انقلاب ميانمار «يخلط الأوراق» وحزب سو تشي يطالب بالإفراج عنها فوراً

إغلاق مطار العاصمة والجنود يطوقون منازل النواب... وتلويح غربي بعقوبات

قوات أمن أمام مدخل بيت ضيافة ينزل به نواب في برلمان ميانمار بالعاصمة أمس (إ.ب.أ)
قوات أمن أمام مدخل بيت ضيافة ينزل به نواب في برلمان ميانمار بالعاصمة أمس (إ.ب.أ)
TT

انقلاب ميانمار «يخلط الأوراق» وحزب سو تشي يطالب بالإفراج عنها فوراً

قوات أمن أمام مدخل بيت ضيافة ينزل به نواب في برلمان ميانمار بالعاصمة أمس (إ.ب.أ)
قوات أمن أمام مدخل بيت ضيافة ينزل به نواب في برلمان ميانمار بالعاصمة أمس (إ.ب.أ)

فيما لوّح الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على العسكريين في ميانمار غداة تنفيذهم انقلاباً ضد الحكومة المدنية، دعا حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» الذي تقوده أونغ سان سو تشي إلى إطلاق سراحها فوراً، وسط تساؤلات عن سبب قيام الجيش بتحركه في هذا التوقيت بالذات.
ونقلت «رويترز» عن مدير مطار يانغون (رانغون) أمس أن ميانمار أغلقت المطار الدولي في المدينة، وهو أيضاً المطار الرئيسي في البلاد، بعد الانقلاب. وقال مدير المطار فون ماينت إن المطار سيظل مغلقاً حتى مايو (أيار)، لكنه لم يذكر تاريخاً محدداً. وذكرت صحيفة «ميانمار تايمز» أنه تم إلغاء الإذن بالهبوط والإقلاع لكافة الرحلات بما في ذلك الرحلات الإنسانية حتى يوم 31 مايو. وتُعتبر يانغون العاصمة الاقتصادية للبلاد.
ونفذ الانقلاب من دون إراقة دماء لكن الجنود لا يزالون منتشرين في عاصمة البلاد نايبيداو، حيث أوقفت أونغ سان سو تشي (75 عاماً) ومسؤولون آخرون في حزبها فجر الاثنين. وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن عسكريين طوقوا مساكن نواب، ناقلة عن نائبة في حزب أونغ سان سو تشي «إننا في مركز اعتقال في الهواء الطلق». وأضافت مفضلة عدم كشف هويتها أن سان سو تشي ورئيس الجمهورية وين مينت موضوعان «في الإقامة الجبرية» في العاصمة إلا أن الجيش لم يكشف أي معلومات عن مكان توقيفهما.
ودعا حزب أونغ سان سو تشي الحائزة على جائزة نوبل للسلام في 1991 إلى «إطلاق سراحها» فوراً فضلاً عن مسؤولين آخرين في الرابطة أوقفوا خلال الانقلاب. وقالت «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» على صفحتها في «فيسبوك» أمس: «ما حصل (الانقلاب) وصمة عار في تاريخ البلاد والجيش البورمي». وأضافت أن «على الجيش الاعتراف بنتائج» انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني).
وكتبت وكالة الصحافة الفرنسية، في تقرير أمس، أن الانقلاب الذي شهدته ميانمار هذا الأسبوع يحمل خطر إعادة البلاد إلى وضعها السابق كدولة منبوذة دولياً وإلغاء اتفاق لتقاسم السلطة كان يمنح الجنرالات درجة عالية من النفوذ. وأعاد مشهد الجنود المسلحين بالبنادق في شوارع نايبيداو واحتجاز أونغ سان سو تشي ذكريات أحلك أيام بورما خلال 49 عاما من الحكم العسكري.
وبعد تجربة استمرت 10 سنوات للتحول نحو نظام أكثر ديمقراطية، عاد الجنرالات إلى السلطة، ما أثار عاصفة من الإدانات الدولية والتهديد بفرض عقوبات جديدة.
وبرر الجيش انقلابه بالإصرار على أن انتخابات نوفمبر الماضي كانت مزورة. وفاز حزب الرابطة الوطنية بزعامة سو تشي بأغلبية ساحقة أكبر مما كانت عليه عندما وصل إلى السلطة في 2015، بينما منيت أحزاب مدعومة من الجيش بهزيمة محرجة.
لكن في بورما، لا يعني التفويض الانتخابي الكاسح سلطة كاملة للحكم. وبموجب ميثاق البلاد المعدّ من قبل المجلس العسكري، لا يزال الجنرالات يمسكون بمقاليد السلطة. ويخصص ربع المقاعد البرلمانية للجيش، ما يضمن له حق النقض ضد أي تغييرات في الدستور. وظلت الوزارات الرئيسية مثل الداخلية والدفاع تحت سيطرة المؤسسة العسكرية، بينما بقيت التكتلات المالية الرابحة المملوكة للجيش جزءاً أساسيا من الاقتصاد.
وقال إيرفيه ليماهيو الخبير في شؤون بورما في معهد لوي الأسترالي لوكالة الصحافة الفرنسية: «كانت دائماً علاقة مضطربة. نظام هجين - ليس استبداديا تماماً ولا ديمقراطياً تماماً... انهار تحت وطأة تناقضاته الذاتية».
وطرحت الوكالة الفرنسية سؤالاً في هذا الصدد وهو لماذا ينقلب الجنرالات على نظام يناسبهم أساساً؟ وأشارت، في معرض إجابتها عن هذا التساؤل، إلى أنه في قلب الانقلاب يقف مين أونغ هلينغ، قائد القوات المسلحة، متقلب المزاج. وأضافت أن سو تشي، التي حُبِسَت لسنوات من قبل المجلس العسكري، تعاملت بحذر مع شخصيات مثل هلينغ لتجنب إعطائهم أي ذريعة لتنفيذ انقلاب، بينما كانت تحاول إصلاح بلد متصلب دمرته سنوات من الحكم العسكري. حتى أنها دافعت بحماسة عن الحملة العسكرية الشاملة ضد مسلمي الروهينغا في بورما، وهو الموقف الذي شوّه بشدة صورتها الدولية كرمز للديمقراطية.
لكن محللين يقولون إن العلاقة بينها وبين كبار الضباط تدهورت في الواقع. وقال المدير التنفيذي لـ«معهد ميانمار (بورما) للسلام والأمن» مين زاو أو لوكالة الصحافة الفرنسية إن تلك العلاقة «توترت حقاً العام الماضي». وأضاف أن القادة المدنيين ربما قللوا من شأن اتهامات الجيش بتزوير الانتخابات وتصميمه على الطعن في النتائج. وتابع: «لم يكن هناك حوار مناسب... لم يأخذوا الأمر على محمل الجد». وأردف: «أعتقد أن ذلك كان إهانة... هناك الكثير من الأمور المتعلقة بالكبرياء».
ولا تعتبر المؤسسة العسكرية كتلة واحدة، إذ كانت بعض الأجنحة داخلها منفتحة على الإصلاح ولعبت دوراً محورياً في اتفاقية جلبت سو تشي إلى السلطة. لكن كانت هناك منذ فترة طويلة علامات استفهام حول ما إذا كان الجنرالات المحافظون ملتزمين حقاً بالديمقراطية. وتنتشر تكهنات بأن هلينغ ربما قرر التحرك مع اقتراب نهاية مسيرته داخل الجيش. وكان من المقرر أن يتقاعد في الصيف حيث سبق ولمح في السابق إلى خطط مستقبلية للترشح كسياسي مدني.
لكن الأداء المحرج لحزب «اتحاد التضامن والتنمية» المقرّب من الجيش لم يمنحه سوى أمل ضئيل في مقابل شعبية سو تشي الطاغية لدى الناخبين.
ويقول الخبير والمؤلف حول سياسات جنوب شرقي آسيا سباستيان سترانجيو للوكالة الفرنسية إنه «يبدو أن الانتصار الهائل للرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية في الانتخابات أدى إلى توترات مدنية – عسكرية، وأقنع مين أونغ هلينغ والقيادة العليا (للجيش) بأن الدستور لم يعد حصناً كافياً». وفرضت عقوبات سابقاً على جنرالات مثل هلينغ من قبل الولايات المتحدة لدورهم في الحملة على الروهينغا.
وكانت إدانة القادة الغربيين فورية، وحتى الصين دعت جميع الأطراف إلى «حل الخلافات».
وقال الخبير في شؤون بورما في جامعة هونغ كونغ رينو إيغريتو: «لا أعتقد بأن المخاطرة بالتعرض إلى الخزي دولياً تثير أي قلق لكبار الضباط العسكريين». وأضاف للوكالة الفرنسية أن أولويتهم الرئيسية كانت محاولة إيجاد طريقة للتعامل مع «شخصية مشهورة للغاية وشبه أسطورية هي أونغ سان سو تشي».
وفي بروكسل، قال جوزيف بوريل، الممثل الأوروبي للشؤون الخارجية، في بيان بالنيابة عن الاتحاد الأوروبي: «هذه محاولة غير مقبولة لتغيير إرادة شعب ميانمار قسرياً». وأضاف: «يتوقع الاتحاد الأوروبي ضمان سلامة مواطني ميانمار ودول الاتحاد في كل الأوقات، وسيدرس الاتحاد جميع الخيارات المتاحة لديه لضمان سيادة الديمقراطية». ودعا لوقف فوري لحالة الطوارئ، واستعادة الحكومة المدنية، واصفاً أعمال الجيش بأنها غير قانونية، حسب وكالة الأنباء الألمانية.
وكان الرئيس الأميركي جو بايدن دعا أول من أمس الأسرة الدولية إلى «المطالبة بصوت واحد بتخلي الجيش فوراً عن السلطة». ويفترض أن يكون مجلس الأمن الدولي عقد اجتماعاً طارئاً أمس بشأن الوضع في بورما.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...