ميريل ستريب تتحدث عن فن الأداء وتحقيق الوعد

قالت ‫لـ «الشرق الأوسط»: ما زلت حريصة على أن تعني أفلامي شيئاً مهماً للمشاهدين

ميريل ستريب كما بدت في «الشيطان يرتدي برادا»
ميريل ستريب كما بدت في «الشيطان يرتدي برادا»
TT

ميريل ستريب تتحدث عن فن الأداء وتحقيق الوعد

ميريل ستريب كما بدت في «الشيطان يرتدي برادا»
ميريل ستريب كما بدت في «الشيطان يرتدي برادا»

في مشهد مبكر من «حفل التخرّج» الذي تقدم فيه ميريل ستريب دور ممثلة اسمها دي دي ألن تعيش منحدراً في مهنتها، نراها تضع جائزتي «غولدن غلوبز» كانت حصلت عليها عن أعمالها السابقة على مكتب الاستقبال لعلها تحظى بأكبر غرفة في الفندق المتواضع الذي وصلت إليه. تقدّم نفسها لموظف الاستقبال. لكن لا التقديم ولا التمثالين المذهّبين عنيا شيئاً له. يقول لها «كل غرفنا متساوية الأحجام».
هذا من بعض ما يجعل الفيلم مثيراً لفتح صفحات كثيرة حول كل تلك المسائل المتعلّقة بصعود ثم هبوط نجم السينما والفنون عموماً. هي، في الفيلم وإلى حد ليس بالعابر، المقابل النسائي لشخصية مايكل كيتون في «بيردمان».
لكن في الحقيقة هي ممثلة صعدت سلّم الشهرة منذ البداية ولم تنزل بعد. هذه البداية تُقدر بخمسة عقود من سنوات الأرض. خلالها صعد وهبط المئات. كثيرون اختفوا. هي ما زالت ممثلة يتلقفها الجمهور والمخرجون على حد سواء. ماهرة في الأداء وذكية في الاختيار.
لا تحتاج، وهي في الحادية والسبعين من عمرها حالياً، لأكثر من هذا التقديم. ميريل ستريب صاحبة ثلاثة أوسكارات أولها كأفضل ممثلة مساندة عن «كرامر ضد كرامر» (1980) وثانيها أوسكار أفضل ممثلة في دور قيادي عن «اختيار صوفيا» (1983) والثالثة عن «المرأة الحديدية» (2012). هذا بالإضافة إلى 3 جوائز «غولدن غلوبز» وجائزتي «بافتا» و196 جائزة أخرى خلال رحلتها السينمائية التي ما زالت مستمرة.‬ بوتيرة جيدة.
لقاؤنا (الثالث خلال هذه السنوات) دار حول فيلمها الجديد قبل الانتقال إلى بعض أعمالها السابقة.
فيما يلي نص الحوار:
‫لا تعب من الجوائز‬
> تؤدين، في «حفل التخرج» شخصية ممثلة ذات خصائص من المدح للذات وتفاخر بالأنا رغم أنها لم تعد النجمة التي كانت عليه سابقاً. هل كان من السهل عليك أن تجدي الأسلوب الصحيح لتأدية هذا الدور؟
- من السهل أن نسخر من النرجسيين لأنهم غريبو الأطوار. هؤلاء لديهم شعور منتفخ لذواتهم وهم مكشوفون سواء كانوا لا يعلمون أو لا يكترثون. وهناك الكثير من الكوميديات تم تشييدها على أمثال هؤلاء المغرورين. شخصياً أحب أن أدخل قاعة فأشعر بأني أمتلكها. أقصد أنه شعور مسلٍ لكني لا أملكه (تضحك).
> هل تقابلين الكثير من أمثال هؤلاء في مجال عملك؟
- لا بد أنك تمزح. هم كثيرون في هذا المجال. أعرف كثيرين في «الشو بزنس» والمسرح ومنهم كثيرون في السينما. لكن العديد منهم، في رأيي، مغرورون أو يتظاهرون بالغرور لأنهم قليلو الثقة بأنفسهم. يخفون شعوراً ضخماً بعدم الأمان.
> هناك ممثلون يؤكدون أنهم في الواقع خجولون.
- هذا صحيح. التمثيل يجعلهم قادرين على تحقيق أشياء غير قادرين على تحقيقها في حياتهم الخاصة، خصوصاً ممثلي المسرح الذي هو فرصة لهم لفعل ما لا يستطيعون فعله في الحياة. أحببت دوري في هذا الفيلم ولم يكن صعباً استيحاءه فالحياة السياسية مليئة بمثل هؤلاء (تضحك).
> تدخلين فندقاً متواضعاً في الفيلم وتخرجين جائزتي «غولدن غلوبز» وتضعينهما على مكتب الاستقبال لعل مدير الفندق يمنحك الغرفة المميّزة التي ترغبين بها. كيف تنظرين إلى كل هذه الجوائز التي نلتها في مسيرتك حتى الآن؟
- لا يمكن أن تتعب من الجوائز. من الفوز بها أو على الأقل من أن يتم ترشيحك لها. لا تتعب أبداً من الشعور بأن ما حاولت تحقيقه من خلال هذا الدور أو ذاك أدّى إلى تقديرك وتقدير عملك. هذا شيء عظيم. لذلك حين أنظر إلى (الممثلتين) أريانا ديبوس وجو إلين بلمان وموهبتهما المتبدية في هذا الفيلم أشعر بأن ما ستحصلان عليه في المستقبل من جوائز ستكون مُستحقة. أدري أنهما تشعران الآن بالتقدير الذي تحيطه بهما الترشيحات وكلمات النقاد المادحة.
> ما الشيء الواحد الذي لازمك خلال حياتك المهنية؟ ذلك الشيء الذي بات مصاحباً لك مع كل فيلم جديد تقومين بتمثيله؟
- الشعور بأني في المهنة التي أحب. دائماً ما كنت حريصة في اختياراتي على لعب أدوار في أفلام تعني شيئاً للمشاهدين. أردتها أدواراً يمكن التلاقي والتعاطف معها في أوضاع اجتماعية مختلفة. أردت وما زلت أريد أن تعني أفلامي للعالم شيئاً. وأعتقد أنني كنت محظوظة جداً وأنني في مثل سنّي لا زلت قادرة على الاختيار كما تعوّدت. هذا رائع.
‫تمارين شاقة‬
> أعتقد أن (المخرج) رايان مورفي كان دائماً ما يطمح لتحقيق فيلم تكونين أنت فيه من بين ممثليه. قرأت أنه أسس في مطلع شبابه «نادي معجبين» باسمك. هل تبادليه هذا الإعجاب؟
- هل تقصد إذا ما أسست «نادي معجبين» له؟ كان لا يزال في بطن أمّه عندما كنت في مثل عمره الآن (تضحك). فعلياً أنا معجبة بأعماله وهو سبق له أن وظّف ابنتي (غريس) في أحد حلقات «أميركان هورور ستوري». ذلك كان برنامجاً بالغ الإتقان راقبت بعض حلقاته وشدّني أسلوب تعامله مع الممثلين وطريقته الجريئة في خوض المواضيع التي قدّمها.
> ماذا كان رد فعلك عليه عندما أدركت أن دورك يتطلب منك أن ترقصي أيضاً؟ ألم يكن التمثيل صعباً في فيلم يعتمد الغناء والرقص؟
- هو فعلاً من بين أصعب الأدوار التي أديتها منذ فترة طويلة. لكني كنت أدرك أن مورفي يريدني أن أغني وأرقص. الغناء لم يكن صعباً فقد أديته سابقاً، لكن الرقص؟
> كيف تم لك إتقانه كما تبرهن على ذلك المشاهد الراقصة التي أديتها؟
- كان شاقاً وكنا، هو وأنا، نعلم أنه سيكون كذلك. قام بتعيين مدرّبين أكفاء جداً. موهوبين لأقصى درجة وصبورين أيضاً (تضحك). ما ساعدني هو فهمهم المطلق لكيف يمكن لممثل لم يمارس الرقص الاستعراضي، بصرف النظر عن عمره، أن يؤدي ذلك من دون معرفة أو خبرة سابقة. ولم يكن هناك أي فرض من أي نوع. المسألة لم تكن إن علي أن أفعل ذلك، بل نوع من لنجرّب إذا كنا نستطيع أن نفعل ذلك. لا أقول إن هذا بدد المصاعب لكنه كان ضرورياً لإتقان العمل وكشرط لإنجاز الفيلم.
> ما كانت طبيعة هذه التمارين؟ أقصد لجانب التدريب على الرقص تحديداً؟
- كنا نصوّر 12 ساعة في اليوم وكنا نعيد تصوير المشاهد الاستعراضية مرّات ومرّات وكما تعلم لا يتم تصوير المشهد بكامله بالضرورة، بل غالباً ما يتألّف من لقطات منفصلة. لكن إلى جانب ذلك كنت أمارس السباحة خمس مرّات في الأسبوع. هذا يساعد على حسن التنفس وتمرين الرئتين على ذلك. هذا كان ضرورياً.
> في السنوات العشرين الأخيرة معظم ما قمت به من أدوار كان درامياً، وهو الحال كذلك بالنسبة لما قبل هذه السنوات المذكورة. هل يختلف التحضير لتقديم دور درامي، لنقل مثلاً دورك في «اقتباس» لسبايك جونز أو «أسود كحملان» لروبرت ردفورد عن «جولي وجوليا» (نورا إفرون) أو «ريكي أند ذا فلاش» لجوناثان دَمي؟
- يجب ألا يختلف التحضير مطلقاً إذا ما كان السيناريو جيداً. السيناريو هو الذي يبادر فيعطيك ملامح الدور وكيف ستقرر أن تقوم به ولماذا على هذا النحو المحدد أو بهذه الطريقة وليس سواها. حين تقرأه تتخيل نفسك في الدور الذي تعلم أن المخرج يريدك له. وبالنسبة لي يجب أن ألتقي والدور على الورق. يجب أن أعرف أن الشخصية تُثير عندي الرغبة في القيام بها.
> في «الشيطان يرتدي برادا» The Devil Wears Prada وهو من الأفلام الكوميدية طبعاً هل كان عليك البحث عن سلوكيات الشخصية التي قمت بتأديتها؟
- ليس كثيراً. كل شيء كان متوفراً في السيناريو. أحياناً ما تبدأ باقتراح سلوكيات من عندك لم ينص عليها السيناريو كذلك. يتركها بيضاء لكي تملؤها أنت.
> كيف تنظرين إلى الحقبة الأسبق. إلى المرحلة التي نلت خلالها شهادتي التأسيس والتقدير في مطلع مهنتك؟ مثل أدوارك في «صائد الغزلان» و«كرامر ضد كرامر» و«زوجة الضابط الفرنسي» وطبعاً «اختيار صوفي»؟
- كما تقول كانت فترة للتأسيس. كان علي أن أحافظ على الوعد الذي أطلقته تلقائياً في أفلامي الأولى. حالفني الحظ في أن أمثل أدواراً جيدة منذ البداية في «جوليا» و«صائد الغزلان» و«اختيار صوفي» ولم يكن هناك بديل سوى الاستمرار على هذا النحو.
> امتلكت الموهبة الكفيلة بتعزيز موقعك.
- شكراً. هذا لم يكن سهلاً آنذاك على ممثلة جديدة وليس سهلاً الآن. الإصرار على الإتقان شرط أوّل لأي ممثل جديد إلا إذا لم يكن مستعداً لقبول فكرة أن المستقبل قد يجلب له نجاحات أفضل إذا ما بدأ التمثيل على نحو جاد في مسعاه. المسألة ليست القيام بالأدوار المعروضة على الممثل الناشئ بل حسن اختياره لها.
> طبعاً لازمك حينها اختيار المخرجين لك. أذكر أني قرأت أن باربرا سترايسند كانت مهتمّة جداً لتأدية الدور لكن (المخرج ألان) باكولا اختارك أنت.
- كان هناك ممثلات أخريات عديدات رغبن في هذا الدور ولم تكن عملية اختياري سهلة على الإطلاق.
> هل تتذكرين بعض الممثلات الأخريات اللواتي رغبن في هذا الدور… منحك أوسكارك الأول.
- أعتقد أن ناتالي وود ومارتا كَلر كانتا مهتمّتين أيضاً. ربما أخريات.
> كان إصرارك على تمثيل هذا الدور من القوّة بحيث تعلمت اللغتين البولندية والألمانية. صحيح؟
- نعم.
> فرنسيس فورد كوبولا حارب لتعيين مارلون براندو وآل باتشينو في «العرّاب»… هذا ما يؤدي إليه إيمان المخرج بالممثل الذي يختاره.
- صحيح وفي النهاية أدرك الجميع بأن كوبولا أحسن الاختيار. مارلون نال الأوسكار ونال باتشينو الترشيح. لكن على ذلك هناك اختلاف في الموضوع. بالنسبة لباكولا لم يكن اختارني أولاً وأصر علي بعد ذلك. عاين المرشّحات للدور قبل اختياري. لكن ما تقوله في أن بعض الأدوار تخلد الممثل للأبد صحيح. المهمّة الملقاة على الممثل بعد ذلك هو أن يحافظ على وعده حيال نفسه وجمهوره.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».