مَن يحكم تونس اليوم؟

مظاهرات عمّقت خلافات «ساكن قرطاج» مع الحكومة والبرلمان

مَن يحكم تونس اليوم؟
TT

مَن يحكم تونس اليوم؟

مَن يحكم تونس اليوم؟

تزامن تصعيد الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية في تونس مع دخول سفراء الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا «على الخط»، ضمن «الوسطاء» المحليين والأجانب الذين يحاولون احتواء أزمة الثقة أولاً بين الرئيس التونسي قيس سعيّد ورئيس الحكومة هشام المشيشي، وثانياً بين قصر رئاسة الجمهورية والبرلمان. إلا أن الأزمة السياسية في أعلى هرم السلطة تزداد تعقيداً رغم تحذيرات صندوق النقد الدولي ومؤسسات ائتمان دولية من سيناريوهات «إفلاس الدولة»، ومن المضاعفات الخطيرة لجائحة «كوفيد - 19» اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً؛ سواءً بسبب الجائحة أو «القطيعة بين أركان الدولة».
في هذه الأثناء، يتساءل الرأي العام الشعبي والمراقبون الأجانب عمّن يحكم تونس اليوم... وما انعكاسات الأزمة الحالية على المشهد السياسي الوطني وعلى مستقبل البلاد وعلاقاتها بشركائها الاستراتيجيين في أوروبا وأميركا وشمال أفريقيا؟

تكشف التصريحات التي صدرت أخيراً في تونس عن قيادات الأحزاب ونقابات العمال ورجال الأعمال، بجانب كبار المسؤولين في الدولة والمجتمع المدني، اختلافاً واضحاً في تشخيص الأزمة الحالية وأسبابها وخطورتها، وكذلك، في وصفة العلاج وفي اقتراح الحلول ومشاريع الإصلاح والتغيير.
وفي حين يقلل الرئيس قيس سعيّد وأنصاره من خطورة الجوانب الاقتصادية للأزمة التي تمرّ بها البلاد، ويُبرزون مظاهرها السياسية وأخطاء الحكومة والبرلمان، أطلق عدد من الخبراء والسياسيين صيحات فزع وحمّلوا فيها مسؤولية «شل عمل الحكومة» إلى الرئيس وعدد من مُستشاري رئاسة الجمهورية الذين دخلوا في خلاف علني مع حكومة هشام المشيشي والغالبية البرلمانية التي تدعمها. وشبّه سعيّد هذه الأغلبية مجدداً بـ«عصابة لصوص»، واتهم قيادتها بـ«النفاق» و«الفساد» منذ تحالفها مع منافسه في انتخابات 2019؛ رجل الأعمال نبيل القروي، وحزبه «قلب تونس».
- «ما قبل الكارثة»
يتصدر الذين أطلقوا صيحات فزع في وسائل الإعلام الوطنية والعالمية حول الأبعاد السياسية والأمنية والاجتماعية للأزمة، في بعديها المالي والاقتصادي، عدد من الجامعيين والوزراء السابقين لشؤون الاقتصادية والمالية والمديرين العامين للبنوك. وفي هذا السياق، حذّر الوزيران السابقان محسن حسن وحكيم بن حمودة، في تصريحين لـ«الشرق الأوسط»، من المضاعفات السلبية المرتقبة للتقرير الذي صدر أخيراً عن مؤسسة الائتمان الدولية «موديز» وفيه خفضت «الترقيم السيادي لتونس من ب2 (B2) إلى ب3 (B3)». كذلك حذر السلطات التونسية من الإفلاس وطالبها بإصلاحات عاجلة و«موجعة» لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية ولأوضاع المؤسسات العمومية المفلسة في قطاعات النقل والفوسفات والمحروقات والتأمين. وتزامن هذا التحذير من الإفلاس مع تقارير سلبية جديدة صدرت عن صندوق النقد الدولي، ربطت بدورها بين الصعوبات الاقتصادية والمالية و«الأزمة السياسية والحكومية الطويلة التي تمر بها البلاد وغياب الحوكمة الرشيدة».
هذه التقارير والتصنيفات توشك أن تحرم الحكومة من فرصة الحصول على تمويلات عاجلة تستحقها لتغطية عجز في موازنتها للعام الحالي يناهز الـ40 في المائة، حسب الخبير الاقتصادي الدولي ووزير التجارة السابق محسن حسن. بينما اعتبر الوزير السابق والخبير المالي الدولي حكيم بن حمودة في تصريحه أن تصنيف «موديز» غير المسبوق هو «آخر إنذار قبل الهاوية، وقبل الانهيار الشامل».
وفي السياق نفسه، قال البرلماني ووزير المالية الأسبق سليم بسباس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا «التصنيف الدولي خطير العواقب» لأنه لم يكتفِ بالتحذير من الأبعاد السياسية والاجتماعية للأزمة الاقتصادية الخطيرة التي تمرّ بها البلاد، بل حذّر أيضاً من تطور الأوضاع «نحو الأسوأ في الأسابيع والأشهر القادمة... مع ما يعنيه ذلك من عجز الدولة التونسية عن الإيفاء بالتزاماتها المالية والاقتصادية وطنياً ودولياً... وعجزها كذلك عن احترام تعهداتها المالية لنقابات العمال ورجال الأعمال ولقيادات حركات العاطلين عن العمل»، الذين يلوّحون بتصعيد موجة الإضرابات والاعتصامات، وبتعطيل مؤسسات الإنتاج الكبرى بما فيها شركات الفوسفات والمحروقات.
- أزمة اجتماعية غير مسبوقة
في الوقت نفسه، كشف محمد الطرابلسي، وزير الشؤون الاجتماعية والزعيم النقابي اليساري السابق، لـ«الشرق الأوسط» أن الدراسة الشاملة الجديدة التي أصدرها «المعهد الوطني للإحصاء في تونس» بيّنت أن نحو 50 ألف عامل في القطاع المنظم أحيلوا على البطالة خلال الأشهر الماضية بسبب مضاعفات «كوفيد - 19». وأن نحو ثلثي العاملين في قطاعات السياحة والصناعات التقليدية والمقاهي والمطاعم والنقل قد أُحيلوا على البطالة الفنية خلال الأشهر الماضية. ويُقدر هؤلاء بأكثر من نصف مليون عامل وعاملة.
وبين ما يزيد الوضع الاجتماعي خطورة، حسب الطرابلسي، أن نحو ثلثي عمال قطاعات استراتيجية كالسياحة والفلاحة لا يتمتعون بتأمينات اجتماعية دائمة، ويمضون نحو نصف العام في «بطالة فنية» منذ سنوات. ثم ازدادت أوضاعهم سوءا بعد أزمة الجائحة، رغم المساعدات المالية «الرمزية» التي تقدمها لهم الدولة منذ سنة، والتي كلّفت الحكومة أعباء مالية إضافية ناهزت المليار دولار أميركي. وفي هذه الأثناء، قدّر خبراء جامعيون في الاقتصاد أن عدد العاطلين عن العمل بصفة دائمة ارتفع من نحو 600 ألف قبل انتخابات 2019 إلى نحو المليون، غالبيتهم من الشباب.
- الاحتجاجات الشبابية
هذه المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخطيرة استفزّت عدداً من زعامات الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، وتسببت في تنظيم مزيد من الاضطرابات والتحركات الاحتجاجية الشبابية، السلمية حيناً والعنيفة حيناً آخر. كما أطلق كبار المعارضين، بينهم المحامي المخضرم أحمد نجيب الشابي، زعيم المعارضة القانونية في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، تحذيرات إلى رأسي السلطة التنفيذية في قصري رئاسة الجمهورية والحكومة وإلى رئيس البرلمان... واتهمهم بـ«الفشل السياسي»، وحمّلهم مسؤولية «الانفجار الاجتماعي والاحتجاجات الاجتماعية العنيفة».
أيضاً، حمّل حمّة الهمامي، زعيم الحزب العمالي الشيوعي، كذلك إلى قيادات الحزب الحاكم قبل 2011، وإلى رئاسة حزب «حركة النهضة» وشركائه في السلطة منذ 10 سنوات، وإلى البرلمان، «مسؤولية الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخطيرة التي تمر بها البلاد». وطالب الهمامي بإسقاط الحكومة و«كامل المنظومة الحاكمة» استجابة لطلبات «الشباب الثائر على البطالة والفقر» خلال تحركاته الاحتجاجية التي انطلقت منذ أسابيع.
- مَن يحكم البلاد؟
لكن قيادات الأحزاب البرلمانية التي منحت الثقة لحكومة هشام المشيشي، بغالبية ناهزت الثلثين، يوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي، تحمّل من جانبها مسؤولية الأزمة لجائحة «كوفيد - 19» وبعض «الأحزاب اليسارية والقومية المعارضة» المتحالفة مع الرئيس قيس سعيّد في معركته مع رئيس الحكومة وبعض وزرائه؛ إذ حمّل أسامة الخليفي، رئيس كتلة حزب «قلب تونس» في البرلمان ورفاقه، رئيس الجمهورية والمقربين منه مسؤولية استفحال الأزمة منذ انتخابات 2019. واتهم البرلماني المستقل والإعلامي الصافي سعيد مَن وصفه بـ«ساكن قصر قرطاج» (أي الرئيس) بتعطيل عمل الحكومة والبرلمان ومؤسسات وزارات الخارجية والتعاون الدولي... «التي يُفترض أن توفر تمويلات إلى تونس من شركائها العرب والأوروبيين والأميركيين».
في المقابل، تابع الرئيس سعيّد توجيه اتهامات خطيرة إلى الغالبية البرلمانية وقيادة «النهضة» والأحزاب السياسية، ووصفها خلال اجتماعات مع رئيس الهيئة العليا لمكافحة الفساد القاضي عماد بوخريص بـ«اللصوصية» و«إهدار الأموال» و«الفشل». ومن ثم، حمّلها مسؤولية الاضطراب الاستقرار السياسي والحكومي منذ انتخابات الخريف الماضي، وطالب القضاء بفتح ملفات تمويلها ونفقاتها في انتخابات 2019. وعلى الأثر، رد قياديون من «الغالبية البرلمانية» على سعيّد باتهامه بعدم احترام الدستور لرفضه دعوة الوزراء الـ11 الذين صادق عليهم ثلثا البرلمان يوم 26 يناير الماضي، لأداء اليمين وممارسة مهامهم.
وهنا، بينما اعتبر عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية الأسبق عياض بن عاشور، ونحو 20 خبيراً في القانون الدستوري، أن رئيس الجمهورية «ليس له سلطة تقديرية تسمح له بعدم احترام قرار البرلمان ورئيس الحكومة بشأن التعديل الحكومي»، يقول سعيّد ومقربون منه إن «الدستور لا يُجبر رئيس الجمهورية على إصدار قرار بتعيين الوزراء الجدد إذا كان مقتنعاً بأن بعضهم متهم بالفساد... وأن رئيس الحكومة لم يحترم كل الإجراءات الدستورية والقانونية».
- انقلاب على الدستور
هذه الخلافات تسببت في تبادل مزيد من الاتهامات بين أنصار سعيّد وخصومه، وفي مقدمهم رئيسا الحكومة هشام المشيشي والبرلمان راشد الغنوشي. وانخرط حلفاء الطرفين في «المعارك» عبر وسائل الإعلام والمظاهرات السياسية والنقابية، ما أدى إلى تعطيل «مبادرة الحوار الوطني» التي سبق أن دعا إليها نور الدين الطبوبي، أمين عام اتحاد نقابات العمال، والرئيس سعيّد، وزهير المغزاوي وغازي الشواشي زعيما «الكتلة الديمقراطية» المعارضة في البرلمان.
وفي ظل ما وصفه عالم الاجتماع السياسي أيمن البوغانمي بـ«انتصار السياسيين الشعبويين»، تفاقم ضعف الدولة بمختلف مؤسساتها. وانتقل الصراع إلى الشارع، فتعاقب تنظيم المسيرات والمظاهرات «في محاولة من كل طرف لإثبات شعبيته»، على حد تعبير خبير العلوم السياسية والأمن الشامل هيكل بن محفوظ.
كذلك، اتهم بعض زعماء الكتل البرلمانية المساندة لرئيس الحكومة المشيشي الرئيس سعيّد بالانقلاب على الدستور. ولوّح برلمانيون، بينهم القيادي في حزب «قلب تونس» عياض اللومي، وزعيم كتلة «ائتلاف الكرامة» سيف الدين مخلوف، بإعداد «عريضة سحب ثقة من الرئيس سعيّد وعزله من قبل البرلمان، ومحاكمته بتهمة الانقلاب على الدستور».
وفي المقابل، تحرك نواب من المعارضة بزعامة المحامية عبير موسي، زعيمة الحزب الدستوري الحر، ومعها نواب حزبي «الشعب» و«التيار الديمقراطي»، مصدرين لائحة جديدة لمحاولة سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي. بينما، داخل الأحزاب اليسارية الراديكالية كحزب العمال الشيوعي وحزب الوطنيين الديمقراطيين، تعاقبت الدعوات لإسقاط حكومة المشيشي. وطالب رئيس «رابطة حقوق الإنسان» جمال مسلم وقياديون في نقابات العمال، أيضاً، رئيس الحكومة بالاستقالة، بعد وصول علاقته برئيس الجمهورية - الذي عينه على رأس الحكومة في الصيف الماضي - إلى «مأزق» تحول لاحقاً إلى نوع من «القطيعة والفتور الشامل».
- وسطاء... وانتقادات
غير أن هذه المطالبات بإقالة رئيس الحكومة قوبلت بالرفض من قبل «الحزام السياسي» الذي يدعمه في البرلمان ويضم 5 كتل تتحكم في نحو ثلثي النواب. بل نقل حزب «حركة النهضة» المعركة إلى الشارع، فنظّم مسيرة كبرى يوم 27 فبراير (شباط) وسط العاصمة تونس تحت شعار «احترام الدستور ودعم الشرعية والمؤسسات المنتخبة».
وردّ الرئيس سعيّد ومقربون منه على هذه المسيرة بانتقاد قيادة «النهضة»، دون تسميتها، واتهموها بالفساد المالي وإهدار أموال طائلة في تنظيمها. ووجهت اتهامات مماثلة لقيادة «النهضة» من برلمانيين وقياديين في عدة أحزاب، بينهم الوزير السابق مبروك كورشيد، والأمين العام لـ«حزب الشعب» زهير المغزاوي، ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي. وقال قياديون من «النهضة» عن مسيرتهم السبت الماضي إن شعارها المركزي كان «الدعوة إلى حوار وطني شامل وإلى احترام الدستور والمؤسسات المنتخبة»، اتهمهم خصومهم اليساريون، ومن الحزب الدستوري بـ«دفع البلاد نحو الفوضى» من خلال استعراض قوتهم ودعوة عشرات الآلاف من أنصارهم إلى التظاهر لـ«تخويف الشعب وصناع القرار». ومن ثم، دعا النائب اليساري منجي الرحوي المعارضة والأحزاب اليسارية إلى التظاهر في الشارع بدورهم رداً على مسيرة «النهضة». واختارت صحيفة «الشارع المغاربي»، المحسوبة على المعارضة الراديكالية، عنواناً كبيراً في تغطيتها للمظاهرة جاء فيه «النهضة تبارك خراب تونس»، وانتقدت تنويه غالبية وسائل الإعلام التونسية بكون «النهضة» قد برهنت من خلال هذه المسيرة الضخمة أنها أصبحت رقماً صعباً في الساحة السياسية التونسية الجديدة».
- انتخابات سابقة لأوانها
عند هذه المحطة يتساءل المراقبون: هل تعني هذه الأزمة السياسية الاجتماعية الاقتصادية دخول البلاد نفقاً غير مأمون العواقب، أم ينجح قادة المجتمع المدني وصناع القرار في احتوائها؟ في رد عملي، دعت أطراف سياسية وحزبية وبرلمانية عديدة، مجدداً، إلى «حوار سياسي وطني» يؤدي إلى إذابة الجليد بين رأسي السلطة التنفيذية من ناحية، وبين رئيس الجمهورية والبرلمان من ناحية أخرى.
وفي هذا السياق، عُقِد قبل أيام اجتماع «تشاوري» ثلاثي في مقر نقابة رجال الأعمال؛ بين أمين عام اتحاد نقابات العمال نور الدين الطبوبي، ورئيس اتحاد رجال الأعمال سمير ماجول، ورئيس البرلمان راشد الغنوشي. كذلك، عقد زعماء 9 أحزاب ليبرالية ويسارية وعدد من الوزراء في عهد الرئيس السابق الباجي قائد السبسي اجتماعاً موسعاً تمهيداً للإعلان عن مبادرة سياسية قد تؤدي إلى الدعوة إلى تنظيم انتخابات سابقة لأوانها.
وبموازاة ذلك، كثف الرئيس قيس سعيّد من جهة، ورئيسا الحكومة هشام المشيشي والبرلمان راشد الغنوشي من جهة ثانية، اجتماعاتهم مع نقابات المحامين والقضاة والصحافيين والسفراء الغربيين، وخصوصاً مع سفير الولايات المتحدة وسفراء دول الاتحاد الأوروبي.
وأجرى المشيشي مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف شملت تطوير الشراكة بين البلدين.
إزاء هذا الاتجاه نحو «تدويل الأزمة التونسية» وسط تنافس أميركي - روسي - أوروبي، تؤكد كل الأطراف في الحكم والمعارضة على «السيادة الوطنية» وعلى «استقلالية القرار السياسي» في تونس، لكن ما يلفت الانتباه تزامن الأزمة الداخلية مع تكثيف التحركات الأجنبية داخل العاصمة التونسية؛ إذ أعلنت السفارة الأميركية في تونس رسمياً عن استقبال وفد عسكري أميركي رفيع يرأسه القائد العام للجيش الأميركي في أوروبا وأفريقيا الجنرال كريستوفر كافولي ونائبه الجنرال أندرو روهلينغ، وأعلن أن من بين مهام الوفد الأميركي بحث «التنسيق الأمني الثنائي» مع المسؤولين التونسيين. أيضاً، عقد السفير الأميركي لدى تونس دونالد بلوم وعدد من مستشاريه جلستي عمل رسميتين مع رئيسي الحكومة والبرلمان في مكتبيهما بحضور عدد من مستشاريهما.
وفي المقابل، عقد الرئيس قيس سعيّد اجتماعاً مع سفراء دول الاتحاد الأوروبي لدى تونس. وتوالت جلسات العمل بين سفراء ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وروسيا مع رئيسي البرلمان والحكومة ومع قيادات عدة أحزاب من الائتلاف البرلماني الحكومي ومن المعارضة.
وتكشف التصريحات التي صدرت بعد كل هذه الاجتماعات عن وجود «إرادة دولية لدعم الانتقال الديمقراطي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في تونس»، وعلى مساعدتها لمحاربة مخاطر (كوفيد - 19) صحياً واقتصادياً. وفي الوقت نفسه، طالبت الوفود الأجنبية أركان الحكم التونسي بـ(الحوار السياسي) و(التوافق) وتجنيب البلاد سيناريوهات الفوضى في مرحلة تضاعفت فيها بشائر التسوية السياسية السلمية في ليبيا».


مقالات ذات صلة

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

حصاد الأسبوع دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)

مَن يدفع ثمن القطيعة الأميركية ــ الكندية؟

لم تعُد الأزمة بين الولايات المتحدة وكندا خلافاً عابراً على رسم جمركي يمكن تسويته ببعض الاستثناءات. بل إن انهيار المفاوضات في اللحظات الأخيرة، وفرض واشنطن

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على

علاء حموده (القاهرة)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
TT

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي تحكمها. فالانسحاب الذي أُنجز عام 2000 جاء في سياق يختلف جذرياً عن ذلك الذي أعقب «حرب يوليو (تموز)» 2006، بينما يبدو المشهد الحالي محكوماً بمعادلات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية مع مسارات التفاوض، ما يجعل استعادة نماذج الماضي أمراً بالغ الصعوبة. وبمعزل عن التصوّرات السياسية لإنهاء الأزمة، وفي ظل الإصرار اللبناني على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، تواجه إسرائيل هذه الدعوات بتركيز متصاعد على مرتفعات استراتيجية، مثل «علي الطاهر»، ومواقع أخرى حاكمة في جنوب لبنان، ما يطرح أسئلة عما إذا كانت تل أبيب تتّجه إلى بناء «حزام مرتفعات» يقوم على الإمساك بالنقاط الجغرافية المُشرفة، وحرمان «حزب الله» منها، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي واسع يتطلب انتشاراً برّياً دائماً، وكلفة عسكرية، وبشرية أكبر.

لا توجد مُعطيات تسمح بالكلام عن «عقيدة إسرائيلية» معلنة، وتتطرّق بالذات إلى السيطرة على المرتفعات. لكن خريطة المواقع التي تركّز عليها العمليات، من مرتفعات الشقيف وزوطر وصولاً إلى مرتفعات «علي الطاهر»، تعزّز لدى خبراء عسكريين فرضيّة إعطاء إسرائيل أولوية للنقاط التي توفّر المراقبة والسيطرة بالنار على مساحات واسعة.

وبالفعل تكتسب مرتفعات «علي الطاهر» أهمية خاصة في هذه المعادلة، نظراً إلى ارتفاعها، وإشرافها على النبطية، ومناطق باتجاه إقليم التفاح، وكان التصعيد الإسرائيلي الكثيف قد أعاد المرتفعات إلى الواجهة، بالتزامن مع تعثر المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية.

السيطرة على المرتفعات

تركّز إسرائيل على السيطرة على المرتفعات في جنوب لبنان، والإمساك بالنقاط الحاكمة، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي.

وشرح العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط»: إن «الهدف الأساسي الذي ظهر مع إعلان إسرائيل الخط الأصفر هو الإمساك بالمرتفعات الحاكمة المقابلة للمستوطنات الإسرائيلية»، موضحاً أن هذا الخط يمتد -وفق تصوّره- «من البيّاضة في القطاع الغربي، مروراً ببلدات رشاف وبيت ليف وحداثا شمالي بنت جبيل في القطاع الأوسط، ووصولاً في القطاع الشرقي إلى دير سريان والطيبة، ومن ثم إلى السفوح الشرقية لجبل الشيخ، ولا سيما باتجاه عين عطا وعين قنيا».

قزح أردف أن «هذا الخط هو عبارة عن مرتفعات مقابلة للمستوطنات الإسرائيلية، وتبعد عنها في حدود 8 إلى 10 كيلومترات، بما يحرم (حزب الله) من إطلاق النار المباشر باتجاه المستوطنات». وتابع: «بعد إعلان هذا الخط، تقدّمت إسرائيل وأخذت زوطر الشرقية وزوطر الغربية ومرتفعات الشقيف، ثم عادت وتقدّمت إلى أن وصلت إلى محاصرة علي الطاهر»، معتبراً أن «المنطقة الممتدّة من علي الطاهر إلى الشقيف وزوطر الشرقية تدخل ضمن هذا التصوّر».

وبحسب قزح فإن «إسرائيل لن تنسحب من هذه المناطق طالما هناك أي خطر تعتبر أنه آتٍ من أي جهة كانت على الأراضي اللبنانية». وعن مصير المرتفعات، قال: «لن تنسحب منها طالما لا يوجد حل لسلاح (حزب الله) في لبنان، ولن تنسحب من التلال الحاكمة للمستوطنات».

معركة التلال

الحال أن التركيز الإسرائيلي على مرتفعات جنوب لبنان يرتبط بأهميتها العسكرية، وبوجود مواقع وقواعد لـ«حزب الله» فيها، حسبما يقول اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي، معتبراً أن السيطرة عليها تشكل «هدفاً عسكرياً إسرائيلياً أساسياً»، لكن تحقيقه ميدانياً ليس سهلاً، بسبب الكلفة البشرية لأي عملية برّية.

شحيتلي أوضح لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هذه المناطق كانت ذات أهمية عسكرية، وشكّلت قواعد للجبهة، ومراكز للقيادة العملانية، ولذلك فإن لدى إسرائيل هدفاً أساسياً يتمثل في دخولها، والسيطرة عليها... لكن السؤال هو: هل تستطيع إسرائيل تحقيق هذا الهدف؟ حتى الآن لم تستطع». ومن ثم اعتبر أن العمليات الإسرائيلية لم تصل بعد إلى مستوى «الحسم العسكري الميداني، وأن استمرار تحرّك مجموعات مقاتلة واستهدافها بالمدفعية والطيران ووسائل أخرى يعني أن (حزب الله) لا يزال فاعلاً ميدانياً خلف الخطوط الإسرائيلية».

شحيتلي أوضح أيضاً أن التركيز على مرتفعات مثل «علي الطاهر والدبشة» سببه كونها «مرتفعات قريبة وحاكمة على المنطقة، وعلى شمال فلسطين، ويمكن منها استخدام أسلحة مباشرة، أو صواريخ مباشرة باتجاه شمال إسرائيل، والمستوطنات... بجانب أنها مراكز دعم وإسناد، وقيادة عملانية يمكن الانطلاق منها في العمليات العسكرية».

كلفة العملية البرّية

من جهة ثانية، يقوم الفارق بين السيطرة على شريط جغرافي والإمساك بالنقاط الحاكمة على أن الأولى تتطلب انتشاراً متصلاً، وتأمين خطوط إمداد، بينما تمنح المرتفعات قدرة على المراقبة، والسيطرة بالنار تفوق مساحتها الجغرافية. من هنا لا يعني هذا التصوّر بالضرورة إنشاء مواقع إسرائيلية ثابتة فوق كل المرتفعات، بقدر ما قد يعكس سعياً إلى منع «حزب الله» من استخدامها كنقاط مراقبة، أو قيادة، وإسناد، سواء بالسيطرة عليها، أو الدفع باتجاه تسليمها إلى الجيش اللبناني.

وبحسب شحيتلي: «إسرائيل تستفيد من الوقت للتحضير لأي عملية محتملة... والمحادثات وغيرها تمنح إسرائيل وقتاً للتحضير للعملية العسكرية في هذه المنطقة، لكن المشكلة بالنسبة إليها هي الكلفة العالية من الخسائر البشرية التي قد تترتب على مثل هذه العملية، وهي كلفة لا تستطيع تحملها بسهولة». وأضاف: «في المفهوم العسكري، ليست القمة الأعلى جغرافياً هي بالضرورة موقع تمركز للقوات. القمة يمكن استخدامها للمراقبة، لكن المواقع والخطوط الدفاعية تكون عادة تحت خط القمة»، لافتاً إلى أن ما تسعى إليه إسرائيل «ليس القمم بحد ذاتها فقط، بل المواقع العسكرية، والخطوط الدفاعية الموجودة تحتها، وعلى جوانبها».

بالتالي لا يعني «حزام المرتفعات» -إذا تبلور- خطاً متصلاً من القمم تحتلها إسرائيل، بقدر ما يعني «شبكة من النقاط الحاكمة» التي تسعى إلى منع «حزب الله» من استخدامها عسكرياً، لتصبح «علي الطاهر» الاختبار الأبرز لما إذا كان هذا التصوّر سيبقى محصوراً بالمواجهة الحالية، أم يتحوّل إلى معيار إسرائيلي أوسع للتعامل مع جغرافيا جنوب لبنان.

معضلة الانسحاب الإسرائيلي

في الواقع، الاستراتيجية الإسرائيلية للسيطرة على المرتفعات تقوّض الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية. وتقع المعضلة السياسية في تبدل الظروف عما كان عليه الأمر في العامين 2000 و2006.

إذ انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 مايو (أيار) 2000 بعد احتلال طال لنحو 22 سنة، ومن دون أي اتفاق ثنائي مع الحكومة اللبنانية. أما في العام 2006، فقد تم بعد اتفاق أنتج القرار الأممي 1701 الذي ينصّ على إخلاء منطقة جنوب الليطاني من السلاح، ومسلحي «حزب الله».

في الواقع، لا يقتصر الاختلاف بين تجربتي الانسحاب عامي 2000 و2006 على الظروف الميدانية، بل يشمل أيضاً الجهات المؤثرة في القرار، وطبيعة الضمانات، وآليات التنفيذ، وهو ما يجعل أي حديث عن انسحاب إسرائيلي اليوم مرتبطاً بمعطيات تختلف عما عرفه لبنان في المحطّات السابقة.

تقوّض الاستراتيجية الإسرائيلية القاضية بالسيطرة على المرتفعات الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية

انسحاب العام 2000

العميد المتقاعد ناجي ملاعب قال إن انسحاب عام 2000 جاء نتيجة ظروف إسرائيلية داخلية أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «انسحاب عام 2000 كان قراراً إسرائيلياً داخلياً بامتياز. فيومذاك وصل إيهود باراك إلى رئاسة الحكومة حاملاً مشروعاً يقوم على سحب القوات الإسرائيلية من لبنان، بعدما أصبحت كلفة بقائها مرتفعة بشرياً، واقتصادياً، إلى جانب وجود القرار الدولي 425 الذي كان يطالب إسرائيل بالانسحاب منذ سنوات».

ثم أردف: «كان حزب (العمل) يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لتخفيف أعباء الجيش الإسرائيلي، وخفض الإنفاق العسكري، والاهتمام بالاقتصاد، ولذلك اتُّخذ قرار الانسحاب بصورة مفاجئة، حتى إن كثيراً من عناصر ميليشيا جيش لبنان الجنوبي (المتحالفة مع إسرائيل) لم يكونوا على علم به مسبقاً. بعضهم عاد إلى لبنان وخضع للمحاكمة، فيما فرّ آخرون إلى إسرائيل. لذلك يمكن القول إن انسحاب عام 2000 كان نتيجة قرار إسرائيلي داخلي أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية».

من جهته، استعاد العميد المتقاعد فادي داود تجربة عام 2000 من زاوية مختلفة، فقال: «انسحاب عام 2000 لم يكن مجرد قرار أحادي، بل سبقته مفاوضات غير مُعلنة جرت عبر ألمانيا. تفاصيل كثيرة من تلك المرحلة بقيت بعيدة عن الإعلام، لكن ما كُشف لاحقاً يؤكد وجود وساطة ألمانية، واتصالات سبقت تنفيذ الانسحاب».

«طبيعة التأثير الخارجي تبدلت أيضاً»، وفق داود الذي أكد أن «الطرف الوحيد القادر فعلياً على إلزام إسرائيل بأي اتفاق الآن هو الولايات المتحدة. لا توجد دولة أخرى تمتلك القدرة على ممارسة ضغط حقيقي عليها، أو فرض حدود لتحركاتها، ولذلك فإن نجاح أي اتفاق يبقى مرتبطاً بالإرادة الأميركية وحدها».

انسحاب 2006

في المقابل، حكمت الانسحاب في العام 2006 معطيات مختلفة. فبحسب ملاعب، المشهد تبدّل بعد «حرب يوليو» 2006، وأوضح: «ما حصل بعد حرب يوليو كان ثمرة نشاط دبلوماسي مكثف قادته الدولة اللبنانية، برئاسة رئيس الحكومة (آنذاك) فؤاد السنيورة، وبالتوازي مع جهود فرنسية، ودعم عربي، إضافة إلى ضغط أميركي أدى إلى وقف العمليات العسكرية بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، وبالتزامن مع صدور القرار 1701».

وتابع: «أهمية القرار 1701 تكمن أولاً في تثبيت وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، وهو ما وافق عليه الطرفان، كما أنه أتاح انتشار قوات الأمم المتحدة المعززة، ورسم الخط الأزرق بإشراف الأمم المتحدة، رغم استمرار التحفظات اللبنانية على بعض النقاط التي لا تتطابق مع اتفاقية الهدنة لعام 1949».

«بعد ذلك (والكلام لا يزال لملاعب) بدأت الاجتماعات الدورية في الناقورة برعاية الأمم المتحدة، حيث كان الضباط اللبنانيون والإسرائيليون يعقدون لقاءات شهرية لمعالجة النقاط الخلافية على الخط الأزرق، وتمت تسوية عدد كبير منها، فيما بقيت بعض النقاط عالقة».

إسرائيل تشتري الوقت ... وتماطل بالانسحاب

حقيقة الأمر أن الوقائع الميدانية والسياسية تحكم، في الوقت الراهن، معادلات تختلف عن تلك التي سادت في عام 2006، وقبله في العام 2000. وهنا شدّد العميد المتقاعد داود لـ«الشرق الأوسط» على أن «المتغيّر الأساسي هو المجتمع الدولي. فعام 2006 كان هناك دور واضح للأمم المتحدة، وقواتها ومرجعية للقرار 1701، أما اليوم فنحن أمام واقع مختلف، حيث يتراجع دور الأمم المتحدة، بل إن وجودها نفسه بات موضع تساؤل، فيما أصبحت الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على التأثير في مسار الأحداث، والضغط على إسرائيل».

وأردف: «إذا كنا نبحث في مستقبل أي انسحاب إسرائيلي، فلا يوجد حتى الآن شيء واضح، لأن اتفاق الإطار نفسه لا يزال غير محدد في كثير من تفاصيله. ما هو واضح فقط وجود إرادة أميركية لمحاولة فرض عناوين عامة على الأرض، لكن التفاصيل ما زالت غامضة، والشيطان دائماً يكمن في التفاصيل».

بدوره استبعد العميد المتقاعد ملاعب أن يشهد لبنان انسحاباً إسرائيلياً قريباً، فقال: «اليوم لا أرى حديثاً جدياً عن انسحاب. توقّعي أن تواصل إسرائيل المماطلة، حتى مع وجود ضغوط أميركية، لأن أولوياتها مرتبطة بحسابات سياسية وأمنية أوسع». واستطرد: «الضغط الأميركي الأخير دفع إسرائيل إلى إبداء مرونة في ملفات مرتبطة بغزة، حيث توجد مصالح أميركية وإسرائيلية مشتركة، لكن إذا استمرت هذه التفاهمات فقد تحاول إسرائيل الحصول على أثمان أو تعويضات في ساحات أخرى، ومنها لبنان».

لذا استبعد ملاعب «الكلام حالياً عن انسحاب إسرائيلي من لبنان بالمعنى الذي عرفناه في عامي 2000 أو 2006، وأتوقع أن يستمر التأجيل، والمماطلة، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية».

 


ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
TT

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة آندي بيرنهام. الواقع أن تعيين بيرنهام يشكّل تحوّلاً لافتاً في مسار سياسي شاب كان، حتى وقت قريب، يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة ستارمر في 10 داونينغ ستريت؛ إذ سبق لستريتنغ أن أعلن استعداده لخوض سباق الزعامة، قبل أن يتراجع ويدعم بيرنهام، الذي أعاده لاحقاً إلى الحكومة وأسند إليه واحدة من أكثر حقائبها حساسية.

يصل ويس ستريتنغ (43 سنة) إلى مقر وزارة الدفاع بعد مسار بدأ في السكن الاجتماعي بشرق لندن، ومرّ باتحادات الطلاب والمجالس المحلية ومقاعد المعارضة، قبل أن يُصبح وزيراً للصحة في حكومة ستارمر.

وهناك، بنى صورته على إصلاح المؤسسات وخفض الهدر بالتوازي مع زيادة الإنفاق، وهي الوصفة نفسها التي يقول إنه يريد نقلها الآن إلى وزارة الدفاع. ويأتي ذلك فيما تواجه بريطانيا ضغوطاً لرفع إنفاقها العسكري، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديدات الروسية، في اختبار جديد لسياسي عُرف بمهاراته التنظيمية والإعلامية وطموحه القيادي.

... من حي ستيبني الشعبي إلى كمبريدج

وُلد ويسلي بول ويليام ستريتنغ عام 1983، ونشأ في سكن اجتماعي في حي ستيبني الشعبي بشرق لندن، لوالدين من الطبقة العاملة كانا في السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمرهما عندما رُزقا به.

وحقاً، تختلف خلفية ستريتنغ العائلية عن الصورة التقليدية لمسيرة وزير بريطاني. فوفق قناة «سكاي نيوز» التلفزيونية وصحيفة «الغارديان»، كان جدّه لأمه لصّاً مسلحاً أمضى فترة في السجن، وعرف خلال سجنه الأخوين كراي، اللذين يعدّان من أشهر زعماء الجريمة المنظمة في لندن. كذلك أمضت جدته فترة في سجن هولواي، حيث التقت كريستين كيلر، إحدى أبرز الشخصيات المرتبطة بـ«فضيحة بروفومو» السياسية - الأخلاقية في ستينات القرن الماضي.

أما جدُّه لأبيه، وهو من قُدامى البحرية الملكية ومؤيد تقليدي للمحافظين، فكان من أكثر الشخصيات تأثيراً فيه خلال فترة طفولته.

دراسياً، تلقى ستريتنغ تعليمه المبكّر في مدرسة وستمنستر سيتي، وهي مدرسة حكومية لا علاقة لها بـ«مدرسة وستمنستر» الخاصة الشهيرة الواقع حرمها على مقربة من قصر البرلمان. وفي سن الرابعة عشرة، خاض انتخابات مدرسية تجريبية مرشحاً باسم حزب العمال وخسر، لكنه انضم إلى الحزب فعلياً في سن الخامسة عشرة.

وبعدها صار أول شخص في عائلته يدخل جامعة ويتخرّج فيها، وفق «رويترز» بعدما درس التاريخ في كلية سلوين بجامعة كمبريدج.

ميول قيادية منذ الجامعة

برزت ميول ستريتنغ القيادية منذ سنواته الجامعية. فقد انتُخب رئيساً لاتحاد طلاب جامعة كمبريدج، ثم تولّى عام 2008 رئاسة الاتحاد الوطني للطلاب في بريطانيا.

وهو على الرغم من انضمامه المُبكر إلى حزب العمال، لم يتردّد في معارضة بعض سياساته. بل إنه غادر الحزب لفترة قصيرة إبان سنوات الجامعة، وفق قناة «سكاي نيوز»، اعتراضاً على حرب العراق التي شاركت فيها حكومة توني بلير إلى جانب الولايات المتحدة.

ومن ثم، بعد تخرّجه، عمل ستريتنغ في القطاع التطوّعي، كما شغل مناصب قيادية في مؤسسات تُعنى بالتعليم ومواجهة عدم المساواة، قبل أن يتّجه إلى العمل السياسي المنتخب.

من المجلس المحلي... إلى وستمنستر

بدأ ويس ستريتنغ مسيرته الانتخابية عضواً في مجلس بلدية ريدبريدج (في منطقة لندن الكبرى) عام 2010، ثم أصبح نائباً لرئيس المجلس عندما سيطر حزب العمال عليه عام 2014.

وفي الانتخابات العامة عام 2015، انتُخب نائباً عن دائرة إيلفورد نورث في شرق لندن (وهي تقع ضمن ريدبريدج)، منتزعاً المقعد من حزب المحافظين. وظلّ يُمثّل هذه الدائرة منذ ذلك الحين.

وطوال سنوات حملة الـ«بريكست»، كان من أبرز المدافعين داخل الحزب عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وأيّد إجراء تصويت شعبي ثانٍ على الاتفاق النهائي للخروج. لكنه لم يدخل فوراً الصفوف القيادية للحزب.

إذ إنه إبان عهد جيريمي كوربن، بقي بعيداً عن قيادة الحزب، وكان من معارضي توجّهات زعيمه اليساري. غير أنه بدأ صعوده السريع في المواقع الحزبية والسياسية بعد انتخاب كير ستارمر زعيماً للحزب عام 2020. في أعقاب ضرب تيار كوربن اليساري.

الصعود مع ستارمر

خلال أقل من سنتين، شغل ستريتنغ سلسلة من المناصب في المعارضة. ووفق السجلّ الرسمي للبرلمان، عيّنه ستارمر وزيراً في «حكومة الظل» لشؤون الخزانة في أبريل (نيسان) 2020، ثم ناطقاً باسم الحزب لشؤون المدارس في أكتوبر (تشرين الأول)، وبعدها لشؤون فقر الأطفال خلال مايو (أيار) 2021، قبل أن يعيّنه وزيراً للصحة في «حكومة الظل» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.

والحقيقة أن قدراته الخطابية والحوارية ساعدته على التواصل الإعلامي وخوض المواجهات السياسية، ومن ثم تعزيز حضوره البرلماني والشعبي. وهنا، تصفه «سكاي نيوز» - التي لا تعد قريبة من حزب العمال - بأنه أحد أفضل المتكلمين في صفوف الحزب وأكثرهم حضوراً، بينما تقول «رويترز» إن مؤيديه يعدُّونه من أكثر سياسيي «العمال» قدرةً على إضفاء الحيوية على رسالته السياسية.

مع هذا، ووسط صعوده السياسي، تعرّض مسيرته لتوقف مفاجئ في مايو 2021، عندما أعلن إصابته بسرطان الكلية وهو في سن الثامنة والثلاثين. وبالفعل، خضع على الأثر لجراحة لاستئصال الكلية، قبل أن يعود إلى البرلمان بعد نحو شهرين. وعام 2023، نشر مذكراته التي تناول فيها طفولته وعائلته ومسيرته الاجتماعية والسياسية.

فاز 825 صوتاً

وصل ويس ستريتنغ إلى الحكومة بعد الفوز الكاسح لـ«العمال» في انتخابات يوليو (تموز) 2024، لكنه كاد يخسر مقعده في تلك الانتخابات.

ففي حين حصد حزب العمال غالبية برلمانية ضخمة، احتفظ ستريتنغ بمقعد إلفورد نورث بفارق بسيط لا يزيد على 528 صوتاً فقط أمام المرشحة المستقلة البريطانية - الفلسطينية ليان محمد، التي بنت حملتها إلى حد كبير على معارضة موقف العمال من «حرب غزة»؛ إذ بلغ مجموع أصوات ستريتنغ يومذاك 15647 صوتاً، مقابل 15119 لمنافسته.

وبالتالي، أظهرت النتيجة هشاشة موقعه الانتخابي المحلي على الرغم من حضوره السياسي على المستوى الوطني، في دائرة شديدة التنوع كان لـ«حرب غزة» تأثير مباشر على خيارات ناخبيها، ولا سيما من المسلمين واليساريين.

قطاع «الصحة»... مختبر ستريتنغ

عُيِّن ستارمر ستريتنغ وزيراً للصحة يوم 5 يوليو (تموز) 2024، مُسنداً إليه واحدة من أصعب حقائب الحكومة. فهذه الحقيبة تشمل مسؤولية إدارة «خدمة الصحة الوطني» NHS التي كانت تواجه قوائم انتظار طويلة، وإضرابات للأطباء، وضغوطاً مالية وبيروقراطية متشعبة.

في البداية، توصَّل الوزير الجديد إلى اتفاق مع الأطباء المُقيمين أنهى موجة من الإضرابات، بيد أنه دخل لاحقاً في صدامات حادّة مع نقابتهم، «الجمعية الطبية البريطانية»، التي اتّهمها في مرحلة لاحقة بالتصرّف كـ«احتكار» (كارتل)، وفق «الغارديان».

أكثر من هذا، أثار ستريتنغ حفيظة الجناح اليساري في الحزب بسبب استعداده للاستعانة بالقطاع الخاص لتقليص قوائم الانتظار. ودافع عن ذلك بالقول إنه لا يجوز أن ينتظر المريض دوره لأسباب آيديولوجية إذا كانت الإمكانية العلاجية متاحة خارج القطاع العام. وفعلاً، أبرمت الحكومة في يناير (كانون الثاني) 2025 اتفاقاً مع مقدّمي الخدمات المستقلين لتوسيع علاج مرضى «خدمة الصحة الوطنية» في مرافق القطاع الخاص.

لكن قرار ستريتنغ الأكثر جرأة كان إلغاء مؤسسة «إن إتش إس إنغلاند» وإعادة وظائفها تدريجياً إلى وزارة الصحة، بهدف تقليص البيروقراطية وإنهاء تداخل الصلاحيات. وبرَّر في حينه القرار بأن النظام بات يضم جهازين يؤديان وظائف متداخلة. وبالنتيجة، سجلت قوائم الانتظار تراجعاً خلال ولايته.

واللافت أن الحكومة ذكرت أن مليوني موعد إضافي أُنجزت قبل الموعد المحدّد بسبعة أشهر، فيما أشار ستريتنغ إلى توفير خمسة ملايين موعد طبي إضافي خلال السنة الأولى، وتحقيق «أكبر انخفاض في أوقات الانتظار منذ 17 سنة». إلا أن تجدّد إضرابات الأطباء لاحقاً هدد - وفق «رويترز» - بتقويض جانب من هذا التقدم.

من حليف لستارمر إلى خصم ومنافس

بالتوازي، ظل ستريتنغ طامحاً إلى زعامة حزب العمال. لكن الخلاف بينه وبين ستارمر لم يخرج إلى العلن إلا في مايو الماضي، بعد سلسلة من النتائج الانتخابية السيئة للحزب، ففي يوم 14 مايو، كان ستريتنغ أول وزير كبير يستقيل مطالباً بتغيير قيادة الحزب. وكتب على «إكس» في رسالة استقالته: «حيث نحتاج إلى رؤية، هناك فراغ. وحيث نحتاج إلى اتجاه، هناك انجراف». وبعد يومين، أعلن أنه سيترشّح في أي سباق لخلافة ستارمر، لكنه رفض الدفع نحو منافسة فورية قبل منح بيرنهام فرصة للعودة إلى مجلس العموم، قائلاً إن سباقاً يستبعده سيفتقر إلى الشرعية.

إلا أنه بعد فوز بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية وعودته إلى مجلس العموم، أعلن ستريتنغ يوم 22 يونيو (حزيران) انسحابه من السباق ودعمه بيرنهام، قائلاً إن الحزب يحتاج إلى الوحدة بدلاً من «تضخيم الاختلافات الصغيرة». وبعد أقل من شهر، أعاده بيرنهام إلى الحكومة وزيراً للدفاع.

توجُّه «بليري»؟

يُصنَّف ستريتنغ عادة ضمن «يمين» حزب العمال، وهو لا يخفي إعجابه بتوني بلير. ووفق مصادر مطلعة، فإنه لو خاض سباق الزعامة، كان سيطرح برنامجاً أكثر قرباً من قطاع الأعمال من منافسيه المحتملين، كما سبق أن أعرب عن ضيقه من ارتفاع مستويات الضرائب في بريطانيا.

مع هذا، لا تتطابق مواقفه دائماً مع مواقف الجناح «البليري» في الحزب؛ إذ عارض «حرب العراق» وهو طالب، كما أنه من أبرز المؤيدين للتقارب مع الاتحاد الأوروبي. وذهب في مايو إلى حد الدعوة إلى عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، بعدما كان قد دعا إلى دراسة الانضمام مجدداً إلى اتحاد جمركي معه.

وإزاء الهجرة، تصفه «سكاي نيوز» بأنه أكثر ليبرالية من بعض زملائه، وأبدى تحفّظات عن جوانب من تشديد قواعد التأشيرات واللجوء، وعلى ترحيل العائلات التي تدخل بريطانيا بصورة غير نظامية.

أما حيال الإنفاق العام، فأظهر استعداداً لمواقف أكثر صرامة. وكان، وفق «رويترز»، أول وزير في حكومة ستارمر يدعو علناً إلى خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.

من المستشفيات... إلى الصواريخ

هذه المواقف سبقت انتقاله إلى الدفاع، ولعلها أسهمت في اختيار بيرنهام له؛ فالوزارة التي تسلَّمها تواجه تحدّياً أساسياً: التوفيق بين الطموحات العسكرية المتزايدة لبريطانيا والموارد المتاحة لتمويلها. وكانت حكومة ستارمر قد أقرت في أيامها الأخيرة زيادة قدرها 15 مليار جنيه إسترليني في الإنفاق العسكري على مدى أربع سنوات. كذلك التزمت بريطانيا، في إطار «الناتو»، برفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.

وفي أول خطاب كبير لستريتنغ خلال معرض فارنبورو للطيران، قال إن الدفاع «يحتاج إلى الاستثمار والتحديث معاً»، مؤكداً أنه سيطبق في الوزارة الجديدة النهج نفسه الذي اتبعه في وزارة الصحة لخفض الهدر وتحسين الكفاءة.

وأعلن أن الحكومة أبرمت عقوداً دفاعية تتجاوز قيمتها 11.8 مليار جنيه خلال عشرة أيام فقط، وتعهد بأن تكون بريطانيا «حليفاً قوياً يمكن الاعتماد عليه» في الخارج، وأن تدعم الصناعات الدفاعية النمو والوظائف في الداخل.هذا، وجاءت بداية ستريتنغ في الوزارة أيضاً وسط اختبار سريع للتهديدات الأمنية التي ستتعامل معها. ففي أول أيامه، وصف مناورة روسية بالذخيرة الحية قبالة الساحل الإنجليزي بأنها «استعراضية وغير مسؤولة»، وقال إن الحادث ليس سوى «قمة جبل الجليد» من التهديدات التي تواجهها بريطانيا وحلفاؤها يومياً.


تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات
TT

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره في وزارة الصحة؛ مؤسسة حكومية ضخمة تحتاج إلى تمويل أكبر، بالتزامن مع إصلاح طريقة إنفاقها.

كان ستريتنغ، قبل توليه الحقيبة، من أبرز الأصوات داخل حكومة كير ستارمر المطالبة بزيادة موارد القوات المسلحة. لكن مهمته الجديدة تتجاوز الضغط للحصول على التمويل؛ إذ يتعين عليه تحديث جيش تقلّص حجمه بصورة كبيرة منذ الحرب الباردة، وتسريع مشاريع تسليح تأخرت لسنوات، وتقليص الهدر والبيروقراطية، في وقت تتزايد التزامات بريطانيا تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا والتهديدات العسكرية غير التقليدية.

بيانات جمعتها الـ«بي بي سي» كشفت عن حجم التراجع الذي شهدته القوات المسلحة في العقود الماضية. فعام 1990، كان عديد الجيش البريطاني 153 ألف جندي نظامي، مقابل نحو 73.8 ألف حالياً. كما انخفض عدد قوات الاحتياط من 76 ألفاً إلى نحو 25.8 ألف، وتراجعت طلبات الالتحاق بالجيش بنحو 40 في المائة عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

الصورة مماثلة في سلاحي البحر والجو. إذ انخفض عدد السفن القتالية الرئيسة في البحرية الملكية من 48 عام 1990 إلى سبع فرقاطات وست مدمّرات، في حين تقلّص أسطول الطائرات القتالية من أكثر من 300 طائرة إلى 107 من طراز «تايفون»، و37 مقاتلة «إف – 35»، وإن كانت الطائرات الحديثة أكثر تطوّراً من سابقاتها.

وتكتسب هذه الأرقام وزناً أكبر في ظل ما وصفته مكتبة مجلس اللوردات البريطاني بأنه «أصعب بيئة أمنية منذ الحرب الباردة». فمراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025 اعتبرت أن الغزو الروسي لأوكرانيا أعاد إلى أوروبا احتمال الحروب الواسعة بين الدول، وكشف عن أهمية الجاهزية العسكرية والمخزونات والقدرة الصناعية. وحذّرت من تصاعد التهديدات الهجينة، من الهجمات الإلكترونية والتخريب إلى حملات التضليل واستهداف البنية التحتية الحيوية، ودعت إلى الانتقال نحو «الجاهزية لخوض الحرب»، مع زيادة الاعتماد على المسيّرات والذكاء الاصطناعي وربطها بالقوات التقليدية.

ولكن المشكلة لا تقتصر على حجم الموارد البشرية والعتاد العسكري. فقد أشار «مكتب التدقيق الوطني» إلى أن وزارة الدفاع تواجه منذ سنوات صعوبات في تسليم مشاريعها ضمن الميزانية والجدول الزمني المحددين. ومن أصل 47 مشروعاً دفاعياً مدرجاً ضمن أكبر مشاريع الحكومة، صُنّف 12 منها في خانة «الأحمر»، أي أن تنفيذها الناجح بات غير مرجح. كما يستغرق إبرام عقد تزيد قيمته على 20 مليون جنيه إسترليني في المتوسط ست سنوات ونصف السنة، وفق الـ«بي بي سي».

وتزداد حساسية مهمة ستريتنغ؛ لأن سلفه في وزارة الدفاع، جون هيلي، أصبح وزيراً للخزانة، وبات مسؤولاً عن توفير الأموال التي كان يطالب بها سابقاً. وتلتزم بريطانيا رفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي بحلول 2035، ضمن هدف أوسع لـ«ناتو» يبلغ 5 في المائة للأمن الوطني.