السودان يبدأ حزمة إجراءات اقتصادية قاسية... ويحرر سعر صرف الجنيه

السودان يبدأ حزمة إجراءات اقتصادية قاسية... ويحرر سعر صرف الجنيه

وزير المالية: القرار خطوة للاستفادة من «إعفاء الديون» وجذب الاستثمارات
الاثنين - 11 رجب 1442 هـ - 22 فبراير 2021 مـ رقم العدد [ 15427]
وزير المالية السوداني ومحافظ البنك المركزي ووزير التجارة خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة السودانية توحيد أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني، وفقاً لقاعدة «سعر الصرف المرن المدار»، وذلك ضمن حزمة إجراءات اقتصادية، لمعالجة الأزمة الهيكلية التي تواجه الاقتصاد السوداني. وفور الإعلان؛ حددت بنوك تجارية سعر الصرف مقابل الدولار الأميركي بنحو 375 جنيهاً للدولار الواحد.

وقال وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم، في مؤتمر صحافي مشترك مع محافظ البنك المركزي، الفاتح زين العابدين، ووزير التجارة، عقدوه بالخرطوم أمس لإعلان الخطوة، إن توحيد «سعر صرف» الجنيه السوداني يعد «خطوة أولى»، لاستفادة السودان من برنامج إعفاء الديون، بالإضافة إلى جذب مدخرات العاملين بالخارج، وتشجيع الاستثمارات.

وأعلن بنك السوداني المركزي في بيان صبيحة أمس، أنه اتخذ قرار توحيد سعر الصرف في الأسواق السودانية، بناء على خطة إعادة النظر في السياسات الاقتصادية، التي تهدف لتحقيق استقرار الاقتصاد ومعالجة اختلالاته الهيكلية، وقال: «استقر رأى حكومة المرحلة الانتقالية على تبني حزمة من السياسات والإجراءات، تستهدف إصلاح نظام سعر الصرف وتوحيده، وذلك بانتهاج نظام سعر الصرف المرن المدار».

ويواجه السودان أوضاعاً اقتصادية صعبة، أدت لتدهور سعر صرف الجنيه السوداني بصورة مريعة، ليبلغ سعره في الأسواق الموزاية «السوداء» نحو 400 جنيه للدولار الأميركي الواحد، فيما قبع سعر الصرف الرسمي طويلاً عند 55 جنيهاً للدولار، بجانب شح موارده من النقد الأجنبي، مما أدى لارتفاع وندرة في السلع الرئيسية مثل القمح والمحروقات.

ووفقاً لبيان البنك المركزي، فقد رافقت إعلان تحرير سعر الصرف إجراءات ومنشورات وضوابط جديدة للمصارف وشركات الصرافة، تهدف لتنفيذ الرؤية الإصلاحية للدولة، بدءاً من يوم أمس، بتوحيد سعر الصرف في البلاد.

وقال البيان إن الإجراء الذي اتخذه سيسهم في استقرار الاقتصاد، بتوحيد سعر الصرف، ونقل الموارد من السوق الموازية للسوق الرسمية، واستقطاب مدخرات العاملين بالخارج، وإتاحة الفرصة لتدفقات الاستثمار الأجنبي، وتطبيع علاقات البلاد مع مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية، واستقطاب المنح والقروض، فضلاً عن تحفيز المنتجين والمصدرين، والقطاع الخاص، بالحصول على سعر صرف «مجزٍ»، مما يحد من التهريب ويسد الثغرات أمام المضاربين، ويفتح الباب لإعفاء ديون السودان الخارجية والاستفادة من «مبادرة إعفاء الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك)».

قيود على حركة العملات الأجنبية

وبحسب البيان؛ فإن البنك فرض قيوداً على حركة العملات الأجنبية، بما في ذلك السماح للمسافرين بالحصول على مبلغ ألف دولار فقط، وإن البنوك تملك سلطة تحريك أسعار الصرف وفقاً للعرض والطلب.

وقال وزير المالية للصحافيين إن الحكومة تتوقع أن تؤدي خطوة تحرير سعر الصرف، إلى استقراره، بما يجذب تحويلات العاملين في الخارج، ويفتح الباب أمام الاستثمارات، ويخطو خطوة باتجاه إعفاء ديون السودان لدى المؤسسات المالية الدولية، البالغة نحو 60 مليار دولار أميركي.

وأوضح الوزير أن الحكومة تحسبت لتأثير القرار على الشرائح الفقيرة بتقديم دعم مباشر للمواطنين، بما يعادل 5 دولارات للفرد شهرياً، فيما قال وزير التجارة إن المبالغ المخصصة لدعم المواطنين ستدخل حسابات وزارة المالية ابتداء من اليوم للشروع في برنامج الدعم، وهو برنامج مدعوم دولياً من قبل المانحين.

ولم يقطع وزير المالية بأن يتأثر سعر صرف «الدولار الجمركي» بالقرار؛ بيد أنه قال إنه غير مشمول حتى الآن بالقرار، لكنه عاد وقال: «لكن الدولار الجمركي خاضع للدراسة، لأنه مرتبط بمعدل الجمارك، ونوع السلع التي تفرض عليها الجمارك، ونحن في طور ترتيب الأمر مع الجمارك ووزارة التجارة، لاتخاذ ما يلزم تجاهه»، لكنه في الوقت ذاته أقر إعفاء مدخلات الإنتاج من الرسوم الجمركية.

منح وقروض دولية

وكشف الوزير عن تلقي الحكومة السودانية منحاً وقروضاً، لكنه رفض الكشف عنها بقوله: «نحن وصلت إلينا أموال، وستصل إلينا أموال، وأنا لا أفضل الكشف عن أرقامها الآن»، وأضاف: «هناك أموال وصلت وأموال في طريقها إلينا... الكشف عنها قد يشكل مخاطر تتمثل في سحب هذه الأموال بطرق متعددة، لكن أطمأن الناس بأن بنكنا المركزي في وضع يمكنه التدخل، متى ما رأى أن تدخله ضروري».

ونفى إبراهيم أن يكون قرار حكومته تحرير سعر الصرف، إنفاذاً لمطالب من خارج البلاد، وقال: «القرار ليس من الخارج. هو قرارنا. نحن رأينا أن اقتصادنا في وضع لا يمكن معالجته من غير اتخاذ هذا القرار»، وتابع: «صحيح هناك جهات أجنبية تقول: لو اتخذتم هذا القرار فنحن سنساعدكم، و(إذا) لم تتخذوه فلن نساعدكم، ولن ندخل في (برنامج إعفاء ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون)».

وكشف إبراهيم عن إنشاء بورصة للذهب ولسلع الصادر للحد من تهريبه، بقوله: «سيكون السعر متساوٍ مع السعر العالمي، وبالتالي لن يهرب الذهب، لأن المصدر سيجد السعر نفسه الذي يبحث عنه»، وتابع: «سيصل العائد مباشرة للمنتجين ليعملوا في مجال الصادرات، بعد أن كان يسيطر عليه السماسرة».

وتعهد بتخصيص الأموال التي تحصل عليها الدولة، لاستيراد السلع الأساسية، من حصائل الصادر أو القروض أو المنح، وأن وزارته أعدت برنامجاً متوسطاً وطويل المدى لانسياب السلع الرئيسية، وأضاف: «لا علاقة له بسعر الصرف أو غيره».

أثر القرار

وتوقع الوزير أن «يظهر أثر القرار الإيجابي على الاقتصاد في المدى المتوسط أو أقل من المتوسط، ويمكن أن يرى الناس نتائج القرار، بما يحدث تحولات كبيرة في وضع السودان الاقتصادي»، وأضاف: «النتائج المبشرة قريبة، ويتطلب منا ذلك جهد جميع المواطنين السودانيين، بالتعاون في تنفيذ البرنامج ليثمر ويجني الناس ثماره».

بدوره، أكد محافظ البنك المركزي السوداني، الفاتح زين العابدين، أن القرار «نتج عن برنامج وطني رسمه السودان من دون إملاءات، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام الحوافز التي قد تقدم للسودان».

وأضاف زين العابدين أن البنوك السودانية مؤهلة للتعامل لتحديد السعر اليومي، «ويتم ذلك بتحديد متوسط السعر اليومي، يضاف إلى هامش الحركة الذي يمكن أن تتحرك فيه البنوك التجارية»، وقال: «تأهيل البنك يتعلق بتعامله الخارجي، وفي هذا نحن نسير بخطوات كبيرة، وأثمرت، وسترون نتائجها قريباً».

وقال وزير التجارة إن حكومته ستعمل على رفع الرسوم الجمركية للحد من استيراد السلع الكمالية، مع مراعاة الاتفاقيات الموقعة مع «الكوميسا»، وعرض السلع الذي التزم به السودان إبان انضمامه لمنظمة التجارة الدولية.

وتعهد الوزير بتشريع قوانين جديدة تشجع الاستثمار وتفتح الباب أمام المستثمرين، بقوله: «هناك قانون جديد للاستثمار قيد الإجازة، وقانون آخر لتنظيم التجارة والتعدين يجري التدارس حوله» وتابع: «هناك محادثات مع الولايات المتحدة الأميركية من أجل برنامج دعم مخصص لإصلاح القوانين التجارية في السودان، قطع خطوات متقدمة، لكل قوانين التجارة والاستثمار».

ترحيب أميركي

عقب إعلان الحكومة تحرير سعر الصرف مباشرة، رحبت السفارة الأميركية في الخرطوم بالقرار، وقالت بحسب صفحتها على «فيسبوك»: «القرار يمهد الطريق لتخفيف عبء الديون، ويزيد بشكل ملحوظ من تأثير المساعدات الدولية، التي كان يجب إنفاق الكثير منها في السابق بسعر صرف رسمي، وهو لا يوصل سوى جزء من قيمته المحتملة للشعب السوداني».

وأوضحت أن القرار سيساعد الشركات السودانية بشكل كبير، ويزيد من فرص الاستثمار الدولي، وأضافت: «الشركات المحلية والأجنبية لن تواجه صعوبات في ممارسة الأعمال التجارية في السودان بسبب سعر الصرف المزدوج».

وسارع «بنك الخرطوم»؛ وهو أحد أكبر البنوك التجارية السودانية، لإعلان سعر الصرف ليوم أمس، وحدده عند 375 جنيهاً لشراء الدولار الأميركي، و376.875 للبيع، في الوقت الذي كان فيه سعر الصرف في السوق الموازية يوم أول من أمس في حدود 360 جنيهاً للدولار.

وتدهور الاقتصاد السوداني بصورة مريعة في الآونة الأخيرة، وتجاوز معدل التضخم 300 في المائة خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، وسط غلاء فاحش وندرة في السلع الأساسية، مما أدى لمظاهرات واحتجاجات في عدد من أنحاء البلاد احتجاجاً على الندرة والغلاء، بيد أن الحكومة اتهمت الإسلاميين وأنصار النظام الذي أطاحته الثورة الشعبية، بالضلوع فيها.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة