«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع

الأرمني «اللقيط» يروي لنا قصة «بلاده» في رواية الراحل حميد الربيعي

«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع
TT

«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع

«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع

ثمة عودتان إلى مدينة الأحلام، بغداد. عودة أولى، أصلية فكر بها ونفَّذها الجد الأول لعائلة أرمينية منتصف خمسينيات القرن العشرين. وعودة لاحقة يلتزم بها جاكوبيان، الحفيد الباقي الوحيد من العائلة، بعد أن تصله رسالة إلى منفاه في باريس على جناح طير. تتصل العودتان بإشكاليات تأسيس الدولة والهوية، وتتحدد بموجبهما مصائر الجميع، وفي الطليعة منهم مصائر بغداد ذاتها وأحلامها، وحتى كوابيسها المرعبة. العودتان تتلازمان، إحداهما امتداد للأخرى، كأننا إزاء عودة واحدة بسياقين زمنيين متصلين، وهما معاً يشكلِّان مشكلة السرد الكبرى في رواية الراحل حميد الربيعي الأخيرة «جمرات يارا» (دار صفصافة: القاهرة، 2021». يقرِّر الجد، الفلاح الأرمني، بعد أن يشاهد فاضل الجمالي، وزير خارجية العراق يتحدث -آنذاك- في هيئة الأمم المتحدة عن دولته التي ترعى مواطنيها المختلفين في الدين والسياسة والعقيدة، أن الجمالي يشبهه، وأن عليه أن يعود إلى أصله المفترض. ولا تختلف كثيراً عودة جاكوبيان/ ريان عن عودة جده، سوى أن الحفيد لا يعود إلى مدينة الحلم، إنما إلى مدينة يمقتها، ويعرف أنها ترفضها وتكرهه فتصفه بـ«اللقيط»، ليبحث عن قصة أصوله عبر تيمة البحث عن قبر أمه يارا الأرمنية.
تستجيب قصة الأصول المفترضة لجدل السرد وتأسيس الدولة في العراق. وهي قضية نادراً ما تنبه لها نقّاد الرواية والقصة عامة في العراق، رغم اشتباك الرواية العراقية، لا سيما ما نُشر من نصوصها بعد عام 2003، بالسرد بصفته المقولة التأسيسية المعبرة عن الدولة، وهي كذلك في أصلها عند هيغل في محاضرات التاريخ، وفي نظرية الرواية عند المنظِّر المجري جورجي لوكاش، وفي مقولة الروسي باختين عن الرواية بصفتها نصاً غير مكتمل. كانت الدراسات النقدية عندنا، وإلى حد كبير في العالم العربي، يشغلها جدل السياسي مع الخطاب الأدبي، أو التحولات الاجتماعية المتصلة بتحولات السلطة، أو صور الاستبداد أو السجن في الرواية. وفي أثناء صخب الربيع العربي، قرأنا من حين لآخر دراسات أو مقالات تقارب رواية الديكتاتور، فصار الحكام العرب ممن أسقطتهم موجة ذلك الربيع العاصف -فجأة ربما- حكاماً ديكتاتوريين، لكن من النادر أن نقرأ مقالات أو دراسات تقرأ الرواية/ السرد بصفتها مقولة تأسيسية للدولة، وأغلب ما يصلنا هو دراسات مترجمة عن لغات العالم المختلفة عما تسميه «سرد الأمة» أو «الأدب والدولة»، وهو قليل على أي حال. «جمرات يارا»، مثل روايات عراقية أخرى، تحاول أن تصل ما انقطع في هذا السياق، مما بدأه غائب طعمة فرمان، لا سيما في روايته التأسيسية الأولى «النخلة والجيران»، ورواية مجايله فؤاد التكرلي اللاحقة «الرجع البعيد»، وصولاً إلى ثلاثية عبد الخالق الركابي المعروفة. وقد نقول إن الأمر ذو جذور بعيدة تتصل بالتحول العميق في بنية الكتابة العربية، في العراق مثلاً، من مقامات الألوسي إلى الرواية الإيقاظية، وليس ختاماً بـ«قصة جلال خالد» للسيد.

قصة الأصول
تفتح الرواية نصها بمشهد مكاني لا ينتمي ولا يتصل بمدينة الأحلام: بغداد؛ إنها «تمبكتو» البعيدة، في طرف الصحراء الكبرى في شمال «مالي» الأفريقية. يقصدها «ريان»، القناع الاسمي لجاكوبيان، ليحقق لأمه رغبتها في الوقوف على أصل آلة «الخشابة» التي كان أبوه «مزهر» يعزف عليها، فترقص يارا (زوجته لاحقاً) على وقعها. المشهد برمته يمثِّل كناية مكانية عن أمرين، أو بدقة أكثر عن أصلين، ما دمنا بصدد قصة/ رواية الأصول، وهما: الأصل المكاني البعيد كذلك عن بغداد، وهي أرمينيا التي قدم منها الأب/ الجد الأول، ومات قبل أن يصل إليها؛ والثاني الأصل المنفي للحكاية برمتها، وهو يتصل بـ«دولة» و«بلد» بُنيا سريعاً من أصول اجتماعية ثقافية ودينية - أثنية مختلفة، وربما متعارضة. في حانة الأقدار بمطار بغداد، وهي كناية مكانية أخرى عن حانة سيدوري التي لجأ إليها كلكامش، نعرف أن «ريان» يعود إلى بغداد التي يكرهها بعد ثلاثة عشر عاماً من المنفى الباريسي، عاد ليعرف قدره؛ إنه الآن بصدد الدخول إلى العالم السفلي. نادلة الحانة تسقيه خمراً ليتجرع البحث عن سكرة الموت. ثم يبدأ الحكي، بعدها، أمام ملك الحانة ذي اللحية البيضاء. نعرف أن «ريان» هو ابن «كاولي/ غجري» وأمه أرمنية، فهو «لقيط» في السجلات الرسمية للدولة، لا جنسية وطنية له، ولا لأمه وأبيه، وهو يعود بجواز سفر فرنسي.
لكن هل عاد «جاكوبيان/ ريان» إلى بغداد فقط لأجل أن يبني قبراً لأمه التي لا يتذكر حتى وجهها، بعد أن سلَّمته «يارا» طفلاً صغيراً إلى الأسطى طه، لتحميه من انتقام قاتل «الراقصات» في عراق التسعينيات، غضبان الحسن؟ بعد وصوله إلى مخبأه القديم في محلة قنبر علي ببغداد، يقوده أسطى طه إلى مرقد الولي الصالح، ويشرح له فكرته عن قبر يارا المتخيل، إنه بين قبري الولي واليهودي «ذي الثعبان»، فهل انتهت القصة؟ كلا. يعرف ريّان أن القصة كلها في بئر الأسطى طه. ولا بد، إذاً، من البحث عن يارا أو مكان دفنها. لا تنتهي القصة إلا بسرد أحداثها كاملة. ولأجل هذا، يعود «اللقيط» ليروي لنا قصة بلاد لم تعترف دولتها بأهله، ولم تلتزم بكلمة وزير خارجيتها وهو يعلن للعالم أن بلاده ترعى مواطنيها بطوائفهم ودياناتهم وقومياتهم المختلفة.

رواة متعددون
يتولى سرد أحداث الرواية أربعة رواة: ريان وهند وأسطى طه ثم نجمة الحسن. ويصلنا السرد عبر ضمير الشخص الثالث غالباً، عندما لا يسرد ريّان؛ حتى الأخير نجده أحياناً ينقل لنا الأحداث عبر ضمير الغائب، وتشاركه بوظيفة الراوي المتكلم نجمة الحسن في ختام قصة يارا. لا راوي واحد كما تفترض قصة الآباء المؤسسين، إنما رواة متعدِّدون ينتمون للقصة، عاشوا أحداثها، كما قال الأسطى طه لريان وهند اللذين يسمعان الآن بالقصة وأحداثها، في الأقل هذا شأن أسطى طه ونجمة الحسن. هؤلاء الرواة الأربعة ينجحون، ويا للمفارقة، في صياغة رواية ذات تواريخ وأزمنة مختلفة متناقضة حد التضاد؛ هذه الرواية هي، باختصار، تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع. لنأخذ عودة الجد، الفلاح الأرمني، إلى أصوله المفترضة. متى حدثت؟ لا تقول لنا الرواية تاريخاً محدَّداً، وتذكر فقط منتصف الخمسينيات، وربما الأرجح أن نتحدث عن عام 1954. لماذا هذا التاريخ بالتحديد؟ لأنه التاريخ الذي ألقى فيه فاضل الجمالي، وزير خارجية العراق آنذاك، خطابه في هيئة الأمم المتحدة، وهو الخطاب ذاته الذي زرع في رأس ذلك الفلاح المعدم فكرة أن أصله من بغداد، مدينة الأنوار. وحدثت رحلة العودة بعده بعام أو يزيد. ثمَّ إن الرواية تتحدث عن تعداد سكاني في العراق، ولم ينظَّم تعداد عام في العراق طيلة عقد الخمسينيات سوى في عام 1957. تصل العائلة المكوَّنة من ثلاث بنات وغلام يافع صحبة الأب وأمهم إلى بساتين البرتقال قرب بعقوبة، ويجري حشرهم في مخيمات اللاجئين بين «شهربان» و«السعدية». تختصر يارا قصة عودة العائلة بإحدى رسائلها لريّان: إنها (أمه) قد جاءت إلى بغداد مع سبايا الآثوريين المبعدين عن سهل نينوى بعد أحداث «سميل» المعروفة. هذه الأحداث وقعت عام 1933، فكيف وصلت العائلة بعد خطاب الجمالي منتصف الخمسينيات، وكيف حُشر أفرادها في مخيمات الآثوريين؟ ريّان نفسه يحذرنا بقوله إنه ليس هناك راوٍ محدد «واحد» موثوق به لحكاية عودة العائلة إلى أصلها المفترض. ولا يتردد، وهو يروي التفاصيل، عن التشكيك بأصل الحكاية، ناقلاً عن رسائل أمه: «سنعرف لاحقاً أن نجمة الحسن هي من كانت تكتب الرسائل لريان بعد قتل يارا!». وأحياناً، تسعفه الذاكرة فيستعيد نتفاً من تلك الحكاية. فمن نصدق إذن؟ لا موثوقية، ولا تاريخ حقيقة؛ جاكوبيان نفسه، أو ريّان لاحقاً، يقول لنا إنه يستعين بالمخيلة عندما تعوزه الوقائع، فهل تصحِّح المخيلة وقائع التاريخ؟ ربما...
ثمة تاريخ واحد يتكرر بوتيرة منتظمة على امتداد فقرات الرواية، إنه الرقم ثلاثة عشر قرناً، ثلاثة عشر عاماً، ومثله إلى حد ما مدة اختباء ريان في بيت الأسطى طه، لكن هذا الانتظام لا يحاول كسر اضطراب التواريخ والأزمنة، فالاضطراب هو الأصل في كتابة السرديات الكبرى، كما تشرح لنا هند، ولنجمة الحسن، كيف أنهم يروون حكاياتهم على سطح البيت لتصعد بعدها إلى السماء، وتنتظر هناك حتى يجدها راوٍ ويصنع منها حكاية كبيرة تتولى إثارة الأسئلة الكبرى: سؤال الدولة، وسؤال الأمة، وسؤال هند التي برعت في صناعة عطر التراب، فاكتفت به في غياب ريان، وصارت تكلِّم النجوم وتستدعيها إلى فراشها على سطح دارهم. لكن سؤال الهوية يظل خاتمة متوقعة للرواية، بعد حكاية ملفقة تماثل حكاية تلفيق الهوية الوطنية التي حُرمت منها يارا ومزهر، فأدركها اللقيط ورواها.

- ناقد أكاديمي من العراق



جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
TT

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

فازت بيلي إيليش بجائزة أغنية العام عن أغنيتها وايلد فلاور في حفل جوائز «غرامي»، بينما فاز الدالاي لاما، بأول جائزة له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

وفازت أوليفيا ​دين بجائزة أفضل فنانة جديدة، ‌في ‌تتويج ‌لمسيرتها ⁠الفنية السريعة ​التطور ‌من عازفة في شوارع لندن إلى نجمة عالمية لامعة، وتفوقت ⁠المغنية وكاتبة ‌الأغاني ‍البريطانية ‍على منافسين ‍من بينهم لولا يونج صاحبة الشهرة الواسعة على ​الإنترنت، لتصبح أحدث المنضمات إلى ⁠سلسلة المواهب الصاعدة من أديل إلى دوا ليبا التي بشرت بداياتها الموفقة بتأثير طويل الأمد.

أوليفيا دين وجائزة غرامي لأفضل فنانة جديدة (رويترز)

وتقام الدورة الثامنة والستون لحفل توزيع جوائز غرامي السنوية، أرفع الجوائز في مجال الموسيقى، مساء الأحد.

الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مستلماً جائزته (ا.ف.ب)

وقال الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مازحا في خطاب قبول الجائزة: «أنا لست الدالاي لاما. لقد كان من قبيل الامتياز المشاركة في هذا المشروع».

وفازت أغنية «غولدن» من «كي- بوب ديمون هانترز» بجائزة أفضل أغنية مكتوبة لوسائل الإعلام المرئية في حفل الافتتاح، وهي المرة الأولى التي تفوز فيها موسيقى «الكي- بوب» بجائزة غرامي.

الملحن السويدي لودفيج غورانسون يحمل جائزتي غرامي لأفضل موسيقى تصويرية (إ.ب.أ)

وألقى كتاب الأغاني خطاب قبولهم باللغتين الإنجليزية والكورية، مما يسلط الضوء على الجاذبية الثنائية اللغة للأغنية.

وذهبت جائزة أفضل فيلم موسيقي إلى «ميوزيك فور جون ويليامز»، مما يعني أن المخرج ستيفن سبيلبرج قد فاز رسمياً بأول جائزة غرامي له. وهذا يجعله فائزا بلقب «إيجوت» وهو الفنان الذي فاز بجوائز إيمي، وغرامي، وتوني، وأوسكار.


«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية
TT

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ليس من السّهل الكتابة عن البربرية من داخل اللغة التي أنجبت الحضارة، ولا مساءلة الخراب من قلب ثقافة أنتجها التنوير، لكن الشاعر والكاتب فاضل السلطاني، في كتابه «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار»، -دار خطوط وظلال، عمان- يفعل ذلك تماماً، فيضعنا أمام مواجهة صريحة مع أسئلة العصر الحرجة، متخذاً المقالة الصحافية جسراً يعبر عليه الفكر من آنية الحدث العابر إلى ديمومة السؤال الفلسفي. نحن هنا بإزاء مدونة فكرية تمتد على مساحة ربع قرن، ترصد، بعين الشاعر وحس المفكر، تلك الارتجافات الخفية التي تسبق الزلازل الحضارية الكبرى. يتجاوز هذا السِفر كونه تجميعاً لنصوص نشرت في الصحافة السيارة؛ بل سيرة عقلية وروحية لكاتب رأى العالم يتغير أمام عينيه، من وعود التنوير والحداثة، إلى عتمة توحش لم يعد يعبأ حتى بارتداء قفازات حريرية.

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع، كامن تحت قشرة الحضارة الرقيقة، ويفكك في القسم الأول من كتابه، ملامح هذه البربرية الجديدة: بربرية تتغذى على التقنية، وتنتعل أحذية العولمة، وتمارس طقوس الإلغاء والمحو بدم بارد. رؤيته أن التقدم العلمي والتقني الهائل الذي أنجزته البشرية، سار في خط بياني متصاعد، قابله خط بياني آخر يهوي بالقيم الأخلاقية والإنسانية إلى القاع. وفي هذه المفارقة تكمن مأساة الإنسان المعاصر؛ الإنسان الذي يمتلك أدوات تدمير الكوكب، بينما يفقد، يوماً إثر يوم، بوصلته الأخلاقية التي تمنحه مبرر الوجود.

تتجلى ثيمة «التشظي» كخيط ناظم للمقالات، فتستدعي أصواتاً شعرية وروائية كبرى، من ييتس وإليوت إلى جويس وكافكا، ليقيم معها السلطاني حواراً حول مصير العالم. حين يستحضر قصيدة ييتس «المجيء الثاني»، أو «الأرض اليباب» لإليوت، فإنه يشير إلى تلك اللحظة التي يفقد فيها العالم مركزه، وتتداعى الأشياء، وتُفلت الفوضى من عقالها. هذا التشظي الذي رصده أدباء الحداثة في بدايات القرن العشرين، يراه متجسداً الآن بصورة أشد عنفاً ووضوحاً في القرن الحادي والعشرين. إنه عصر السيولة المطلقة، حيث تذوب الحقائق، وتتلاشى الحدود بين الجلاد والضحية، وبين الثقافة والتفاهة، وبين الحقيقة والوهم.

يذهب الكتاب بعيداً في تحليل ظاهرة «الشعبوية» التي تجتاح العالم، من «بريكست» البريطاني إلى صعود اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا. يقرأ المؤلف هذه الظواهر لا بوصفها أحداثاً سياسية منعزلة، وإنما كأعراض لمرض حضاري عضال. إنها عودة «القبلية» في ثياب عصريّة، وانتصار الغريزة على العقل، والخوف على الأمل. ويربط ببراعة بين سيكولوجية الطغيان، مستدعياً نماذج من هتلر إلى نتنياهو، وبين الرغبة المحمومة في التدمير كشرط لتحقيق التفوق الموهوم. في هذا السياق، حتى «العمارة» عند الطغاة ليست سوى محاولة يائسة للخلود عبر الحجر، تعويضاً عن الفناء الذي يزرعونه في البشر.

وفي التفاتة عميقة إلى الواقع العربي، يُخضع السلطاني ظاهرة «الربيع العربي» لمشرط التحليل الثقافي، فيرفض القراءات السطحية التي تكتفي بالنتائج السياسية المباشرة، ليغوص في البنية العميقة للمجتمعات العربية. وهو يرى أن ما حدث كان زلزالاً ضرورياً لخلخلة قيم الطاعة والخضوع التي تكلست عبر قرون. ورغم المآلات الدموية، والانتكاسات، وصعود قوى الظلام، فإنه يلمح في الأفق ولادة عسيرة لفرد عربي جديد، يجرؤ لأول مرة على التحديق في وجه جلاده، ويطرح سؤال الحرية كقيمةٍ وجودية عليا. إنها قراءة تنحاز للمستقبل، وتراهن على «مكر التاريخ» الذي يعمل في الخفاء، ويقود البشرية، عبر مسارات متعرجة ومؤلمة، نحو غاياتها النهائية.

في الكتاب حيز واسع لمناقشة قضايا التنوير، والعلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب، ومفاهيم الهوية والمنفى. وينتقد بجرأة «أسئلة التنوير المقلوبة» التي تنشغل بالنتائج دون المقدمات، وتغفل عن دور الحامل السياسي والاجتماعي في إحداث أيّ تغيير ثقافي حقيقي. كما يفكك خرافات المركزية الغربية، ونظرتها الاستشراقية المتعالية، وفي الوقت ذاته، لا يوفر نقداً للذات العربية المستلبة، التي تعيش حالة من الانفصام الفكري والأخلاقي، وتمارس سطواً مسلحاً على الدين والتاريخ، لتبرير عنفها وتخلّفها.

القسم الثاني المخصص لـ«الأدب» يحتفي بالكلمة بعدّها قدرة أخيرة على ترميم ما هشمته السياسة. الأدب هنا لا يقرأ كترفٍ فكري أو ملاذٍ جمالي من واقع مأزوم، بل كمختبر أخلاقي تُطرح فيه الأسئلة التي عجزت الآيديولوجيات والأنظمة عن الإجابة عنها.

يطوف بنا المؤلف في عوالم دوستويفسكي، وتولستوي، وكافكا، ونايبول، وجورج أورويل، ومارغريت آتوود، وشعراء الحداثة العرب والغربيين، ليبحث عن تلك اللحظة التي يصبح فيها الأدب شهادة على الإنسان حين تفشل الدولة، وتتعطل السياسة، ويصمت الخطاب العام.

في هذه النصوص، الأدب ضرورة وجودية، ووسيلة مقاومة صامتة، وشاهد أمين على العصر، يحفظ للإنسان ذاكرته الأخلاقية في زمن تتآكل فيه المعايير، ويُعاد فيه تعريف العنف والشر بوصفهما أمرين معتادين.

يتناول السلطاني قضية الشعر بحساسية عاليّة كما يليق بكاتبٍ يُقيم عند التخوم بين الفلسفة والقصيدة راصداً انحساره في عصر النثر والرواية، ومتسائلاً عن مصير الشعر العظيم الذي تنبأ هيغل بموته. لكنه، في الوقت عينه، يحتفي بالشعراء الذين يولدون بعد الموت، وبالنصوص التي تكسر حاجز الزمن، ويُعيد الاعتبار لأسماء غيبها النسيان أو القمع، ويضيء على تجارب من ثقافات مختلفة، مؤكداً عالمية التجربة الشعرية، وقدرتها على توحيد البشر في مواجهة الألم والموت.

يكتب المؤلف من منطقة نادرة تلتقي فيها صرامة الفكر بأريحية السرد، فتخرج اللغة من أسر الأكاديمية الجافة من دون أن تفقد عمقها المعرفي. إنها لغة «مفكّرة» لا تستعرض أفكارها، بل تعيشها، وتحمل قلقها وأسئلتها داخل نسيجها الجمالي. نصوصه مشبعة بحرارة التجربة، كُتبت بمداد القلق والأمل، وبشغفٍ معرفي يحوّل العابر واليومي إلى بوابة للتأمل في الكلي والمطلق. وفي هذا المسار، لا يُترك القارئ في موقع المتلقي، وإنما يُستدرج ليكون شريكاً في عملية التفكير، وطرفاً في مساءلة العالم ومعناه.

يُعد «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار» وثيقة إدانة لعصرنا، وصرخة احتجاج ضد نظام التفاهة الذي يحاول تسطيح الوعي البشري. إنه دعوةٌ ملحةٌ لاستعادة الحس الأخلاقي، والعودة إلى الينابيع الأولى للمعرفة والثقافة، تلك التي تضع الإنسان في مركز الكون، وتؤمن بقدرته على تجاوز شرطه المأساوي. بذلك يمثل في مجمل مقالاته، دفاعاً مستميتاً عن المعنى في عالم يغرق في العبث، وعن الجمال في مواجهة القبح، وعن الذاكرة ضد طوفان النسيان.

إن قراءة نصوص السلطاني تشبه النظر في مرآة صافية، نرى فيها وجوهنا، ووجوه عصرنا، بلا رتوش أو أقنعة، وتضعنا أمام مسؤوليتنا الأخلاقية والتاريخية في منع «البربرية» من اقتحام أبوابنا المشرعة.

إنه كتاب يقرأ ليبقى، ولعل أهميته تزداد مع مرور الوقت، بوصفه شهادة حية من عين يقظة على زمن التحولات الكبرى، وزمن الأسئلة التي لم تعد تقبل الانفعالات العابرة.


مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»
TT

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

يتكون ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» للشاعر المصري محمد سليمان من تسع قصائد؛ الثلاث الأخيرة منها تتكون من عدة مقاطع. ويبدو العنوان بوصفه حكمة الذات التي توصلت إليها بعد معاناة وطول تأمل فيما آلت إليه أحوالها، إنه نوع من التسليم بالوحدة والتعايش معها، بما تحمله مفردة «سيميل» من دلالات التعاضد والتآزر، فلا أحد سيطلّ على هذه الذات ولا يطمئنّ عليها أو يسأل عن أحوالها، ليس في لحظتها الآنية فحسب، بل في مستقبلها أيضاً، فهي النبوءة التي تخاطب بها الذات نفسها، وتقدمها لها بوصفها حكماً نهائياً لا يقبل المساومة، وعليها التعايش مع هذا الوضع القاسي من الوحدة والانقطاع عن العالم.

الديوان، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فاز منذ أيام بجائزة أفضل ديوان شعري في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ينشغل في تكوينه الكلّي بمعاينة تحولات الواقع المحيط بالذات الشاعرة، وبما طرأ على العالم من متغيرات، جعلت عالمه القديم محض أطلال وذكريات، ومن ثم يزداد الشعور بوطأة الاغتراب عن هذا الواقع الضاغط. إن مفردة «هنا»، التي تتوسط عنوان الديوان، تبدو مركزية في فهم الحمولات الدلالية لمجمل القصائد، وفي حل شيفرات الطاقة الشعورية المسيطرة على الذات الشعرية، فـ«هنا»، هذه، لا تتصل فقط بالمكان، لكنها في هذا السياق الشعري تشير إلى الزمان والمكان كليهما، أيضاً إلى لحظة حضارية وثقافية مغايرة عمَّا اعتادته الذات.

الديوان تطل من خلاله الذات في مرايا وجودها الراهن، تحدق في ذاتها وفيما آلت إليه، معترفةً بأنها أصبحت ذاتاً قديمة؛ هذه الذات التي تراوح النظر إلى عالمين: عالم ذكرياتها وماضيها، ومن ناحية أخرى تحدّق في عالم اللحظة الراهنة، متأملةً موقفها الوجودي بين الماضي والحاضر، متنبئةً بما يمكن أن تذهب إليه الأوضاع مستقبلاً، إذا سار العالم بهذه الوتيرة، فالذات الشعرية هنا تظهر مبصرةً تشظّيها وضياعها، ومعترفةً بهذا الضياع والتيه الوجودي، فكثيراً ما يجمع الأزمنة الثلاثة في مقطع شعري واحد، كما نراه يقول في قصيدة «كي أذكّر الطيور بي»:

«أقر...

مثل النيل لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديماً

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً

وفارغ اليدين»

فالذات الشعرية، هنا، في لحظات اعتراف أسيان، كمحارب مهزوم يرفع راية الاستسلام، مقرّاً في لحظة كشف وجودية بأنه بات «قديماً»، غير قادر على مسايرة العالم من حوله، مما أورثه الوحدة، واكتشاف أن ما كان يمسك به قديماً ليس سوى سراب، إذ ينتهي به المطاف فارغ اليدين، لكن الشاعر حتى في لحظة الاستسلام هذه، يصر على التشبه بالنيل، بكل ما يحمله من حمولات تتعلق بالعذوبة والخصب والنماء، والاستمرارية، كأن هذا التشبيه هو كلمته للتاريخ، لتذكير الطيور به، بفيوضاته وعذوبته، بأنه كان هنا، معطاءً وعذباً كالنيل، يفيض كلمات وقصائد، لينشر الخضار في الأرواح والقلوب.

في قصيدة «بالشاشات التصقوا» يتحول البشر إلى مجموعة من الآليين، الملتصقين بشاشات الهواتف والتلفزيون، وغيرها من أدوات عصر المعلومات، فقد استبدلوا الفرجة على الحياة بالعيش فيها، مما أدى إلى استلاب الإنسان وتشيُّئه. إن الذات تعاين هذه التحولات من منظور تأثيرها في إنتاج وحدتها واغترابها، فالشاشات تمنع الآخرين من التواصل مع الذات الشعرية، وتحيل عالمها إلى سجن معنوي كبير، بلا باب ولا نافذة على البراح، سجن من الشاشات لا يسمح بتجدد الهواء، مفعم بالعطن، واستخدام مفردة «انزرعت» يومئ إلى أنها أصبحت بديلاً عن الأشجار والنخيل، تلك التي كانت تجدد أكسجين العالم، في حين هذه الشاشات التي انزرعت عنوةً تمتصّ هذا الهواء، إنها وباء جديد، مصنوع من معدن، يسرق الأرواح كما سرق «كورونا» الوجوه والملامح، عندما أجبر البشر على الاختباء وراء أقنعة وكمامات تمسخ هوياتهم وحضورهم الحي، يقول:

«لا أحد هنا سيميل عليك

لا أحد سيفتح باباً

أو نافذة

لهواء يوقظ نخلك وعصافيرك

الشاشات انتشرت مثل وباءٍ

وانزرعت في الساحات

وفي الحارات

وفي أيدي الأطفال»

ثمة مجموعة من التقابلات المهيمنة على الديوان كله، ففي جهة واحدة هناك (الذات/ الشعر/ النيل/ الهواء القديم/ السحب/ الحقول/ البساتين/ العصافير/ الشوارع المتسعة/ الحارات الصاخبة/ لهو الأطفال...) وغيرها من مرادفات العالم القديم، البكر، ذي الطبيعة النقية والهادئة والحميمة. وفي الجهة المقابلة هناك مفردات العالم الآخذ في فرض هيمنته (الحروب/ الصحراء/ الهمجيون/ الشاشات/ الفيروسات والأوبئة/ الغربان). إن مفردات كل جهة متشابكة ومتعاضدة، حتى تبدو شبكةً دالةً على تصورٍ ما للوجود الإنساني، لكنّ مفردات الجهة الأولى آخذةٌ في الأفول والانزياح، إنه عالم كامل ينسحب خاسراً، في مقابل عالم جديد يفرض حضوره وتسيّده، بكل قسوته وغلظته، فالصحراء تنتصر على الحقول والبساتين، والحروب تهزم الشعر وتلوث السحب، حتى إن الهواء نفسه تغيَّر، وتحولت خواصه، كما يقول في مقطع مدهش من قصيدة «هواء آخر»:

«الهواء الذي كان لا لون له

والذي كان يلعب حولي

(...)

فجأة

صار مثل الحجر

هامداً وثقيلاً

وأسود مثل الوباء

ومثل الحروب التي حولنا تتوالد»

فالهواء، هنا، نموذج للنزوع البيئي الذي يفرض حضوره بقوة في الديوان، فالبيئة والذات الشاعرة كلتاهما في لحظة ذبول، أمام ازدهار الحروب والأوبئة والشاشات، فهناك نظام إنتاج وعلاقات تنطفئ، وأنظمة أخرى تنمو وتهيمن فارضةً قواعدها، حتى إنها تفرض هيمنتها على الهواء الذي يفقد خواصه الطبيعية التقليدية، إنه يتكلس ويتحجر، يكتسب لوناً أسود، يصبح هواءً جديداً، ثقيلاً مثل الحقبة الجديدة التي ينتمي إليها.

في مواجهة كل هذا الاغتراب، تنزع الذات الشاعرة إلى الفرار نحو استعادة ماضيها في كثير من القصائد، مسترجعةً ما كانت عليه من فتوة وعنفوان، حينما كان الشعر يتدفق غزيراً وعذباً مثل تدفق النيل، وأحياناً تأتي هذه الاستعادة في صيغة «فضفضة»، كما عنون إحدى مقاطع القصيدة الأخيرة، أو يقدم في قصيدة «قالت المرايا» قراءة شعرية في مآلات الربيع العربي، التي لا تبتعد كثيراً عن الرؤية العامة للديوان، حيث انهزام الربيع أمام سطوة صقيع وهجير الصيف، فكلاهما يحاصر الربيع ويسحقه، فتتآزر المعاني السياسية مع البيئية مع الوجودية.

الذات الشعرية في هذا الديوان منهزمة ومنسحقة أمام وطأة متغيرات لا تقدر على مجابهتها، أمام عالم يتحول، وحياة فقدت بكارتها، إنها ذات خسرت صراعها مع الزمان والمكان، بما يجعل الديوان مرثية لزمن جميل مضى، وهجاء لزمن يفرض حضوره ومواضعاته. رثاء لأمكنة كانت مفعمة بالسحب وهديل الحمام وجمال الطبيعة والبيئة بكل مفرداتها، وهجاء لأمكنة حديثة متصحرة، حيث انتصر التصحر على خضار الحقول، والجدب على عذوبة النيل. مرثية لصخب الأطفال في الشوارع والحارات، والتواصل الحي بين البشر، ولزمن الثرثرة على المقاهي، وهجاء لزمن الشاشات والسوشيال ميديا، وعصر الأوبئة والحروب، والكمامات والقنابل... وينهي الشاعر ديوانه بمقطع لافت، يقول فيه:

«آن لي

أن ألمَّ طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها.

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يَسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري».