مَن يحكم تونس اليوم؟

مظاهرات عمّقت خلافات «ساكن قرطاج» مع الحكومة والبرلمان

مَن يحكم تونس اليوم؟
TT

مَن يحكم تونس اليوم؟

مَن يحكم تونس اليوم؟

تزامن تصعيد الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية في تونس مع دخول سفراء الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا «على الخط»، ضمن «الوسطاء» المحليين والأجانب الذين يحاولون احتواء أزمة الثقة أولاً بين الرئيس التونسي قيس سعيّد ورئيس الحكومة هشام المشيشي، وثانياً بين قصر رئاسة الجمهورية والبرلمان. إلا أن الأزمة السياسية في أعلى هرم السلطة تزداد تعقيداً رغم تحذيرات صندوق النقد الدولي ومؤسسات ائتمان دولية من سيناريوهات «إفلاس الدولة»، ومن المضاعفات الخطيرة لجائحة «كوفيد - 19» اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً؛ سواءً بسبب الجائحة أو «القطيعة بين أركان الدولة».
في هذه الأثناء، يتساءل الرأي العام الشعبي والمراقبون الأجانب عمّن يحكم تونس اليوم... وما انعكاسات الأزمة الحالية على المشهد السياسي الوطني وعلى مستقبل البلاد وعلاقاتها بشركائها الاستراتيجيين في أوروبا وأميركا وشمال أفريقيا؟

تكشف التصريحات التي صدرت أخيراً في تونس عن قيادات الأحزاب ونقابات العمال ورجال الأعمال، بجانب كبار المسؤولين في الدولة والمجتمع المدني، اختلافاً واضحاً في تشخيص الأزمة الحالية وأسبابها وخطورتها، وكذلك، في وصفة العلاج وفي اقتراح الحلول ومشاريع الإصلاح والتغيير.
وفي حين يقلل الرئيس قيس سعيّد وأنصاره من خطورة الجوانب الاقتصادية للأزمة التي تمرّ بها البلاد، ويُبرزون مظاهرها السياسية وأخطاء الحكومة والبرلمان، أطلق عدد من الخبراء والسياسيين صيحات فزع وحمّلوا فيها مسؤولية «شل عمل الحكومة» إلى الرئيس وعدد من مُستشاري رئاسة الجمهورية الذين دخلوا في خلاف علني مع حكومة هشام المشيشي والغالبية البرلمانية التي تدعمها. وشبّه سعيّد هذه الأغلبية مجدداً بـ«عصابة لصوص»، واتهم قيادتها بـ«النفاق» و«الفساد» منذ تحالفها مع منافسه في انتخابات 2019؛ رجل الأعمال نبيل القروي، وحزبه «قلب تونس».
- «ما قبل الكارثة»
يتصدر الذين أطلقوا صيحات فزع في وسائل الإعلام الوطنية والعالمية حول الأبعاد السياسية والأمنية والاجتماعية للأزمة، في بعديها المالي والاقتصادي، عدد من الجامعيين والوزراء السابقين لشؤون الاقتصادية والمالية والمديرين العامين للبنوك. وفي هذا السياق، حذّر الوزيران السابقان محسن حسن وحكيم بن حمودة، في تصريحين لـ«الشرق الأوسط»، من المضاعفات السلبية المرتقبة للتقرير الذي صدر أخيراً عن مؤسسة الائتمان الدولية «موديز» وفيه خفضت «الترقيم السيادي لتونس من ب2 (B2) إلى ب3 (B3)». كذلك حذر السلطات التونسية من الإفلاس وطالبها بإصلاحات عاجلة و«موجعة» لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية ولأوضاع المؤسسات العمومية المفلسة في قطاعات النقل والفوسفات والمحروقات والتأمين. وتزامن هذا التحذير من الإفلاس مع تقارير سلبية جديدة صدرت عن صندوق النقد الدولي، ربطت بدورها بين الصعوبات الاقتصادية والمالية و«الأزمة السياسية والحكومية الطويلة التي تمر بها البلاد وغياب الحوكمة الرشيدة».
هذه التقارير والتصنيفات توشك أن تحرم الحكومة من فرصة الحصول على تمويلات عاجلة تستحقها لتغطية عجز في موازنتها للعام الحالي يناهز الـ40 في المائة، حسب الخبير الاقتصادي الدولي ووزير التجارة السابق محسن حسن. بينما اعتبر الوزير السابق والخبير المالي الدولي حكيم بن حمودة في تصريحه أن تصنيف «موديز» غير المسبوق هو «آخر إنذار قبل الهاوية، وقبل الانهيار الشامل».
وفي السياق نفسه، قال البرلماني ووزير المالية الأسبق سليم بسباس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا «التصنيف الدولي خطير العواقب» لأنه لم يكتفِ بالتحذير من الأبعاد السياسية والاجتماعية للأزمة الاقتصادية الخطيرة التي تمرّ بها البلاد، بل حذّر أيضاً من تطور الأوضاع «نحو الأسوأ في الأسابيع والأشهر القادمة... مع ما يعنيه ذلك من عجز الدولة التونسية عن الإيفاء بالتزاماتها المالية والاقتصادية وطنياً ودولياً... وعجزها كذلك عن احترام تعهداتها المالية لنقابات العمال ورجال الأعمال ولقيادات حركات العاطلين عن العمل»، الذين يلوّحون بتصعيد موجة الإضرابات والاعتصامات، وبتعطيل مؤسسات الإنتاج الكبرى بما فيها شركات الفوسفات والمحروقات.
- أزمة اجتماعية غير مسبوقة
في الوقت نفسه، كشف محمد الطرابلسي، وزير الشؤون الاجتماعية والزعيم النقابي اليساري السابق، لـ«الشرق الأوسط» أن الدراسة الشاملة الجديدة التي أصدرها «المعهد الوطني للإحصاء في تونس» بيّنت أن نحو 50 ألف عامل في القطاع المنظم أحيلوا على البطالة خلال الأشهر الماضية بسبب مضاعفات «كوفيد - 19». وأن نحو ثلثي العاملين في قطاعات السياحة والصناعات التقليدية والمقاهي والمطاعم والنقل قد أُحيلوا على البطالة الفنية خلال الأشهر الماضية. ويُقدر هؤلاء بأكثر من نصف مليون عامل وعاملة.
وبين ما يزيد الوضع الاجتماعي خطورة، حسب الطرابلسي، أن نحو ثلثي عمال قطاعات استراتيجية كالسياحة والفلاحة لا يتمتعون بتأمينات اجتماعية دائمة، ويمضون نحو نصف العام في «بطالة فنية» منذ سنوات. ثم ازدادت أوضاعهم سوءا بعد أزمة الجائحة، رغم المساعدات المالية «الرمزية» التي تقدمها لهم الدولة منذ سنة، والتي كلّفت الحكومة أعباء مالية إضافية ناهزت المليار دولار أميركي. وفي هذه الأثناء، قدّر خبراء جامعيون في الاقتصاد أن عدد العاطلين عن العمل بصفة دائمة ارتفع من نحو 600 ألف قبل انتخابات 2019 إلى نحو المليون، غالبيتهم من الشباب.
- الاحتجاجات الشبابية
هذه المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخطيرة استفزّت عدداً من زعامات الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، وتسببت في تنظيم مزيد من الاضطرابات والتحركات الاحتجاجية الشبابية، السلمية حيناً والعنيفة حيناً آخر. كما أطلق كبار المعارضين، بينهم المحامي المخضرم أحمد نجيب الشابي، زعيم المعارضة القانونية في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، تحذيرات إلى رأسي السلطة التنفيذية في قصري رئاسة الجمهورية والحكومة وإلى رئيس البرلمان... واتهمهم بـ«الفشل السياسي»، وحمّلهم مسؤولية «الانفجار الاجتماعي والاحتجاجات الاجتماعية العنيفة».
أيضاً، حمّل حمّة الهمامي، زعيم الحزب العمالي الشيوعي، كذلك إلى قيادات الحزب الحاكم قبل 2011، وإلى رئاسة حزب «حركة النهضة» وشركائه في السلطة منذ 10 سنوات، وإلى البرلمان، «مسؤولية الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخطيرة التي تمر بها البلاد». وطالب الهمامي بإسقاط الحكومة و«كامل المنظومة الحاكمة» استجابة لطلبات «الشباب الثائر على البطالة والفقر» خلال تحركاته الاحتجاجية التي انطلقت منذ أسابيع.
- مَن يحكم البلاد؟
لكن قيادات الأحزاب البرلمانية التي منحت الثقة لحكومة هشام المشيشي، بغالبية ناهزت الثلثين، يوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي، تحمّل من جانبها مسؤولية الأزمة لجائحة «كوفيد - 19» وبعض «الأحزاب اليسارية والقومية المعارضة» المتحالفة مع الرئيس قيس سعيّد في معركته مع رئيس الحكومة وبعض وزرائه؛ إذ حمّل أسامة الخليفي، رئيس كتلة حزب «قلب تونس» في البرلمان ورفاقه، رئيس الجمهورية والمقربين منه مسؤولية استفحال الأزمة منذ انتخابات 2019. واتهم البرلماني المستقل والإعلامي الصافي سعيد مَن وصفه بـ«ساكن قصر قرطاج» (أي الرئيس) بتعطيل عمل الحكومة والبرلمان ومؤسسات وزارات الخارجية والتعاون الدولي... «التي يُفترض أن توفر تمويلات إلى تونس من شركائها العرب والأوروبيين والأميركيين».
في المقابل، تابع الرئيس سعيّد توجيه اتهامات خطيرة إلى الغالبية البرلمانية وقيادة «النهضة» والأحزاب السياسية، ووصفها خلال اجتماعات مع رئيس الهيئة العليا لمكافحة الفساد القاضي عماد بوخريص بـ«اللصوصية» و«إهدار الأموال» و«الفشل». ومن ثم، حمّلها مسؤولية الاضطراب الاستقرار السياسي والحكومي منذ انتخابات الخريف الماضي، وطالب القضاء بفتح ملفات تمويلها ونفقاتها في انتخابات 2019. وعلى الأثر، رد قياديون من «الغالبية البرلمانية» على سعيّد باتهامه بعدم احترام الدستور لرفضه دعوة الوزراء الـ11 الذين صادق عليهم ثلثا البرلمان يوم 26 يناير الماضي، لأداء اليمين وممارسة مهامهم.
وهنا، بينما اعتبر عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية الأسبق عياض بن عاشور، ونحو 20 خبيراً في القانون الدستوري، أن رئيس الجمهورية «ليس له سلطة تقديرية تسمح له بعدم احترام قرار البرلمان ورئيس الحكومة بشأن التعديل الحكومي»، يقول سعيّد ومقربون منه إن «الدستور لا يُجبر رئيس الجمهورية على إصدار قرار بتعيين الوزراء الجدد إذا كان مقتنعاً بأن بعضهم متهم بالفساد... وأن رئيس الحكومة لم يحترم كل الإجراءات الدستورية والقانونية».
- انقلاب على الدستور
هذه الخلافات تسببت في تبادل مزيد من الاتهامات بين أنصار سعيّد وخصومه، وفي مقدمهم رئيسا الحكومة هشام المشيشي والبرلمان راشد الغنوشي. وانخرط حلفاء الطرفين في «المعارك» عبر وسائل الإعلام والمظاهرات السياسية والنقابية، ما أدى إلى تعطيل «مبادرة الحوار الوطني» التي سبق أن دعا إليها نور الدين الطبوبي، أمين عام اتحاد نقابات العمال، والرئيس سعيّد، وزهير المغزاوي وغازي الشواشي زعيما «الكتلة الديمقراطية» المعارضة في البرلمان.
وفي ظل ما وصفه عالم الاجتماع السياسي أيمن البوغانمي بـ«انتصار السياسيين الشعبويين»، تفاقم ضعف الدولة بمختلف مؤسساتها. وانتقل الصراع إلى الشارع، فتعاقب تنظيم المسيرات والمظاهرات «في محاولة من كل طرف لإثبات شعبيته»، على حد تعبير خبير العلوم السياسية والأمن الشامل هيكل بن محفوظ.
كذلك، اتهم بعض زعماء الكتل البرلمانية المساندة لرئيس الحكومة المشيشي الرئيس سعيّد بالانقلاب على الدستور. ولوّح برلمانيون، بينهم القيادي في حزب «قلب تونس» عياض اللومي، وزعيم كتلة «ائتلاف الكرامة» سيف الدين مخلوف، بإعداد «عريضة سحب ثقة من الرئيس سعيّد وعزله من قبل البرلمان، ومحاكمته بتهمة الانقلاب على الدستور».
وفي المقابل، تحرك نواب من المعارضة بزعامة المحامية عبير موسي، زعيمة الحزب الدستوري الحر، ومعها نواب حزبي «الشعب» و«التيار الديمقراطي»، مصدرين لائحة جديدة لمحاولة سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي. بينما، داخل الأحزاب اليسارية الراديكالية كحزب العمال الشيوعي وحزب الوطنيين الديمقراطيين، تعاقبت الدعوات لإسقاط حكومة المشيشي. وطالب رئيس «رابطة حقوق الإنسان» جمال مسلم وقياديون في نقابات العمال، أيضاً، رئيس الحكومة بالاستقالة، بعد وصول علاقته برئيس الجمهورية - الذي عينه على رأس الحكومة في الصيف الماضي - إلى «مأزق» تحول لاحقاً إلى نوع من «القطيعة والفتور الشامل».
- وسطاء... وانتقادات
غير أن هذه المطالبات بإقالة رئيس الحكومة قوبلت بالرفض من قبل «الحزام السياسي» الذي يدعمه في البرلمان ويضم 5 كتل تتحكم في نحو ثلثي النواب. بل نقل حزب «حركة النهضة» المعركة إلى الشارع، فنظّم مسيرة كبرى يوم 27 فبراير (شباط) وسط العاصمة تونس تحت شعار «احترام الدستور ودعم الشرعية والمؤسسات المنتخبة».
وردّ الرئيس سعيّد ومقربون منه على هذه المسيرة بانتقاد قيادة «النهضة»، دون تسميتها، واتهموها بالفساد المالي وإهدار أموال طائلة في تنظيمها. ووجهت اتهامات مماثلة لقيادة «النهضة» من برلمانيين وقياديين في عدة أحزاب، بينهم الوزير السابق مبروك كورشيد، والأمين العام لـ«حزب الشعب» زهير المغزاوي، ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي. وقال قياديون من «النهضة» عن مسيرتهم السبت الماضي إن شعارها المركزي كان «الدعوة إلى حوار وطني شامل وإلى احترام الدستور والمؤسسات المنتخبة»، اتهمهم خصومهم اليساريون، ومن الحزب الدستوري بـ«دفع البلاد نحو الفوضى» من خلال استعراض قوتهم ودعوة عشرات الآلاف من أنصارهم إلى التظاهر لـ«تخويف الشعب وصناع القرار». ومن ثم، دعا النائب اليساري منجي الرحوي المعارضة والأحزاب اليسارية إلى التظاهر في الشارع بدورهم رداً على مسيرة «النهضة». واختارت صحيفة «الشارع المغاربي»، المحسوبة على المعارضة الراديكالية، عنواناً كبيراً في تغطيتها للمظاهرة جاء فيه «النهضة تبارك خراب تونس»، وانتقدت تنويه غالبية وسائل الإعلام التونسية بكون «النهضة» قد برهنت من خلال هذه المسيرة الضخمة أنها أصبحت رقماً صعباً في الساحة السياسية التونسية الجديدة».
- انتخابات سابقة لأوانها
عند هذه المحطة يتساءل المراقبون: هل تعني هذه الأزمة السياسية الاجتماعية الاقتصادية دخول البلاد نفقاً غير مأمون العواقب، أم ينجح قادة المجتمع المدني وصناع القرار في احتوائها؟ في رد عملي، دعت أطراف سياسية وحزبية وبرلمانية عديدة، مجدداً، إلى «حوار سياسي وطني» يؤدي إلى إذابة الجليد بين رأسي السلطة التنفيذية من ناحية، وبين رئيس الجمهورية والبرلمان من ناحية أخرى.
وفي هذا السياق، عُقِد قبل أيام اجتماع «تشاوري» ثلاثي في مقر نقابة رجال الأعمال؛ بين أمين عام اتحاد نقابات العمال نور الدين الطبوبي، ورئيس اتحاد رجال الأعمال سمير ماجول، ورئيس البرلمان راشد الغنوشي. كذلك، عقد زعماء 9 أحزاب ليبرالية ويسارية وعدد من الوزراء في عهد الرئيس السابق الباجي قائد السبسي اجتماعاً موسعاً تمهيداً للإعلان عن مبادرة سياسية قد تؤدي إلى الدعوة إلى تنظيم انتخابات سابقة لأوانها.
وبموازاة ذلك، كثف الرئيس قيس سعيّد من جهة، ورئيسا الحكومة هشام المشيشي والبرلمان راشد الغنوشي من جهة ثانية، اجتماعاتهم مع نقابات المحامين والقضاة والصحافيين والسفراء الغربيين، وخصوصاً مع سفير الولايات المتحدة وسفراء دول الاتحاد الأوروبي.
وأجرى المشيشي مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف شملت تطوير الشراكة بين البلدين.
إزاء هذا الاتجاه نحو «تدويل الأزمة التونسية» وسط تنافس أميركي - روسي - أوروبي، تؤكد كل الأطراف في الحكم والمعارضة على «السيادة الوطنية» وعلى «استقلالية القرار السياسي» في تونس، لكن ما يلفت الانتباه تزامن الأزمة الداخلية مع تكثيف التحركات الأجنبية داخل العاصمة التونسية؛ إذ أعلنت السفارة الأميركية في تونس رسمياً عن استقبال وفد عسكري أميركي رفيع يرأسه القائد العام للجيش الأميركي في أوروبا وأفريقيا الجنرال كريستوفر كافولي ونائبه الجنرال أندرو روهلينغ، وأعلن أن من بين مهام الوفد الأميركي بحث «التنسيق الأمني الثنائي» مع المسؤولين التونسيين. أيضاً، عقد السفير الأميركي لدى تونس دونالد بلوم وعدد من مستشاريه جلستي عمل رسميتين مع رئيسي الحكومة والبرلمان في مكتبيهما بحضور عدد من مستشاريهما.
وفي المقابل، عقد الرئيس قيس سعيّد اجتماعاً مع سفراء دول الاتحاد الأوروبي لدى تونس. وتوالت جلسات العمل بين سفراء ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وروسيا مع رئيسي البرلمان والحكومة ومع قيادات عدة أحزاب من الائتلاف البرلماني الحكومي ومن المعارضة.
وتكشف التصريحات التي صدرت بعد كل هذه الاجتماعات عن وجود «إرادة دولية لدعم الانتقال الديمقراطي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في تونس»، وعلى مساعدتها لمحاربة مخاطر (كوفيد - 19) صحياً واقتصادياً. وفي الوقت نفسه، طالبت الوفود الأجنبية أركان الحكم التونسي بـ(الحوار السياسي) و(التوافق) وتجنيب البلاد سيناريوهات الفوضى في مرحلة تضاعفت فيها بشائر التسوية السياسية السلمية في ليبيا».


مقالات ذات صلة

أندي بيرنهام يتعهد رسم «مسار جديد» لبريطانيا

أوروبا أندي بيرنهام عقب تسلّمه زعامة حزب العمال في لندن، أمس (إ.ب.أ)

أندي بيرنهام يتعهد رسم «مسار جديد» لبريطانيا

تعهّد أندي بيرنهام رسم «مسار جديد» لبريطانيا، لدى تثبيته زعيماً لحزب «العمال» الحاكم، ورئيساً قادماً للحكومة، خلال مؤتمر استثنائي عقده الحزب في لندن، أمس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)

هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

لم تعُد المواجهة الأميركية - الإيرانية الجديدة تُقاس بعدد الضربات أو بحجم الحشود البحرية عند مضيق هرمز فحسب. فالحصار الذي أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرضه على الموانئ الإيرانية فتح سلسلة أوسع من الاختبارات السياسية والأمنية، تمتد من سوق النفط والشارع الانتخابي الأميركي، إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، وصولاً إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبغداد خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض. في هذه الساحات المتداخلة، لا يدور الصراع حول القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً حول الوقت والكلفة والقدرة على تحويل الضغط إلى مكسب سياسي. وهنا تسعى واشنطن إلى نتائج ملموسة قبل أن ينتقل ثمن التصعيد إلى الناخب الأميركي، بينما تراهن طهران على إبقاء هرمز في منطقة الخطر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وسط محاولات حكومتي لبنان والعراق استثمار لحظة انكفاء النفوذ الإيراني لانتزاع مساحة أوسع من القرار السيادي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع آندي بيرنهام

آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

يتأهب آندي بيرنهام لخلافة كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، الاثنين المقبل، بعد مسار سياسي بدا في أسابيعه الأخيرة خاطفاً، وإن كان في حقيقته ثمرة نحو ربع قرن أمضاها الرجل بين البرلمان والحكومة والمعارضة، قبل أن يعيد بناء حضوره السياسي بعيداً عن لندن ومنصب عمدة «مانشستر الكبرى»؛ إذ لم تمضِ سوى أسابيع على عودة بيرنهام (56 سنة) إلى مجلس العموم، حتى فُتحت أمامه أبواب «10 داونينغ ستريت». وبات في طريقه لتسلّم زعامة حزب العمال ثم رئاسة الحكومة، الاثنين، بعدما حصد دعم 349 نائباً عمالياً، ما جعل من المتعذر على أي منافس بلوغ العتبة اللازمة لخوض السباق ضده.

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع تراس (آ ف ب)

«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

بينما يعدّ آندي بيرنهام لأن يصبح سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عشر سنوات، تثير وتيرة تعاقب رؤساء الوزراء غير المسبوقة في بريطانيا تساؤلات واسعة، لا سيما.

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع الرئيس الأثيوبي آبي احمد يلقي كلمته (وكالة الأنباء الأثيوبية)

إثيوبيا أمام اختبار «الحوار الوطني»... بعد اجتياز تحدّي الانتخابات

بعد «ماراثون» انتخابي في إثيوبيا، خلال يونيو (حزيران) الماضي، عزّز استمرار «حزب الازدهار» الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، شهدت العاصمة أديس أبابا انطلاقة «حوار وطني» غير مسبوق منذ تأسيس الفيدرالية عام 1991 لإنهاء «مظالم تاريخية بالبلاد». هذا الحوار، الذي يواجه تحدّيات أبرزها غياب مناهضي آبي أحمد، لا سيما من قادة إقليم تيغراي، يُعدّ وفق خبراء ومحللين حاورتهم «الشرق الأوسط»، بمثابة اختبار جدّي للدولة الإثيوبية ورئيس الوزراء لجهة دعم استقرار البلاد، وذلك في أعقاب انتزاع الحزب الحاكم الغالبية الكاسحة بالبرلمان التي عزّزت وضعه إثر انتخابات الشهر الماضي.

محمد الريس (القاهرة)

هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
TT

هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)

لم تعُد المواجهة الأميركية - الإيرانية الجديدة تُقاس بعدد الضربات أو بحجم الحشود البحرية عند مضيق هرمز فحسب. فالحصار الذي أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرضه على الموانئ الإيرانية فتح سلسلة أوسع من الاختبارات السياسية والأمنية، تمتد من سوق النفط والشارع الانتخابي الأميركي، إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، وصولاً إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبغداد خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض. في هذه الساحات المتداخلة، لا يدور الصراع حول القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً حول الوقت والكلفة والقدرة على تحويل الضغط إلى مكسب سياسي. وهنا تسعى واشنطن إلى نتائج ملموسة قبل أن ينتقل ثمن التصعيد إلى الناخب الأميركي، بينما تراهن طهران على إبقاء هرمز في منطقة الخطر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وسط محاولات حكومتي لبنان والعراق استثمار لحظة انكفاء النفوذ الإيراني لانتزاع مساحة أوسع من القرار السيادي.

أعادت الولايات المتحدة هذا الأسبوع فرض الحصار على الموانئ والسفن الإيرانية، بالتزامن مع توسيع الضربات ضد مواقع الرادارات والدفاعات الساحلية ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستخدمها إيران لتهديد الملاحة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن أكثر من عشرين سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية تعمل في المنطقة، بينما أعلن ترمب أن «المضيق مفتوح أمام السفن غير الإيرانية». غير أن التجربة الميدانية تشير إلى أن إصابة ناقلة واحدة، أو حتى ارتفاع كلفة التأمين، يكفيان لإبطاء الحركة التجارية من دون حاجة إلى إغلاق كامل للممر البحري.

المعضلة الأميركية أن حماية السفن وفرض الحصار مهمتان تتزاحمان على الموارد نفسها. فالمدمّرات المزودة بصواريخ موجهة تستطيع مرافقة الناقلات واعتراض الصواريخ الإيرانية، لكنها مطلوبة أيضاً في خليج عُمان لمنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها. وخلال الشهرين الماضيين، قالت القوات الأميركية إنها ساعدت أكثر من 800 سفينة على عبور المضيق، لكن الهجمات الإيرانية الأخيرة أظهرت أن الصواريخ الساحلية التي تطلق من مسافات قريبة قد تصل قبل اعتراضها. وهذا يجعل السيطرة الأميركية مكلفة وغير مكتملة، ويمنح طهران قدرة تعطيل تفوق وزنها البحري التقليدي.

الإمساك بمفاتيح هرمز

في المقابل، لا تحتاج إيران إلى إغراق عشرات الناقلات كي تثبت أنها ما زالت تمسك بجزء من «مفاتيح» هرمز، بل يكفي أن تُبقي شركات الشحن والتأمين في حالة خوف، وأن تجعل الطريق الجنوبي بمحاذاة عُمان غير مضمون تماماً. ولقد اتهمت واشنطن «الحرس الثوري» بمهاجمة سبع سفن تجارية خلال أسبوع، بينما هددت طهران بوقف صادرات الطاقة في المنطقة إذا مُنعت تجارتها من المرور. وبذا تحاول إيران تحويل الحصار الموجّه ضد اقتصادها إلى أزمة جماعية تصيب منتجي المنطقة والمستهلكين في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة مقابلة. ووفق موقع «أكسيوس» ووكالة «رويترز»، يدرس ترمب توسيع «بنك» الأهداف ليشمل محطات الكهرباء والجسور ومواقع استراتيجية أعمق إذا رفضت إيران العودة إلى التفاوض. ولقد بدأت الضربات بالفعل تتجاوز الشريط الساحلي، فيما يستمر استهداف منشآت مدنية مزدوجة الاستخدام، أو مواقع محصّنة في العمق كـ«جبل الفأس»، انتقالاً إلى مستوى مختلف من الحرب، ما قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية على قواعد أميركية أو منشآت طاقة في دول المنطقة وإسرائيل. ولذا يحاول الطرفان البقاء تحت سقف يصعب ضبطه: قتال مؤلم بما يكفي للضغط، لكنّه ليس واسعاً إلى درجة إسقاط كل فرص التسوية.

النفط وصناديق الاقتراع

الساعة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى ترمب ليست عسكرية فقط، بل انتخابية. فانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل تضع حداً زمنياً واضحاً أمام البيت الأبيض. وارتفع سعر خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل بعد انهيار التهدئة، فيما بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.84 دولار للغالون. وهنا يرى محللون أن السعر قد يتجاوز 4 دولارات خلال أيام إذا استمرت اضطرابات هرمز، وهو مستوى يسهل أن يتحوّل إلى قضية انتخابية يومية.

هذه الأرقام تفسّر جانباً من مقامرة طهران؛ فالقيادة الإيرانية تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات، لكنها تراهن على أن الألم السياسي في الولايات المتحدة قد يتصاعد أسرع من الانهيار الاقتصادي داخل إيران. ووفق تحليل لصحيفة «وول ستريت جورنال»، يعتقد كل طرف أن بإمكانه إبقاء المواجهة منخفضة الوتيرة حتى يرضخ الآخر: ترمب يريد فتح المضيق وانتزاع تنازلات نووية قبل الانتخابات، وطهران تريد الصمود حتى يتحوّل ارتفاع الوقود والتضخم إلى عبء يومي على الجمهوريين.

غير أن الرهان الإيراني ليس مضموناً؛ إذ أظهرت الأشهر الأولى من الحرب أن واشنطن قادرة، ولو جزئياً، على فتح مسارات ملاحية وتأمين عبور مئات السفن. كما أن الحصار المتجدّد يهدد بتجفيف إيرادات النفط التي تحتاج إليها طهران لإعادة بناء الصواريخ والدفاعات الجوية. وفي الوقت نفسه، قد يختار ترمب التصعيد بدلاً من التراجع إذا شعر بأن استمرار الاشتباك حتى نوفمبر سيبدو هزيمة سياسية له. وهنا تتحول الانتخابات من قيد على الرئيس إلى حافز لطلب «نصر واضح»، ما يجعل الأسابيع المقبلة أكثر خطورة.

ومع أن البيت الأبيض يراهن على «احتواء» الصدمة النفطية عبر زيادة الصادرات من خارج إيران، وتوسيع استخدام المسارات البديلة، وإشراك الحلفاء في حماية الملاحة، فإنه في المقابل لا يملك أي ضمانة بأن السوق ستنتظر.

إذ أظهرت بيانات تتبّع السفن أن معظم العابرين قبيل بدء الحصار الجديد كانوا مرتبطين بالتجارة الإيرانية، بينما غابت تقريباً ناقلات التحميل من منتجي المنطقة الآخرين. وبالتالي، إذا طال الاضطراب، فلن يبقى أثره في محطات الوقود وحدها، بل سيمتد إلى النقل والسلع والتضخّم وأسعار الفائدة، في حين كان ترمب يأمل باستخدام تراجع الأسعار دليلاً على نجاحه الاقتصادي. ومع ذلك، يستطيع ترمب إصدار أوامر تنفيذية تسمح لإدارته بتقديم مساعدات مالية للعائلات الأميركية للتعويض عن ارتفاع الأسعار، كما جرى خلال جائحة «كوفيد - 19».

حسابات جبهة لبنان

بالتوازي مع التصعيد في الخليج، استضافت روما جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بوساطة أميركية لتنفيذ «الاتفاق الإطاري» الذي جرى التوصل إليه في واشنطن يوم 26 يونيو (حزيران). وتتركّز المباحثات على منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان: بتفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة، ونشر الجيش اللبناني، ثم بدء انسحاب إسرائيلي تدريجي. ووصف مسؤول أميركي المباحثات بأنها إيجابية، لكنه أقرّ ضمنياً بأن التقدّم سيكون بطيئاً؛ إذ تتمسّك بيروت ببدء الانسحاب الإسرائيلي كي تتمكن الدولة من إثبات جدوى المسار، بينما تعلن إسرائيل أنها لن تنسحب ما دام «حزب الله» يحتفظ بسلاحه.

هذا الخلاف ليس إجرائياً فقط، بل يتعلّق بمَن سيبدأ الخطوة التي لا يمكن التراجع عنها. لبنان يخشى أن ينفذ التزاماته الأمنية ثم يبقى الوجود العسكري الإسرائيلي قائماً، فتظهر الدولة عاجزة أمام جمهورها، ويستعيد «حزب الله» مبرّر السلاح. أما إسرائيل فتخشى أن تنسحب أولاً ثم يعيد الحزب بناء مواقعه جنوبي الليطاني أو يتسلّل إلى المناطق التي يتسلمها الجيش. ولهذا تحاول واشنطن و«سنتكوم» بناء نموذج محدود يمكن التحقق منه ميدانياً قبل تعميمه، مع مراقبة انتشار الجيش وتفكيك المواقع وانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل متزامنة.

بالنسبة إلى إيران، سيكون نجاح هذا النموذج أخطر من خسارة موقع عسكري منفرد. فـ«حزب الله» كان طوال عقود أكثر أذرعها الإقليمية تنظيماً وقدرة على الردع، و«الجسر» الذي يربط النفوذ الإيراني بالساحة المتوسطية. وبالتالي، حصر سلاحه تدريجياً بيد الدولة اللبنانية لا يعني فقط إضعاف الجبهة الإسرائيلية الشمالية، بل إعادة تعريف موقع الحزب داخل لبنان، من قوة تقول إنها تحمي البلاد إلى طرف يُحمّله خصومه مسؤولية إطالة الاحتلال وتعطيل السيادة.

ولكن هذا التحول لا يحدث بقرار خارجي؛ فالحزب رفض الاتفاق ومسار نزع السلاح، ولا يزال يملك قاعدة اجتماعية وتنظيماً مسلحاً وقدرة على تعطيل التنفيذ أو رفع كلفته داخلياً. وأي محاولة أميركية أو إسرائيلية لتصويره «عدواً للبنان»، لا قوة سياسية وعسكرية لبنانية متجذّرة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد الاستقطاب الداخلي بدلاً من تعزيز سلطة الدولة.

أيضاً، لا يمكن فصل روما عن هرمز؛ فقد ربطت إيران في تفاهماتها السابقة مع واشنطن بين التهدئة وإنهاء الحرب في لبنان، وفي حين تراهن الإدارة الأميركية الآن على معادلة معاكسة: كلما ضاقت الخيارات على طهران في المضيق، ازدادت فرص انتزاع أوراق منها في لبنان؛ وكلّما تراجعت قدرة «حزب الله» على المبادرة، أصبحت إيران أكثر عزلة في أي تفاوض نووي أو إقليمي.

بغداد تبدّل معادلة النفوذ

الجبهة الثالثة ظهرت في واشنطن، حيث استقبل ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي في زيارة ركزت على انسحاب القوات الأميركية، والاستثمارات والطاقة، ومستقبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. وأعلن الجانبان أن القوات الأميركية المتبقية ستغادر العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، منهية مرحلة عسكرية بدأت قبل 23 سنة، مع نقل «مركز الثقل» في العلاقة من الوجود القتالي إلى التعاون الاقتصادي والأمني.

ترمب قدّم الزيارة بلغة «الصفقات»، قائلاً إن الولايات المتحدة ستعقد اتفاقات كثيرة مع العراق، وإن شركات أميركية ستشارك في استخراج النفط، بينما سعى الزيدي إلى تأكيد أن رحيل الجنود لا يعني رحيل المصالح الأميركية.

واشنطن أيضاً تبحث دعم إحياء خط أنابيب كركوك - بانياس، الذي ينقل النفط العراقي إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، بوصفه ممرّاً بديلاً يقلّل الاعتماد على هرمز. وفي لحظة تستخدم فيها إيران المضيق «ورقة ضغط»، يصبح فتح طرق تصدير برّية جزءاً من استراتيجية أمنية، لا مشروعاً تجارياً فقط.

لكن الثمن السياسي لهذه الشراكة واضح: واشنطن تريد من بغداد ضبط الفصائل الموالية لإيران ونزع سلاحها أو دمجها فعلياً تحت سلطة الدولة. وبالفعل تعهّدت الحكومة العراقية بمعالجة ملف السلاح بحلول نهاية سبتمبر، وهو الموعد نفسه لخروج القوات الأميركية. والجمع بين الموعدين يمنح الزيدي حجّة داخلية مهمة؛ إذ يستطيع القول إن الدولة لا تنزع سلاح الفصائل لإبقاء الوجود العسكري الأميركي، بل بالتزامن مع إنهائه.

بيد أن هذا يضعه أيضاً أمام اختبار بالغ الصعوبة؛ لأن بعض هذه الفصائل جزء من مؤسّسات رسمية، ولديها تمثيل سياسي ونفوذ اقتصادي وشبكات محلية يصعب تفكيكها بقرار إداري. كذلك تستطيع القوى المرتبطة بطهران تصوير الضغوط الأميركية باعتبارها محاولة لإبدال النفوذ الإيراني بوصاية أميركية اقتصادية وأمنية، خصوصاً إذا بدت العقود النفطية منحازة إلى الشركات الأميركية أو غير شفّافة.

اقتصادياً، يحاول الزيدي توسيع هامش استقلال العراق بعدما ألحقت الحرب أضراراً بإنتاجه النفطي وماليته العامة. وطالب خلال زيارته بحصة «عادلة» داخل منظمة «أوبك». وقال إن حروب العراق والإرهاب ألحقت بالبلاد خسائر تتجاوز 400 مليار دولار، ومن هنا تأتي حاجته إلى استثمارات أميركية في النفط والغاز والكهرباء وإعادة الإعمار.

في المقابل، يرى محللون أنه إذا نجح الزيدي في تأمين طرق تصدير بديلة وشراكات لا تمر عبر إيران، وفي وضع الفصائل تحت سلطة الحكومة، فسيكون العراق قد بدأ خروجاً تدريجياً من دائرة النفوذ الإيراني المباشر. لكن هذا لا يعني انتقاله السريع إلى الفلك الأميركي، إذ ستبقى الروابط التجارية والدينية والسياسية والأمنية بين العراق وإيران أعمق من أن تلغيها زيارة أو اتفاق نفطي. والأرجح أن بغداد ستواصل محاولة الموازنة بين الجانبين، مع استخدام الشراكة الأميركية لزيادة قدرتها على التفاوض مع طهران.

«عض الأصابع»

وحقاً، تبدو ملفات هرمز وبيروت وبغداد منفصلة على الخرائط، لكنها تنتمي إلى مواجهة واحدة حول مستقبل النفوذ الإيراني وشروط القيادة الأميركية للمنطقة.

مع ذلك، يرى البعض أن حجارة «الدومينو» لا تسقط دائماً في الاتجاه الذي يريده اللاعب الأقوى. فكل ضغط إضافي على إيران قد يدفعها إلى استخدام ما تبقى لديها من أوراق بعنف أكبر؛ وكل تأخر إسرائيلي في الانسحاب من لبنان يمنح «حزب الله» ذريعة جديدة للاحتفاظ بسلاحه؛ وكل اندفاعة عراقية غير محسوبة نحو تفكيك الفصائل قد تفتح أزمة داخلية يصعب احتواؤها.

أما ترمب، الذي يريد خوض انتخابات نوفمبر بمظهر الرئيس القادر على فتح هرمز وخفض أسعار الوقود وإضعاف شبكة طهران، فقد يجد نفسه أمام «حرب استنزاف» تتآكل فيها المكاسب قبل أن تنضج نتائج الحصار.

لذلك، لن يُحسم سباق «عضّ الأصابع» بمَن يتحمل الضربات زمناً أطول فقط، بل بمَن يستطيع تحويل الصمود إلى نتيجة سياسية قابلة للصرف.

إيران قادرة على إيلام الاقتصاد العالمي عبر هرمز، لكنها في المقابل تخاطر بخسارة مواقع نفوذها الأكثر حساسية في لبنان والعراق. والولايات المتحدة تستطيع تشديد الحصار وتوسيع بنك الأهداف، لكنها قد تصل إلى الخريف من دون مضيق آمن أو اتفاق نووي أو أسعار وقود مقبولة انتخابياً. وبين هذين الرهانين، قد لا يكون المنتصر مَن يملك القوة الأكبر، بل مَن لا تنفد ساعته أولاً. طهران تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات... لكنها تراهن على ألم أميركا سياسياً


آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام
TT

آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام

يتأهب آندي بيرنهام لخلافة كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، الاثنين المقبل، بعد مسار سياسي بدا في أسابيعه الأخيرة خاطفاً، وإن كان في حقيقته ثمرة نحو ربع قرن أمضاها الرجل بين البرلمان والحكومة والمعارضة، قبل أن يعيد بناء حضوره السياسي بعيداً عن لندن ومنصب عمدة «مانشستر الكبرى»؛ إذ لم تمضِ سوى أسابيع على عودة بيرنهام (56 سنة) إلى مجلس العموم، حتى فُتحت أمامه أبواب «10 داونينغ ستريت». وبات في طريقه لتسلّم زعامة حزب العمال ثم رئاسة الحكومة، الاثنين، بعدما حصد دعم 349 نائباً عمالياً، ما جعل من المتعذر على أي منافس بلوغ العتبة اللازمة لخوض السباق ضده.

تعهّد آندي بيرنهام، الرئيس العتيد للحكومة البريطانية، بتشكيل حكومة تمثل مختلف أجنحة الحزب، واضعاً تكاليف المعيشة والنمو الاقتصادي ونقل مزيد من الصلاحيات من لندن إلى المناطق في صدارة أولوياته. ووفقاً للـ«بي بي سي»، سيكون بيرنهام رئيس الوزراء التاسع والخمسين لبريطانيا، وأول سياسي يقدّم هويته الشمالية باعتبارها جزءاً مركزياً من مشروعه منذ هارولد ويلسون في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

بين ليفربول ومانشستر

وُلد آندرو موراي بيرنهام يوم 7 يناير (كانون الثاني) 1970 في أينتري، إحدى ضواحي ليفربول، لكنه نشأ في قرية كالتشيث الهادئة في مقاطعة تشيشير، الواقعة بين ليفربول ومانشستر، في منزل شديد الارتباط بحزب العمال.

والده كان مهندساً لدى شركة الاتصالات البريطانية «بي تي»، بينما عملت والدته موظفة استقبال في عيادة طبيب عام. وعُرف الوالدان مؤيدَين مخلصين لحزب العمال، ما جعل السياسة حاضرة في المنزل منذ طفولته. ويقول بيرنهام إن المسلسل التلفزيوني الذي بثته الـ«بي بي سي» بعنوان «بويز فروم ذا بلاكستاف»، وتناول البطالة والفقر في ليفربول، دفعه إلى الانضمام إلى حزب العمال وهو في الرابعة عشرة. كما كان للتوترات الاجتماعية التي شهدتها بريطانيا في عهد رئيسة الوزراء المحافظة مارغريت ثاتشر أثرٌ مبكر في تشكيل رؤيته السياسية.

الـ«بي بي سي» تصفه أيضاً بأنه كان طفلاً شديد التنافس ومولعاً بالرياضة؛ إذ لعب الكريكيت ضمن فريق مدارس لانكشاير، وظل حتى اليوم مشجّعاً مخلصاً لنادي إيفرتون لكرة القدم. وفي مدرسته الكاثوليكية المحلية، ترشّح ممثلاً لحزب العمال في انتخابات مدرسية تجريبية وفاز بفارق كبير.

من ناحية أخرى، كان بيرنهام وشقيقاه أول أفراد العائلة الذين التحقوا بالجامعة. ولقد درس الأدب الإنجليزي في جامعة كمبريدج العريقة، مع أنه كتب لاحقاً في كتابه «هيد نورث» أنه وجد صعوبة في الشعور بالانتماء إلى الوسط الجامعي، ولازمه إحساس بأنه «دخيل» على بيئة يغلب عليها أبناء الطبقات الأكثر ثراءً ونفوذاً. لكن فرقاً موسيقية مثل «ذا سميثس» و«ذا ستون روزز»، خلقت عنده شعوراً بالهوية والثقة داخل الجامعة، حيث تعرّف إلى زوجته المستقبلية ماري فرانس فان هيل، المولودة في هولندا.

من الصحافة المتخصصة إلى قلب وستمنستر

بعد تخرّجه في كمبريدج، انتقل بيرنهام إلى لندن وبدأ حياته المهنية في الصحافة المتخصصة، فعمل لفترة وجيزة في مجلات تجارية من بينها «تانك وورلد» و«باسنجر وورلد مانجمنت». وجاءت انطلاقته السياسية عندما عمل باحثاً لدى النائبة العمالية الراحلة تيسا جوويل، التي أصبحت لاحقاً من أبرز وزيرات حكومتي توني بلير وغوردون براون. ثم عمل مستشاراً لوزير الثقافة كريس سميث، ما وضعه في قلب مشروع «العمال الجديد» (نيو ليبر) الذي قاده بلير في تسعينات القرن الماضي.

ثم، عام 2001، انتُخب نائباً عن دائرة لي في منطقة «مانشستر الكبرى» (طوق ضواحي المدينة). وتدرج سريعاً داخل البرلمان، قبل أن يتولى مناصب وزارية صغرى في وزارة الداخلية ووزارة الصحة إبان عهد بلير.

ومع وصول غوردون براون إلى رئاسة الحكومة عام 2007، رُقّي بيرنهام إلى مجلس الوزراء، فعُيّن كبير أمناء الخزانة، ثم وزيراً للثقافة والإعلام والرياضة، وأخيراً وزيراً للصحة بين عامي 2009 و2010. وبرلمانياً، ظل نائباً عن دائرة لي من عام 2001 إلى عام 2017، قبل عودته أخيراً إلى مجلس العموم نائباً عن ميكرفيلد في يونيو (حزيران) الماضي.

هيلزبورو... «نقطة التحوّل»

يربط بيرنهام تحوّله السياسي الأعمق بحادثة وقعت في أبريل (نيسان) 2009، عندما حضر بصفته وزيراً للثقافة مراسم الذكرى العشرين لكارثة ملعب هيلزبورو في مدينة شفيلد، التي أودت بحياة 97 من مشجّعي نادي ليفربول عام 1989؛ إذ قوبلت كلمته في ملعب «آنفيلد» (معقل نادي ليفربول) بصيحات غاضبة من عائلات الضحايا والمشجعين المطالبين بتحقيق العدالة وكشف مسؤولية الشرطة والمؤسسات الرسمية عن الكارثة، بعدما تبنّت السلطات لسنوات رواية تلقي باللوم على الجماهير.

وبالفعل، ظل ملف هيلزبورو ملازماً لمسيرته. وبعد عودته إلى البرلمان هذا الصيف، شارك في الدفع نحو إقرار قانون يفرض واجباً قانونياً على المسؤولين والمؤسسات العامة بالإفصاح الصادق والتعاون مع التحقيقات، بهدف منع تكرار عمليات التستر الرسمية.

هزيمتان قبل انتزاع زعامة الحزب

بعد خسارة حزب العمال الانتخابات العامة عام 2010 واستقالة غوردون براون، خاض بيرنهام أول محاولة لقيادة الحزب، دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»، وهي صيغة حاول من خلالها الجمع بين إعادة توزيع الثروة وتشجيع الطموح الفردي. لكنه حلّ رابعاً بين خمسة مرشحين، وفاز إد ميليباند يومذاك بالزعامة. وأمضى بيرنهام السنوات التالية في «حكومة الظل»، خصوصاً في ملف الصحة، وعمل على تعزيز العلاقة بين أعضاء الحزب والنقابات.

وعام 2015، جرّب حظّه مجدداً، وهذه المرة قدّم نفسه مرشحاً وسطياً وصديقاً لقطاع الأعمال. بل أطلق حملته من مقر شركة «إرنست آند يونغ»، معتبراً إن رجال الأعمال ينبغي أن يُعاملوا باعتبارهم من أبطال المجتمع، إلى جانب العاملين في التمريض. بيد أن حملته لم تصمد أمام موجة التأييد الواسع للقيادي اليساري جيريمي كوربن، وبالتالي، حلّ ثانياً بفارق كبير. ولكن، بعكس عدد كبير من شخصيات الجناحين الوسطي واليميني، قبل بيرنهام العمل تحت قيادة كوربن وتولّى منصب «وزير داخلية الظل». ورفض المشاركة في موجة الاستقالات التي استهدفت إسقاط كوربن عام 2016، بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» (البريكست).

عمدة «مانشستر الكبرى»

عام 2017، ترك آندي بيرنهام مقعده البرلماني ليترشّح لمنصب أول عمدة منتخب لـ«مانشستر الكبرى» - إحدى التجمّعات الحضرية الثلاثة الأكبر في إنجلترا، مع «لندن الكبرى» والـ«ويست ميدلاندز» (قلبها مدينة برمنغهام)، عندما كانت تجربة قادة الحكم المحلي الإقليميين لا تزال جديدة وغير مضمونة النتائج. ويومذاك، فاز بيرنهام بأكثر من 60 في المائة من الأصوات، ثم أعيد انتخابه بهوامش أكبر. وساعد نجاحه في الانتخابات المحلية على ترسيخ سمعته بوصفه أحد أكثر السياسيين العماليين «قدرة على الفوز».

ومع أن المنصب لم يكن يتمتع بالصلاحيات التنفيذية الواسعة المتاحة لرئيس الحكومة أو حتى لرئيس بلدية لندن، فإن بيرنهام استثمر سلطته السياسية والشعبية لتحويله إلى مركز قوة، طارحاً نفسه مدافعاً عن المدن والمناطق التي يرى أن الحكومات المتعاقبة أهملتها. وكان أبرز إنجازاته إعادة الحافلات إلى الإدارة العامة، لتصبح «مانشستر الكبرى» أول منطقة في إنجلترا - خارج لندن - تستعيد التحكم في خدمات الحافلات بعد عقود من الخصخصة؛ إذ جُمعت خدمات الحافلات والترام ووسائل النقل الأخرى تحت هوية موحّدة باسم «بي نتوورك».

«ملك الشمال»

بلغت صورة بيرنهام الإقليمية ذروتها إبان جائحة «كوفيد - 19»، عندما دخل في مواجهة علنية مع حكومة بوريس جونسون المحافظة بشأن القيود المفروضة على «مانشستر الكبرى»، وحجم الدعم المالي المقدّم للشركات والعاملين. واتّهم بيرنهام تلك الحكومة آنذاك بمعاملة شمال إنجلترا بـ«ازدراء»، ورفض قبول قيود صحية إضافية من دون تمويل كافٍ لحماية المتضررين. وظهر في مؤتمر صحافي متحدياً سياسات لندن، في مشهد أكسبه لقب «ملك الشمال»، المستوحى من مسلسل «صراع العروش».

ومنذ ذلك الوقت، بنى بيرنهام هويته على ثنائية واضحة: السياسي الذي يعرف وستمنستر من الداخل، لكنه يدّعي أنه تحرّر من ثقافتها؛ والرجل الذي شغل أعلى المناصب الوزارية، لكنه يقدّم نفسه بوصفه ممثلاً للأماكن التي لا يكترث لها المركز.

من «البليرية» إلى اليسار

يصعب وضع آندي بيرنهام داخل خانة آيديولوجية محدّدة؛ إذ بدأ حياته السياسية داخل منظومة «العمال الجديد»، وعمل مع شخصيات بارزة مقرّبة من توني بلير، وتولى منصباً وزارياً في حكومته. وفي تلك المرحلة، كان يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الوسط أو يمين الوسط داخل الحزب.

وبعدها ارتبط صعوده الوزاري بغوردون براون، الذي أدخله مجلس الوزراء ومنحه ثلاثة مناصب كبرى. وجمعت حملته عام 2010 بين إرث براون القائم على العدالة الاجتماعية، ولغة الطموح الفردي التي اشتهر بها بلير.

ثم عام 2015، عاد إلى طرح وسطي مؤيد للأعمال، قبل أن يقبل العمل تحت قيادة كوربن بعد هزيمته. وهو ما دفع منتقديه إلى وصفه بأنه «متقلّب» تتأرجح مواقفه مع اتجاه الرياح السياسية. لكن سنوات مانشستر منحته قاعدة سياسية أكثر اتساقاً. فقد تبنى الرقابة العامة على النقل، ودافع عن تأميم شركات المياه المتعثرة، وأيّد زيادة السيطرة العامة على الطاقة والمرافق الأساسية.

وبالتالي، يُصنّف بيرنهام اليوم غالباً ضمن «اليسار الناعم» للحزب: أكثر تدخلاً في الاقتصاد من ستارمر، وأقل راديكالية من يسار كوربن، مع نزعة محلية تركز على الخدمات والملكية العامة الجزئية أكثر مما تركز على الصراع الآيديولوجي.

تعميم «المانشسترية»

يقول بيرنهام إن أجندته في رئاسة الحكومة ستقوم على نقل ما يسميه «المانشسترية» إلى البلاد بأكملها؛ أي الجمع بين الاستثمار العام والخاص، ومنح السلطات المحلية صلاحيات أكبر، ووضع الاحتياجات الإقليمية قبل حسابات المركز والحزب.

ولقد تعهد بإطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن التابعة للمجالس المحلية منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإصلاح ضرائب الأعمال لإنعاش التجارة، ووضع التعليم التقني والأكاديمي على قدم المساواة، وتوسيع السيطرة العامة على المياه والطاقة والنقل والإسكان لتقليل تكاليف المعيشة. وتضم أولوياته أيضاً خفض فواتير الطاقة وأسعار القطارات، وتوفير وظائف وتدريب مهني أفضل للشباب، وإعادة بناء قطاعات صناعية في مجالات الدفاع والطاقة والغذاء والزراعة، إلى جانب استخدام الإنفاق العام لتحفيز استثمارات خاصة طويلة الأجل.

الاختبار الأكبر

لم يُقدّم بيرنهام بعدُ تفاصيل كاملة عن كيفية تمويل برنامجه، خصوصاً أنه وعد بتوسيع الاستثمار العام مع الحفاظ على الانضباط المالي وعدم رفع الضرائب الأساسية على العاملين. وبالتالي، سيجد نفسه أمام ملفات لم تختبرها تجربته المحلية، من الإنفاق الدفاعي والهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، إلى التعامل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحرب أوكرانيا والتوترات الشرق الأوسط. بعد خسارة العمال انتخابات عام 2010 ترشح بيرنهام لأول مرة لقيادة الحزب دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»


«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)
TT

«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)

بينما يعدّ آندي بيرنهام لأن يصبح سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عشر سنوات، تثير وتيرة تعاقب رؤساء الوزراء غير المسبوقة في بريطانيا تساؤلات واسعة، لا سيما مع تحول «10 داونينغ ستريت» إلى «باب دوّار» في مرحلة ما بعد مغادرة «الاتحاد الأوروبي» (البريكست). وفي ما يلي نظرة على رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على بريطانيا منذ استفتاء عام 2016.

ديفيد كاميرون: 0102 - 6102

أعلن ديفيد كاميرون استقالته في يونيو (حزيران) 2016، بعد يوم واحد من تصويت البريطانيين لمصلحة الخروج من «الاتحاد الأوروبي» في استفتاء مفصلي كان قد قاد حملة قوية ضد نتيجته. وكان كاميرون، الذي فاز بغالبية برلمانية في انتخابات عام 2015، قد دعا إلى إجراء الاستفتاء في محاولة لإنهاء الانقسامات المزمنة داخل حزب المحافظين بشأن علاقة بريطانيا بـ«الاتحاد». وانتهت ولايته بعد 6 سنوات و64 يوماً في رئاسة الحكومة.

كاميرون (آ ف ب)

تيريزا ماي: 6102 - 9102

خلفت تيريزا ماي، كاميرون، وتولّت مهمة التفاوض على صيغة خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي». وواجهت خطة ماي، التي حصلت على استحسان بروكسل، تمرّداً من بعض النواب المحافظين الذين رأوا أن مقترحها يُبقي بريطانيا داخل المجال الاقتصادي الأوروبي. وفي مايو (أيار) 2019، قدمت ماي استقالتها، واستمرت ولايتها 3 سنوات و12 يوماً.

بوريس جونسون: 9102 - 2202

وصل بوريس جونسون، رئيس بلدية لندن السابق وأحد أبرز منتقدي ماي، إلى رئاسة الحكومة متعهّداً بإنجاز خروج حاسم من «الاتحاد الأوروبي». ونجح في التوصل إلى اتفاق «البريكست»، والإشراف على خروج بريطانيا رسمياً من «الاتحاد»، قبل أن يقود البلاد إبان جائحة «كوفيد - 19». لكن سلسلة من الفضائح الأخلاقية والسياسية أطاحت به، في مقدمتها إقامة حفلات في «داونينغ ستريت» ومقار حكومية أخرى خلال فترات الإغلاق التي فرضتها حكومته على المواطنين لمكافحة الجائحة. واستمرت ولايته 3 سنوات و45 يوماً.

ليز تراس: 2202

خلفت ليز تراس، جونسون، لكنها أصبحت صاحبة أقصر ولاية في التاريخ البريطاني، واستقالت بعد 6 أسابيع فقط من تسلمها السلطة. وتراس قدّمت نفسها باعتبارها من أنصار تقليص دور الدولة في الاقتصاد والتخفيضات الضريبية، متعهدةً بإحداث تحوّل جذري في الاقتصاد البريطاني. لكن خطتها الاقتصادية تسببت في اضطرابات حادة في الأسواق، ودفعت الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار، وأزمة حادّة في قطاع العقار. وهكذا استقالت بعد 50 يوماً فقط من دخولها «داونينغ ستريت».

ريشي سوناك: 2202 - 4202

حصل ريشي سوناك على دعم نواب حزب المحافظين لخلافة تراس، ودخل التاريخ باعتباره أول رئيس وزراء بريطاني من أصول هندية، فضلاً عن كونه أصغر من تولى المنصب منذ نحو 200 سنة. واعتبر المحافظون سوناك أكثر كفاءة واستقراراً من تراس، لكن سنوات الاضطراب والانقسامات داخل الحزب كانت قد ألحقت أضراراً عميقة بشعبيته لدى الناخبين، وفق الـ«نيويورك تايمز». أيضاً لم ينجح سوناك في تحسين موقع الحزب في استطلاعات الرأي، ودعا بعد نحو عام ونصف العام في الحكم إلى انتخابات عامة أُجريت في يوليو (تموز) 2024. ومُني المحافظون فيها بأكبر هزيمة انتخابية عبر تاريخ حزبهم الممتد لنحو قرنين. واستمرت ولاية سوناك سنة و255 يوماً.

ستارمر (آ ف ب)

كير ستارمر: 4202 - 6202

وصل كير ستارمر إلى السلطة عقب فوز ساحق لحزب العمال في انتخابات عام 2024، متعهداً بإعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة المنهكة، واستعادة ثقة البريطانيين بالسياسة. لكن فوز العمال لم يؤدِ إلى مرحلة الاستقرار التي وعد بها. إذ واجهت حكومته انقسامات داخلية متزايدة، وتراجعت شعبية العمال بصورة حادة بعد أقل من سنتين على فوزه الانتخابي الكبير، فقرر الاستقالة بعد تصاعد الضغط عليه عقب الخسائر التي تكبّدها الحزب في الانتخابات المحلية خلال مايو (أيار) 2026.