ترقب في درعا بعد وساطة روسية... ودعوات للتهدئة في السويداء

حملات إعلامية متبادلة بين موالي النظام ومعارضيه جنوب سوريا

وفد لجنة التفاوض المعارضة في درعا (الشرق الأوسط)
وفد لجنة التفاوض المعارضة في درعا (الشرق الأوسط)
TT

ترقب في درعا بعد وساطة روسية... ودعوات للتهدئة في السويداء

وفد لجنة التفاوض المعارضة في درعا (الشرق الأوسط)
وفد لجنة التفاوض المعارضة في درعا (الشرق الأوسط)

تعيش مناطق ريف درعا الغربي حالة من الترقب، لمعرقة مصير مدينة طفس وبعض مناطق ريف درعا الغربي، بعدما انقضت المهلة التي منحتها «الفرقة الرابعة» بقيادة اللواء ماهر شقيق الرئيس بشار الأسد، للمنطقة يوم الجمعة الماضي، مع استمرار تحصين وتعزيز قوات النظام السوري لمواقعها في محيط مدينة طفس، ورفض لجنة التفاوض المركزية في درعا أحد شروط «الفرقة الرابعة» بترحيل 5 أشخاص من أبناء المنطقة، وبقائهم بضمانة عشائر منطقة درعا، مقابل عدم قيامهم بأي أعمال مناهضة للنظام.
وشهدت المنطقة عدة جولات تفاوض بين اللجنة المركزية للتفاوض في درعا ووجهاء من ريف درعا الغربي بحضور الجانب الروسي وضباط من «الفرقة الرابعة» خلال الأيام الفائتة. ووفقاً لمصادر محلية، فإن اللجنة المركزية في درعا عقدت يوم الأربعاء في مدينة إزرع اجتماعاً مع قائد القوات الروسية في جنوب سوريا، وضباط من «الفرقة الرابعة» واللجنة الأمنية التابعة للنظام في درعا للتوصل إلى اتفاق حول ريف محافظة درعا الغربي للوصول إلى صيغة اتفاق تحول دون تصعيد عسكري في المنطقة. وأشار المصدر إلى أن اللجنة المركزية في درعا وافقت على دخول قوات النظام إلى بعض مناطق ريف درعا الغربي وإجراء تفتيش روتيني بحضور أعضاء اللجنة، وقوات من «الفيلق الخامس» الذي تشرف عليه روسيا جنوب سوريا، والمشكل من فصائل المعارضة سابقاً في جنوب سوريا في عام 2018. وأضافت أن قائد القوات الروسية في جنوب سوريا يتعهد بمنع أي عملية اقتحام وتصعيد عسكري في مناطق ريف درعا الغربي إذا التزمت الأطراف بالاتفاق.
ومع استمرار الترقب في جنوب سوريا ومصير المنطقة الغربية، اجتمع أعضاء وأمين فرع حزب البعث في محافظة درعا يوم الثلاثاء مع وجهاء من المحافظة، حضره قائد الفيلق الثالث ورئيس اللجنة الأمنية بالمحافظة وقائد من «الفرقة الرابعة» ورؤساء الفروع الأمنية ومحافظ درعا وأمين فرع الحزب وقائد الشرطة. ووفقاً لتقرير نشره موقع «سناك سوري» الموالي دمشق، عن الاجتماع فإن «مسؤولين أمنيين وعسكريين في درعا اجتمعوا بالوجهاء ويطالبون الأهالي بالتزام المنازل، حيث اجتمع قائد من الفرقة الرابعة وقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية في محافظة درعا مع بعض الوجهاء المحليين». وقال رئيس اللجنة الأمنية في الاجتماع: «نحن ذاهبون لاستئصال الإرهابيين وعناصر (داعش) بالمنطقة الغربية التي يوجد فيها أجهزة استخبارات خارجية»، وبدوره قال قائد الفرقة الرابعة: «استجبنا لرغبات الأهالي وقمنا بالسماح بتأدية الخدمة الإلزامية لأبناء المحافظة داخل (درعا) وأجرينا تسويات، لكن الحقيقة اليوم مرة ويوجد تحالف بين (داعش) و(الإخوان المسلمين) يعملان من خلاله معاً»، وأضاف: «بدأ الأمر باغتيالات متتالية وأصبحت المنطقة تذهب باتجاه خطير لاغتيالات يومية، استهدفوا خلالها الشيوخ والمخاتير ورؤساء البلديات، إلا أن الحل الأمني سيتم وستعود الدولة إلى مناطق انتشار المسلحين الذين يؤجرون الأراضي للمواطنين ويفرضون الإتاوات عليهم ويملكون أسلحة مختلفة، كما أننا لا نطلب من أحد ترك منزله بل نريد العمل مع المجتمع المحلي».
في المقابل، قال تقرير لـ«تجمع أحرار حوران»، إن الاجتماع هدف لحشد الناس لشن هجوم عسكري على الريف الغربي من المحافظة بعد تهديدات «الفرقة الرابعة» والشرطة العسكرية الروسية بشن حملة عسكرية على المنطقة التي تشهد استنفاراً أمنياً وحشوداً عسكرية وصلت منذ أيام «وأن أحد وجهاء المحافظة أبو علي المحاميد حضر الاجتماع وتحدث بلسان أبناء المحافظة قائلاً: «في عام 2011 هدد هشام اختيار المحافظة، ومات اختيار وبقيت حوران صادمة». وتابع المحاميد: «عندما تحكم بالعدل سيكون الأمن موجوداً، من دون الحاجة للسلاح والحملات العسكرية، يكفيكم شعارات وهتافات فأنتم أمة منافقة»، في حين أشاد الشيخ فيصل أبازيد أحد وجهاء المحافظة بما قاله المحاميد، وقال: «شكراً أبو علي محاميد على كلمة حق قلتها في وقت الرفاق أحوج ما يكون إلى سماعها»، ويأتي ذلك التصعيد في ظل الحديث عن عملية عسكرية واسعة تنوي الفرقة الرابعة إطلاقها في ريف درعا الغربي، وتحديداً على مدينة طفس، وأرسل على مدار الأيام الماضية تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، وسط اجتماعات تفاوضية جرت خلال الأيام الماضية بين الفرقة الرابعة واللجنة المركزية للتفاوض في درعا وممثلين عن الفيلق الخامس المدعوم من روسيا بحضور جنرال روسي.
في السويداء ذات الغالبية الدرزية، نشرت الصفحة الرسمية للرئاسة الروحية بياناً طوى صفحة الخلاف الأخيرة مع السلطة السورية. وجاء في البيان، أنه «بعد تقديم الاعتذار الشديد من الجهات الرسمية من أعلى المستويات في سوريا، نطمئن الجميع أنه تم تطويق هذا الحدث المسيء بكل أبعاده». وأشار البيان إلى أنه «لن نسمح بوقوع مثل هذه السلوكيات الشاذة. حصل ما حصل وكنتم الدرع الحصين حولنا، وتمت معالجة الجرح كما أردتم وكما يجب أن يكون مع احترامنا لمطالب الناس المحقة».
وطالب البيان أهالي السويداء بـ«التهدئة»، حيث ذكر فيه: «نأمل منكم حسم الجدل فيما حصل، لأن احتكامنا للعقل والحكمة تحت سقف الوطن والقانون والعادات الشريفة هو نهجنا المعتاد، ومسالك الأهل التي توارثناها، مما أنهى كل شيء ولم يعد من حاجة لاستمرار التوتر في الأوساط الاجتماعية والعامة، ونأمل من الجميع عدم الخروج عن توجيهاتنا بالتهدئة ووأد الفتنة، وعلى المسيء أن يتحمل مسؤولية ما قد يقوم به».
يذكر أن حالة من التوتر والغضب الشعبي سادت في محافظة السويداء الأسبوع الماضي، بعد الإساءة التي تعرض لها الشيخ حكمت الهجري من قبل رئيس فرع المخابرات العسكرية بالمنطقة الجنوبية العميد لؤي العلي، مما دفع إلى تمزيق صور الرئيس بشار الأسد، ونشر دعوات وبيانات للتضامن من قبل أبناء المحافظة والفصائل المسلحة فيها، مع الشيخ حكمت الهجري نظراً لرمزية مكانة الرئاسة الروحية في نفوس المواطنين باعتبارها المرجعية الدينية للطائفة الدرزية في السويداء. في حين تداولت صفحات موالية عبر منصات التواصل الاجتماعي أخباراً عن إقالة العميد لؤي العلي من منصبه، بعد اتصال هاتفي جرى بين الرئيس السوري والشيخ حكمت الهجري.
ولم تشر الأنباء إلى اعتذار رسمي من الرئيس السوري للهجري، إنما «اطمأن على صحته وأكد على اللحمة الوطنية»، في حين لم تشِر الرئاسة الروحية في بيانها إلى أي اتصال بين الهجري والرئيس السوري، واكتفت بالقول إن الاعتذار جاء لسماحة الشيخ من أعلى المستويات في السلطة.
ووفقاً لشبكة «السويداء 24»، قالت إن مصدراً مطلعاً في محافظة درعا أكد «أن العميد لؤي العلي داوم في مكتبه بقسم الأمن العسكري (245) في مدينة درعا بشكل اعتيادي، وهو المسؤول عن شعبة المخابرات العسكرية في الجنوب السوري، مشيراً إلى أن العميد أيمن محمد الذي تم تداول اسمه، مسؤول عن إدارة فرع الأمن العسكري بالسويداء منذ سنتين، وأن العلي تلقى تعليمات من رئاسة شعبة المخابرات العسكرية في سوريا، بعدم التدخل في شؤون محافظة السويداء خلال المرحلة الراهنة، وانتظار التعليمات الجديدة، «مما يشير إلى احتمال صدور قرار جديد في أي وقت».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».