أفلام عن {كوفيد ـ 19} تتوالى... وأخرى حذّرت قبل وقوعه

السينما ترصد الاختفاء التدريجي للحياة على الأرض

«76 يوماً» فيلم تسجيلي من الصين
«76 يوماً» فيلم تسجيلي من الصين
TT

أفلام عن {كوفيد ـ 19} تتوالى... وأخرى حذّرت قبل وقوعه

«76 يوماً» فيلم تسجيلي من الصين
«76 يوماً» فيلم تسجيلي من الصين

بعد مرور أكثر من عام على استفحال وباء «كورونا» ومشتقاته والاختفاء التدريجي للحياة التي اعتادنا عليها حتى حين ليس بالبعيد، باتت مشاهدة فيلم لا يضع أبطاله الكمامات على وجوههم يثير قدرا كبيرا من الشعور بالغرابة.
بات الفيلم المصنوع قبل الوباء (وخلاله) يبدو كما لو أنّه آتٍ من حقبة بعيدة أخرى، أو ربما من كوكب لم يمر بما نمر به. ومع أنّنا سنرى قريباً أفلاماً يرتدي أبطالها الكمّامات، إلا أنها لن تكون سوى جزء صغير من الإنتاجات. الجزء الأكبر سيكون «كورونا - فري». سنواصل مشاهدة شوارع يمشي فيها الناس بشكل عادي. اجتماعات مغلقة في المكاتب. أُمٌّ توصل أولادها إلى المدرسة. مكتبات عمومية. دخول البشر إلى المصاعد الكهربائية وخروجهم منها. جلوسهم في كل مقعد مُتاح بالقطارات والطائرات بلا مسافات تباعد… وكل ذلك بلا كمّامات.
تصوّر فقط كم يبدو المشهد سخيفاً إذا ما ارتدى براد بت كمامة وهو يتغزّل بالمرأة التي يحب والتي تستمع إليه وهي ترتدي كمّامتها. أو إذا وجدنا نيكولاس كايج يضرب الأشرار وهو يرتدي الكمّامة وتخفي وجوههم كمامات أخرى… وكيف سيتعرّض ‪كيانو ريفز لأشرار ماتريكس 4» ويعالجهم بحركاته القتالية محافظاً، في الوقت نفسه، على المسافة الآمنة بينه وبينهم؟ وماذا عن تلك القُبل التي يتبادلها رجل وامرأة أو أم وبناتها أو أب وولده الذي سينضم للجندية أو بين أي شخصين؟
ماذا سنشعر عندما نرى رجلين يتصافحان؟ هل نردد… هذا خداع غير مقبول؟ هل سيكون موقفنا من مشاهدة كل هذه الأمثلة السابقة التشكيك والتكذيب؟ أم أنّنا سنجلس في صالات السينما نتحسّر على أنّنا لم نعد نمارس هذه الحقوق البدهية أو أنّنا لا ننتمي جسدياً إلى الفيلم ذاته؟ هل سنفكّر في أن نخطو بضع خطوات إلى الشاشة فلربما استطعنا لمسها والدخول منها إلى الفيلم الخالي من «كورونا»؟
أفلام أولى
مهما كان الجواب فإنّه لا يأتي بلا حسرات. كل أنواع الأفلام التي صُنعت منذ 1900 إلى 2020 تبدو آتية من حياة أخرى أجمل. والتي ستأتي خلال 2021 أو بعده ستبدو مُغايرة للواقع من دون كمّامات. إلى هذا الحد يبدو كل شيء غريبا عنا، بالإضافة إلى الطريقة التي بات فيها معظمنا يشاهد الأفلام، ما يعني أنه لو انتشر الوباء في العالم قبل اختراع الكومبيوتر المنزلي وباقي أدوات «الفرجة» اليوم لبقينا بلا أفلام على الإطلاق.
الواقع يتبرّع بالإشارة إلى أنّنا سنشاهد أفلاماً عن الوباء ومن وحي حكاياته، وسنتابع أحداثاً من تلك التي تعكس ما نحن عليه اليوم.
شركة STX Films باشرت عرض فيلم رعب بعنوان Songbird حول الوباء أنتجه لحسابها المخرج مايكل باي وحقّقه شاب اسمه آدم مايسون.
يتحدّث الفيلم عن محاولة شاب إنقاذ حبيبته من الأشرار الذين يريدون غزو بيتها، بينما تفرض السلطات حظر التجوّل على كل مدن الولايات المتحدة.
هذا الوضع لم يعد خيالاً جانحاً، والأكثر دلالة منه هو الفيلم الصيني الجديد «76 يوما» للمخرجين وايكسي تشن وهاو وو.
«76 يوما» لا يروي حكاية فهو فيلم تسجيلي دارت كاميراته لمواكبة تفشي وباء «كورونا» في مدينة ووهان قبل نحو سنة. هذه المواكبة ليست بالأمر السهل، وتتجاوز، كما نرى في الفيلم، صور السقوط صرعى الوباء المتفشي لتحيط بالعمليات المعقدة التي تدور في المستشفيات التي فوجئت بانتشار الوباء كما سواها من المؤسسات.
إنّها الأيام الأولى من تفشي الفيروس، حددها الفيلم بـ76 يوماً عصيبة على المرضى والممرضين والأطباء. كيف خسر البعض حياتهم ونجا آخرون. من اشتكى طول العلاج ومن استسلم. يرمي الفيلم نظرة فاحصة على ما يواجهه المستشفى وفريقه من حالات وكيف يتصرّفون، وكيف يحاولون الالتزام بالإجراءات الضرورية، أو تلك التي أمر بها المسؤولون. يخرج الفيلم من بين جدران الغرف وممراته إلى مدينة مقفلة ومقفرة تعكس ذلك الواقع الجديد الذي لم يمهل أحداً بل ساد الحياة في ومضة.
خلال معاينة الفيلم للواقع يمر على مشاهد مؤثرة وبالقدر ذاته مخيفة. هناك رجل يلتوي ألماً. وامرأة ترجو الممرضين السماح لها بمشاهدة والدها قبل موته من ثمّ بعد موته لإلقاء نظرة أخيرة. هناك اندفاع حقيقي من قِبل العاملين في المستشفى لإنقاذ المصابين ولإجراء الفحوصات لمن لا يعلمون إصابتهم بالفيروس أم لا. الفيلم حيوي ونشط، ولو أنّه غير ممنهج على نحو تأسيسي. وبعض مشاهده لا تأتي بجديد، بل تعود إلى حالة تركها قبل قليل لتصوير المزيد منها. لكنه آسر بحقيقته في كل لحظة.
ما لا يذكره مطلقاً هو ما إذا كان الفيروس يحمل هوية منشأ صينية (كما أكّد دونالد ترمب أكثر من مرّة) أم لا.
فيلم صيني آخر عن الوباء وتفاعلاته بعنوان «عالق» لجيادونغ كجي. هو فيلم روائي قصير بتنفيذ جيد ومتكامل. بطله رجل أعمال صيني يقود سيارته عائداً إلى منزله في أول يوم حظر الخروج أو الدخول من وإلى ووهان. لم يكن يعلم بذلك القرار إلى أن منعه الحاجز الأول من التقدم. يستدير ويجرب طُرقاً من دون نجاح. يجد نفسه عالقا على الطرق السريعة ومتفرعاتها وينتهي الفيلم به وهو أمام سيارته يتحدّث مع زوجته التي كانت تنتظره قبل ساعات كثيرة.
نبوءة سودربيرغ
الوباء المتفشي ليس موضوعاً جديداً في السينما. أفلام كثيرة تحدّثت عن الأوبئة وتعاملت مع الذعر الذي يصيب الناس ويقضي عليهم ويغزو المدن ليتركها أوكار موت مخيفة. وخلال العام الفائت لم يفت العديد من النقاد والمتابعين فيلم ستيفن سودربيرغ «عدوى» (2011) الذي تعامل مع وباء قاتل لم يكن اسمه «كورونا» آنذاك لكنه حمل كل علاماته وخصائصه.
وحسب مقالات في مجلات علمية بينتها (ذي نيو سيانتيست) فإن «عدوى» هو أكثر فيلم روائي احتوى على تفاصيل وحقائق، كما لو أنّ صانعيه بحثوا في خصائص الوباء، ودرسوا احتمالات ما قد يحدث تبعاً له. هذا محتمل كون الكاتب سكوت ز. بيرنز والمخرج سودربيرغ استعانا بعالم الأوبئة الدكتور إيان ليبكن لتوفير المعلومات في كيفية انتقال وباء قاتل من الحيوانات إلى البشر بضراوة غير مسبوقة.
يبدو «عدوى» حين مشاهدته مجدداً، كما لو أنه صُنع اليوم وليس قبل 10 سنوات. فالعدوى تنتقل من الخنازير والوطاويط، وهي تنطلق من الصين، وتنتقل بالمصافحة والتقارب واستخدام الأدوات اليومية. ويتنبأ الفيلم، إذ يسرد حكاية افتراضية في الأساس بسقوط 70 مليون ضحية نتيجة الوباء الذي ينتشر في أسبوعين ليعم الأرض.
السينما حذّرت طويلاً
إلى جانب هذا الفيلم، وغالباً قبله، خرجت أفلام عديدة حول الجرثومة القاتلة ولو تحت مسميات كثيرة. والعديد من هذه الأفلام لم تفكّر بوباء محدود بل بآخر قادر على الانتشار إذا لم يسارع المسؤولون للحد من قوّته.
‫المخرج إيليا كازان أخرج سنة 1950 فيلما بوليسيا بعنوان «ذعر في الشوارع» وفيه مجرم هارب من القانون (جاك بالانس) لا يعرف بأنه مصاب بمرض معد قد ينتقل إلى سواه في غضون ساعات إلّا إذا استطاع طبيب يعمل في الجيش إيقافه. للغاية يستعين بشرطة مدينة نيو أورليانز. ‬
في العام ذاته، وعبر حكاية لا تبتعد عما ورد في فيلم إيليا كازان نجد «القاتل الذي اقتفى نيويورك» وهو فيلم منسي بالمقارنة يتحدث عن مهرّب التقط الجدري وقد ينشره بين العمّال ومنهم إلى عموم نيويورك.
على نطاق عالمي حقّق الأميركي جون ستيرجز سنة 1965 فيلم «حشرة الشيطان» عن وباء تسرّب من مختبر، وقد يهدد الحياة على الأرض إذا لم يلق القبض على الفاعل. وفي السبعينات من القرن الماضي شاهدنا «سلالة أندروميدا» لروبرت وايز و«عبور كاساندرا» لجورج ب. كوزماتوس والمختلف في هذين الفيلمين أنهما تمتعا بميزانية ومعايير إنتاجية أعلى من تلك التي سبقتها.
ويستوقفنا في سنة 1979 فيلم «وباء»، حيث يؤدي انقطاع الكهرباء في مختبر علمي على حين غرة لخطأ في تجربة علمية ينتج عنها انتشارها سريعاً وسقوط ضحايا داخل المختبر وخارجه. إنّ أفضل ما أُنتج في السنوات العشرين الأخيرة من القرن السابق كان فيلم «تفشٍ» لولفغانغ بيترسون مع رينيه روسو ودستين هوفمن وكفن سبايسي الذين يجاهدون لإيجاد لقاح ضد وباء ضرب ولاية كاليفورنيا عبر قرد جُلب من أفريقيا.
ومع أنّ كل هذه السيناريوهات المطروحة تتوقع حدوث ما تتداوله من تحذيرات، إلا أن السنوات القليلة الماضية شهدت الاهتمام الجلي بالتفاصيل من ناحية اقتراب الأفلام المنتجة في هذا الشأن من الواقع المعاش. وهناك «احتواء» الذي فضّل البحث فيما قد يحدث إذا ما أخفت الحكومة خبر انتشار الوباء عن الشعب. هذا الفيلم أُنجز سنة 2015 بعد سبع سنوات من تقديم البرازيلي فرناندو ميريليس «عمى» عن وباء يفقد الناس بصرهم بسببه من بطولة مارك روفالو وجوليان مور.
هذه الأفلام وغيرها ما هي إلّا بعض من عشرات الأفلام التي أُطلقت بما فيها أفلام صينية وكورية ويابانية وروسية أيضاً.
كذلك من دون حسبان كل تلك الأفلام التي تحدثت عن الحياة على الأرض من بعد أن فشل العلم والسلاح والسياسة في إنقاذ الكوكب حيث نعيش. آخر هذه الأفلام «مدنايت سكاي» لجورج كلوني الذي انتقل إلى ما بعد موت الحياة على الأرض بسبب حرب استخدمت الكيماويات حيث انتشر ذلك حول العالم وأتى عليه.
هل نعتبر كل هذه الأفلام بمثابة تحذير أو هي أقرب إلى النبوءات المحقة؟ سؤال يوجهنا صوب وضع أكثر تعقيداً وخطورة مما نحن عليه الآن.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».