«الأكثر عمقاً»... محاورة تشكيلية عن غموض البشر

«الأكثر عمقاً»... محاورة تشكيلية عن غموض البشر

معرض مصري يجمع بين الرسم والنحت
الثلاثاء - 12 رجب 1442 هـ - 23 فبراير 2021 مـ رقم العدد [ 15428]

يحاول الفن دوماً التقاط أعماق خفية، بعيدة ومُراوغة في النفس الإنسانية، طارحاً في إطار ذلك أسئلة كثيرة عن الأفكار والقضايا الجوهرية التي تخصها. وفي تجربة فنية جديدة شاركت فيها الفنانتان المصريتان، الرسامة مريم فريد، والنحاتة إنجي البوليني، نلتقي بأعمال تحتفي بهذا العمق، عبر محاورة تشكيلية بين الرسم والنحت يضمها معرضهما المشترك في غاليري «آرت توكس» بالقاهرة، تحت عنوان «الأكثر عمقاً»، المستمر حتى 6 مارس (آذار) المقبل.

تغوص كلتا الفنانتين في النفس الإنسانية، بأسلوبهما الخاص، فتقدم لنا مريم فريد المولودة في منتصف ثمانينات القرن الماضي، أفكارها على الورق الملون طارحة معاني معقدة للغاية تثير الحيرة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن جوانب غامضة وسرية من حياة البشر بعيداً عن السطح أو الصورة الخارجية لهم، وتقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «معظم البشر ليسوا كما نتصورهم، فنحن جميعاً نتكون من طبقات مرئية وأخرى غير مرئية، فإذا أردنا أن نعرف حقيقة أنفسنا وحقيقة الآخرين لا ينبغي لنا فقط الإبحار داخل الأعماق، إنّما علينا أيضاً تمزيق الستار غير المرئي الذي يتغطى به الناس كوسيلة للحماية أو بدافع الخوف، أو ربما لأنّهم يختبئون عن غير قصد في قوقعتهم».

لذلك؛ لا تقف مريم عند حدود العمق فقط، لكنّها تنفذ إلى «الأكثر عمقاً»، على حد تعبيرها، قائلة «هناك جملة معروفة تُكتب على مرايا السيارات، تعكس صميم ما بداخلي، وهي (الأجسام الظاهرة في المرآة تبدو أصغر وأبعد مما هي عليه في الواقع)، وكذلك هم بعض البشر في الحياة تختلف حقائقهم عما نرى أو نظن فاحذروا الاصطدام!».

تأتي هذه التجربة الفنية لمريم انعكاساً لتجربتها الشخصية التي تتشابك فيها الشخصيات والأحداث والمواقف، والتي خرجت منها وهي على يقين بأن أعماق الشخوص طبقات، كلما اقتربنا من طبقة اكتشفنا أننا لا نزال على السطح؛ ما يقودنا إلى طبقة أخرى، إلا أن الأمر لا ينتهي. تضيف قائلة «سأظل أبحث وأدقق التركيز والرؤية لعلّني أفهم النفس الإنسانية».

تقدم مريم في المعرض 22 لوحة فنية، تعتمد فيها على تقنية استخدام أحبار «الأكولين» على خامة ورق قطن «أرش» ذهبي وفضي، التي بدأتها أثناء دراستها الأكاديمية في روما عام 2015، وتوضح «بعدما كانت بداياتي تقتصر على الفيديو آرت، وفن الأداء والتجهيز في الفراغ، وجدت في الورق وسيلة ملائمة تماماً لأفكاري، أتحدث إليها باستفاضة ويُنصت لي باهتمام».

على الرغم من مكونات الرؤية العميقة التي تضيفها مريم فريد لتجربتها الفنية الدسمة، فإنها تجيد التحكم في مقدارها وتوقيتها، فجاءت لوحاتها حاملة لعناصر الجذب والدهشة؛ ولذلك في كثير من أعمالها لا نلتقي بلوحة مُسطحة ذات بُعدين اثنين فقط، أو بثلاثة أبعاد إذا ما أضفنا إليها البعد الثالث، وهو العين الناظرة إليها، لكن ثمة أبعاداً أخرى صنعتها أفكارها المتدفقة بأسلوب فني مبتكر مستوحى من قص الورق المعاصر Katagami الياباني المميز بتفاصيله الدقيقة المتداخلة، وPapel Picado المكسيكي المستند إلى الفراغات وأسلوب التخريم وممارسات العصور الوسطى المتمثلة في استئصال الزخارف من المخطوطات.

إلى ذلك، تشغل فكرة العمق الإنساني النحاتة الشابة إنجي البوليني، منذ دراستها بقسم النحت في كلية الفنون الجميلة، لكنّها تتناولها برؤية مختلفة عن مريم فريد شريكتها في المعرض؛ إذ إن أكثر ما تبحث عنه في منحوتاتها العشر، هو عمق التفاعل مع النفس ومع الآخر وتأثيره على الإنسانية، وتقول لـ«الشرق الأوسط»، «أرى أن المعنى الأشمل للعمق هو مدى تفاعل الإنسان مع نفسه أو كل ما يحيط به؛ لأنه يكشف بشكل عملي وواقعي مكنوناته الأكثر عمقاً داخله، من حيث قناعاته وأفكاره ومشاعره، وذلك ما حاولت تجسيده في أعمالي؛ إذ أحرص على إيجاد حالات من التفاعل الجسدي والنفسي واللغوي بين شخوصي، ولا أكتفي بالآخر الإنسان، فأحياناً أجسّد عمق التفاعل ما بين الإنسان والكائنات الأخرى، سواء كانت حية أو غير حية، فهي أيضاً تكشف الكثير وغير المتوقع عن دواخل الإنسان».

من هنا نلتقي في منحوتات إنجي بشخوص وعناصر مختلفة بينها نظرات موحية وأحاديث مستمرة، حتى في تلك التماثيل البرونزية أو «الفايبر غلاس» التي أدخلت فيها عناصر خطية ودوائر سنجد حالة من «الأخذ والعطاء»، ومن اللافت أنّ الشخص الأكثر عمقاً لا يرتبط في منحوتاتها بالعمر أو النوع، إنّما هو حسب رؤيتها ذلك الإنسان الذي مر بتجارب كثيرة ومختلفة في حياته، وهو دوماً يخرج من المنطقة الآمنة داخله ليخوض بجرأة تجارب وخبرات جديدة يتعلم منها، وتضيف إليه، وتصل به إلى درجة جديدة أعلى من الفهم والاستيعاب للعالم المحيط به، ومن ثمّ يصبح أكثر عمقاً».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة