«الشركات الأمنية» الخاصة ساحة جديدة لتنافس روسي ـ إيراني في سوريا

عربة عسكرية روسية في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
عربة عسكرية روسية في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
TT

«الشركات الأمنية» الخاصة ساحة جديدة لتنافس روسي ـ إيراني في سوريا

عربة عسكرية روسية في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
عربة عسكرية روسية في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

في إطار الصراع والتنافس الروسي - الإيراني في مناطق سيطرة الحكومة السورية ومحاولة كل طرف فرض سيطرته ونفوذه وإقصاء الآخر، وجد حليفا دمشق في «الشركات الأمنية» الخاصة مدخلاً جديداً لتعزيز مصالحهما.
ومنذ اندلاع الأحداث في سوريا منتصف مارس (آذار) عام 2011 وتحولها إلى حرب طاحنة بعد أشهر، وتدخل كل من إيران وروسيا فيها إلى جانب دمشق، وتأكيدهما أكثر من مرة عبر الإعلام أن العلاقة التي تجمعهما في سوريا هي علاقة «تعاون»، فإن ملامح الصراع بينهما في مناطق سيطرة الحكومة ظهرت منذ سنوات كـ«حرب باردة». وتعد محافظتا درعا والقنيطرة في جنوب البلاد ومناطق في ريف دمشق وكذلك مناطق في شرق الفرات، مناطق نفوذ لإيران حيث تنتشر فيها ميليشيات إيرانية وأخرى جنّدتها طهران، على حين تعد مناطق الساحل غرب البلاد وجزء كبير من مناطق وسط البلاد (محافظتي حمص وحماة) وبعض المناطق في الشمال وأجزاء من ريف دمشق مناطق، نفوذاً لروسيا.
- اندفاعة شبابية
قالت مصادر محلية في وسط البلاد لـ«الشرق الأوسط»: «تزايد نشاط الشركات الأمنية الخاصة ومندوبوها بشكل لافت»، لتوظيف أكبر عدد من الشباب برواتب شهرية تعد مُغرية إذا ما قيست بمرتبات موظفي الحكومة. وأضافت: «الشركات موجودة منذ سنوات، ولكنّ كثيراً من الناس لم تعلم بها أو تعرفها. معظمها سورية بالاسم، أما لمن ولاؤها ودعمها وتمويلها، فكثير من موظفيها يقولون علناً إنها إما لروسيا وإما إيران»، وتضيف: «منذ أشهر تزايدت الإعلانات الورقية في الطرقات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي التي تدعو الشباب للتوظف في هذه الشركات، وكذلك يظهر شبان (مندوبون للشركات) يشجعون الشباب على التوظف بها».
وتؤكد المصادر اندفاع «الكثير من الشباب للتوظف بسبب الفقر والجوع»، وتضيف: «حتى عمال في معامل وموظفين في شركات تجارية تركوا عملهم وتوظفوا» في تلك «الشركات الأمنية». وتلفت المصادر إلى أن «راتب المعمل ما يكفي ثمن خبز، والناس تقول إن تلك الشركات تعطي الشاب مليون» ليرة سورية في الشهر (ما يعادل نحو 300 دولار أميركي).
- جيش «فاغنر»
وقبل أيام ذكر موقع «مونيتور» أن موسكو وطهران لجأتا لزيادة نفوذهما عبر شركات أمنية خاصة في جميع المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية. وأشار إلى أن هناك أكثر من 70 شركة أمنية خاصة مسجَّلة في مناطق سيطرة الحكومة السورية تعمل بعدة قطاعات مثل حماية الأثرياء وشركات الصرافة والحوالات المالية، بالإضافة إلى القوافل الإيرانية.
ولفت الموقع إلى أن بعض الشركات الأمنية الخاصة تقدم خدماتها لحماية آبار النفط الواقعة تحت سيطرة روسيا، مثل حقول (التيم، والورد، والشعلة) في ريف دير الزور، وأبرزها شركة «المهام للحماية والحراسة الخاصة» التي تعود ملكيتها لشركة حسام القاطرجي، إحدى أبرز واجهات النظام الاقتصادية الجديدة، وشركة «سند للحراسة والأمن».
ونقلت تقارير عن الناشط الإعلامي جميل العبد، قبل أيام، قوله: «ترفع الشركة وميليشيا قاطرجي التابعة لها على مقراتها الأعلام الروسية علانية، خصوصاً في دير الزور».
وتابع أن أفراد هذه الشركات يخضعون لتدريبات بإشراف قوات «فاغنر» الروسية الخاصة، التي تعمل على تجنيد شبان محليين فيها أيضاً. ووفق الموقع، تشير الإحصاءات إلى ارتفاع نسبة الاعتماد على المكاتب الأمنية في حماية المصالح الروسية والإيرانية في سوريا، وذلك ضمن خطة لتجنيد أكبر قدر من الشباب، وحتى النساء، السوريين، مرتزقةً محليين تحت إشراف هذه المكاتب التي تدفع أجوراً مغرية للمنضمين إليها من الشعب السوري، فالعناصر المحلية أقل تكلفة مادية من المرتزقة الأجانب، وأكثر معرفة وخبرة بطبيعة السكان المحليين، وهو ما يسهل مهام المكاتب الأمنية ويجعلها أكثر قوة. ونقل الموقع عن موظف في إحدى الشركات الأمنية في حمص قوله: «نعمل مع القوات الروسية في حراسة المنشآت النفطية في الحسكة والقامشلي مقابل 300 دولار شهرياً».
- واجهة وغطاء
من جانبه، أنشأ «الحرس» الإيراني عدداً من الشركات الأمنية الخاصة في سوريا توفر له واجهة تغطي أنشطة الميليشيات التابعة له في مختلف أنحاء البلاد، وفق تقارير نُشرت مؤخراً. وأشارت التقارير إلى أن غالبية «الشركات الأمنية» الخاصة التابعة لإيران تعمل في مناطق دير الزور (شرق) وحلب (شمال) ودمشق.
ونقلت التقارير عن الناشط من دير الزور عمار صالح، أن الشركات المدعومة من «الحرس» تؤمّن المواكبة الأمنية للزوار الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين الذين يزورون المواقع الدينية في دير الزور ودمشق، بالإضافة إلى حماية الطرقات التي يُنقل عبرها النفط.
كما نقلت التقارير عن الناشط الإعلامي من مدينة البوكمال بريف دير الزور الشرقي أيهم العلي، أن من بين الشركات الأمنية السورية التابعة لـ«الحرس» شركة «القلعة للحماية والخدمات الأمنية»، وقد أسسها عام 2017 كل من أحمد علي طاهر وأسامة حسن رمضان.
وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، في 12 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إن الصراع بين موسكو وطهران «وإن كان يشمل كامل التراب السوري في العموم، فإنه يتركز في الجنوب السوري وغرب الفرات على وجه الخصوص، ففي درعا تتسابق روسيا وإيران لانتزاع السيطرة المطلقة عليها، حيث تواصل الأولى تقوية نفوذ الفيلق الخامس المدعوم منها وإظهاره كقوة كبرى في المحافظة، لا سيما أن المنتسبين للفيلق هم أبناء درعا، وغالبيتهم من أصحاب التسويات والمصالحات، وهو ما يبرز جلياً بتدخل الفيلق الخامس في فض النزاعات تارةً، وبخلق نزعات لكسر شوكة قوات النظام والفرقة الرابعة المقربة من إيران تارة أخرى».
وعلى المقلب الآخر، حسب «المرصد»، تستمر إيران في عمليات تجنيد الشبان والرجال عبر «عرّابين تابعين لإيران و(حزب الله)، كـ(سرايا العرين) التابعة للواء 313 الواقع في شمال درعا، بالإضافة لمراكز في صيدا وداعل وازرع، ويخضع المجندون الجدد لدورات تدريبية في منطقة اللجاة شرق درعا.
وعلى مقربة من الحدود مع الجولان السوري المحتل، يعمد (حزب الله) اللبناني إلى ترسيخ نفوذه في القنيطرة عبر استقطاب الشبان الهاربين من ملاحقة أجهزة النظام الأمنية بشأن الخدمة الإلزامية والاحتياطية؛ ونظراً لتردي الأحوال المعيشية مع انعدام فرص العمل؛ إذ تتركز عمليات التجنيد والتشييع في كل من مدينتي البعث وخان أرنبة».
أما في غرب الفرات، فإن عمليات التجنيد لصالح إيران متواصلة بشكل كبير ضمن المنطقة الممتدة من الميادين حتى البوكمال بريف دير الزور الشرقي، والتي تقع تحت سيطرة النفوذ الإيراني بشكل كامل. وقال «المرصد»، إن روسيا تسعى «لتحجيم الدور الإيراني هناك بطرق مباشرة وغير مباشرة، حيث تقوم بحملات أمنية مستمرة برفقة ميليشيات موالية لها وللنظام السوري وزيارات دورية إلى مناطق النفوذ الإيراني، فضلاً عن الاطلاع الروسي المسبق على الضربات الإسرائيلية التي تستهدف الإيرانيين غربي الفرات».
وذكر «المرصد» أن القوات الروسية افتتحت أول مقر لها في مدينة البوكمال بريف دير الزور الشرقي على الحدود مع العراق، حيث تمركزت القوات في مبنى الفندق السياحي وسط مدينة البوكمال.
وارتفع تعداد المتطوعين في صفوف الإيرانيين والميليشيات الموالية لطهران في الجنوب السوري وفق «المرصد»، إلى أكثر من 8600، كما ارتفع إلى نحو 7450 عدد الشبان والرجال السوريين من أعمار مختلفة ممن جرى تجنيدهم في صفوف القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها مؤخراً، ذلك ضمن منطقة غرب نهر الفرات في ريف دير الزور.
- الحظر السابق
يُذكر أنه طوال فترة حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد التي امتدت من بداية سبعينات القرن الماضي حتى عام 2000، منعت الحكومة السورية الترخيص للشركات الأمنية وظلّت أجهزة الأمن الجهة المسؤولة عن الحفاظ على أمن الدولة، في حين بقيت وزارة الداخلية الجهة المسؤولة عن حماية المؤسسات الحكومية بقطاعاتها كافّة.
ومع تسلّم بشار الأسد السلطة في عام 2000، وبروز المنشآت الصناعية والتجارية الخاصة، وبدء الاستثمارات الأجنبية، وفتح السوق السورية، ازدادت الحاجة إلى تلك الشركات، حيث ازداد الطلب على حرّاس المباني والسفارات والمنظمات الدولية، ما دفع عدداً من شركات التوظيف، وشركات الخدمات، والشركات التجارية، نحو الاستثمار في القطاع الناشئ، لكن في ظل غياب قانون ترخيص للشركات الأمنية الخاصة في سوريا، وقانونٍ واضحٍ يجيز تأسيس شركات الحراسة الخاصة، كانت الشركات تحصل على ترخيص من المحافظة ووزارة التجارة بوصفها شركات تجارية، وعلى موافقة شعبة الأمن السياسي التابعة لوزارة الداخلية، ويقتصر عملها على حراسة مداخل المراكز التجارية والوكالات الأجنبية في الأحياء الأكثر ثراءً في دمشق التي وصل عدد الشركات الأمنية فيها، وفق ما جاء في ورقة نشرها مركز «مسارات الشرق الأوسط» في 28 يوليو (تموز) 2020 تحت عنوان «الشركات الأمنية الخاصة في سوريا: وكلاء جُدُد في خدمة النظام»، إلى سبع شركات في أواخر عام 2007، إضافة إلى شركتَين في حلب.
وبموجب المرسوم الذي أصدره الأسد في أغسطس (آب) 2013 وقضي بـ«منح الترخيص لشركات خدمات الحماية والحراسة الخاصة»، بلغ عدد شركات الحراسة الخاصة في عام 2017، وفقاً للّواء عصام أبو فخر، رئيس إدارة الحماية والحراسة في وزارة الداخلية، 11 شركة، وأخذ هذا العدد في الارتفاع في عام 2018، إلى أن بلغ 75 شركة مُرخَّصاً لها في عام 2019.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.