من داخل «مودا مول»، المجمع التجاري على شاطئ الخليج في العاصمة البحرينية المنامة، ينطلق عصر اليوم بث قناة «العرب»، تحت شعار «القصة التي تهمك»، لتضيف إلى فضاء عربي مزدحم بالقنوات الإخبارية زخما وتحديا جديدا.
تأتي «العرب»، التي اشتقت اسمها من أمة يبلغ عدد الناطقين بلغتها نحو نصف مليار نسمة حول العالم، لواقع عربي تلتهب فيه الأحداث وتعصف به الخلافات التي ترمي بثقلها على الرسالة الإعلامية وعلى الوسيلة الناقلة لها.
تأتي «العرب» والعرب ليسوا في أحسن أحوالهم، مما يجعل مهمتها صعبة إن لم تكن مستحيلة. لكنّ القناة عبّرت مرارا عن إصرارها على الصمود والمحافظة على الرسالة التي تبنتها خاصة الموضوعية والحياد.
قبل «العرب»، فإن الفضاء كان يزدحم بالعديد من القنوات الإخبارية الناطقة بالعربية، أبرزها «الجزيرة» من قطر، و«العربية» من دبي، و«سكاي نيوز - عربية» من أبوظبي، والـ«بي بي سي» من لندن، و«الميادين» من بيروت، و«فرانس 24» من باريس.
ويملك القناة رجل الأعمال السعودي الأمير الوليد بن طلال. وقناة «العرب» ليست الاستثمار الإعلامي الأول له، حيث تمتلك شركته «المملكة القابضة» حصصا في شركات ومجموعات إعلامية رائدة، فـ«المملكة» من أكبر المساهمين في مجموعة «سيتي غروب»، كما تملك حصصا في مؤسسة «نيوز كورب» التي يملكها قطب الإعلام العالمي روبرت ميردوخ، وفي موقع «تويتر»، كما أنها مساهم في «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» التي تصدر عنها جريدة «الشرق الأوسط» وأخواتها، وتمتلك شركة «المملكة» مجموعة قنوات «روتانا» الفضائية.
لكنّ القناة اختارت شبكة «بلومبيرغ»، وهي وكالة أنباء أميركية متخصصة في الشؤون الاقتصادية يستقبل بثها التلفزيوني أكثر من 100 مليون مشاهد، ولديها متابعون من عالم المال والاقتصاد. وتعتبر «العرب» القناة العربية الأولى التي تقدم أخبار «بلومبيرغ» العالمية لتصبح بذلك المرجع الأول لقطاع الأعمال في المنطقة.
* مستقلة ومحايدة
* اهتمت القناة بالتأكيد على أنها تسعى لانتهاج سياسة ملتزمة بالحياد. وجادل مديرها جمال خاشقجي، في حديث مع الصحافيين (حضرته «الشرق الأوسط»)، بالقول «نريد أن نكون مستقلين، فنحن لسنا قناة حكومية، ولسنا مدعومين من حكومات».
وبرأيه فإن امتلاك الأمير الوليد بن طلال للقناة لن يؤثر على خطتها التحريرية، وقال «لقد وعد الأمير الوليد مالك القناة بأن يترك لإدارة القناة حرية الحركة واختيار السياسة التحريرية، وهو لن يتدخل في توجيه دفة السياسة التحريرية للقناة». وحتى الأمير الوليد خرج بنفسه ليؤكد التزامه بعدم التدخل في السياسة التحريرية، لكنه أيضا رفع السقف عاليا بالتعهد بـ«الشفافية والصراحة وعرض الرأي والرأي المخالف».
وقال الأمير الوليد «ستكون هذه القناة مختلفة عن غيرها من القنوات الإخبارية الموجودة حاليا على الساحة الإعلامية، وإلا فما الداعي لإنفاق مئات الملايين على قناة مكررة تقول ما يقوله غيرها، أي أنها ستردد كالببغاء؟»، موضحا أن «العرب» ستتسم «بالشفافية والصراحة وعرض الرأي والرأي المخالف في الوقت ذاته، كما أنها ستقوم على عدم نفاق أحد لأنها ببساطة غير ممولة من أي دولة».
وقالت المحطة إنها «ستكسر قالب تقديم الأخبار، وستصبح منصة للتقديم الشفاف ولمناقشة مسائل المنطقة وتحدياتها، وستقوم بطرح الأسئلة التي تهم المشاهد».
لكنّ المراقبين يرون أن هذا الطموح بحاجة لامتحان حقيقي، فهذه القناة تدخل فضاء متشابكا بالصراعات والانقسامات السياسية والآيديولوجية، التي تحول القناة إلى منصة للقصف المتبادل، ففي عالم عربي منقسم وممزق تصبح الموضوعية والمهنية أول ضحايا الانقسام.
خاشقجي قال لـ«الشرق الأوسط» ردا على سؤال، بشأن دور القناة في تنمية الحوار الداخلي بين العرب «قناة (العرب) تعمل كقناة إخبارية وليس كحزب سياسي، فنحن نمارس دورنا الصحافي في نقل الأخبار وليس حل المشكلات». وأضاف «الذين مارسوا دورا سياسيا لم يصلحوا وإنما أفسدوا»، وأنه «ليس المطلوب الحديث عن المسكوت عنه في القضايا العربية، ولا كشف الأسرار، وإنما العمل بحيادية ومهنية في نقل الأخبار دون التدخل في توجيهها». وأضاف «نريد أن نستمع للجمهور ولا نستمع للمثقف النخبوي.. فالمثقف مكانه النادي الثقافي».
في الموضوع السياسي، فإن الحيادية كما الموضوعية «وجهة نظر»، لكن في الجانب المهني ثمة قواعد صارمة تضمن التزام الوسيلة أقصى درجات المهنية، يقول خاشقجي «نستهدف تقديم الخبر وعدم التدخل فيه».
وفي الجانب المهني تبرز رسالة القناة، حيث يقول أصحابها إن رسالتهم تسعى لتقديم «القصة التي تهم الناس»، مما يجعل التركيز منصبا على «قضايا التنمية والاقتصاد والمعيشة والهموم المحلية للسكان». «القصة التي تهم الناس»، تعني مشاركتهم والتفكير معهم وليس التفكير عنهم. وما يهم الناس في مكان ما ربما هو ترف زائد في مكان آخر، وما يهم الناس يعني الولوج مباشرة للقصص الحياتية اليومية التي يعاني منها الجمهور، والتي غالبا ما تغيب وسط صعود هائل للقصة الخبرية السياسية المفعمة بالإثارة.
ربما يمكن أن تنجح القناة في أن تعطي هامشا للحياة اليومية للسكان في المدن والقرى، وتعبر عن ضميرهم في قضايا التنمية والاقتصاد، لكن هذا يحتاج إلى حرفية عالية تمنع سقوط القناة في الإغراق بالمحلية.
وعبر اتفاقية التعاون الحصرية مع «بلومبيرغ»، ستعنى «العرب» بتقديم آخر وأهم مستحدثات قطاع المال والأعمال العربية والعالمية، كما ستطلق باقة متكاملة من البرامج التي تغطي السياسة، والمجتمع، والسفر، والرياضة والفن.
وتعنى «العرب» بتقديم نشرات إخبارية وباقة متكاملة من البرامج التي تغطي السياسة، والمجتمع، والسفر، والرياضة والفن. يقول خاشقجي ستعمل قناة «العرب» على إيصال توصيل لمعلومة وتأطيرها في سياقها التاريخي والاجتماعي، وتقديم برامج إخبارية وحوارية تعكس جميع وجهات النظر، وكل شرائح وأطياف المجتمع الخليجي والعربي.. وإن القناة ستقوم بتسليح المشاهد بالحقائق، وستزود المشاهد بالأخبار الدقيقة المحايدة المعتمدة على التحري والتحليل العميق.
رئيس مجلس إدارة والرئيس التنفيذي للقناة فهد السكيت قال إن القناة التلفزيونية «ستعمل على تقديم الفارق وصناعة التفوق الإعلامي في منظومة العمل الإعلامي العربي». وقال «ستمنح قناة (العرب) المشاهد العربي ما ينقصه، وتسد فجوة في الإعلام الخبري المرئي». وتسعى القناة الإخبارية للتميز، خصوصا في حقل المادة الخبرية والحوارية، وتضم القناة نحو 300 موظف من مختلف الجنسيات، يمثلون طاقم العمل الإخباري والفني، في حين تضم شبكة مراسليها أكثر من 40 مراسلا حول العالم.
وقد سعت لاجتذاب مذيعين معروفين، بينهم المذيعة العراقية ليلى الشيخلي، وزوجها الإعلامي جاسم عزاوي، وكانت الشيخلي قد عملت في محطة «بي بي سي» العربية عام 1994، وانتقلت إلى قناة «إم بي سي» عام 1996 في لندن، كما انتقلت إلى «تلفزيون أبوظبي» عام 1999، قبل أن تلتحق بقناة «الجزيرة» مذيعة للأخبار عام 2006. كذلك المذيع والإعلامي الأردني طارق العاص قادما من «بي بي سي» العربية، والمذيع المصري عبد الله المسلماني، مع وجوه خليجية شابة، بينها المذيعة الكويتية ليلى بارون، والمذيعة السعودية وئام الدخيل.
لا تتحدث القناة عن حجم الاستثمار الذي ضخه الأمير الوليد بن طلال فيها، وهي رفضت التصريح بأي رقم لـ«الشرق الأوسط» لدى سؤالها، لكنها تحدثت عن «التجهيزات الهائلة والحديثة التي جرى وضعها تحت تصرف القناة، وكذلك شبكة المراسلين حول العالم»، وعن الاستوديوهات التي تمتلك وسائل تقنية عالية الدقة تختصر عامل الزمن، وتحقق مزيدا من التميز في الفني للقناة. ويقول فهد السكيت لـ«الشرق الأوسط»: «إن القناة تعمل على تحقيق التعادل في مرحلة أولى في النفقات والإيرادات المحتملة، عبر مزيد من الشراكة واجتذاب المعلنين، لكنها تسعى لتحقيق الربحية في المرحلة التالية». وقال «القناة وجدت لتبقى عبر أجيال قادمة، ولا بد لها من توفير ما يكفي من أموال لكي تستمر وتنجح».

