ثلاثة أفلام عن السود والفهود والعدو اللدود

تربط بين الأمس العنصري والوضع الحالي

دلروي ليندو (يسار) في «ذا فايف بلودز»
دلروي ليندو (يسار) في «ذا فايف بلودز»
TT

ثلاثة أفلام عن السود والفهود والعدو اللدود

دلروي ليندو (يسار) في «ذا فايف بلودز»
دلروي ليندو (يسار) في «ذا فايف بلودز»

تعاملت الولايات المتحدة الأميركية مع العنصرية من دون أن تتعايش معها. وجدت نفسها منقسمة بين اتجاهين واحد عنصري والآخر ليبرالي مناوئ منذ قرار الرئيس إبراهام لينكولن تحرير الزنوج الذي تم استقدامهم من القارة الأفريقية من العبودية. أدّى ذلك إلى الحرب الأهلية في عام 1861 التي استمرت لأربع سنوات قبل أن تنتهي بانتصار الشمال الليبرالي على الجنوب المحافظ الذي أصر على الاستمرار باعتبار السود أقل شأناً ومرتبة إنسانية من البيض.
انتهت الحرب ولم تنته العنصرية، بل استمرت كون العنف بقي سائداً ليس في الجنوب الأميركي وحده، بل في العديد من الولايات الأميركية حتى في تلك التي حاربت ضد العنصرية.
تُظهر الإحصاءات الأميركية ارتفاع نسبة الحوادث العنصرية من 457 حادثاً سنة 1999 إلى 838 حادثاً في العام الماضي وذروة الحوادث حصلت سنة 2018 عندما بلغت 1007 حوادث. يدخل في الاعتبار هنا أن هذه الحوادث لا تشمل تلك الموجهة ضد السود (ولو أنها غالبة)، بل تتضمن تلك التي واجهتها فئات أخرى كالهنود الحمر وذوي الجنسيات الشرق أوسطية والجنوب شرقي آسيوية على حد سواء.
وقبل يومين نشرت صحيفة «يو إس أ توداي» تحقيقاً حول تزايد عدد الحوادث العنصرية الموجهة ضد الأميركيين ذوي الأصول الجنوب آسيوية، آخرها ما تعرّض له مواطن من أصل صيني في الحادية والتسعين من العمر من ضرب مبرح بعد أيام قليلة من مقتل رجل صيني في سان فرانسيسكو واعتداء على سيدة فيتنامية في سان جوزيه (كاليفورنيا) ورجل فلبيني في نيويورك.

- فيتنام وما بعد
في هذا الخضم توالى عرض ثلاثة أفلام من ثلاثة مخرجين أفرو - أميركيين تناولت قضية العنصرية من زوايا مختلفة. اثنان منها استندا إلى أحداث وشخصيات حقيقية والثالث هو تأليف يستوحي من الواقع ما يستوحيه في سبيل تجسيد قضيّته.
الأفلام الثلاثة، حسب ترتيب عروضها، هي «دا فايف بلودز» لسبايك لي و«ليلة واحدة في ميامي» لرجينا كينغ و«جوداس والمسيح الأسود» لشاكا كينغ (لا قربى بينهما).
البعض قد يضم فيلمين جديدين آخرين إلى هذه المجموعة «محاكمة شيكاغو 7» لآرون سوركِن و«مؤخرة ما رايني السوداء» لفيولا ديفيز كونهما يحتويان أيضاً على أكثر من ذكر للموضوع العنصري. لكن فيلم سوركن هو من إخراج سينمائي أبيض البشرة والموضوع يتجاوز العنصرية بحد ذاتها، وفيلم ديفيز يبتعد بشأنه الخاص كونه يعود في حكايته لمعالجة الوضع العنصري في شيكاغو العشرينات بينما تعالج الأفلام الثلاث المذكورة وقائع أقرب.
فيلم سبايك لي ينطلق من الستينات بلقطة وثائقية للملاكم محمد علي (بعد اعتناقه الإسلام) وهو يقول للصحافة بأنه يرفض الاشتراك في الحرب الفيتنامية مضيفاً إلى أن الفيتناميين لا يطلقون عليه كلمة Nigger (زنجي) قاصداً الإشارة إلى الكلمة المشاعة بين البيض العنصريين حيال الأفرو - أميركيين‪.‬
لكن أحداث الفيلم الميدانية تقع في فيتنام، ليس خلال الحرب خلال الستينات وجزء من السبعينات بل خلال الزمن الراهن. أبطاله خمسة من الجنود الأميركيين السود الذين حاربوا في فيتنام (يشير المخرج في فيلمه إلى الإعلام المقصّر في الإشارة إلى أن ثلث الجنود الأميركيين الذين خاضوا القتال هناك كانوا من السود) ويعودون الآن للبحث عن صندوق من الذهب يعلمون بوجوده مطموراً في بعض أدغال البلاد. في البال، في مطلع الأمر، استعادة الذهب الذي كانت القوات الأميركية بصدد نقله من فيتنام خلال انسحابها، وتخصيص معظمه لمساعدة العائلات الأفرو - أميركية في الولايات المتحدة عبر إعانات وصناديق دعم اقتصادية. لكن هذا لن يقع عندما يبدأ أحدهم (دلروي ليندو) بالإعلان عن أن نيّته هي استحواذ حصّته لنفسه فقط، ثم يزداد طمعه فإذا به يريد الكنز لنفسه عنوة عن الباقين. هذا في الوقت الذي تم لفيتناميين وعناصر أخرى رصد الخمسة واكتشاف ما هم في سبيل فعله ما يقود لمعارك دامية.
‫في الخطوط العريضة يبدو الفيلم كحكاية تشويقية. صراع على الذهب الذي يذهب بعقل أحدهم (كما في فيلم جون هيوستن «كنوز سييرا مادري»، سنة 1948. عندما يفقد همفري بوغارت رجاحة عقله حال يكتشف الذهب). لكن لي يوظف كل دقيقة ممكنة من الفيلم للإشارة إلى الواقع والتاريخ العنصريين في الولايات المتحدة إما عبر الحوار بين أبطاله وإما عبر مشاهد وثائقية.‬

- غضب مُشع
مع «ليلة واحدة في ميامي» نبقى في إطار الفيلم الداخلي معظم الوقت. مرّة أخرى نرى محمد علي (يؤديه إيلي غوري) إنما هنا كأحد الشخصيات السوداء الأربعة الذين يلتقون للاحتفال بنصره وحيازته لقب «وورلد شامبيون» في الخامس والعشرين من فبراير (شباط) سنة 1964. الآخرون الذين التقوا في شقة في فندق يرتاده السود فقط، هم الداعي مالكولم أكس (كينغزلي بن أدير) والممثل جيم براون (ألديس هودج) والمغني سام كوك (لسلي أودوم جونيور). لقاء كان من المفترض به أن يكون ودّياً سيعلن بعده كاسيوس كلاي اعتناقه الإسلام بعدما أقنعه مالكولم أكس بذلك. لكن اللقاء يتحوّل إلى نقاش حاد محوره الإسلام من ناحية ودور الأفرو - أميركيين في التصدي للعنصرية ضد عرقهم الأسود.
تدير المخرجة رجينا كينغ بمهارة الحدث موزّعة فصوله بين ما جرى في الواقع وما كان يجب إضافته من أحداث كشرط لإتمام فيلمها على نحو صحيح. توزّع النقاش بلا انحياز بين الأربعة خصوصاً بين مالكولم وسام كوك. الأول ينتقد الثاني كونه يغني أغاني الحب وحدها، مستفيداً من رسالة رومانسية تُعجب البيض، والثاني يكيل لمالكولم أكس مناهضته لإسلامه وللدور الذي يطلبه مالكولم منه. كل لديه حجة قوية ولكن قبل مقتل سام كوك بظروف غامضة بعد فترة ليست بالطويلة عقب هذا اللقاء (ومقتل مالكولم إكس اغتيالاً وسجن محمد علي لرفضه التجنيد) قام كوك بإطلاق أغنية عكس فيها قناعته بالتوجه لجمهوره من البيض والسود بأغنية تعكس المعاناة (I was Born By the River in a Little Tent).
أسلوب عمل سبايك لي خاص به، ورجينا كينغ تبتعد عنه باختيارها صوب سرد مبني على مشارف العمل المسرحي مع توزيع اللقطات وتنويع المشاهد كما يجب للفيلم أن يكون. وكلاهما، لي وكينغ يختلفان في عملهما عن أسلوب شاكا كينغ في «يهوذا والمسيح الأسود».
هذا الفيلم مستخلص أيضاً، كما «ليلة واحدة في ميامي» من أحداث واقعة: في أوج بزوغ حركة الفهود السود الأميركية نجد فرد هامبتون (دانيال كاليويا) يقود فرع مدينة إيلينوي (شيكاغو) للحركة. بغية التجسس على نشاطاته والكشف عن تحركاته ومساعيه تقوم FBI بزرع عميل أفرو - أميركي اسمه أو نيل (لاكيث ستانفيلد) للتجسس عليه.
المرجعية الدينية موجودة في العنوان، لكن تلك السياسية هي ما يتناوله الفيلم في طي أحداثه. هو الصراع بين قائد ثوري وجماعته المؤمنة به التي تم دس عميل فيها لكي يسهم في وأده والقضاء عليها. شاكا كينغ يستند إلى الأحداث أساساً ولا يحتاج لكثير من التغيير. يستعين بممثلين رائعين (كل المواهب الأفرو - أميركية المشتركة تمثيلاً في هذه الأفلام رائعة الأداء) ويسرد حكاية لا تكتفي بإعادة سرد تاريخ، بل تدفع به للالتقاء مع الوضع الحاضر.
هناك غضب مشع من الفيلم أقل تستراً من الفيلمين الآخرين يفهمه جميع المشاهدين (سود وبيض). السيناريو لول بريسون وشاكا كينغ ليس في وارد تمويه الأحداث لخاطر عملية إرضاء واسعة. لكن ميزته هنا هي إنه في الوقت الذي يجعل من شخصية هامبتون القيادة المُستنيرة سياسياً شخصية قيادية قوية، نجد العميل المدسوس أقرب لأن يكون ضحية الوضع أساساً (تم تهديده بالسجن إذا لم يلعب دوره جيداً) من دون أن يمنحه المخرج أي عذر أو تبرير.


مقالات ذات صلة

«العيون الخضراء» يسبر أغوار متلازمة الاستسلام

يوميات الشرق لقطة من فيلم «العيون الخضراء» (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)

«العيون الخضراء» يسبر أغوار متلازمة الاستسلام

لا تترك الصدمات الكبرى أثرها بالطريقة نفسها على الجميع. فبينما يواجهها بعضهم بالغضب أو البكاء أو الهروب، يختار آخرون الانسحاب الكامل من العالم.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق زيندايا في مشهد من فيلم الدراما النفسي «ذا دراما» (imdb)

زيندايا تدخل الثلاثين... ماذا بعد الوصول المبكر؟

لطالما ارتبط سنُّ الثلاثين في الوعي الفني بمرحلة إعادة الحسابات والترتيب، بيد أن الأمر يبدو مختلفاً تماماً مع الممثلة الأميركية زيندايا.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق شريف منير وعلا غانم في لقطة من فيلم «سهر الليالي» (الشركة المنتجة)

«سهر الليالي 2» يتجاوز أزماته الإنتاجية... ويراهن على التجديد

تجاوز الجزء الثاني من فيلم «سهر الليالي» أزماته الإنتاجية والفنية ليبدأ مرحلة اختيار أبطاله من الممثلين الشباب.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق المدير الفني لمهرجان لوكارنو جيونا ناتزارو (إدارة المهرجان)

جيونا ناتزارو: «صندوق البحر الأحمر» أسهم في تغيير صورة السينما العربية عالمياً

قال المدير الفني لمهرجان لوكارنو السينمائي في سويسرا، جيونا ناتزارو، إن «صندوق البحر الأحمر» يمثل أحد العناصر المهمة في دعم السينما العربية المعاصرة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الاستعدادات النهائية في مقرّ «مهرجان فينيسيا» قبيل انطلاق دورته الـ83 (إ.ب.أ)

المهرجان الإيطالي يعِد مشتركيه بإرسال أفلامهم إلى الأوسكار

ماغي جيلنهال تترأس لجنة تحكيم «مهرجان فينيسيا»، التي تضمّ أيضاً المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

محمد رُضا (فينيسيا)

العصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود

جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
TT

العصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود

جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)

تشارك المخرجة الأميركية باربرا كوبل في الدورة المقبلة من «مهرجان فينيسيا» (من 2 إلى 12 سبتمبر/ أيلول المقبل) بفيلمها الجديد «Union Town»، ضمن قسم الأفلام التسجيلية الذي يضم 18 فيلماً آخر.

«يونيون تاون» سياسي النبرة، شأنه شأن أفلامها السابقة، وأشهرها «Harlan County, USA». ويتناول الفيلم الجديد عمال توصيل الطلبات المحتجِّين على ساعات العمل الطويلة وتدنِّي الأجور. وكوبل هي المخرجة الوحيدة التي فازت مرتين بـ«أوسكار أفضل فيلم تسجيلي»؛ الأولى عن «هارلن كاونتي» (1976)، والثانية عن «حلم أميركي (American Dream)» (1990). لذا؛ فمن المتوقع أن يشقَّ «يونيون تاون» طريقه إلى ترشيحات «الأوسكار» في العام المقبل، وربما يمنحها الفوز لثالث مرة.

تجسُّس: جين هاكمن في «المحادثة» (باراماونت)

نماذج أولى

كوبل واحدة من جيل سينمائي أولى السياسة اهتماماً خاصاً في الستينات والسبعينات. أتحدَّث هنا عن روبرت ردفورد، وجاك نيكولسون، ووارن بيتي، وبيتر فوندا؛ من الممثلين، وهال أشبي، وفرنسيس فورد كوبولا، وألان ج. باكولا، وسيدني بولاك، وميلوش فورمان؛ من المخرجين. كانت تلك الحقبة مهمَّة؛ لأنها مرحلة أساسية في تاريخ «هوليوود»، حين التفتَ ذلك الرعيل إلى الموضوعات السياسية، ليشكلوا ما يمكن وصفه بالعصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود.

مبدئياً، كانت «هوليوود» والسياسة على طرفي نقيض منذ انتشرت عبارة لا يزال صداها يتردد إلى اليوم: «إذا كانت لديك رسالة، فأرسلها إلى (وسترن يونيون)». وربما كان المنتج سام غولدوين أول من قالها، لكنها ترددت على ألسنة آخرين رأوا أنه لا داعي إلى دمج الأفلام بالسياسة؛ فالأفلام غايتها الترفيه، بينما السياسة فعل مضاد له.

لكن هذا لم يكن صحيحاً يوماً. فقد ضربت السياسة أطنابها في السينما منذ عهد الأفلام الصامتة. وكان «ميلادُ أُمَّة (Birth of a Nation)»؛ الملحمةُ التي أنجزها ديفيد وورك غريفيث عام 1915، فيلماً سياسياً مجَّد جماعة «كو كلوكس كلان»، وأيَّد الجنوب المناوئ تحرير«العبيد».

كانت أفلام المرحلة المكارثية، والأفلام التي هاجمها اليمين لكونها ناقدة، أو عُدّت ترويجاً لليسار، كلها سياسية. ومن بينها فيلم تشارلي تشابلن «أزمنة معاصرة (Modern Times)» عام 1936، وفيلم إدوارد دميتريك «مرمى نيران (Crossfire)» عام 1947. وحتى فيلما الوسترن «حادثة أوكس بو (The Ox-Bow Incident)» لوليام أ. ولمان (1943)، و«ذروة الظهر (High Noon)» لِفرِد زينمان (1952)، تضمَّنا السياسة في صلب موضوعيهما.

وغنيٌّ عن القول إن كل نتاج سينمائي يُعبِّر، بصورة أو بأخرى، عن موقف سياسي. فأفلام الترفيه تبعث الطمأنينة، وتخفِّف وطأة المصاعب، وتسلِّي الناس، وهو المنوال الذي طبع غالبية إنتاجات «هوليوود» حتى اليوم. وبدورها، تعبِّر الأفلام التي تروّج لفكرة يمينية أو يسارية عن مضمون يستخدم السينما وسيلة لنشر الرسالة.

«المنظر المختلف» مع وارن بيتي (باراماونت)

دولة عميقة

بدت المسألة أوضح في الستينات والسبعينات، عندما أمسك عدد من المخرجين بزمام الأمور كما لم يحدث من قبل. وفي سياق البحث عن موضوعات جديدة، منحت «هوليوود» مخرجيها حرية اختيار الموضوعات وكيفية معالجتها.

كان «دكتور سترانجلوف (Dr. Strangelove)» لستانلي كوبريك (1964) رائداً في الستينات، بسخريته من سياسة البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية. وفي العام نفسه، قدَّم جون فرانكنهايمر «7 أيام في مايو (Seven Days in May)»، الذي تناول مخططاً يقوده عدد من كبار القادة العسكريين للانقلاب على رئيس الولايات المتحدة؛ اعتراضاً على توقيعه معاهدة لنزع السلاح النووي مع الاتحاد السوفياتي.

وكان فرانكنهايمر قد حقق فيلماً من النوع نفسه عام 1962، بعنوان «المرشَّح المنشوري (The Manchurian Candidate)»، حيث نجد لورنس هارفي عائداً من الحرب الكورية بعدما غُسل دماغه ليخدم الأجندة الشيوعية في أميركا.

لكن الأعمال الأكبر نضجاً وتعبيراً عن تمرُّد «هوليوود» على وصايا المكارثية ومخلَّفاتها، وعلى الخوف من المجهول، كانت تلك التي تناولت بصراحة موضوع «الدولة العميقة».

ومن أبرز الأفلام في هذا الصدد عملان حققهما ألان ج. باكولا باحتراف لافت، هما «كلوت (Klute)» عام 1971، و«المنظر المختلف (The Parallax View)» عام 1974. وكلاهما فيلم تشويقي يتناول جهات خفية تدير البلاد، وتُقدِم على القتل إذا شعرت بأن الضحية تهدد مصالحها.

وحقق باكولا بعد ذلك فيلماً مهماً آخر هو «كل رجال الرئيس (All the President’s Men)» عام 1976، عن تحقيقات الصحافيين بوب وودوورد، وكارل بيرنستاين، التي أدَّت إلى الكشف عمّا تُعرف حتى اليوم بفضيحة «ووترغيت».

وفي الاتجاه نفسه، شخَّص فرنسيس فورد كوبولا، في «المحادثة (The Conversation)»، 1974، من بطولة جين هاكمن، وضعاً مماثلاً، حيث توجد جهات نافذة تتجسَّس على المواطنين. ومع نهاية العقد نفسه، حقق رائعته «القيامة الآن (Apocalypse Now)»، التي تناولت الحرب الفيتنامية من وجهة نظر انتقادية صارمة.

أسهمت أفلام السبعينات في الكشف عن فضيحة «ووترغيت» وانتقاد حرب فيتنام والمؤسسة العسكرية الأميركية

فيتنام وسواها

شهدت «هوليوود»، منذ الستينات والسبعينات وفي العقود التالية، سيلاً من الأفلام التي تناولت الحرب الفيتنامية من وجهة نظر معارضة لها، كما في «العودة إلى الوطن» لهال أشبي، و«فصيلة (Platoon)» لأوليفر ستون، و«خسائر الحرب (Casualties of War)» لبرايان دي بالما. وفي المقابل، ظهرت أفلام قليلة أيدتها، من بينها «القبعات الخضر (The Green Berets)» لجون واين عام 1968، الذي قدَّم تلك الحرب بوصفها مشروعة.

شكَّلت تلك الحرب مصدر قلق في الداخل الأميركي، ونتجت عنها أعمال لم ترتبط بها مباشرة، بقدر ما مثَّلت ارتداداً معارضاً لها، كما في «إيزي رايدر» لبيتر فوندا (1969)، الذي شارك جاك نيكولسون في بطولته. وقاد نيكولسون لاحقاً بطولة فيلمين ناقدين للمؤسسة؛ أولهما «التفصيلة الأخيرة (The Last Detail)» لهال أشبي عام 1973، وثانيهما «واحد طار فوق عش المجانين (One Flew Over the Cuckoo’s Nest)» لميلوش فورمان عام 1975.

وكان لروبرت ردفورد حضوره المهم في هذا المجال. فإلى جانب «كل رجال الرئيس»، الذي تقاسم بطولته مع داستن هوفمان، قاد بطولة «3 أيام للكوندور (Three Days of the Condor)» لسيدني بولاك عام 1975، حيث تعمد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى اغتيال موظفيها.


شاشة الناقد: فيلمان في زمانين متباعدين حول لص فاشل وعالم يتهاوى

 جوش أوكونور في المتحف. لقطة من «العقل المدبّر» (ذا ماتش فاكتوري)
جوش أوكونور في المتحف. لقطة من «العقل المدبّر» (ذا ماتش فاكتوري)
TT

شاشة الناقد: فيلمان في زمانين متباعدين حول لص فاشل وعالم يتهاوى

 جوش أوكونور في المتحف. لقطة من «العقل المدبّر» (ذا ماتش فاكتوري)
جوش أوكونور في المتحف. لقطة من «العقل المدبّر» (ذا ماتش فاكتوري)

THE MASTERMIND ★★★★

إخراج: ‪كيلي رايكارت

الولايات المتحدة (2025).‬

نتعرّف منذ البداية على جيمس بلين موني (جوش أوكونور) داخل متحف صغير في بلدة بولاية ماساتشوستس. يتمشّى بين الغرف التي تعلو جدرانها لوحات مختلفة قد لا تضاهي، من حيث أهميتها الفنية، ما لدى المتاحف الكبيرة من أعمال، لكنها تبقى ذات قيمة. يعاينها تمهيداً لسرقة بعضها، مستغلاً حارساً ينام على كرسيه طوال الوقت.

جيمس ليس لصاً محترفاً كلصوص الأفلام البوليسية والتشويقية الأخرى، بل هو ذلك النوع من الرجال الذي لا يمكن أن يلفت الأنظار إليه. لا يمتلك سمات البطولة ولا مهارات اللصوص المحترفين. هو متزوّج وله ولدان، ويعتقد أنه وضع خطّة محكمة، طالباً من شابّين دخول المتحف وسرقة أربع لوحات سيخفيها لاحقاً في عُلّية بيته، إلى أن يتدبّر أمر بيعها. لكن أحد الشابّين يقع في قبضة الشرطة ويعترف، أما الآخر فيُبلغ عصابةً من المحترفين بأمره، فتجبره على تسليم اللوحات. وبذلك، يخرج خالي الوفاض ومطلوباً من العدالة في آن واحد. وأكثر من ذلك، يخسر زوجته وولديه.

تتلاحق الأحداث، لكن الفيلم لا يرصفها بغرض التشويق. تتّسم أفلام المخرجة بالتواضع والهدوء في الإيقاع والتنفيذ؛ فلا تهدر طاقتها ولا تنفعل ولا تحاول إثبات وجودها، بل تستند إلى شخصيات وحكايات قابلة للتصديق، لكونها تلتزم طبيعة الأشياء ولا تحاول تجاوزها.

«العقل المدبّر» ليس فيلماً يسعى إلى الإثارة والتشويق، لكن متابعته تثير فضولاً قوياً لمعرفة ما سيؤول إليه وضع بطله، وما تنوي المخرجة الإشارة إليه. هناك ثغرة أو اثنتان في الكتابة (لا يمكن أن يكون حارس المتحف نائماً في كل مرة يظهر فيها)، لكنهما لا تؤثران في سياق العمل ولا في قدرته الجلية على إثارة الاهتمام.

بالهدوء نفسه، تطرح المخرجة الحاضنة الزمنية للأحداث. هناك السيارات القديمة، والأخبار التلفزيونية عن مجريات حرب فيتنام، وفي مشهد آخر ملصقات لحركة احتجاجية للسود ضد العنصرية. إنها أجواء نهاية الستينات ومطلع السبعينات، وما تلبث النهاية أن تصفع بطل الفيلم كما تصفع تعاطفنا مع وضعه الصعب.

في كل ذلك، لا يُمثِّل جوش أوكونور الدور بقدر ما يعيشه، مقدّماً أداءً موهوباً ينسجم مع رؤية المخرجة وطريقتها في التعامل مع كل ما يرتسم على الشاشة.

THE DOG STARS ★★★

إخراج: ريدلي سكوت

‫• الولايات المتحدة (2026) ‬

عروض: تجارية.

في هذا الفيلم، ينتقل ريدلي سكوت من التاريخ الذي عاينه في «نابليون» و«غلادياتور 2» (2023 و2024 على التوالي) إلى المستقبل. وكان قد سبق له استكشاف المستقبل والفضاء البعيد في 3 أفلام من سلسلة «إيليَن» (Alien).

لقطة من «ذ دوغ ستارز» (تونتييث سنتشري فوكس)

هذه المرّة يتحدّث عن مستقبل لا يبدو بعيداً نقلاً عن رواية لبيتر هَلَر (أول فيلم مقتبس من أعماله): مجموعة من الأشخاص الذين بقوا على قيد الحياة بعد انهيار شامل لمعالمها. هيغ (جاكوب إلرودي) وبانغلي (جوش برولين) وبضعة آخرين يدافعون عن حياتهم ضد قتلة تبحث عن الطعام والمأوى والأمان معاً. إنه قتال للبقاء على قيد الحياة والغلبة لمن ينتصر.

ففي 2035، يتوقع الفيلم، سينتشر فيروس يقضي على ملايين الناس ومن يبقى حياً بات عليه الدفاع عن حياته. هذا ليس فيلم رعب من نوع «بعد 28 يوماً»، الذي أطلق سلسلة ناجحة تتمحور حول حبكة مشابهة، بل فيلم أكشن ينطوي على قدر كبير من التأمل في ما قد يصبح عليه العالم قريباً إذا مُحيت مكوّناته الاجتماعية تحت أي ظرف.

لا يدّعي سكوت اكتشاف موضوع جديد، إنما تكمن قيمة ما يعرضه في معالجة الحكاية على نحو موحٍ وبتنفيذ جيِّد. وما يحقّقه هنا جيّد أيضاً، في الوقت الذي يقرّر فيه ترك الباب مفتوحاً أمام نهاية تحمل قدراً من الأمل. إنه فيلم مختلف عن غالبية أفلام المخرج، من حيث رغبته في أن يكون مادة للدراسة، من دون التخلّي عن تنفيذ مشاهد قتال فاعلة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
TT

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)

أعلن مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، عبر موقعه الإلكتروني أن فيلما وثائقيا عن غزة من إخراج مخرجين إسرائيليين حائزين جائزة الأوسكار، سينضم إلى الاختيارات الرسمية للدورة الثالثة والثمانين للمهرجان التي تقام في الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر (أيلول).

وكان المخرجان يوفال أبراهام وراحيل تسور من بين المشاركين في تأليف الوثائقي الشهير «لا أرض أخرى» (No Other Land) الذي يتناول الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والحائز جائزة أوسكار لأفضل فيلم وثائقي لعام 2025.

ويكشف هذا الفيلم الجديد الذي يحمل عنوان «نازا»، بالتفصيل «الآليات الكامنة وراء المجزرة المخطط لها التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة» بحسب ما جاء في بيان مهرجان البندقية السينمائي.

وسيُعرض الفيلم في 10سبتمبر بحضور المخرجين والمنتجين وصحافيين من «ذي غارديان" البريطانية التي تشارك في الإنتاج.