بتول ووحيد... «عصفورا حب» جمعهما المطبخ والسكّر

معاً أسسا «بتوليز» العلامة الفارقة في تصنيع الحلوى بلندن

حلوى إنجليزية على طريقة بتول (تصوير: وحيد بدران) - تشكيلة من حلويات «بتوليز»
حلوى إنجليزية على طريقة بتول (تصوير: وحيد بدران) - تشكيلة من حلويات «بتوليز»
TT

بتول ووحيد... «عصفورا حب» جمعهما المطبخ والسكّر

حلوى إنجليزية على طريقة بتول (تصوير: وحيد بدران) - تشكيلة من حلويات «بتوليز»
حلوى إنجليزية على طريقة بتول (تصوير: وحيد بدران) - تشكيلة من حلويات «بتوليز»

بتول رشيد وزوجها وحيد بدران شريكها وتوأم روحها وعشقها للسكر والحلويات أشبه بعصفوري حب في مطبخ صغير بدأ فيه حلم حياتهما في تأسيس عمل مشترك تفجر فيه بتول ولعها بابتكار الحلوى الفريدة من نوعها في مطبخ مركزي يوزع الحلويات إلى العديد من المطاعم والمقاهي المعروفة في لندن.
لفتتني صفحة Batooli’s على تطبيق إنستغرام، وبعد أن تلقيت دعوة من بتول لتذوق حلوياتها، زرت مطبخها الواقع في منطقة «أكتون» الصناعية، التي تعتبر ركن المطابخ العربية التي تعتمد بغالبيتها على أسلوب الجملة وليس المفرق، والحضور الشرق أوسطي كبير فيها لأنها تضم أهم المخابز العربية التي تزود المتاجر الكبرى في لندن بالخبز اللبناني وغيره.
بتول أردنية من أصول فلسطينية، طاهية وخريجة جامعة اليرموك، حائزة على شهادة في علم الآثار مولعة بتاريخ الطعام والفن، بعد انتقالها للعيش في لندن انضمت في يناير (كانون الثاني) عام 2014 إلى برنامج «The Prince’s Trust» الذي يشرف عليه الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا وهدفه تشجيع المواهب وتنميتها ووضعها على السكة الصحيحة.
وبدأت بتول العمل بجهد لتحقيق حلمها الذي يتمثل في عمل خاص بها تظهر فيه مهاراتها في تحضير الحلوى بعدما وجدت أن هناك حاجة في السوق البريطانية لأنواع جديدة من الحلوى.
في عام 2017 التقت بوحيد وهو سوري الجنسية، وبدأت قصة الحب التي توجت بالزواج والعمل معاً، فالحب جعل وحيد يتخلى عن عمله في قطاع حقوق الإنسان ليحقق حلم بتول، واليوم يعملان معاً، يخططان سوياً لمستقبل واعد وأحلام عديدة على رأسها امتلاك مقهى خاص بهما يقدم أصنافاً من الحلوى الفريدة من نوعها، على أمل أن يكبر الحلم ويملكان سلسلة من المطاعم التي تحمل علامة «بتوليز».
يعمل وحيد وبتول بمبدأ يعرف في أوروبا بالـDark Kitchen أو Central Kitchen وهذا النوع من المطابخ يكون مركزاً لتصنيع الطعام وابتكار لوائح خاصة بكل مطعم وتنفيذها وتوصيلها إليه ليتم بيعها بالمفرق، وهذا الأسلوب متبع بشكل كبير في أوروبا وفي لندن تحديداً لعدة أسباب، أهمها تقليص المدفوعات، فرواتب طهاة الحلوى تكون عالية في الكثير من الأحيان، فهذه الطريقة تكون الأفضل.
بدأ الحديث العفوي مع وحيد الذي يتولى مهمة تنظيم العمل والأوراق الرسمية والحسابات وتوصيل الحلوى إلى المطاعم، بالإضافة إلى إبداعه في تحضير الآيس كريم، أما بتول فمهمتها الحلوى التي تتراوح ما بين الشرقي والغربي ولكن بنفس جديد ورشيق وحيوي يعكس سنها الصغيرة، فهي شابة في مقتبل العمل، بشوشة، وتعشق عملها وطموحة جداً، شاء القدر بأن ترتبط برجل يحبها ويحب عملها ويساعدها في كل خطوة.
عملت بتول منذ وصولها إلى لندن في عدة مطاعم شهيرة إلى جانب أهم الطهاة واكتسبت منهم خبرات كثيرة، فتعلمت الكثير في مطعم «لانيما»، و«ذا كونوت» و«هاني إند كو» و«كونديتور إند كوك»، ومقهى «كاتاليست» وعملت أيضاً طاهية حلوى في ناديي تشيلسي وتويكنغهام لكرة القدم.
سؤالي الأول كان: «ألا تشعران بالممل لأنكما تمضيان جميع أوقاتكما معاً؟»، جاوب وحيد بسرعة قائلاً: «بتول تختلق الأعذار لتكون معي، لدرجة أنها تحضر الحلوى في الصباح الباكر ليكون لديها الوقت لمرافقتي في مشوار التوصيل إلى المقاهي والمطاعم في حافلتنا الصغيرة»، فضحكت بتول وقالت: «هذا الكلام صحيح، أنا أحب كل لحظة أقضيها مع وحيد، فنحن نتعاون في جميع الأمور وأول هدية أهداني إياها لمطبخي كانت هذه الماكينة الصغيرة لصنع الآيس كريم، وبعدها استطعنا معاً شراء ماكينة إيطالية للمحترفين تعتبر الأفضل من نوعها».
التناغم والتنظيم في المطبخ الصغير المؤلف من طابقين والذي تفوح من كل زاوية فيه رائحة جميلة واضح جداً، وأكثر ما شدني في المكان وجود ورقة على الباب من الداخل، رسمت عليها أشكال غريبة وكلمات مشرذمة ومتفرقة، قالت لي بتول إن هذه الورقة تجسد بداية الحلم، لأن هذه الطلاسم هي رؤيتهما للحلم الذي بدأ وآخذ بالتوسع بعدما أصبح لديهما عدد كبير للمقاهي التي تعتمد على حلويات «بتوليز».
والآن حان وقت تذوق تلك القطع الصغيرة المنمقة والملونة من صنع بتول، بدأنا بـ«البراونيز» المحشوة بالحلاوة الطحينية، وأخرى بنكهة الـRed Velvet ونوع فيغن بنكهة الشوكولاته، بالإضافة إلى البسبوسة على طريقة بتول، وكيك مغلف بصلصة التوت الطبيعية وكيك الفستق الحلبي الذي لا يقاوم ويقدم في مطعم «بيت الزيتون» اللبناني الواقع بمنطقة «أكتون» بلندن. النكهات لا يمكن وصفها بكلمات، فهي بالفعل مميزة لا سيما حلوى الفستق، وأهم ما يميزها هو استخدام السكر بشكل متوازن، كما أن الصلصات مصنوعة من مواد خالية من الألوان والنكهات الصناعية مثل صلصة التوت أو الفستق وغيرها.
ألحت بتول بأن نجرب الآيس كريم الذي يبتكره وحيد بنكهات عديدة مثل الشوكولاته والفستق والمهلبية والماستيكان وزهر البرتقال، وتلك هي النكهات التي تسجل أعلى نسبة بيع في المطبخ. لم أكن متحمسة في بداية الأمر لأني لست من أنصار هذا النوع من الحلوى، فأصرت على إعطائي ثلاثة أنواع منها: الشوكولاته، والماتشا واللايتشي، أنا لا أبالغ في وصف تلك الأصناف بالغير عادية، بالفعل ومن دون أي مبالغة بوظة الشوكولاته رائعة المذاق لأنها تشبه الشوكولاته الذائبة وسكرها بكمية كافية، أما اللايتشي فهي خالية من النكهات الاصطناعية فتشعر وكأنك تأكل هذه الفاكهة حبة حبة بحرارة منخفضة، لمحبي الماتشا التي تدخل حالياً في العديد من المشروبات والأطباق، فقد تكون لذيذة لمحبيها لأن مذاقها لا يستهوي الجميع ولكنها لذيذة بالطريقة التي يحضرها وحيد.
وعن الآيس كريم، قال وحيد إنه بصدد إبرام اتفاقيات مع عدد من كبريات السوبر ماركت في بريطانيا لبيعها فيها في حاويات تحمل اسم «بتوليز» وهناك مخطط بأن تصبح العلامة متوفرة في جميع أرجاء أوروبا.
وعن صنف الحلوى المفضل لدى وحيد، قال إنه يعشق نكهة الشوكولاته والكوكيز والكريمة، أما بتول فهي تفضل نكهات العسل والخزامى والشوكولاته البيضاء والبرتقال والزعتر.
وحيد يعتني بجميع التفاصيل الإدارية والتسويقية لكي يسهل على نصفه الآخر المسائل مما يجعل بتول تركز على ابتكار وصفات جديدة وتنفيذها، ولهذا الأمر قرر وحيد أن يتولى عملية تصوير الحلويات بنفسه بدلاً من دفع مبالغ طائلة لمصور طعام محترف، فاشترى «فود ستوديو»، وهي عبارة عن علبة متوسطة الحجم تضع بداخلها الطبق تحت ضوء ناصع يساعدك على التقاط أجمل الصور بخلفية جميلة وإنارة مناسبة، مستخدماً هاتفه الجوال بكاميرا عالية الدقة.
وتقوم بتول إلى جانب تخصصها في تحضير الحلوى، بطهي المأكولات الشرقية لمناسبات خاصة تتولى فيها الـ«كايترينغ» الكامل وتعتمد في أطباقها المالحة على الابتكار والإبداع أيضاً إن كان من حيث تصميم الشكل أو النكهة.
وفي ختام اللقاء كان لا بد من ذكر الجائحة وتأثيرها على عمل بتول ووحيد، وكان الجواب بأن «فيروس كورونا أثر على عملهما سلبا بسبب إقفال عدد كبير من المطاعم أبوابها، كما أن هناك نسبة كبيرة من المقاهي التي أقفلت أبوابها بشكل نهائي، ولكن من المهم أن نبقى صامدين ونتابع عملنا في البحث عن عملاء جدد».


مقالات ذات صلة

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مذاقات مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر.

مذاقات «لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه»

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات «خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

تسجّل اللبنانية سارة كنج في مدينة ستراسبورغ الفرنسية إنجازاً. فهي استطاعت أن تصنع أطيب منقوشة زعتر فيها. وبالتالي تحوّلت إلى عنوان يقصده أهالي هذه المدينة.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات البيض بالشيري توميتو

الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

تتميز الطماطم الكرزية بقشرة رقيقة، ونكهة غنية بالعصارة وحلوة المذاق، سواء تناولتها طازجة أو مطبوخة، هي مكون مرن يرحب بإضافته لعدد كبير من الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».