طرابلس تعوّل على توسعة مينائها للخروج من أزمتها المعيشية

توفيق سلطان: «قوى التعطيل» تريد تحويل المدينة إلى ضاحية لمنطقة جبران باسيل

طرابلس مدينة «متروكة لمصيرها» (رويترز)
طرابلس مدينة «متروكة لمصيرها» (رويترز)
TT

طرابلس تعوّل على توسعة مينائها للخروج من أزمتها المعيشية

طرابلس مدينة «متروكة لمصيرها» (رويترز)
طرابلس مدينة «متروكة لمصيرها» (رويترز)

لم يكن انفجار الأزمة الاقتصادية والمعيشية في طرابلس (شمال لبنان) الأسبوع الماضي حدثاً غير متوقع بالنسبة لكثيرين من فاعلي المدينة والعاملين في الشأن العام اللبناني، ذلك أن المدينة «متروكة» لمصيرها جراء السياسات «غير المدروسة» و«الإهمال المقصود» منذ عقود.
من الملعب الرياضي «المهمل» على مدخل المدينة الجنوبي إلى مصفاة تكرير النفط على مدخلها الشمالي، عُطلت مواقعها التنموية وقدراتها الاقتصادية، ولم يبقَ فاعلاً إلا مرفأها البحري الذي وضعت خطط لتطويره بجهود السياسي اللبناني توفيق سلطان الذي أطلق عليه رئيس المرفأ في عام 2016 في أثناء تكريمه، بحضور رئيس الوزراء المصري ووزير النقل الأردني آنذاك، لقب «أبو المرفأ». وكان رفع ملصق لصورة رافعة تبلغ من العمر 100 عام مؤشراً على خطة الاستمرار في التعويل عليه، وقد حول سلطان نضاله السياسي خلال مرحلة وجوده إلى جانب مؤسس «الحزب التقدمي الاشتراكي» الراحل، كمال جنبلاط، إلى نضال تنموي الآن في مدينته، وفي مقدمته خطط تطوير المرفأ، بهدف التخفيف من الأعباء الاجتماعية والأزمات المعيشية.
وتعود معاناة طرابلس مع السلطة السياسية إلى إنشاء دولة لبنان الكبير في عام 1920، والاقتراح الفرنسي بعدم ضمها إلى لبنان، منعاً للإخلال بالديموغرافيا اللبنانية، وهو ما رفضه البطريرك الماروني الراحل إلياس الحويك، وثانياً عندما رفض الرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون تعميق أحواض مرفأ طرابلس في الخمسينيات، بناء على اقتراح رئيس بلديتها راشد سلطان، وصولاً إلى العرقلة التي مورست في عهد الرئيس ميشال عون، كما يقول سياسيون وفاعلون فيها.
يقول سلطان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوى التعطيل تتغير في كل مرة»، وآخرها الرئيس عون الذي طلب من فاعليها لقاء الوزير جبران باسيل حين عُرضت عليه خطة إنتاج كهرباء ذاتية باستثمار بلغ حجمه ربع مليار دولار وفره أبناء المدينة لتأمين الكهرباء. ويضيف: «قوى التعطيل تريد تحويل طرابلس من ولاية تتبع لها مدن ومناطق واسعة قبل مائة عام إلى ضاحية من ضواحي قضاء البترون» الذي ينحدر منه النائب جبران باسيل.
ولم تسلك خطة تطوير المرفأ طريقها إلا في مطلع الألفية الجديدة، بعد تغير العهود السياسية، وتعيين الوزير غازي العريضي (عن الحزب الاشتراكي) وزيراً للإشغال، حي ثبات مرفأ طرابلس اليوم محط أنظار العالم بعد زيارة سفراء دول أجنبية إليه في العام الماضي، وهو ما تُوج باعتماده من قبل شركة (CMA - CGM) الفرنسية العالمية، ليكون محطة أساسية لها في شرق البحر المتوسط تمر بها سفنها التي تأتي من خطين: أحدهما من غرب آسيا مروراً بموانئ الخليج العربي وصولاً إلى جنوب إيطاليا، والثاني من موانئ الخليج العربي وصولاً إلى مرسين في تركيا. وبات عمق الحوض 15.5 متر، ما يعني أنه بات قادراً على استقبال سفن عملاقة، وتتيح مساحة الأحواض الواسعة لها الالتفاف. وتزداد أهمية المرفأ بوجود 35 كيلومتراً بحرياً إلى الشمال ملكاً للدولة اللبنانية، ما يمهد لتوسعته في أي وقت، فضلاً عن أن قدرته الاستيعابية مفتوحة، ووجود خط سكك حديد للبضائع والركاب، وهو على مقربة من مهبط الطائرات في القليعات في الشمال.
هذه الطاقة الاقتصادية لطرابلس قادرة على تأمين فرص عمل للمئات. وفيما حصلت إدارة المرفأ على قرض من البنك الإسلامي بقيمة 87 مليون دولار لتطويره، على أن تسدده إدارة المرفأ من عائداته، بمعزل عن الحكومة اللبنانية، تنتظر مشاريع التوسعة تشكيل الحكومة.
ولا تقتصر أزمات طرابلس على الضائقة الاقتصادية وتقويض المشاريع التنموية. ويرى سياسيون فيها أن طرابلس كانت بمواجهة خطة ممنهجة سياسياً، وألبست «ثوباً تنكرياً ليس لها»، في إشارة إلى إطلاق بعضهم عليها اسم «قندهار»، علماً بأن المدينة التي تسكنها أغلبية إسلامية ومسيحية من الأرثوذكس أطلقت في الأشهر الماضية أسماء خمسة مطارنة موارنة على خمسة من شوارعها، إلى جانب شوارع أخرى تحمل أسماء مسيحية، وذلك رداً على الاتهامات الموجهة للمدينة، ما أثر عليها سياسياً واجتماعياً.
وفي مقابل تعطيل خطط التنمية، عبر وضع عراقيل أمام المشاريع، يحاول أبناء المدينة تطوير مرافق تغيب عنها الدولة بقدراتهم الذاتية، لمواجهة «خطة ضرب طرابلس اقتصادياً، وتصويرها على أنها «قندهار».
يقول سلطان: «مشكلة طرابلس أنها مكتومة الأنفاس، مع أنها عاصمة ثانية للبلاد»، ويوضح: «منذ عشرات السنين، ورداً على إهمال الدولة لها، ذهب أبناؤها إلى تأمين الخدمات عبر شركات خاصة، لجهة تأمين المياه من نبع رشعين (يبعد نحو 17 كيلومتراً)، وملكية أبناء المدينة لشركة كهرباء قاديشا التي كانت حاصلة على امتياز من الحكومة، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى كهرباء لبنان قبل سنوات». وحين حاول أبناء المدينة في العقد الماضي عرض إنتاج الكهرباء لتأمينها، تمت عرقلة الخطط.
ويرى سلطان أن «المؤامرة على طرابلس متمادية»، ذلك أن «المدينة قادرة على العمل بقدراتها الذاتية، لو تركتها السلطة، ووفرت لها حرية العمل والتطوير، وأتاحت لها تنفيذ الخطط التنموية وتقديم الخدمات»، مضيفاً: «الملعب الأولمبي متروك بلا صيانة ولا استثمار، ومعرض رشيد كرامي الدولي متروك أيضاً، وقد تمت عرقلة مشاريع استثمارية صينية لاعتماده معرضاً دائماً، فضلاً عن أن محطة انطلاق السفر لم تُنجز...».
ويؤلمه إمعان العهود بحجب التنمية عن طرابلس، إذ يقول: «هل يُعقل أن هناك 23 متحفاً في لبنان، بينما لا يوجد أي متحف في طرابلس، مدينة الأصالة والتراث والحضارات؟!». ويؤكد أن «كتم الأنفاس دفع باتجاه هذا التوتر الأمني»، علماً بأنه لا حل للأزمات وتفاقمها إلا بتطوير المدينة «وتوفير حرية لأبنائها للعمل وتنميتها، ما دام أن السلطة السياسية المركزية غائبة عنها».



تحذير أممي من تعميق الأزمة الإنسانية جراء هجمات الحوثيين

طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تعميق الأزمة الإنسانية جراء هجمات الحوثيين

طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)

حذرت الأمم المتحدة من أن التصعيد العسكري الحوثي في اليمن، وما يرافقه من استهداف للمدنيين والمنشآت والموانئ والسفن التجارية، ينذر بتعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية في بلد يواجه أصلاً واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، بينما تتحرك الحكومة اليمنية لرفع جاهزية قطاعات النقل والتجارة وتأمين سلاسل الإمداد والمخزون الغذائي في مناطق سيطرتها.

ودق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك ناقوس الخطر من التداعيات المتزايدة للهجمات الحوثية على البنية التحتية المدنية، محذراً من أن استمرارها يضاعف معاناة السكان، في وقت يعاني فيه ما لا يقل عن 18 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي.

وقال تورك، في تصريح نشره موقع الأمم المتحدة، إن على جميع الأطراف الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والامتناع عن توجيه الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين أو إلحاق أضرار بالمنشآت المدنية.

مسؤولون يمنيون يجهزون جثماني بحارين باكستانيين قُتلا في هجوم حوثي على سفينة شحن (أ.ب)

وأشار المفوض السامي إلى سقوط 17 ضحية مدنية جراء هجمات حوثية استهدفت مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية منذ السادس من أغسطس (آب) الحالي، في مؤشر على اتساع نطاق المخاطر التي تهدد السكان والمنشآت المدنية بالتزامن مع التصعيد العسكري المتواصل.

وأكد تورك أن الشعب اليمني عانى «بشكل كبير جداً» جراء التركة المدمرة لسنوات الصراع والنزوح والأزمة الإنسانية، داعياً إلى خفض التصعيد وتجنيب اليمنيين المزيد من المعاناة، والوقف الفوري لأي أعمال قد تدفع البلاد مجدداً نحو صراع شامل.

هجمات في عدة جبهات

تأتي التحذيرات الأممية في أعقاب سلسلة هجمات حوثية طالت مواقع مدنية ومرافق حيوية، من بينها مخيم جو النسيم للنازحين في محافظة مأرب، حيث أصيب ستة مدنيين، بينهم طفل، وفق ما أوردته الأمم المتحدة.

كما طالت الهجمات ميناء المخا في محافظة تعز، ومضيق باب المندب، في تطور يربط بين مسارين متوازيين من التصعيد؛ أولهما يضغط على السكان والمنشآت داخل اليمن، والآخر يهدد حركة الملاحة والتجارة الدولية في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في المنطقة.

لحظة انفجار صواريخ حوثية أطلقت على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

ويحمل استهداف الموانئ والسفن التجارية تداعيات تتجاوز الأضرار المباشرة؛ إذ يمكن أن ينعكس على كلفة النقل والشحن والتأمين، ويزيد صعوبة وصول السلع إلى الأسواق اليمنية، في وقت يعتمد فيه ملايين السكان على الواردات لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وتزداد حساسية هذه التطورات في ظل هشاشة الاقتصاد اليمني وتراجع قدرة الأسر على تحمل أي ارتفاعات جديدة في أسعار الغذاء والسلع الأساسية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الموانئ أو خطوط الإمداد عاملاً إضافياً في تعميق الضغوط المعيشية.

وفي هذا السياق، لا تنظر الحكومة اليمنية إلى التصعيد باعتباره ملفاً عسكرياً وأمنياً فقط، بل باعتباره تهديداً مباشراً لسلاسل الإمداد والأسواق والاستقرار التمويني، وهو ما دفع وزاراتها المعنية إلى التحرك على مسارات متوازية.

استنفار في قطاع النقل

في سياق هذه التداعيات، أجرى رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني زيارة تفقدية إلى وزارة النقل في عدن، للاطلاع على سير العمل في قطاعات النقل البري والبحري والجوي، ومستوى الجاهزية للتعامل مع التطورات الراهنة.

وعقد الزنداني اجتماعاً بقيادة الوزارة والهيئات والمؤسسات والشركات التابعة لها، جرى خلاله استعراض أوضاع قطاعات النقل وأولويات المرحلة المقبلة، إلى جانب خطط التعامل مع التصعيد الحوثي واستهداف الموانئ والمنشآت المدنية والسفن التجارية.

وبحسب الإعلام الرسمي، تناول الاجتماع أوضاع المنافذ البرية والبحرية والجوية ومستوى الاستعداد للتعامل مع مختلف الاحتمالات، بما يضمن استمرار حركة النقل والتجارة، وتأمين انسيابية حركة المسافرين والبضائع، والحفاظ على سلامة المنشآت الحيوية واستدامة الخدمات المرتبطة بها.

من آثار القصف الصاروخي الحوثي على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

وأكد الزنداني أن استهداف الموانئ والمنشآت المدنية، وفي مقدمتها ميناء المخا، والاعتداءات على السفن التجارية وتهديد الملاحة، تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف الاقتصاد الوطني ومصالح المواطنين، وتتجاوز تداعياته حدود اليمن لتطال أمن الملاحة والتجارة الدولية في المنطقة.

وشدد على أن حماية المنشآت الحيوية واستمرارية عمل الموانئ والمنافذ وقطاعات النقل تمثل أولوية في المرحلة الحالية، موجهاً وزارة النقل برفع مستوى الجاهزية وتعزيز التنسيق مع أجهزة الدولة واتخاذ التدابير اللازمة للتعامل مع أي طارئ، وفق خطط واضحة تقلل آثار أي استهداف أو تعطيل محتمل.

وفي الوقت نفسه، ربط الزنداني بين مواجهة مخاطر التصعيد وإصلاح قطاع النقل، مشيراً إلى أن هذا القطاع يواجه اختلالات تراكمت خلال سنوات الحرب، وأن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من المعالجات المؤقتة إلى إصلاحات مؤسسية شاملة تعيد بناء قدراته وتفعّل دوره في الاقتصاد والخدمات.

وأكد أهمية استعادة ميناء عدن لمكانته بوصفه ميناء محورياً في المنطقة، وتعزيز قدراته التشغيلية والإدارية والفنية، معتبراً أن تطوير قطاع النقل يحتاج أيضاً إلى شراكة حقيقية مع القطاع الخاص وتوفير بيئة مؤسسية وتشريعية تسمح له بالمساهمة في تطوير البنية التحتية والخدمات.

حماية الغذاء والأسواق

في ظل هذه التطورات، شدد وزير الصناعة والتجارة محمد الأشول على رفع مستوى الجاهزية واليقظة وتعزيز العمل الاستباقي؛ لمواجهة أي تداعيات محتملة على الأسواق وسلاسل الإمداد والمخزون الغذائي.

وقال الأشول، خلال ترؤسه اجتماعاً موسعاً لمديري عموم مكاتب الوزارة في المحافظات الخاضعة للحكومة، إن التصعيد الحوثي واستهداف السفن التجارية والموانئ والمنشآت الحيوية، وفي مقدمتها ميناء المخا، يفرضان مضاعفة الجهود للحد من انعكاساته على حركة التجارة وكلفة الشحن والتأمين وتدفق السلع والأسعار.

ودعا إلى الانتقال من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى استباقها، من خلال رصد المؤشرات والتعامل معها في وقت مبكر، بما يحافظ على استقرار الأسواق ويحمي معيشة المواطنين.

صاروخ أطلقه الحوثيون على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (رويترز)

ووجه مكاتب الوزارة بإعطاء المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية أولوية قصوى، وإعداد قواعد بيانات محدثة بشأن الكميات المتوافرة ومدد التغطية التموينية والشحنات المقبلة والمخاطر المحتملة، إلى جانب تكثيف التواصل مع الغرف التجارية وكبار التجار والمستوردين لتذليل الصعوبات أمام النشاط التجاري.

وفي المقابل، شدد الوزير على عدم التهاون مع الاحتكار أو إخفاء السلع أو تخزينها بقصد افتعال الأزمات واستغلال احتياجات المواطنين، مطالباً بتكثيف الحملات الرقابية ومتابعة الأسعار والتحرك ضمن الصلاحيات قبل تحول أي اضطراب في الإمدادات إلى أزمة أوسع.

كما طالب مكاتب الوزارة برفع تقارير دورية تستند إلى الأرقام والمؤشرات والتحليل والتوصيات، بدلاً من التقارير الإنشائية، بحيث تتمكن الوزارة من اتخاذ قرارات سريعة في مواجهة أي اختلالات محتملة.


فواتير العلاج تحبس مرضى داخل مستشفيات يديرها الحوثيون

مريض يمني جرى احتجازه في مستشفى بمحافظة ذمار (فيسبوك)
مريض يمني جرى احتجازه في مستشفى بمحافظة ذمار (فيسبوك)
TT

فواتير العلاج تحبس مرضى داخل مستشفيات يديرها الحوثيون

مريض يمني جرى احتجازه في مستشفى بمحافظة ذمار (فيسبوك)
مريض يمني جرى احتجازه في مستشفى بمحافظة ذمار (فيسبوك)

لم يعد المرض وحده ما يثقل كاهل المرضى في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، إذ يعجز بعضهم عن مغادرة المستشفيات بعد انتهاء حاجتهم الطبية إلى الرقود، بسبب عدم قدرتهم على سداد فواتير العلاج المتراكمة.

وتقول أسر مرضى في صنعاء وإب وذمار ومناطق أخرى لـ«الشرق الأوسط»، إن تكاليف العلاج والأدوية والخدمات الطبية باتت تتجاوز قدرتها المالية، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية، ما دفعها إلى الاستدانة أو بيع الممتلكات لتوفير نفقات العلاج، بينما بقي مرضى داخل المستشفيات إلى حين تسوية المبالغ المستحقة.

وكشفت مصادر عاملة في القطاع الصحي الخاضع للحوثيين عن تكرار حالات من هذا النوع خلال الفترة الأخيرة في مستشفيات حكومية وخاصة، مشيرة إلى أن عجز المرضى وذويهم عن دفع الفواتير أصبح سبباً في تأخير مغادرتهم المنشآت الطبية، حتى بعد تحسن حالاتهم أو صدور قرارات طبية تسمح لهم بالخروج.

وفي أحدث الحالات التي رصدتها مصادر طبية في صنعاء، أبقت إدارة مستشفى خاص يديره ما يُسمى «الحارس القضائي» للحوثيين مريضاً من محافظة إب داخل قسم رقود الجراحة، بعد عجز أسرته عن سداد بقية تكاليف علاجه.

أطباء وعاملون صحيون في مستشفى حكومي خاضع للحوثيين بصنعاء (فيسبوك)

وقالت المصادر إن المريض سامر عبد الله الزهيري حصل على قرار طبي يسمح له بالمغادرة، وحاولت أسرته إخراجه من المستشفى، إلا أن الإدارة رفضت ذلك، وأبقت عليه إلى حين سداد المبلغ المتبقي، الذي يبلغ نحو 250 ألف ريال يمني (الدولار حوالي 535 ريالاً في مناطق سيطرة الجماعة).

وأضافت أن أسرة الزهيري لم تتمكن من توفير المبلغ، ما أبقى المريض في المستشفى رغم انتهاء حاجته الطبية إلى الرقود، وفقاً للمصادر.

ولا تختلف معاناة «أم خالد»، وهي من سكان صنعاء، كثيراً عن هذه الحالة؛ إذ تقول إنها اضطرت قبل نحو أسبوع إلى بيع بعض ممتلكاتها والاستدانة من أقاربها لتوفير جزء من تكاليف علاج ابنها، الذي أسعفته إلى مستشفى خاص تديره جهة مرتبطة بما يسمى «الحارس القضائي» الحوثي.

وتضيف أن ما تمكنت من توفيره لم يكن كافياً لتسوية كامل الفاتورة، ما أدى إلى استمرار بقاء ابنها في المستشفى رغم تحسن حالته الصحية.

حالات في إب وذمار

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر طبية بأن إدارة مستشفى الثورة العام الحكومي أبقت لعدة أيام على المريض سالم هبة سلمان، وهو من محافظة الحديدة، بعد عجزه وأسرته عن سداد تكاليف علاجية متبقية تصل إلى نحو 150 ألف ريال يمني.

وأكدت المصادر أن إدارة المستشفى رفضت السماح للمريض بالمغادرة قبل تسديد المبلغ المستحق، رغم أن المستشفى منشأة حكومية تقدم جزءاً كبيراً من خدماتها للمرضى مجاناً.

مرضى ومراجعون أمام مركز الطوارئ بالمستشفى الجمهوري في صنعاء (إكس)

وفي محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفرج مستشفى الرازي الخاص في وقت سابق عن مريض بعد بقائه لنحو شهر على خلفية عجزه عن سداد تكاليف العلاج المتبقية، التي لم تتجاوز 200 ألف ريال يمني، أي نحو 390 دولاراً وفق السعر الذي أوردته المصادر.

وحسب المصادر، فإن المريض عمر مهيم، وهو من أبناء محافظة الحديدة، ظل داخل المستشفى على ذمة المبلغ المستحق، قبل أن يتدخل تجار وفاعلو خير في المحافظة بكفالة سداد المديونية، ما أتاح له مغادرة المستشفى.

وتقول مصادر محلية إن تدخل فاعلي الخير أصبح في بعض الحالات الوسيلة الأخيرة التي تلجأ إليها الأسر لإنهاء بقاء مرضاها داخل المستشفيات، بعدما تعجز عن توفير تكاليف العلاج من مواردها الخاصة.

أزمة متشابكة

تأتي هذه الوقائع في وقت يواجه فيه القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين أزمة متفاقمة، تتصل بنقص التمويل والمستلزمات الطبية، وتراجع قدرة المؤسسات الصحية على تقديم خدمات مجانية، بالتزامن مع اتساع الضغوط الاقتصادية على السكان.

وتتحمل الأسر اليمنية في كثير من الحالات جانباً كبيراً من تكاليف العلاج، في وقت أدت فيه سنوات الحرب والانقسام الاقتصادي إلى تآكل مصادر الدخل وارتفاع أسعار السلع والخدمات، بما فيها الأدوية والرعاية الطبية.

وتقول عائلات إن بعض المرضى يضطرون إلى البقاء في المستشفيات بعد استقرار حالاتهم الصحية، إلى حين تدبير المبالغ المطلوبة أو تدخل متبرعين لسداد الفواتير المتراكمة. وفي حالات أخرى، تلجأ الأسر إلى بيع ممتلكات أو الاقتراض من الأقارب والمعارف لتجنب استمرار بقاء المرضى داخل المنشآت الطبية.

يمنيون يشكون تخصيص المستشفيات العمومية للعناصر الحوثية (فيسبوك)

ويرى حقوقيون أن استمرار إبقاء المرضى بسبب العجز عن سداد الديون الطبية يضيف بُعداً إنسانياً وقانونياً إلى الأزمة الصحية، خصوصاً عندما يكون المريض قد استوفى حاجته الطبية إلى الرقود وأصبح قادراً على مغادرة المنشأة.

ويطالب هؤلاء بإيجاد آليات تضمن حصول المرضى المعسرين على الرعاية الصحية وعدم تحويل العجز عن الدفع إلى سبب يحول دون مغادرتهم المستشفيات، فضلاً عن توفير دعم للفئات الأكثر فقراً التي لم تعد قادرة على تحمل تكلفة العلاج.

وتشير وقائع سابقة وثّقتها مصادر محلية إلى أن المشكلة لا تقتصر على مستشفى أو محافظة بعينها، إذ سُجلت حالات مماثلة في مستشفيات حكومية وخاصة بمناطق خاضعة للحوثيين، شملت مرضى من فئات عمرية مختلفة، بينهم مسنون وأطفال، على خلفية عجز ذويهم عن دفع تكاليف العلاج أو الإقامة.


الحوثيون يستهدفون المخا لإجهاض صعود مينائها

عشرات الصواريخ والمسيرات الحوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
عشرات الصواريخ والمسيرات الحوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يستهدفون المخا لإجهاض صعود مينائها

عشرات الصواريخ والمسيرات الحوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
عشرات الصواريخ والمسيرات الحوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

منذ أكثر من أسبوع، يواصل الحوثيون المدعومون من إيران استهداف مدينة المخا ومينائها والمرافئ اليمنية القريبة من باب المندب على ساحل البحر الأحمر، بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في تصعيد واسع أدى إلى خروج ميناء المخا من الخدمة منذ عدة أيام، وألحق أضراراً كبيرة بالبنية التحتية والمنشآت والسفن الراسية فيه.

وبينما تزعم الجماعة الحوثية أنها تستهدف مواقع وسفناً مرتبطة بالجانب العسكري، لم يثبت صحة هذه الادعاءات، في وقت تقول فيه مصادر حكومية ومطلعة إن طبيعة القصف واتساع نطاقه يكشفان عن أهداف تتجاوز ما تعلنه الجماعة، ويرتبطان بتحولات عسكرية محتملة على الساحل الغربي، فضلاً عن مخاوف الجماعة من صعود ميناء المخا منافساً لميناء الحديدة الخاضع لسيطرتها.

ووفق إحصائية للقوات الحكومية في الساحل الغربي، استهدف الحوثيون الميناء التجاري والمرافئ القريبة منه بـ 46 صاروخاً باليستياً و55 طائرة مسيّرة، إلى جانب استخدام الزوارق المفخخة.

أضرار واسعة في ميناء المخا اليمني جراء الهجمات الحوثية الصاروخية (أ.ف.ب)

وتقول مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين يستشعرون خطر هجوم مباغت للقوات الحكومية، من دون معرفة الاتجاه الذي قد تبدأ منه أي عملية عسكرية محتملة، وهو ما دفعهم إلى استهداف مواقع لوحدات النخبة في الجيش اليمني، التي باتت، بحسب المصادر، جاهزة للمشاركة في أي معركة محتملة انطلاقاً من محافظة مأرب.

وكثفت الجماعة الحوثية قصفها لميناء المخا والمرافئ القريبة منه، في محاولة لتعطيل دوره المتنامي كميناء تجاري على البحر الأحمر، خصوصاً مع استكمال أعمال تطويره وتأهيله ليكون قادراً على استقبال سفن الحاويات، وتعزيز حركة الاستيراد والتصدير.

وأدى القصف غير المسبوق إلى تعطيل الميناء، وتوقف وصول السفن المحملة بالمواد الغذائية والكهربائية وبضائع أخرى من الضفة الأخرى للبحر الأحمر، في وقت كان المرفأ يستعد فيه لمرحلة جديدة من النشاط التجاري.

وترى مصادر مطلعة أن استهداف الميناء وبنيته التحتية بهذا الحجم يعكس أهميته التي بات يحتلها بالنسبة إلى المستوردين والتجار، خصوصاً أولئك الذين ينقلون بضائعهم إلى مناطق شمال اليمن عبر ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين، ويواجهون، وفق مصادر تجارية، أشكالاً متعددة من الجبايات والرسوم.

أشخاص يبحرون بقاربهم بمحاذاة سفن حاويات راسية بالقرب من مضيق باب المندب (أ.ف.ب)

وتشير طبيعة المواقع التي استهدفتها الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مخاوف حوثية من أن يتحول المخا إلى مركز تجاري وملاحي بديل، مستفيداً من موقعه القريب من باب المندب، ومن قدرته على خدمة مناطق واسعة تشمل تعز وإب وأجزاء من لحج والحديدة والضالع.

ولا تقتصر الحسابات الحوثية، وفق المصادر، على الجانب التجاري، إذ تنظر الجماعة إلى المخا بوصفها نقطة يمكن أن تنطلق منها عمليات عسكرية تستهدف مناطق أخرى خاضعة لسيطرتها في محافظة الحديدة، وهو ما يجعل الميناء والمدينة جزءاً من معادلة عسكرية أوسع من حدود المنشأة نفسها.

استهداف الأعيان المدنية

يكشف حجم الأضرار التي خلفتها الهجمات عن اتساع نطاق الاستهداف، إذ دمر القصف في أيامه الأولى 3 سفن تجارية كانت راسية في الميناء، بينها سفينة خشبية تحمل بضائع لتجار ووكالات مختلفة، قبل أن تتوقف عمليات تفريغ السفن عقب إجلاء العمال وخروج الرافعات المستأجرة عن العمل.

وأسفرت الضربات الأولى عن مقتل 7 أشخاص داخل الميناء، بينهم 3 مدنيين، أحدهم طباخ وآخر عامل وثالث موظف إداري، إضافة إلى أربعة من أفراد أمن المنشآت.

كما طال القصف الرصيف وورش الخدمات اللوجستية والهنغر المركزي، فضلاً عن معدات وقطع بحرية مخصصة لخدمة السفن، ما أدى إلى تعطيل أجزاء أساسية من النشاط الملاحي في المرفأ.

طائرة مسيرة أطلقها الحوثيون باتجاه مواقع تسيطر عليها الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)

وفي الأيام اللاحقة، استهدف الحوثيون سفينة «تهامة»، وهي سفينة تجارية كانت تنقل المواد الغذائية والركاب بين الموانئ اليمنية والقرن الأفريقي وأرخبيل سقطرى؛ ما أدى إلى مقتل أربعة من أفراد طاقمها، إضافة إلى اثنين من المنقذين اليمنيين الذين كانوا يحاولون إنقاذ الطاقم والسفينة، وفق مصادر محلية.

وفي أحدث قصف، استهدفت الجماعة بأربعة صواريخ سفينة تجارية محلية كانت راسية في مرفأ العرضي بمنطقة باب المندب، وتعود ملكيتها إلى مقاول محلي، وكانت تخضع للصيانة منذ عدة أشهر بعد تفريغ حمولتها من البضائع.

وبحسب مصادر ملاحية، اشترى المقاول اليمني بلال الشميري السفينة، التي تحمل اسم «أمير خان»، من تاجر هندي في إندونيسيا لاستخدامها في أنشطته البحرية والتجارية. وأضافت المصادر أن طاقم السفينة كان يمنياً، وأن أفراده غادروا السفينة بالكامل خلال الأسبوع الماضي، ما حال دون وقوع خسائر بشرية بينهم.

خسائر حوثية

يتزامن التصعيد ضد ميناء المخا مع خسائر بشرية تتكبدها الجماعة الحوثية في خطوط التماس مع القوات الحكومية، خصوصاً في جبهات جنوب الحديدة، حيث قتل أكثر من 180 من مقاتليها، وفق مصادر حكومية، من دون أن تتمكن الجماعة من تحقيق تقدم ميداني أو السيطرة على مواقع جديدة.

جندي من القوات البحرية اليمنية خلال دورية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وتقول المصادر إن هذه الخسائر تأتي في وقت تحاول فيه الجماعة تعزيز وجودها العسكري على جبهات الساحل الغربي، بالتزامن مع تكثيف القصف على المخا ومحيط باب المندب، الأمر الذي يعكس، بحسب تقديراتها، محاولة حوثية لخلط الأوراق العسكرية والضغط على القوات الحكومية قبل أي تحرك محتمل.

كما تكبد الحوثيون خسائر في جبهات أخرى، من بينها مقتل حسين الهطفي، قائد حراسة عبد الخالق الحوثي، شقيق زعيم الجماعة، الذي يقود ما تسميه الجماعة «المنطقة العسكرية المركزية».

وقُتل الهطفي في غارة نفذتها طائرات مسيّرة تابعة للقوات الحكومية، ضمن سلسلة ضربات استهدفت مواقع وتجمعات للحوثيين، بحسب المصادر.

ووفقاً للمصادر الحكومية، ينحدر الهطفي من منطقة مجز في محافظة صعدة، وهو رابع أشقائه الذين قتلوا في أثناء القتال في صفوف الحوثيين منذ اندلاع الحرب.