مبادرة لتوحيد المعارضة في مواجهة إردوغان

يواصل إردوغان مساعيه لضم أحزاب أخرى إلى تحالفه مع الحركة القومية في ظل تكاتف المعارضة لخلق جبهة عريضة ضده (أ.ف.ب)
يواصل إردوغان مساعيه لضم أحزاب أخرى إلى تحالفه مع الحركة القومية في ظل تكاتف المعارضة لخلق جبهة عريضة ضده (أ.ف.ب)
TT

مبادرة لتوحيد المعارضة في مواجهة إردوغان

يواصل إردوغان مساعيه لضم أحزاب أخرى إلى تحالفه مع الحركة القومية في ظل تكاتف المعارضة لخلق جبهة عريضة ضده (أ.ف.ب)
يواصل إردوغان مساعيه لضم أحزاب أخرى إلى تحالفه مع الحركة القومية في ظل تكاتف المعارضة لخلق جبهة عريضة ضده (أ.ف.ب)

اتسع الحراك بين أحزاب المعارضة التركية بهدف تشكيل تحالف واسع يواجه «تحالف الشعب» المؤلَّف من حزبي العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية. ودخل حزب الشعوب الديمقراطية الذي يُعدّ ثاني أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، والمؤيد للأكراد، على الخط، بطلب لقاءات مع قادة أحزاب المعارضة لبحث مشكلات تركيا الأساسية، في الوقت الذي يواصل فيه الرئيس رجب طيب إردوغان مساعيه لضم أحزاب أخرى إلى تحالفه مع الحركة القومية.
وطلب الرئيسان المشاركان لحزب الشعوب الديمقراطية، بروين بولدان ومدحت سنجار، عقد لقاءات مع رؤساء أحزاب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، وحزب «الديمقراطية والتقدم» الذي يرأسه نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، وحزب «المستقبل» برئاسة رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، وحزب السعادة الذي يرأسه تمل كارامولا أوغلو، الذي بادر بتحديد موعد للقاء يُعقد يوم الاثنين المقبل. وأطلقت أحزاب المعارضة منذ أشهر حركة زيارات متبادلة شملت بصفة أساسية أحزاب الشعب الجمهوري والجيد (الشريكين في «تحالف الأمة») والديمقراطية والتقدم والسعادة، لكنها استثنت في البداية حزب الشعوب الديمقراطية الذي يواجه اتهامات من جانب الرئيس رجب طيب إردوغان وحليفه دولت بخشلي، رئيس حزب الحركة القومية، بدعم الإرهاب وبأنه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني المحظور. وجرت هذه اللقاءات لتبادل وجهات النظر حول المشكلات الرئيسية للبلاد و«جس النبض» حول التعاون المستقبلي.
وعملياً دعم حزب الشعوب الديمقراطية «تحالف الأمة» في الانتخابات المحلية في نهاية مارس (آذار) 2019، التي تكبد فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم خسائر ضخمة وفَقَد فيها كبريات المدن التي سيطر عليها باستمرار، خصوصاً إسطنبول وأنقرة. وبعثت مختلف الأحزاب برسائل إيجابية على مدى الشهور الماضية، بشأن الحوار والتنسيق مع حزب الشعوب الديمقراطية، بدأت من حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، وامتدت إلى حليفه حزب «الجيد» المحسوب على التيار القومي، الذي ترأسه السياسية المخضرمة ميرال أكشينار، مروراً بأحزاب الديمقراطية والتقدم والمستقبل، أحدث حزبين خرجا من رحم العدالة والتنمية، وحزب السعادة ذي الجذور الإسلامية.
وقررت إدارة حزب الشعوب الديمقراطية، الذي بات مستهدفاً بدعوات إغلاقه التي كررها أكثر من مرة دولت بهشلي حليف إردوغان، اتخاذ خطوات ومبادرات لتوسيع أرضية الحوار مع أحزاب المعارضة، وفي هذا السياق، طلب الرئيسان المشاركان للحزب بولدان وسنجار، مواعيد من الأحزاب الأربعة (الشعب الجمهوري، الديمقراطية والتقدم، المستقبل، السعادة)، ولم يطلب الحزب لقاء مع ميرال أكشينار رئيس حزب «الجيد» نظراً للحساسيات بين القوميين والأكراد، وإن كانت أكشينار أعلنت مؤخراً استعدادها لاستقبال الرئيس المشارك السابق للحزب صلاح الدين دميرطاش، رداً على رسالة بعث بها من داخل محبسه متسائلاً فيها: «هل لو طرقت بابك يوماً ذات صباح لتناول الشاي هل تسمحين؟» وردَّت: «بالطبع، سأستقبلك». ويسود الاعتقاد في الأوساط السياسية في البلاد بأن هذه اللقاءات والزيارات هدفها الاستعداد للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في يونيو (حزيران) 2023، والخروج بتوافق بين أحزاب المعارضة وتشكيل تحالف واسع منها لمواجهة تحالف إردوغان - بهشلي، الذي يسعى إردوغان بدوره لضم أحزاب أخرى له حيث عقد لقاءات مع قيادات من حزب السعادة، ورؤساء أحزاب الوحدة الكبرى والديمقراطي واليسار الديمقراطي في محاولة لإقناعهم بالانضمام إلى «تحالف الشعب»، قبل الانتخابات المقبلة.
ومن المنتظَر أن يعلن حزبا الشعب الجمهوري والجيد الشريكان في «تحالف الأمة»، خلال أيام عن مقترحات بشأن حل المشكلات القائمة في البلاد، والعودة إلى النظام البرلماني بعد تعزيزه بسبب المشكلات التي نجمت عن النظام الرئاسي منذ تطبيقه في 2018، وتأثيره السلبي على الاقتصاد وعلاقات تركيا بالخارج إضافة إلى خطة العمل مع الأحزاب، واحتمالات تشكيل تحالف واسع صدرت إشارات بشأنه من جانب رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، ورئيسة حزب «الجيد» ميرال أكشينار، أكثر من مرة.
في سياق متصل، يواجه الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية صلاح الدين دميرطاش، الذي يقبع في السجن منذ عام 2016 باتهامات تتعلق بالإرهاب، تهماً جديدة تتعلق باندلاع سلسلة من الاحتجاجات في الشوارع في عام 2014، إلى جانب ما لا يقل عن 108 من أعضاء حزبه.
ويواجه دميرطاش وزميلته رئيس الحزب المشارك السابقة، فيجان يوكسكداغ، 38 تهمة عقوبتها بالسجن المؤبد و19 ألف سنة إضافية في السجن، بزعم التحريض على أحداث كوباني (عين العرب)، في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، عندما اشتبكت قوات الأمن والمتظاهرين خلال الاحتجاجات الجماهيرية في منطقة جنوب شرقي تركيا ذات الغالبية الكردية على موقف الحكومة التركية من حصار تنظيم «داعش» الإرهابي للمدينة الواقعة في شمال سوريا، ما أسفر عن مقتل 37 شخصاً على الأقل.
وقال رمضان دمير، أحد محامي دميرطاش، إن لائحة الاتهام عبارة عن تجميع لنتائج بحث على موقع «غوغل»، وتتضمن جميع الأخبار والبيانات الصحافية من قبل سياسيين وغير سياسيين، ولا توجد جرائم مدرجة في لائحة الاتهام.
وأضاف أن اللائحة تضمنت أيضاً اتهامات ضد سياسيات كرديات بارزات ونائبات سابقات، منهن صبحات تونجل، وجولتان كيشاناك، وأيسيل توغلوك، بالقتل والنهب والضرب والاعتداء والإجهاض، مع العديد من المشتبه بهم الآخرين. كما اتهم دميرطاش ويوكسيكداغ أيضاً بالتحريض على القتل والضرب والنهب والسرقة. وذكر دمير أن أكثر من ألفي صفحة في لائحة الاتهام تروي تاريخ حزب العمال الكردستاني، واصفاً إياها بأنها «محاولة لتجريم جميع المؤسسات والشخصيات البارزة بين الأكراد، وجميع أجنداتهم المتنوعة»، موضحاً أن لائحة الاتهام لا تهتم بملاحقة أو محاولة كشف الحقيقة المادية.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended