ثلاثة أفلام عن السود والفهود والعدو اللدود

تربط بين الأمس العنصري والوضع الحالي

دلروي ليندو (يسار) في «ذا فايف بلودز»
دلروي ليندو (يسار) في «ذا فايف بلودز»
TT

ثلاثة أفلام عن السود والفهود والعدو اللدود

دلروي ليندو (يسار) في «ذا فايف بلودز»
دلروي ليندو (يسار) في «ذا فايف بلودز»

تعاملت الولايات المتحدة الأميركية مع العنصرية من دون أن تتعايش معها. وجدت نفسها منقسمة بين اتجاهين واحد عنصري والآخر ليبرالي مناوئ منذ قرار الرئيس إبراهام لينكولن تحرير الزنوج الذي تم استقدامهم من القارة الأفريقية من العبودية. أدّى ذلك إلى الحرب الأهلية في عام 1861 التي استمرت لأربع سنوات قبل أن تنتهي بانتصار الشمال الليبرالي على الجنوب المحافظ الذي أصر على الاستمرار باعتبار السود أقل شأناً ومرتبة إنسانية من البيض.
انتهت الحرب ولم تنته العنصرية، بل استمرت كون العنف بقي سائداً ليس في الجنوب الأميركي وحده، بل في العديد من الولايات الأميركية حتى في تلك التي حاربت ضد العنصرية.
تُظهر الإحصاءات الأميركية ارتفاع نسبة الحوادث العنصرية من 457 حادثاً سنة 1999 إلى 838 حادثاً في العام الماضي وذروة الحوادث حصلت سنة 2018 عندما بلغت 1007 حوادث. يدخل في الاعتبار هنا أن هذه الحوادث لا تشمل تلك الموجهة ضد السود (ولو أنها غالبة)، بل تتضمن تلك التي واجهتها فئات أخرى كالهنود الحمر وذوي الجنسيات الشرق أوسطية والجنوب شرقي آسيوية على حد سواء.
وقبل يومين نشرت صحيفة «يو إس أ توداي» تحقيقاً حول تزايد عدد الحوادث العنصرية الموجهة ضد الأميركيين ذوي الأصول الجنوب آسيوية، آخرها ما تعرّض له مواطن من أصل صيني في الحادية والتسعين من العمر من ضرب مبرح بعد أيام قليلة من مقتل رجل صيني في سان فرانسيسكو واعتداء على سيدة فيتنامية في سان جوزيه (كاليفورنيا) ورجل فلبيني في نيويورك.

- فيتنام وما بعد
في هذا الخضم توالى عرض ثلاثة أفلام من ثلاثة مخرجين أفرو - أميركيين تناولت قضية العنصرية من زوايا مختلفة. اثنان منها استندا إلى أحداث وشخصيات حقيقية والثالث هو تأليف يستوحي من الواقع ما يستوحيه في سبيل تجسيد قضيّته.
الأفلام الثلاثة، حسب ترتيب عروضها، هي «دا فايف بلودز» لسبايك لي و«ليلة واحدة في ميامي» لرجينا كينغ و«جوداس والمسيح الأسود» لشاكا كينغ (لا قربى بينهما).
البعض قد يضم فيلمين جديدين آخرين إلى هذه المجموعة «محاكمة شيكاغو 7» لآرون سوركِن و«مؤخرة ما رايني السوداء» لفيولا ديفيز كونهما يحتويان أيضاً على أكثر من ذكر للموضوع العنصري. لكن فيلم سوركن هو من إخراج سينمائي أبيض البشرة والموضوع يتجاوز العنصرية بحد ذاتها، وفيلم ديفيز يبتعد بشأنه الخاص كونه يعود في حكايته لمعالجة الوضع العنصري في شيكاغو العشرينات بينما تعالج الأفلام الثلاث المذكورة وقائع أقرب.
فيلم سبايك لي ينطلق من الستينات بلقطة وثائقية للملاكم محمد علي (بعد اعتناقه الإسلام) وهو يقول للصحافة بأنه يرفض الاشتراك في الحرب الفيتنامية مضيفاً إلى أن الفيتناميين لا يطلقون عليه كلمة Nigger (زنجي) قاصداً الإشارة إلى الكلمة المشاعة بين البيض العنصريين حيال الأفرو - أميركيين‪.‬
لكن أحداث الفيلم الميدانية تقع في فيتنام، ليس خلال الحرب خلال الستينات وجزء من السبعينات بل خلال الزمن الراهن. أبطاله خمسة من الجنود الأميركيين السود الذين حاربوا في فيتنام (يشير المخرج في فيلمه إلى الإعلام المقصّر في الإشارة إلى أن ثلث الجنود الأميركيين الذين خاضوا القتال هناك كانوا من السود) ويعودون الآن للبحث عن صندوق من الذهب يعلمون بوجوده مطموراً في بعض أدغال البلاد. في البال، في مطلع الأمر، استعادة الذهب الذي كانت القوات الأميركية بصدد نقله من فيتنام خلال انسحابها، وتخصيص معظمه لمساعدة العائلات الأفرو - أميركية في الولايات المتحدة عبر إعانات وصناديق دعم اقتصادية. لكن هذا لن يقع عندما يبدأ أحدهم (دلروي ليندو) بالإعلان عن أن نيّته هي استحواذ حصّته لنفسه فقط، ثم يزداد طمعه فإذا به يريد الكنز لنفسه عنوة عن الباقين. هذا في الوقت الذي تم لفيتناميين وعناصر أخرى رصد الخمسة واكتشاف ما هم في سبيل فعله ما يقود لمعارك دامية.
‫في الخطوط العريضة يبدو الفيلم كحكاية تشويقية. صراع على الذهب الذي يذهب بعقل أحدهم (كما في فيلم جون هيوستن «كنوز سييرا مادري»، سنة 1948. عندما يفقد همفري بوغارت رجاحة عقله حال يكتشف الذهب). لكن لي يوظف كل دقيقة ممكنة من الفيلم للإشارة إلى الواقع والتاريخ العنصريين في الولايات المتحدة إما عبر الحوار بين أبطاله وإما عبر مشاهد وثائقية.‬

- غضب مُشع
مع «ليلة واحدة في ميامي» نبقى في إطار الفيلم الداخلي معظم الوقت. مرّة أخرى نرى محمد علي (يؤديه إيلي غوري) إنما هنا كأحد الشخصيات السوداء الأربعة الذين يلتقون للاحتفال بنصره وحيازته لقب «وورلد شامبيون» في الخامس والعشرين من فبراير (شباط) سنة 1964. الآخرون الذين التقوا في شقة في فندق يرتاده السود فقط، هم الداعي مالكولم أكس (كينغزلي بن أدير) والممثل جيم براون (ألديس هودج) والمغني سام كوك (لسلي أودوم جونيور). لقاء كان من المفترض به أن يكون ودّياً سيعلن بعده كاسيوس كلاي اعتناقه الإسلام بعدما أقنعه مالكولم أكس بذلك. لكن اللقاء يتحوّل إلى نقاش حاد محوره الإسلام من ناحية ودور الأفرو - أميركيين في التصدي للعنصرية ضد عرقهم الأسود.
تدير المخرجة رجينا كينغ بمهارة الحدث موزّعة فصوله بين ما جرى في الواقع وما كان يجب إضافته من أحداث كشرط لإتمام فيلمها على نحو صحيح. توزّع النقاش بلا انحياز بين الأربعة خصوصاً بين مالكولم وسام كوك. الأول ينتقد الثاني كونه يغني أغاني الحب وحدها، مستفيداً من رسالة رومانسية تُعجب البيض، والثاني يكيل لمالكولم أكس مناهضته لإسلامه وللدور الذي يطلبه مالكولم منه. كل لديه حجة قوية ولكن قبل مقتل سام كوك بظروف غامضة بعد فترة ليست بالطويلة عقب هذا اللقاء (ومقتل مالكولم إكس اغتيالاً وسجن محمد علي لرفضه التجنيد) قام كوك بإطلاق أغنية عكس فيها قناعته بالتوجه لجمهوره من البيض والسود بأغنية تعكس المعاناة (I was Born By the River in a Little Tent).
أسلوب عمل سبايك لي خاص به، ورجينا كينغ تبتعد عنه باختيارها صوب سرد مبني على مشارف العمل المسرحي مع توزيع اللقطات وتنويع المشاهد كما يجب للفيلم أن يكون. وكلاهما، لي وكينغ يختلفان في عملهما عن أسلوب شاكا كينغ في «يهوذا والمسيح الأسود».
هذا الفيلم مستخلص أيضاً، كما «ليلة واحدة في ميامي» من أحداث واقعة: في أوج بزوغ حركة الفهود السود الأميركية نجد فرد هامبتون (دانيال كاليويا) يقود فرع مدينة إيلينوي (شيكاغو) للحركة. بغية التجسس على نشاطاته والكشف عن تحركاته ومساعيه تقوم FBI بزرع عميل أفرو - أميركي اسمه أو نيل (لاكيث ستانفيلد) للتجسس عليه.
المرجعية الدينية موجودة في العنوان، لكن تلك السياسية هي ما يتناوله الفيلم في طي أحداثه. هو الصراع بين قائد ثوري وجماعته المؤمنة به التي تم دس عميل فيها لكي يسهم في وأده والقضاء عليها. شاكا كينغ يستند إلى الأحداث أساساً ولا يحتاج لكثير من التغيير. يستعين بممثلين رائعين (كل المواهب الأفرو - أميركية المشتركة تمثيلاً في هذه الأفلام رائعة الأداء) ويسرد حكاية لا تكتفي بإعادة سرد تاريخ، بل تدفع به للالتقاء مع الوضع الحاضر.
هناك غضب مشع من الفيلم أقل تستراً من الفيلمين الآخرين يفهمه جميع المشاهدين (سود وبيض). السيناريو لول بريسون وشاكا كينغ ليس في وارد تمويه الأحداث لخاطر عملية إرضاء واسعة. لكن ميزته هنا هي إنه في الوقت الذي يجعل من شخصية هامبتون القيادة المُستنيرة سياسياً شخصية قيادية قوية، نجد العميل المدسوس أقرب لأن يكون ضحية الوضع أساساً (تم تهديده بالسجن إذا لم يلعب دوره جيداً) من دون أن يمنحه المخرج أي عذر أو تبرير.


مقالات ذات صلة

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز