روبرت مالي... «رجل الأزمات» القادم على أساس دبلوماسية «الكل رابح»

المبعوث الأميركي لإيران ينصح بايدن بإلغاء الانسحاب من الاتفاق النووي

روبرت مالي... «رجل الأزمات» القادم على أساس دبلوماسية «الكل رابح»
TT

روبرت مالي... «رجل الأزمات» القادم على أساس دبلوماسية «الكل رابح»

روبرت مالي... «رجل الأزمات» القادم على أساس دبلوماسية «الكل رابح»

طال الجدل لأسابيع في حملة تأرجحت بين تأييد قوي، ومعارضة صارخة حول ترشيح روبرت مالي لمنصب المبعوث الأميركي لشؤون إيران، حتى جاء إعلان إدارة الرئيس الأميركي يوم الجمعة الماضي بتأكيد اختياره لهذا المنصب. وتركز الجدل، وكذلك المخاوف والترقب والقلق من الفريق المعارض لتعيينه، بسبب مواقف مالي من النظام الإيراني. إذ كان مالي من الوجوه البارزة في فريق الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي تفاوض سراً على الاتفاق النووي الإيراني المعروف باسم «خطة العمل المشتركة» الموقعة عام 2015، وانسحب منه الرئيس السابق دونالد ترمب عام 2018، وفرضت إدارته عقوبات مشددة على طهران كجزء من حملة الضغط القصوى. وبدورها، خرقت طهران التزاماتها بموجب الاتفاق بإعلانها عن زيادة مستويات تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المائة وزيادة استخدام أجهزة طرد مركزي متطورة.
لقد أبدى صقور الحزب الجمهوري المنتقدون لاختيار روبرت مالي لمنصب المبعوث الأميركي لشؤون إيران تخوفهم من أنه «متساهل للغاية مع النظام الإيراني». ومن ثم، قد يتغاضى عن أي انتهاك ترتكبه طهران من أجل التوصل إلى اتفاقات معها. كذلك، قد يقدم على خطوات يمكن أن تضر بأمن إسرائيل ودول الخليج. وحقاً، ارتفعت مستويات القلق مع ترحيب الجانب الإيراني باختياره، لا سيما عندما غرد حسام الدين آشينا، المستشار البارز للرئيس الإيراني حسن روحاني، قائلاً «إن تعيين روبرت مالي يحمل رسالة واضحة حول نهج فعال لحل النزاع بسرعة وفاعلية».
الحقيقة أنه منذ فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، والجميع يرصد ويحاول التنبؤ بأسلوبه وطريقته في إدارة ملف الطموح النووي الإيراني. وخلال الأيام القليلة الماضية صرح كل من أنتوني بلينكن وزير الخارجية، وجايك سوليفان مستشار شؤون الأمن القومي، بأن توجهات إدارة بايدن نحو إيران ستكون «صارمة»، وأن الإدارة «ليست في عجلة للعودة إلى الاتفاق النووي»... وبالتالي، لن تقدم على رفع العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب، وأرسلا رسائل واضحة إلى طهران مفادها أن واشنطن بانتظار خطوات تثبت حسن نيات النظام الإيراني أولاً. كذلك، تعهد بلينكن بأنه «سيعمل للحصول على اتفاق نووي أطول وأقوى» مع إيران «بالتشاور مع الحلفاء الإقليميين مثل إسرائيل ودول الخليج العربي». وفي الوقت نفسه حذر من أن إيران قد تكون على بعد أشهر فقط من تطوير ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع قنبلة نووية.
في هذه الأثناء، يتفق الديمقراطيون والجمهوريون في مجلسي الكونغرس الأميركي، رغم كل الخلافات والاختلافات بين الحزبين الكبيرين، على مبدأ واحد هو رفض السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وثمة ساسة من الحزب الديمقراطي يدعمون استراتيجية ترمب الخاصة بفرض عقوبات ضاغطة على الاقتصاد الإيراني. ثم إن الحزبين يطالبان باتفاق أوسع يشمل الصواريخ الباليستية ومعالجة الثغرات في الجدول الزمني المنصوص عليه في الاتفاق النووي بما يعرف بـ«غروب الشمس»، وما يتعلق بتدخلات إيران في الإقليم عبر وكلائها.
وبالفعل، خلال الأسبوع الماضي تبادلت واشنطن وطهران التصريحات كما في لعبة «كرة الطاولة»، فألقى كل طرف الكرة في ملعب الطرف الآخر، إذ طالبت واشنطن طهران بالالتزام بتعهداتها كشرط مسبق لعودتها إلى الاتفاق النووي، وفي المقابل طالبت طهران الجانب الأميركي بـ«الامتثال الكامل» للاتفاق النووي، ورفع العقوبات الاقتصادية قبل أي مباحثات حول الاتفاق النووي.

قراءة في عقل
المبعوث الأميركي الجديد
يتمتع روبرت مالي بعلاقات جيدة داخل الأوساط السياسية الأميركية، وكان قد شارك مع وزير الخارجية الأسبق جون كيري في المباحثات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني قبل التوصل إلى «اتفاقية العمل المشتركة»، عام 2015. وما يلفت الانتباه في خيارات الرئيس بايدن أن معظم الشخصيات في إدارته تربط بينهم علاقات صداقة وروابط قديمة، خاصة أولئك الذين يتولون ملف السياسات الخارجية.
مالي يعد صديقاً مقرباً لكل من وزير الخارجية بلينكن، ومستشار الأمن القومي سوليفان، وأيضاً من ويندي شيرمان التي عملت معه كمفاوضة رئيسية في صفقة إيران، بل وتعود صداقة بلينكن مع مالي إلى فترة الدراسة الثانوية في العاصمة الفرنسية باريس. وكلاهما عمل في إدارة بيل كلينتون وفي إدارة باراك أوباما. أيضاً، كان مالي وزوجته كارولين زميلي دراسة في كلية الحقوق بجامعة هارفارد مع الرئيس أوباما.
من ناحية ثانية، مَن يعرف روبرت مالي أو «روب» - كما يسميه أصدقاؤه - تلفته شخصيته الهادئة المتزنة وابتسامته الدائمة. ويقول هؤلاء عنه إنه شخص يصعب إثارة غضبه، بل هو الذي يقوم دائماً بامتصاص غضب الآخرين وتهدئتهم. وشخصية كهذه ساعدته في عمله بمجلس الأمن القومي إبان عهد أوباما من فبراير (شباط) 2014 إلى يناير (كانون الثاني) 2017، وقبل ذلك عندما عمل مساعداً لمستشار الأمن القومي ساندي بيرغر. وهو يعد خبيراً في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وكتب مقالات عديدة دعا فيها إلى التقارب مع حركة حماس (المُدرجة على القائمة الأميركية كجماعة إرهابية)، وكذلك إلى التقارب مع جماعة الإخوان المسلمين.

استراتيجية «الكل رابح»
مالي يعتمد استراتيجية إشعار كل طرف بأنه رابح في اللجوء إلى التفاوض، وأن كل طرف يمكن أن يحصل من المفاوضات على ما يريده وما يحقق مصالحه. وعندما كان «روب» منخرطاً في النقاشات والمفاوضات مع الجانب الإيراني إلى أن أبرم الاتفاق النووي في 2015، قال في حوار خاص، نشر على صفحات «الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) 2016، إنه يعي تماماً أن إيران «لن تغير سلوكها لمجرد إبرام الاتفاق النووي، لكن إدارة أوباما لديها أمل في أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي سيقلل من التوتر الإقليمي، وبمرور الوقت سيقلل من الأعمال العدائية ويحد من مخاطر المواجهة العسكرية. وبالتالي، هناك إمكانية لرؤية إيران ودول مجلس التعاون الخليجي ودول أخرى، يجلسون إلى طاولة واحدة».
اليوم، ثمة من يقول إن أولئك الذين يتوقعون من مالي أن يعود بنفس الملفات القديمة من إدارة باراك أوباما، يخطئ في تقدير إمكانات الرجل. ويرى هؤلاء أنه يدرك التغييرات التي حدثت في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنه مكلف بإعادة ضبط بعض السياسات الخارجية للولايات المتحدة، ومنها إنهاء حملة الضغط القصوى ضد إيران. وفي هذا الإطار، يؤمن مالي بأن الضغط من خلال الدبلوماسية هو الأسلوب الأكثر فاعلية، وكذلك إشراك «شركاء أميركا التقليديين» وتعزيز التعاون مع أوروبا، خيارات ستحقق الكثير من الأهداف لأن القواسم المشتركة بين سياسات الدول الأوروبية وسياسات بايدن لمنطقة الشرق الأوسط، أكبر بكثير منها مع إدارة ترمب.

قناعاته و«مقترحاته الإيرانية»
يوم الاثنين الماضي، حمل «روب» مالي أوراقه وملفاته إلى مكتبه الجديد في مبنى الخارجية الأميركية، ولم يضع أي وقت في البدء – وبسرعة – في الاتصال بالمسؤولين البريطانيين والفرنسيين والألمان لمناقشة الملف الإيراني. لم يجرِ مالي أي اتصالات أو مناقشات مع الجانب الإيراني بعد، فالسياسة التي يقول إنه يريد اتباعها أولاً هي تشكيل قاعدة أساسية من التوافقات مع الدول الأوروبية، والعثور على طريقة لرفع القيود المفروضة على إيران حتى يمكن تنظيم العودة إلى الصفقة مرة أخرى، والوصول إلى أرضية وسط.
مالي يعتبر أن الضغوط الاقتصادية لم تؤدِ إلى «استجابة» النظام الإيراني والعودة إلى مائدة المفاوضات. بل كان مالي من «جوقة» منتقدي انسحاب ترمب من الاتفاق النووي، وكتب في تقرير أصدره خلال «مجموعة الأزمات الدولية» حول الموضوع «إن حملة الضغط القصوى التي شنتها إدارة ترمب كانت تهدف إلى التوصل لاتفاق نووي أفضل، مع كبح جماح نفوذ إيران الإقليمي، لكن ما حققته هو العكس، إذ أدت إلى زيادة التوترات في الشرق الأوسط وزعزعة الاستقرار الإقليمي، كما تراجعت المكاسب التي حققتها خطة العمل الشاملة المشتركة، وتركت الولايات المتحدة معزولة عن الحلفاء الأوروبيين والدول الأعضاء في مجلس الأمن».
وتابع مالي منتقداً سياسات إدارة ترمب، فقال إنه «حينما سعت الولايات المتحدة لإطلاق آلية (سناب باك) لإعادة العقوبات الدولية المعلقة... تجاهل أعضاء مجلس الأمن طلب الولايات المتحدة. وبعد مقتل العالم النووي محسن فخري زادة، أقر البرلمان الإيراني تشريعاً يفرض المزيد من التوسع في الأنشطة النووية، وأعلنت إيران زيادة تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المائة في منشأة فوردو التحت أرضية».
ومن ثم، «نصح» مالي إدارة بايدن بإلغاء انسحاب ترمب من الاتفاق النووي، والتراجع تماماً عن العقوبات التي كانت قائمة في عهد ترمب، بينما تعيد إيران برنامجها النووي إلى الامتثال الكامل. واقترح كإجراءات إضافية أن تدعم واشنطن طلب إيران قرضاً من صندوق النقد الدولي كدليل على حسن النية في ضوء جائحة «كوفيد – 19» وتدفع طهران لمناقشات حول تبادل الأسرى. أما فيما يتعلق بخروق إيران وانتهاكاتها، فيدعي مالي أن عكس مفعول الخروق في خطة العمل الشاملة المشتركة الإيرانية «يمكن أن يتحقق في غضون شهرين». وهو يأمل في أن تتطرق النقاشات مع الحلفاء الأوروبيين إلى الضغط على إيران لإنهاء الصراع في اليمن ودعم الحوار بين إيران والدول الخليجية بما يؤدي إلى خفض التوترات.
في المقابل، يرى مالي أن «ربط إعادة الانضمام للاتفاق النووي بـ(قضايا أخرى) قد يعرض المفاوضات والصفقة بأكملها للخطر». وبالتالي يعتقد أنه «يجب أن يكون الهدف إعادة الدخول في الاتفاق، أما القضايا الأخرى مثل خفض التصعيد الإقليمي وتطوير الصواريخ الباليستية، من الأفضل متابعتها فيما بعد، وليس وضعها كشرط لاستعادة الاتفاقية بالكامل».
أكثر من هذا، يعتبر مالي أن من مصلحة الولايات المتحدة كبح جماح إيران نووية، ومن مصلحة إيران الحصول على خفض للعقوبات الأميركية بعد سنوات من الإنهاك الاقتصادي نتيجة حملة الضغط القصوى والعقوبات التي فرضتها إدارة ترمب. ولذا فإن العودة إلى الاتفاق النووي أمرٌ ممكن رغم وجود تعقيدات كثيرة. وفي ظل تيارات إيرانية محافظة متشددة وأخرى «معتدلة»، يؤمن مالي بأن عملية صنع القرار في إيران تتركز في يد المرشد الأعلى علي خامنئي الذي يلعب الدور المهيمن في السياسات. وعليه، فهو لا يتعجل إجراء المشاورات حول العودة إلى الاتفاق النووي قبل انتهاء ولاية الرئيس الإيراني حسن روحاني في يونيو (حزيران) المقبل، ولا يتخوف من وصول تيار محافظ أكثر تشدداً وأكثر صرامة إزاء واشنطن، بل إن قرار التعامل مع واشنطن سيعتمد على رؤية خامنئي لا من سيشغل منصب الرئيس.

جذوره المصرية
على الصعيد الشخصي، يفخر «روب» مالي دائماً بأن جده كان صحافياً يهودياً مصرياً، ولد وعاش في مصر، وعمل في جريدة «الجمهورية» المصرية قبل أن يهاجر في الستينيات من مصر إلى فرنسا ويؤسس هناك جريدة «أفريكاسيا»، وهي مجلة يسارية مهتمة بالشؤون الأفريقية والآسيوية.
ولد مالي عام 1963. ونقل والده سيمون مالي العائلة إلى نيويورك عام 1980، وذلك بعد طرد الرئيس الفرنسي - آنذاك - فاليري جيسكار ديستان سيمون والد «روب» بسبب كتاباته العدائية تجاه إسرائيل والدول الغربية. وبعدما هاجرت العائلة إلى نيويورك، التحق «روب» بجامعة ييل العريقة. ثم عام 1984 فاز بـ«منحة رودز» للدراسة في كلية مودلين بجامعة أوكسفورد الشهيرة في بريطانيا، حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة. وفيما بعد دخل كلية الحقوق بجامعة هارفارد ونال منها إجازة القانون، وهناك التقى زوجته كارولين وتزاملا في الوقت ذاته (عامي 1991 و1992) مع زميل آخر هو باراك أوباما.
مالي شخص عائلي جداً، فهو مرتبط بشكل كبير بزوجته وولديه مايلز وبلايز وابنته فرانسيس، ويحرص على حضور الحفلات المدرسية ومتابعة دروس ابنته وعروضها في حفلات رقص الكلاينيت. كذلك، فإنه يحرص على زيارة مصر، خاصة منطقة الأهرامات وخان الخليلي.
وعودة إلى الصعيد السياسي، فإن مالي تولى مناصب عديدة في إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون داخل مجلس الأمن القومي، وبرز اسمه حين تولى منصب مساعد الرئيس كلينتون للشؤون العربية الإسرائيلية بين 1998 و2001. وبعد رحيل إدارة كلينتون، غادر للعمل مع «مجموعة الأزمات الدولية»، التي تدير مجموعة واسعة من المحللين المتخصصين في الصراع العربي الإسرائيلي والحركات الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة.
ويذكر أن جريدة «التايمز» البريطانية فجرت فضيحة عام 2008 بنشرها تقريراً حول علاقات واتصالات مالي بمسؤولي حركة «حماس» التي تدرجها الخارجية الأميركية كمنظمة إرهابية. ودافع مالي عن تلك العلاقات بأنه جزء من عمله في «مجموعة الأزمات الدولية»، ونشر مقالات عديدة دعا فيها إسرائيل و«حماس» إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ولكن بريق مالي خبا بعد تلك التقارير إلى أن عاد عام 2014 عضواً في مجلس الأمن القومي بإدارة أوباما مسؤولاً عن إيران ومنطقة الخليج. ويومذاك، حل محل فيليب غوردون عام 2015 مساعداً خاصاً لأوباما ومنسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج، ثم مسؤولاً عن ملف مكافحة «داعش»، كما شارك في وفد المفاوضين الأميركيين في الاتفاق النووي الإيراني.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.