الحروب الجديدة جيو اقتصادية... ومشروع «نورد ستريم 2» أبرز ميادينها الأوروبية

الأميركيون يتمددون شرقاً فوق سطح الأرض والروس يعودون غرباً تحته

أنابيب تابعة لمشروع «نورد ستريم 2» في زاسنيتس الواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا (رويترز)
أنابيب تابعة لمشروع «نورد ستريم 2» في زاسنيتس الواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا (رويترز)
TT

الحروب الجديدة جيو اقتصادية... ومشروع «نورد ستريم 2» أبرز ميادينها الأوروبية

أنابيب تابعة لمشروع «نورد ستريم 2» في زاسنيتس الواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا (رويترز)
أنابيب تابعة لمشروع «نورد ستريم 2» في زاسنيتس الواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا (رويترز)

شهد القرن الحادي والعشرون ويشهد تبدلاً للوسائل التي تسعى الدول بواسطتها لتحقيق أهداف استراتيجياتها الخارجية. ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، حصل ابتعاد نسبي عن القوة العسكرية في العلاقات بين الدول إلى أساليب أكثر تطوراً تستخدم الأدوات الاقتصادية في المقام الأول.
في مجال العلاقات الدولية، أثار هذا التحول في وسائل السياسة الخارجية نقاشاً واسعاً وعميقاً حول الشأن الجيو اقتصادي الذي بات يمثل أهمية متعاظمة على حساب الاعتبارات الجيوسياسية التقليدية. فعقب الحرب الباردة وصعود العولمة في العقد الأخير من القرن العشرين، أصبح علم الاقتصاد الجغرافي الطريقة الفعالة والدقيقة لوصف الأشكال الحالية للحرب.
بدلاً من القوة «الصارمة» التي تتبع القواعد الجيوسياسية، تستخدم الدول للتقدم على خصومها في الحرب الاقتصادية الأدوات التجارية، مثل الاستثمارات الأجنبية المباشرة وسلاسل العرض والطلب، واستغلال الموارد الطبيعية والمساعدات الخارجية. ولا شك في أن هذا الميدان الجديد يربك الدول غير المستعدة له لأن دينامياته و«قواعد الاشتباك» فيه مختلفة عمّا ألفه صنّاع القرار.
من خلال تقديم الحوافز (خفض الأسعار مثلاً) والتلويح بالعقوبات، تُدار لعبة القوة الجيو اقتصادية. ولعل المثال الراهن الساطع على جولة من جولات المواجهات الشرسة في هذا المجال مشروع «نورد ستريم 2» لأنابيب الغاز.

*البداية والتعقيدات
بدأت قصة خط الأنابيب لنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا عام 1997 مع انطلاق مشروع خط الأنابيب الأصلي، عندما اتفقت شركة «غازبروم» الروسية وشركة النفط الفنلندية «نسته» على تأسيس شركة «نورث ترانسغاز أوي» لبناء خط أنابيب من روسيا إلى شمال ألمانيا عبر بحر البلطيق، ولاحقاً تشغيله. وتعاونت شركة «نورث ترانسغاز» مع شركة الغاز الألمانية «روهرغاز» في إجراء مسح لطريق الأنابيب في المناطق الاقتصادية الخالصة لفنلندا والسويد والدنمارك وألمانيا، وكذلك إجراء دراسة جدوى لخط الأنابيب عام 1998.
وبعد سنوات من التفاوض والترتيبات مع دول مختلفة، وضع أول أنبوب لخط الأنابيب في 6 أبريل (نيسان) 2010 في المنطقة الاقتصادية السويدية الخالصة. وأُطلق بناء خط الأنابيب رسمياً في 9 أبريل 2010 في خليج بورتوفايا على ساحل بحر البلطيق.
وفي النهاية، بدأ ضخ الغاز في الخط الأول في 6 سبتمبر (أيلول) 2011. وحصل الافتتاح الرسمي لخط «نورد ستريم» في حضور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الروسي دميتري ميدفيديف ورئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون ورئيس الوزراء الهولندي مارك روته في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 في احتفال أقيم في بلدة لوبمين الألمانية. وفي 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 افتُتح الخط الثاني للأنابيب في المشروع. ويبلغ طول الخط 1222 كيلومتراً، وبذلك يكون أطول خط أنابيب تحت البحر في العالم.
قبل ذلك، أي في العام 2011، بدأ البحث في إنشاء خطين آخرين تحت اسم «نورد ستريم 2»، بدفع من ازدياد الإقبال على استهلاك الغاز كبديل أقل كلفة وأخف تلويثاً من النفط. واستقر الرأي على توسيع المشروع ليصير قادراً على ضخ 110 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً.
وفي يونيو (حزيران) 2015 وُقّع اتفاق إنشاء «نورد ستريم 2» بين الشركات المعنية، وتأخر إعطاء السلطات الألمانية إذن البناء على أراضيها حتى يناير (كانون الثاني) 2018، لتبدأ الورشة في غرايفسفالد (مدينة صغيرة في شمال شرق ألمانيا) في مايو (أيار) من العام نفسه.
لم تتأخر واشنطن في التحرك لوقف المشروع باعتباره يشكل لموسكو أداة نفوذ واسع بالنظر إلى اعتماد ألمانيا وسواها من الدول الأوروبية كثيراً على الغاز الروسي.

*أبعاد استراتيجية
جهدت الولايات المتحدة كثيراً بعد انتصارها والحلفاء في الحرب العالمية الثانية لتعزز نفوذها وتَجبه المد الشيوعي – السوفياتي في القارة العجوز. فأنفقت لذلك الكثير من المال (مشروع مارشال)، وأنشأت جبهة سياسية عسكرية (حلف شمال الأطلسي)، وخاضت حرباً باردة طويلة مع العدوّ الآتي من أرض الصقيع.
بعد عقود جاء النصر عندما تفكك الاتحاد السوفياتي من الداخل، وانهارت جبهاته في شرق أوروبا لـ«تبتلعها» الولايات المتحدة الواحدة تلو الأخرى، إلى أن وصلت إلى أوكرانيا وجورجيا وسواهما، وباتت تدقّ على أبواب روسيا نفسها...
لكن ها هو الغاز يكسر الحصار عبر أنابيب تغذي الجوع الألماني إلى الطاقة. وبعد مرور المرحلة الأولى من مشروع «نورد ستريم»، وجدت واشنطن لزاماً عليها أن توقف المرحلة الثانية بكل ما أوتيت من نفوذ. وأدت الضغوط إلى تعليق شركة «أول سيز» الهولندية عملها في مد الأنابيب في البحر خشية العقوبات الأميركية.
وعُلّق العمل بالمشروع لنحو عام بعدما فرض الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أواخر 2019 عقوبات على الشركات العاملة فيه تشمل تهديد أصولها ومنع موظفيها من دخول الولايات المتحدة. غير أن العمل استؤنف في ديسمبر الماضي، وتبقى مسافة 75 كيلومتراً فقط لإنجازه.
حالياً بدأت الضغوط من داخل الاتحاد الأوروبي على برلين تتكثف لوقف المشروع على خلفية قضية المعارض أليكسي نافالني الذي اتُّهمت الاستخبارات الروسية بمحاولة قتله بالسم، والذي دخل السجن فور عودته إلى روسيا من رحلة علاجية في ألمانيا في يناير الماضي.
وترد الحكومة الألمانية على الضاغطين بالقول إن الجمع بين قضية نافالني والحصول على مادة حيوية كالغاز لا يستقيم، وإن الأولى تعالَج مع موسكو بأدوات أخرى. وقال المتحدث باسم الحكومة شتيفن زايبرت في هذا الصدد إن «موقف الحكومة الفيدرالية من مشروع نورد ستريم 2، وهو مشروع تجاري، لم يتغير».
مهما يكن من أمر يجب وضع خط عريض تحت البعد الاستراتيجي لهذه المسألة، فعلى سبيل المثال تشتري بولندا التي باتت حليفاً مقرباً من الولايات المتحدة وتستقبل آلاف الجنود الاميركيين على أراضيها، الغاز الأميركي على الرغم من أن الغاز الروسي على مرمى حجر منها.
ويفيد التذكير هنا بأن وزير الدفاع البولندي سابقاً رادوسلاف سيكورسكي شبّه مشروع الأنابيب عام 2006 بمعاهدة عدم الاعتداء للعام 1939 بين الاتحاد السوفياتي والمانيا النازية، المعروفة باسم «مولوتوف - ريبنتروب»!
وفي المقابل، تستفيد روسيا من المشروع بجعل عدد من دول أوروبا معتمدة عليها جذرياً في الحصول على الطاقة، بالإضافة إلى ما يدرّه الغاز من مال يغذّي الخزينة الروسية وبالتالي كل مشاريع توسيع نفوذ موسكو في الخارج.
تجدر الإشارة هنا، إلى أنه بعدما أكدت إدارة ترمب مراراً وتكراراً أن اعتماد أوروبا على الغاز الروسي أمر يقوّض أمن القارة ويضرّ بالمصالح الأميركية، جاءت إدارة جو بايدن لتنسج على منوال الموقف نفسه. فقد قال وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن، إن بايدن يتفق تماماً مع أعضاء الكونغرس على أن خط الأنابيب فكرة «سيئة».
لكن الأطراف المعنية في أوروبا وفي روسيا نفسها تنتظر الآن ما ستقوم به عملياً إدارة جو بايدن الذي حرص في مكالمته الهاتفية مع فلاديمير بوتين أخيراً على الظهور بمظهر الصارم الحازم، على عكس ما كان يبديه ترمب تجاه القيصر الروسي. غير أن بايدن لا يريد في الوقت نفسه إغضاب برلين، وهو الساعي إلى إصلاح ما تضرر من العلاقة معها أيام سلفه الذي انتقد ألمانيا مراراً ولم يخفِ مشاعره السلبية حيال المستشارة أنجيلا ميركل.
في النهاية سيكون من المثير للاهتمام مراقبة ما سيجري حول مشروع «نورد ستريم 2» بأبعاده الجيو اقتصادية، خصوصاً أن اكتماله وبدء العمل فيه سيجعلان شرايين الغاز الروسي ممتدة في القارة من جهات عدة («ترك ستريم» في الجنوب الأوروبي مثلا).
... قال السناتور ريتشارد لوغار (1932 – 2019) عام 2006 ، يوم كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، إن «السبب الأول لنزاع مسلح محتمل في المسرح الأوروبي والمناطق المحيطة سيكون ندرة الطاقة والتلاعب بمقدّراتها»...
الأميركيون يتمددون شرقاً فوق سطح الأرض باتجاه روسيا، والروس يعودون غرباً تحت سطح الأرض بواسطة أنابيب الطاقة. خطان لا يلتقيان، فهل يتصادمان؟


مقالات ذات صلة

الصين وتركمانستان تطلقان مشروع توسعة ثاني أكبر حقل غاز في العالم

الاقتصاد تصدّر تركمانستان التي تمتلك رابع أكبر احتياطي غاز في العالم معظم إنتاجها إلى الصين (إكس)

الصين وتركمانستان تطلقان مشروع توسعة ثاني أكبر حقل غاز في العالم

أطلقت تركمانستان والصين، أعمال توسعة الإنتاج في حقل غاز «غالكينيش» العملاق، ما يعزز مكانة بكين في قطاع الطاقة في هذه الدولة الواقعة في آسيا الوسطى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أدت حرب إيران إلى تعطيل 17 % من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال (رويترز)

5 سفن قطرية محملة بالغاز الطبيعي تقترب من مضيق هرمز

أظهرت بيانات تتبع السفن، اليوم السبت، أن خمس سفن محملة بالغاز الطبيعي المسال قادمة من رأس لفان في قطر تقترب من مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد نموذج لأنبوب غاز طبيعي وعلم تركيا (رويترز)

تركيا: عقد الغاز مع إيران ينتهي قريباً ولا محادثات لتمديده بعد

قال وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، السبت، إن العقد الذي ينظم تدفقات الغاز الطبيعي من إيران إلى تركيا من المقرر أن ينتهي في الأشهر المقبلة.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد منصات حقول نفط في بحر الشمال بالنرويج التي تعدّ أكبر مورد للغاز الطبيعي في أوروبا ومنتجاً رئيسياً للنفط (رويترز)

قيمة صادرات النفط النرويجي ترتفع لمستوى قياسي جراء حرب إيران

ارتفعت قيمة صادرات النفط الخام في النرويج لمستوى قياسي خلال الشهر الماضي بسبب حرب إيران، مما ساعد في ارتفاع الفائض التجاري لأعلى مستوى منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.