محاكمة ترمب تنطلق الثلاثاء وسط تمسك جمهوري بتبرئته

مجرياتها غير مسبوقة... وخلاف حول دستوريتها

ترمب يخاطب أنصاره قبل اعتداء الكابيتول في 6 يناير (أ.ب)
ترمب يخاطب أنصاره قبل اعتداء الكابيتول في 6 يناير (أ.ب)
TT

محاكمة ترمب تنطلق الثلاثاء وسط تمسك جمهوري بتبرئته

ترمب يخاطب أنصاره قبل اعتداء الكابيتول في 6 يناير (أ.ب)
ترمب يخاطب أنصاره قبل اعتداء الكابيتول في 6 يناير (أ.ب)

تبدأ فعاليات المحاكمة التاريخية الثانية للرئيس الأسبق دونالد ترمب يوم الثلاثاء، ليجد مجلس الشيوخ نفسه مجبراً على اتخاذ قرار بشأن إدانته بعد أن اتّهمه «النواب» بالتحريض على التمرد، بعد محاصرة مجموعة عنيفة من أنصاره لمبنى الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) الماضي.
ومع أن تبرئة ترمب تبقى السيناريو الأرجح، فإنه سيتعين على كل أعضاء مجلس الشيوخ المائة الجلوس إلى مكاتبهم والاستماع إلى ساعات مطولة من الشهادات من جانب الأعضاء الديمقراطيين في مجلس النواب بشأن أعمال الشغب التي أسفرت عن سقوط خمسة قتلى. ولقد اتخذ مجلس النواب قراراً بعزل الرئيس الأسبق في 13 يناير، أي بعد مرور أسبوع واحد من أعمال العنف.
وفيما يلي نظرة عامة على أسس محاكمة العزل المقبلة، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».
> كيف ستسير مجريات المحاكمة؟
ينص الدستور الأميركي على أن مجلس النواب يملك السلطة المطلقة في قرار العزل، في حين أن مجلس الشيوخ يملك السلطة المطلقة في محاكمة الفرد بشأن الاتهامات الموجهة إليه. ويمكن إدانة الشخص الصادر بحقه قرار العزل - الذي يمكن أن يكون رئيس البلاد، أو نائب الرئيس، أو أي موظف مدني في الولايات المتحدة الأميركية - من قبل ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الموجودين.
يقوم مجلس النواب بتعيين «مديرين» في وظائف المدعين الذين يتخذون مواقعهم داخل قاعة مجلس الشيوخ، جنباً إلى جنب مع محامي المدعي عليه، لعرض القضية محل المحاكمة. وسيُمنح المدعون وفريق الدفاع الخاص بترمب فترة زمنية محددة لطرح حججهم، ومن ثم يمكن لأعضاء مجلس الشيوخ توجيه الأسئلة الكتابية، وذلك قبل التصويت النهائي.
يتولى كبير القضاة في المحكمة العليا محاكمة رئيس البلاد في المعتاد، ولكن بما أن ترمب غادر منصبه الرسمي بالفعل، سيكون المسؤول عن رئاسة جلسة المحاكمة هو السيناتور الديمقراطي باتريك لايهي من ولاية فيرمونت، وهو الرئيس الشرفي لمجلس الشيوخ باعتباره أطول الأعضاء خدمة في حزب الأغلبية.
وبمجرد أن يتوصل أعضاء مجلس الشيوخ إلى التصويت النهائي بشأن تهمة العزل - وفي هذه المرة هناك اتهام واحد فقط بالتحريض على التمرد - يقوم كل مشرع في المجلس بالوقوف للإدلاء بصوته: مذنب أم غير مذنب.
> ما المدة المتوقعة للمحاكمة؟
مدة المحاكمة غير واضحة حتى الآن، إذ يتعين على أعضاء مجلس الشيوخ الموافقة أولاً على قواعد إجراء المحاكمة، ولا يزال قادة الحزبين يواصلون دراسة التفاصيل.
وكانت المحاكمة الأولى لعزل ترمب، التي جرى تبرئته فيها من الاتهام بإساءة استخدام السلطة عبر ممارسة ضغوط على أوكرانيا للتحقيق بشأن الرئيس الحالي جوزيف بايدن، قد استمرت قرابة ثلاثة أسابيع. لكن من المتوقع لهذه المحاكمة أن تستمر لفترة زمنية أقصر، نظراً لأن القضية أقل تعقيداً، ولأن أعضاء مجلس الشيوخ على دراية بكثير من التفاصيل بالفعل، حيث كانوا موجودين في مبنى الكابيتول أثناء وقوع الاعتداء.
وفي حين أن الأعضاء الديمقراطيون يرغبون في التأكد من توافر الوقت الكافي لعرض قضيتهم، فإنهم لا يريدون ربط مجلس الشيوخ بهذه القضية لفترة طويلة من الزمن. ولن يتسنى لمجلس الشيوخ مواصلة تأكيد تعيينات الرئيس بايدن الوزارية ومتابعة الأجندة التشريعية الحالية، ومن أولوياتها تمرير مشروع قانون الإغاثة من فيروس كورونا المستجد، حتى الانتهاء من مجريات المحاكمة الراهنة.
> ما الغرض من محاكمة رئيس بعد مغادرة منصبه؟
يعتبر أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون ومحامو الرئيس الأسبق أن المحاكمة لا ضرورة لها، وقد تكون غير دستورية، نظراً لمغادرة ترمب منصبه الرئاسي الشهر الماضي، وبالتالي فإن عزله ليس خياراً. ويختلف الأعضاء الديمقراطيون حول هذه النقطة، مشيرين إلى آراء كثير من خبراء القانون، وقرار عزل وزير الحرب الأسبق ويليام بيلكناب، الذي استقال من منصبه في عام 1876 قبل ساعات قليلة من عزله بسبب اتهامات بالرشوة.
وعلى الرغم من تبرئة بيلكناب في آخر المطاف، فإن مجلس الشيوخ أقام محاكمة كاملة. وفي هذه المرة، أصدر مجلس النواب القرار بعزل ترمب، وهو ما زال يشغل منصبه الرئاسي، وذلك قبل سبعة أيام من تنصيب الرئيس الجديد جوزيف بايدن. وإذا تمت إدانة ترمب، وهو أمر مستبعد، من شأن مجلس الشيوخ الانتقال إلى تصويت ثانٍ يحول دون ترشحه للمنصب نفسه مرة أخرى. ويشعر الديمقراطيون بأن ذلك يعد عقاباً ملائماً بعد أن دعا ترمب أنصاره من الحشود الغاضبة إلى «القتال بضراوة شديدة» للتغلب على هزيمته في الانتخابات الرئاسية.
ويقول الديمقراطيون أيضاً إنه لا ينبغي إتاحة «استثناء يناير» للرؤساء الذين ارتكبوا مخالفات تستوجب العزل قبل مغادرة مناصبهم الرسمية. ويدفعون بضرورة عقد المحاكمة ليس لمحاسبة ترمب فحسب، وإنما لكي يتسنى لهم التعامل مع الأحداث التي وقعت ثم المضي قدماً.
وصرحت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، هذا الأسبوع قائلة: «لا يمكننا المضي قدماً ما لم نحقق العدالة أولاً».
> كيف تختلف هذه المحاكمة عن محاكمة ترمب الأولى؟
استندت محاكمة ترمب الأولى إلى الأدلة التي كشف عنها مجلس النواب على امتداد عدة شهور، بشأن مكالمة هاتفية خاصة جرت بين ترمب ورئيس أوكرانيا، فضلاً عن اجتماعات مغلقة حدثت قبل المكالمة وبعدها. وأجرى الديمقراطيون تحقيقاً مطولاً بشأن الأمر، ثم رتبوا تقريراً موحداً يجمع كل النتائج التي توصلوا إليها.
وفي المقابل، من شأن المحاكمة الثانية أن تستند بالكامل إلى التجربة المشهودة لأعمال الشغب التي استهدفت أعضاء مجلس الشيوخ أنفسهم، الذين كانوا موجودين داخل مبنى الكابيتول آنذاك. ولقد حاول عناصر من المتمرّدين والمشاغبين اقتحام غرفة مجلس الشيوخ التي ستشهد انعقاد جلسة المحاكمة.
ومن شأن الذكريات الحديثة لواقعة السادس من يناير أن تُيسّر على مديري محاكمة العزل طرح قضيتهم، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن النتيجة ستختلف عن المحاكمة السابقة. فلقد تمت تبرئة ترمب في أول محاكمة له قبل عام مضى مع تصويت عضو جمهوري واحد فقط بالإدانة، وهو السيناتور ميت رومني الجمهوري من ولاية يوتا، وربما لا يكون هناك كثير من أصوات الإدانة في المحاكمة الثانية.
ومن خلال التصويت التجريبي في 26 يناير الماضي، صوّت خمسة أعضاء جمهوريين فقط بمجلس الشيوخ ضد جهود رفض المحاكمة، ما يعدّ إشارة مبكرة إلى تبرئة ترمب مرة أخرى.
> ماذا سيقول محامو ترمب؟
إلى جانب الحجج المتعلقة بدستورية المحاكمة، يقول محامو ترمب إنه لم يحرّض أنصاره على العنف والشغب، ولم يرتكب أي مخالفات. ولقد كتبوا قائلين في موجز المحاكمة: «من المرفوض الزعم أن الرئيس ترمب عرّض أمن الولايات المتحدة ومؤسساتها الحكومية لأي مخاطر. كما أنه من المرفوض الزعم أنه عرّض سلامة النظام الديمقراطي للخطر، أو تدخل في الانتقال السلمي للسلطة في البلاد». وأضاف محامو ترمب أنه كان محمياً بموجب التعديل الدستوري الأول للإعراب عن اعتقاده بأن نتائج الانتخابات الرئاسية كانت محل الشبهات.
يشار إلى أنه لم يُسجل أي تزوير واسع النطاق في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كما زعم ترمب على مدى الشهور الماضية، وأمام أنصاره قبل وقوع حادثة التمرد. ولقد دحض مسؤولو الانتخابات في كل أرجاء البلاد، وحتى المدعي العام الأسبق ويليام بار، مزاعم الرئيس الأسبق وجرى رفض عشرات الطعون القضائية التي رُفعت ضد نتائج الانتخابات من قبل ترمب وحلفائه.
> ما الذي تعنيه البراءة بالنسبة لترمب؟
من شأن تبرئته مجدداً من جانب مجلس الشيوخ أن تعتبر انتصاراً كبيراً بالنسبة له، واحتفاظه بمقدار كبير من النفوذ على حزبه الجمهوري، على الرغم من موجة الإدانات واسعة النطاق من جانب زملائه في الحزب إثر اعتداء السادس من يناير.
ومع ذلك، ربما لا تكون البراءة الجديدة هي نهاية محاولات مساءلته عن أفعاله. فقد طرح السيناتور تيم كاين الديمقراطي عن ولاية فيرجينيا، رفقة السيناتور سوزان كولينز الجمهورية عن ولاية مين، قراراً بتوجيه اللوم له بعد تصويت الشهر الماضي الذي أشار إلى أنه من غير المرجح إدانه ترمب في «الشيوخ».
وقال السيناتور كاين بهذا الشأن: «لا تزال الفكرة مطروحة للمناقشة، وربما تكون فكرة مفيدة للاستعانة بها في المستقبل».


مقالات ذات صلة

تقرير: البنتاغون يستعد لعملية برية تمتد لأسابيع في إيران

الولايات المتحدة​ قوة من «المارينز» الأميركية (أ.ب) p-circle

تقرير: البنتاغون يستعد لعملية برية تمتد لأسابيع في إيران

نقلت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، عن مسؤولين أميركيين قولهم إن البنتاغون يستعد لعمليات برية في إيران تمتد لأسابيع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يوقع على أوراق نقدية... وينضم لقلة من الزعماء فعلوا ذلك خلال ولايتهم

حين يظهر توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوراق نقدية من فئة 100 دولار في شهر يونيو (حزيران) المقبل فإنه ينضم بذلك إلى مجموعة صغيرة من الزعماء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مظاهرة احتجاجية ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في العاصمة واشنطن (أ.ف.ب)

مظاهرات واسعة النطاق ضد ترمب في الولايات المتحدة (صور)

بدأت، السبت، تحرّكات احتجاجية واسعة النطاق ضد الرئيس الأميركي في الولايات المتحدة وخارجها، رفضاً للحرب في الشرق الأوسط ولما يعدّه الملايين «نزعة سلطوية» لديه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً في البيت الأبيض يوم 27 مارس (أ.ب)

إطالة أمد الحرب في إيران تعيد توزيع الأدوار داخل إدارة ترمب

في الوقت الذي تتحدّث فيه الإدارة الأميركية عن استمرار حرب إيران بضعة أسابيع أخرى، برز اسم نائب الرئيس جي دي فانس كأحد اللاعبين الأساسيين في المسار الدبلوماسي.

إيلي يوسف (واشنطن)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.