الرواية... من عزلة القراءة إلى الفرجة المسرحية

بداية المسرح الجزائري تعود لسان أوغسطين وليس لجورج أبيض

عبد الحميد بن هدوقة - رشيد بو جدرة - كاتب ياسين - محمد ديب
عبد الحميد بن هدوقة - رشيد بو جدرة - كاتب ياسين - محمد ديب
TT

الرواية... من عزلة القراءة إلى الفرجة المسرحية

عبد الحميد بن هدوقة - رشيد بو جدرة - كاتب ياسين - محمد ديب
عبد الحميد بن هدوقة - رشيد بو جدرة - كاتب ياسين - محمد ديب

لا يزال الدرس التاريخي للمسرح في الجزائر يعج بالأسئلة الكثيرة، أسئلة تواجه الباحثين في هذا الحقل الذي ينتظر المزيد من الأسئلة عن البدايات والخواتم، فالبداية عريقة مثل عراقة المدن الشاهدة بقاياها بمسارحها الأثرية المدهشة «تيمقاد» و«جميلة» و«مداوروش» و«تيبازا» المتربعة على جغرافيا حضرية متعددة، من مدينة تيبازا إلى شرشال وسكيكدة وباتنة وسطيف وسوق أهراس وقالمة وغيرها، إنها مسارح لا تقل إدهاشاً وأسراراً عما تمنحه المسارح الإغريقية والرومانية الأثرية، من هنا تبدو ساذجة تلك الفكرة المتداولة والقائلة إن المسرح في الجزائر قد بدأ مع قدوم اللبناني المصري جورج أبيض (1880 - 1959) في زيارة للجزائر سنة 1921... ربما يكون قد انتعش بتأثير الزيارة تلك على بعض رموز مسرح تلك المرحلة من أمثال محيي الدين بشتارزي وعلالو ورشيد قسنطيني. إن المسرح في الجزائر أعرق من ذلك التاريخ ومن تلك الزيارة، لقد كان القديس والفيلسوف سان أوغسطين المولود في طاغاست (سوق أهراس حالياً شرق الجزائر) عام 354 والمتوفى في عنابة سنة 430 من ممارسي المسرح، ويسجل ذلك بوضوح في كتابه الشهير (الاعترافات) الذي يعتبر واحداً من الكتب الأولى في كتابة السيرة الذاتية في العالم.
إن علاقة المسرح بالأدب ظاهرة قديمة وليست وليدة العصر، قادمة من تاريخ عريق يعود إلى المسرح الإغريقي الذي كان يقتبس مسرحياته من الأساطير الملحمية ومن الحكايات الشعبية وغيرها. تظل الحكاية هي السحر الذي يشد به أهل المسرح من مخرجين وممثلين انتباه جمهور الخشبة على المسارح العالمية وجماهيرها باختلاف اللغات والثقافات، لقد دأبت أسرة المسرح في العالم على اقتباس مسرحيات من الأدب الروائي العالمي، مثل أوليفير تويست لشارل ديكنز وتعيد إنتاجها وعرضها جيلاً بعد جيل دون أن تسقط في التكرار أو الملل الجمالي، ورواية البؤساء لفيكتور هوغو التي ما زالت تصنف من أكثر الروايات في العالم اقتباساً وتمثيلاً مسرحياً وسينمائياً، وغيرهما...
لا يُستثنى المسرح الجزائري الحديث والمعاصر من هذه الظاهرة، إلا أنه قبل أن يشتغل على النص الروائي سواء المكتوب منه بالفرنسية أو بالعربية، فقد ارتبط في فترة معينة بفن الحكاية الشفوية، كشكل من أشكال المقاومة الثقافية والحضارية والسياسية، واستثماراً في كنوز الذاكرة الشعبية بجمالها اللغوي، ومتعتها السردية المدهشة، القادمة من التراث الأمازيغي والأفريقي والمتوسطي والعربي، وإن تجربة المسرحي «عبد الرحمن ولد كاكي» (1934 – 1995) من أكثر التجارب الناجحة والعميقة التي التصقت بالتراث الشعبي بأشكاله الجمالية المختلفة كـ«الحلقة والديوان والمداح والسوق...»، وقد اشتغل على ذلك أيضاً كل من الرواد: رشيد قسنطيني (1887 - 1944)، وبشطارزي (1897 - 1986)، وعلالو (1902 - 1992) في مسرحيته «جحا» على سبيل المثال.
في الجزائر مخرجون مسرحيون متميزون جمعوا بشكل مبدع وخلاق ما بين جماليات المسرح الأوروبي والمسرح الأفريقي والعربي، وفنانات وفنانون ذوو طاقات إبداعية مسرحية مدهشة، لا يقلون قيمة فنية عن غيرهم من أهل المسرح في العالم، وإن كنت أشعر بأن اختيار النصوص التي يلبسونها على الخشبة ضيقة على لغة أجسادهم، وغير قادرة على أن تساعدهم على صنع اللهفة والفضول وجذب الجمهور، ولا تساعد على اكتشاف قدرات الممثل والمخرج أيضاً.
نظراً لمستجدات المحيط الثقافي العالمي، وما يساقط يومياً من خيرات ثقافية مرئية عبر وسائل التواصل الاجتماعي على المهتم بالمسرح، فقد تغير جمهور المسرح الجزائري إلى حد ما، كما هو الجمهور في كل مكان، إذ نلمس ارتفاع الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي والجمالي الفني لديه، وهو بذلك يبدو أكثر طلباً ومطالبة بمشاهد نصوص مسرحية مدهشة، نصوص تمثل هذه المرحلة بكل أحلامها وانكساراتها، وتُسائل واقعه، وواقع عصره، مستقاة من فلسفة الوجود وأسئلتها التي تؤرقه، عمل على ذلك كاتب ياسين في تجربته المسرحية الطويلة، وهو الروائي الذي خلخل بروايته العظيمة (نجمة 1956) كل المفاصل العتيقة للفن الروائي في شكله القديم، إلا أنه اختار - لشرط تاريخي - أن يخاطب العامة بلغتهم ومرجعيتهم، فنجح فيما يسمى «المسرح الشعبي السياسي»!
إلا أن هذه المرحلة الجمالية، تم تجاوزها من خلال تجارب جديدة قدمتها مجموعة من المخرجين والمخرجات من الجيلين الثاني والثالث من أمثال عبد القادر علولة وامحمد بن قطاف، وعمر فطموش، وعز الدين مجوبي، وزياني شريف عياد، وسليمان بن عيسى، ومحمد أدار، ومخلوف بوكروح، وعلي جبارة، ومراد السنوسي، وملياني مولاي، وحميدة آيت الحاج، وفوزية آيت الحاج، وشوقي بوزيد، ومحمد شرشال، وأحمد رزاق وغيرهم. ومع هذا الجيل بدأ البحث عن نصوص داخل الرواية. وهي مرحلة جديدة في مقاربة النصوص الروائية والقصصية، فاشتغل بعضهم على نصوص للطاهر وطار، وعبد الحميد بن هدوقة، ورشيد بوجدرة، ومحمد ديب، والطاهر جاووت، ورشيد ميموني، وأمين الزاوي وغيرهم، وتحويلها إلى الخشبة. وجميع هذه الأعمال تركت أثراً طيباً لدى عشاق المسرح، وأخرجتهم من مسار تجربة إلى أخرى؛ ولكنها تجارب قليلة، ولا تعطي فن الرواية حقه.
حضرتُ منذ فترة عرضاً أنتجه المسرح الجهوي لـ«سوق أهراس» مدينة سان أوغسطين على ركح المسرح الوطني بالعاصمة، تجربة حديثة للمخرجين علي جبارة والمسرحي مولاي ملياني في اقتباس لرواية «الملكة» للروائي أمين الزاوي بعنوان (سكورا)، وشاهدت تفاعل وتجاوب الجمهور الكبير مع العرض من رفع الستار حتى إسداله، أمام هذا تأكد لي أن المسرح الجزائري فتح باباً جديداً نحو تاريخ جديد أتمنى ألا يغلق أبداً. فليهتم صناع المسرح ومهندسو مشاهده وعروضه بالنص السردي الجزائري كما يفعل الآخرون، فالمسارح في أوروبا، وفرنسا خاصة، تهتم كثيراً بالنصوص الروائية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية وتحولها إلى المسرح، أكثر من اهتمام المسرح الجزائري بها. كم من العروض شاهدنا مقتبسة من روايات كل من محمد ديب، وآسيا جبار، ورشيد بوجدرة، ومايسة باي، وكمال داود، وعبد القادر جمعي، وعزيز شواقي، وياسمينة خضرا، وأمين الزاوي وغيرهم...
فإذا كان المسرح يستفيد من جهته من النص الروائي الناجح في الانتشار فإن الرواية تستعيد كثيراً من ديناميكيتها بين القراء من جمهور المسرح من جهة ثانية. ثم إن ريبرتوار الرواية الجزائرية أصبح غنياً بالنصوص السردية الجميلة والمتنوعة والقوية، سواء بالعربية أو الفرنسية أو الأمازيغية، فقد تحقق تراكم كمي ونوعي مهم، بقي أن يتجاوز المثقفون والمبدعون الجزائريون من روائيين ومسرحيين وسينمائيين وتشكيليين وموسيقيين حالة الشتات التي عاشوها لسنوات، وذلك لغياب فضاءات مشتركة متاحة يلتقون على اختلاف حساسياتهم الجمالية والفكرية والسياسية. فضاءات للقاء حقيقي أو افتراضي تكون بمثابة منطقة (سوق إبداعية مشتركة)، يتم فيها تبادل الرأي والنقاش حول الإبداع من الأدب إلى المسرح إلى السينما إلى الفن التشكيلي إلى الموسيقى، حول الإخراج والسينوغرافيا والاقتباس وحول الإصدارات الروائية. سيجد المسرحيون، لا محالة، ما يبحثون عنه لخلق الفرجة المسرحية العالية في الجزائر مهد أول رواية في العالم (الحمار الذهبي) للجزائري أبوليوس، مروراً بروايات كاتب ياسين ومولود معمري وعبد الحميد بن هدوقة ونبيل فارس ونور الدين عبة والقائمة تطول، إلى أحدث نصوص بأقلام جديدة من الأدباء الجزائريين الذين تتعدد تجاربهم السردية بشكل لافت وإيجابي.
إنه أمر - لعمري - يدعو إلى التفاؤل رغم كل شيء. فارفعوا الستار باسم الرواية!



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».