارها حالة اختبار لعالم «ما بعد الغرب» متعدد الأقطاب الذي يتميز بتآكل النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، كما تطمح استراتيجية «مجالات النفوذ» الروسية إلى تنفيذ رؤية «ما بعد الغرب» والتي تلعب فيها موسكو الدور المهيمن، وذلك جنباً إلى جنب مع القوى الإقليمية الأخرى (على سبيل المثال، تركيا وإيران)، وهي الرؤية التي يتضاءل فيها نفوذ الولايات المتحدة بشكل كبير.
لماذا إذن تتحدث روسيا عن «سيادة سوريا على كافة أراضيها»؟ تقول منى يعقوبيان: «كانت هذه ذريعة التدخل في سوريا، وهي أيضاً لإرضاء خطاب النظام السوري الذي يتحدث عن استعادة كل الأراضي».
من جهتها، كانت رندا سليم منسقة مشاركة للحوار الروسي - الأميركي الذي نظمه «معهد الشرق الأوسط» و«مركز الشرق الأوسط وجنوب آسيا» في الجامعة العسكرية لشؤون الدفاع منذ 2016 بمعدل جلستين كل سنة كانت آخرها في بداية العام الحالي، وبمشاركة نحو سبعة خبراء ومسؤولين سابقين من الطرفين.
وهي ترى أن الهدف من «المسار الثاني» مواكبة المفاوضات الرسمية، حيث كان التركيز على مناطق خفض التصعيد والوصول إلى «ترتيبات أمنية» في شمال شرقي سوريا وشؤون مكافحة الإرهاب واقتراح «آليات لتكريس التعاون» بين الطرفين، مع مناقشات حول تطوير نموذج اللامركزية في سوريا. وترى رندا سليم أن الروس مهتمون باستمرار «الحوارات الخلفية»، لكنهم غير معنيين بـ«اختبار ممرات جديدة للتعاون مع بايدن حالياً، خصوصاً في المجال السياسي وقبل الانتخابات الرئاسية السورية» نهاية مايو (أيار) المقبل.



مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.


نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.


من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
TT

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

كان حارس المقبرة لطيفاً وودوداً. ولعله ابتهج أن سكان الأضرحة التي يعايشها لم يغرقوا في النسيان الكامل، وأن هناك من لا يزال يزورهم أو يسأل عنهم. طاف بي بين أضرحة «مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية» في بيروت، واستوقفتني أسماء كثيرة، بينها اسم بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، التي قُتلت في انفجار ضرب السفارة العراقية في بيروت، وقد زُيّن ضريحها بأبيات من رثائه الموجع لها.

وتلعب الصدف أحياناً دوراً في تقرير المصائر. ولا غرابة أن تبدأ الحكايات من شرارة غير مقصودة. وسأروي قصة صدفتين.

روى لي حازم جواد، الذي قاد «البعث» العراقي إلى السلطة عام 1963، حكاية ذات دلالات. قال إن فريقاً في قيادة الحزب قرر عام 1959 اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم. تم اختيار الفريق المكلف بالاغتيال، لكن أحد أفراده اعتذر عن المشاركة بعدما كان قد وافق. تحت ضغط الوقت، سألت القيادة مسؤولاً حزبياً إن كان يعرف شاباً بديلاً للمعتذر، فحمل إليهم اسم الشاب صدام حسين. شارك صدام في محاولة الاغتيال الفاشلة، وأصيب بجرح في ساقه. فرّ إلى سوريا، حيث التقى مؤسس الحزب ميشال عفلق الذي وقع في الإعجاب بهذا الشاب، وأعطاه بعد سنوات قليلة فرص الصعود في الآلة الحزبية.

في الفترة نفسها، سمعت من رفاق القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد عن دور لعبته الصدفة. كان حداد يخطط لعملية مطار اللد، التي نُفذت في 30 مايو (أيار) 1972 وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من السياح.

تقول الرواية إن شاباً كان مقرراً أن يشارك في التنفيذ غرق بينما كان يسبح في منطقة الروشة في بيروت. لم تنتبه أجهزة الاستخبارات إلى الحادث وطبيعة دور الغريق، لكن حداد قرر الإسراع بتنفيذ العملية. بحث وديع، مع مجموعة «الجيش الأحمر الياباني»، عن بديل للغريق، فوقع الخيار على كوزو أوكاموتو، «أحمد الياباني»، وفقاً لتسمية «المجال الخارجي» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

غسان شربل بين أضرحة مقبرة الثورة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

استقبل حداد أعضاء الفريق وزودهم بتعليماته بعد تلقيهم تدريبات في بعلبك في البقاع اللبناني. غادروا بيروت إلى محطة أوروبية، ومنها إلى روما، حيث صعدوا إلى طائرة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي.

كان طابع العملية انتحارياً، إذ لم يكن مقدراً أن يبقى أحد من المهاجمين حياً. لعبت الصدفة دورها: قُتل اثنان من المهاجمين، وجُرح أوكاموتو واعتُقل. وسيشعر أوكاموتو بالأسى على مدى سنوات «لأنه لم يتمكن من ترك جثته في تراب فلسطين»، و«لأنه لم يتحول إلى نجمة في السماء على غرار ما حدث لرفيقيه»، وفقاً لمعتقداته اليابانية.

تعرض أوكاموتو في سجنه الإسرائيلي إلى تعذيب غير مسبوق. سُجن مقيّد اليدين في قفص للكلاب. وكان عليه، على مدى سنوات، أن ينتظر عواء كلب ويرد عليه بالعواء كي يأتيه الجندي بالطعام، من دون أن يوجه إليه سؤالاً أو كلمة.

وفي هذا العزل القاتل، فقد الأسير قدرته على استخدام يديه أو التفكير باستخدامهما. ولعله كان يتوقع أن يهرم ويموت في سجنه الإسرائيلي، لكن حدثاً غيّر مسار حياته.

كانت «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»، بزعامة أحمد جبريل، تحتجز ثلاثة جنود إسرائيليين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. خاضت الجبهة في منتصف الثمانينات مفاوضات شاقة غير مباشرة مع إسرائيل، شارك في تسهيلها المستشار النمساوي برونو كرايسكي. خلال تلك المفاوضات التي دامت نحو سنتين، أصر جبريل على أن تشمل عملية التبادل أسماء بارزة تقيم في السجون الإسرائيلية.

نضجت المفاوضات وحان وقت التبادل في 20 مايو (أيار) 1985. شاءت المهنة أن أكون حاضراً. أقلعت طائرتنا من دمشق إلى جنيف حاملة أحد الجنود الإسرائيليين الثلاثة. وبعد نجاح التبادل في جنيف، أقلّتنا الطائرة إلى طرابلس، إذ كان جبريل يريد إهداء النصر أيضاً إلى العقيد معمر القذافي، الذي لم يبخل على جبريل بالدعم على أنواعه.

كان أبرز من أُفرج عنهم بموجب صفقة التبادل الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس»، وزياد النخالة، الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي»، وجبريل الرجوب، القيادي الفلسطيني المعروف. أما الرابع فكان أوكاموتو، الذي بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً في حياته.

بعد إقامة محدودة في ليبيا، توجه أوكاموتو إلى سوريا، وأغلب الظن أنه انتقل سراً إلى لبنان في حدود 1987، وأقام مع رفاق له في منطقة البقاع، طبعاً مع تبديل مكان إقامته من وقت إلى آخر. عام 1997 اعتقلت السلطات اللبنانية في البقاع مجموعة من اليابانيين، وحُكم على أوكاموتو بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى البلاد. أُفرج عن المجموعة عام 2000، لكن عودة أوكاموتو إلى اليابان لم تكن واردة، إذ كان مطلوباً فيها.

نجحت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في إطلاق تحركات احتجاجية بالتعاون مع عدد من الأحزاب والشخصيات، وكان الغرض السماح له بالبقاء في بيروت. كان سليم الحص رئيساً للحكومة، واللواء جميل السيد مديراً للأمن العام، والجنرال إميل لحود رئيساً للجمهورية. وفي خطوة غير مسبوقة، منحت السلطات اللبنانية أوكاموتو صفة «لاجئ سياسي»، مشترطة عليه عدم القيام بأي نشاطات على الأرض اللبنانية.

أخذت «الجبهة الشعبية» على عاتقها حفظ الجميل للمقاتل الياباني، وتحملت نفقات إقامته وتطبيبه وإعادة تأهيله. لم يكن يشارك في أي نشاط علني باستثناء وضع إكليل سنوي على النصب التذكاري لشهداء عملية اللد في مقبرة الشهداء. وكان يجدد العهد لرفيقيه بالتحول إلى نجمة في السماء.

نصب المشاركين اليابانيين في عملية اللد (الشرق الأوسط)

خرج أوكاموتو من سجنه الإسرائيلي مدمراً. كان يشبه «رفات رجل». كان ظهره محنياً ويداه معطلتين، ويأكل مباشرة بفمه من دون استخدام يديه. لم يكن يعرف كيف يستحم أو يصنع القهوة، ولم يجرؤ على إطفاء المصباح.

لم يكن يرغب في استعادة ما حدث في هجوم اللد، ولم يحدثه المهتمون عنه بما يمكن أن يفتح جروحه. تولى أطباء موثوقون مساعدته. ومن 2008 إلى 2021 تولى سميح رزق الاهتمام به، وكان بالنسبة إليه بمثابة «الأب والأخ والصديق والرفيق». بعد وفاة سميح، انتقلت مسؤولية الاهتمام بأوكاموتو إلى فؤاد ضاهر، مسؤول العمل الاجتماعي في «الجبهة الشعبية» في لبنان، والذي ربطته بالياباني علاقة مودة بدأت من أيام سميح.

كان أوكاموتو يحب بحر صور، وكان المهتمون به يأخذونه إلى هناك. استرجع قدراً من العيش شبه الطبيعي. كان يحب تناول الأسماك واللحم والدجاج، ويخطر بباله أحياناً تناول كأس من النبيذ أو قنينة من البيرة. كان أحياناً يطلب سندويتش فلافل أو شاورما. كانت عربيته ركيكة، وإنجليزيته مثلها.

كانت تحركاته لا تُعلن مسبقاً، ولم يشعر المهتمون به بأن إسرائيل حاولت الوصول إليه مجدداً. أميركا أعلنت قبل سنوات عن جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يرشد إلى مقر إقامة أوكاموتو، لكن «الجبهة» لم تبلغ الرجل الذي أقام في سنواته الأخيرة مع عائلة أحبها وأحبته. لم يتزوج، ولم تكن له صديقة، ولم يكن مهتماً بهذا الأمر. لم يحاول أحد من عائلته في اليابان زيارته أو مراسلته.

فؤاد ضاهر الذي رافق أوكاموتو في سنواته الأخيرة يتحدث إلى غسان شربل (الشرق الأوسط)

يقول فؤاد ضاهر: «أوكاموتو جزء من حالة. زرت أمس مقابر شهداء الثورة الفلسطينية، وقلت لشخص التقيته هناك إن المقبرة تعبر عن أممية القضية الفلسطينية التي تضم جنسيات وأدياناً مختلفة. فيها الياباني والفرنسي والتركي والإيطالي والإيراني والعراقي. إذا ذهبت إلى حارس المقبرة يطلعك عليهم. ضريح كمال ناصر المسيحي يجاور ضريح محمد يوسف النجار وكمال عدوان».

في يوليو (تموز) الماضي، تدهورت صحة أوكاموتو، وفي 23 منه توفي في «مستشفى الرسول الأعظم».

أثارتني قصة أوكاموتو، فقلت أزور مقبرة الشهداء. جلت بين أضرحة كثيرة، بينها أضرحة غسان كنفاني وأبو حسن سلامة وكمال ناصر وبلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، وشاهدت أضرحة «الشهداء الأجانب».

الصدفة تلعب دورها. لم أخطط للكتابة عن أوكاموتو. زرت مخيم مار إلياس في بيروت لجس نبض الناس عشية إطفاء «طوفان السنوار» شمعته الثالثة. عاينت بؤس الإقامة في المخيم، لكنني لمحت على الجدار صورة أوكاموتو، فذهبت القصة في اتجاه آخر.

ضريح غسان كنفاني (الشرق الأوسط)

أخذني الحارس إلى ضريح غسان كنفاني، عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لاغتياله علاقة مباشرة بهجوم مطار اللد وما فعله أوكاموتو ورفيقاه. كان الناطق الرسمي باسم «الجبهة» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

روى لي رفاق وديع حداد أنهم قلقوا على سلامة كنفاني. نصحوه بتغيير مقر إقامته وسيارته، لكنه لم يتجاوب «فقد خشي أن يُتهم بالتصرف كبرجوازي». لم تتأخر يد «الموساد» في الوصول إليه. في 8 يوليو (تموز) 1972 انفجرت قنبلة في سيارته وقتلت معه لميس نجم (17 عاماً)، ابنة شقيقته. قفزت إلى ذاكرتي عناوين بعض رواياته: «أم سعد» و«رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا».

في هذا المكان الهادئ يقيم رجل صاخب اسمه أبو حسن سلامة. ابن عائلة ثرية اقتدى بتجربة والده في التصدي للاحتلال. عاشق للنضال والعيش والنساء والسهر، وانشغلت بيروت طويلاً بزواجه من ملكة جمال لبنان والعالم جورجينا رزق. أسس الجهاز العسكري الذي سمي «القوة 17»، المكلفة بحماية ياسر عرفات. كان قريباً من مكتب القائد وقلبه.

ضريح علي حسن سلامة في مقبرة الثورة (الشرق الأوسط)

شارك أبو حسن سلامة في الإشراف على عمليات خارجية طالت مصالح إسرائيلية. اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في بيروت في 22 يناير (كانون الثاني) 1979 بعد مطاردة طويلة. نُسجت حول دور «الأمير الأحمر» روايات كثيرة، بينها أنه اغتيل بسبب علاقته بالهجوم على الفريق الإسرائيلي في الدورة الأولمبية في ميونيخ عام 1972. والحقيقة هي أنه لم تكن له أي علاقة، لا بطرح الفكرة ولا بالتنفيذ، وفقاً لما أكده لي محمد عودة (أبو داود)، الذي أدخل المهاجمين إلى القرية الأولمبية ومعهم الأسلحة التي أحضرها صلاح خلف (أبو إياد) شخصياً إلى ميونيخ. وثمة من يعتقد أن سلامة، الذي نجح أحد أعضاء «الموساد» في الاقتراب منه، اغتيل «بسبب نجاحه في فتح خط مع الـ(سي آي ايه) وهو ما أثار قلقاً شديداً لدى إسرائيل».

مررنا أيضاً بضريح القيادي والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار الذي فخّخ «الموساد» سريره في أحد فنادق روما، حيث كان يشارك إلى جانب الشاعر الكبير محمود درويش في مؤتمر للتضامن مع الشعب الفلسطيني. عادت إلى ذاكرتي قصيدة محمود «صباح الخير يا ماجد»، التي استهلها قائلاً: «قُمْ، اقرأ سورة العائد، وحثّ السير إلى بلد فقدناه بحادث سير».

قال الحارس إن الجنسيات تتجاور في المقبرة، وكذلك الأديان. وأشار إلى أن كمال ناصر، القيادي الفلسطيني المسيحي، ينام في المقبرة إلى جانب كمال عدوان وأبو يوسف النجار. وكان كمال ناصر، الشاعر، قد «غار» من جنازة غسان كنفاني قائلاً: «يا سلام، هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد».

اغتيل ناصر وعدوان والنجار في 10 أبريل (نيسان) 1973، في ما عُرف بـ«عملية فردان» التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً في بيروت. وفي تلك الليلة شارك في الاغتيال الثلاثي ضابط إسرائيلي تنكر في ثياب امرأة اسمه إيهود باراك، وسيتولى لاحقاً منصب رئيس الوزراء.

ضريح آخر لا يقل إيلاماً. في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1981 اقتحمت سيارة مفخخة مبنى السفارة العراقية في بيروت. كان بين الضحايا الدبلوماسية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني. وقد زُيّن الضريح بمقطع من قصيدة للشاعر جاء فيه:

بلقيس...

يا عطراً بذاكرتي

يا زوجتي... وحبيبتي... وقصيدتي

نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل...

والأنوثة مستحيلة

أبيات نزار قباني على شاهد قبر بلقيس (الشرق الأوسط)

لا يريد الحارس صورة أو كلاماً. قال: «أنا مجرد ناطور، والقصة هي عند سكان الأضرحة». سألته من يوفر له راتبه، فأجاب إنها حركة «فتح».

تذكرت في طريق العودة محمود درويش العصي على النسيان. تذكرت أيضاً ياسر عرفات، الذي كان يحلم بقبر في فلسطين حرة. رجعت مثقلاً بـ«طوفان الأضرحة».